قاسم فنجان: موت العاشق ..

عزاءاً  له *
ألمُ ألَمَ به قاده ليموت وحيداً في المشفى الجمهوري ، على سرير ملاءاته متسخةٌ بالذكريات ،يرنو بوجه شوهته النار  الى الخلاص،ليس هناك سوى وجيب قلب يمّرح بإحتضار في خواء معقم بالديتول ،خواء ثقيل يدفعه للتأمل في خواء روحه الأثقل ، يرى في سكونه أشباح لذكريات سالفة، ترصّع مراراتها وجه أسئلته اللاسعة ، توخزه بقلبه فتتقاطر ذكرياته ثقيلة كالعزاء،مع سريانها البطئ تتقدم عوالمه الغابرة الى الأمام،طفولته وصباه وشبابه المنكسر الرتيب ، يزحفون معاً متسربلين بذات الألم العتيق،يتسربون تباعا عبر أخاديد جلده المحترق صوب حنجرته المحتقنة بالكثير،يطبقون بمسراتهم القديمة عليها بشدة،فينفلت من كل هذا الضيق بصرخة:
آه !
على أثرها  تلج المرأة الى  حياته المحترقة،تدخل و تنظر بعينيها المترقرقتين بالدمع في الهشيم المسجى على السرير،تدنو منه فتلطمها بقوة رائحة الشواء الآدمي،تتجشأ مبقعة البلاط الأبيض ببقع  تتصاعد منها أبخرة الحسرة عليه، تبركُ منكسرة أمام سريره وتقول :
لماذا ؟
ماذا ؟ قالها وهو يجاهد بإزالة القذى من عينيه المتورمتين بالرماد.
ألا تعلم ؟
يعلم كيف كانت تحاصر قلبه وتجتاحه بحب عاصف لايقوى على الأعتدال أمام أعاصيره الهوجاء ،فالمعلم العاشق تنازعته المصائب منذ أن حطت في رأسه تلك البذرة الساحرة من الهيام ، لم يكن قد جرب دمه الصافي بعد مرارة المرأة وضوع شبقها الملعون،لذلك كان يندفع بكل ماأوتي من جوع في جسدها المملوء بالأزاهير، يغرف منها رحيق سنواته الجائعات و يغرس في كل فسحة من حياته زهرة بلون النار .
النار ، النار ، النار ! إندلعت النار من جسده ،إندلعت النار!
قال مَن كان على مقربة من احتراقه الأخير بضيق واضح:
كانت ألسنة النار الحمراء تلتهم الهواء وتضيّق الفضاء على جسده المستجير ، ترسم تموجاتها الراقصة أشكالاً لمسرات غابرة،تملّتها عيناه الخائفتان بفرح وأنشغلت عن أوجاع النار.
كان يتألم حتماً ، سأل أحدهم ؟
بل كان يضحك ، أجاب من أخلاه من الغرفة الملتهبة قائلاً :
بعد أن تلكأت عجلة الأسعاف عن الحضور، خلت نفسي غائصاً في متاهة شاسعة, أأحمله وأمضي أم أمضي وأخلفه وليمة لجوع النار،حملته ومضيت به مهرولاً صوب الشارع الرئيسي ،على مشارف الجسر المطل على المشفى إستوقفني صوته :
إنزلني ؟
أنزلته فقال ألا ترى ؟
ماذا؟
جلد جديد سينبثق من باطني المحروق .
قالها والنار مازالت منهمكة في لحس ماتبقى من جلده المهروس بالرماد،كان للمشهد المروّع روع كما لو كان الجسد المسمّد بالسخام أرضاً محروقة .
توقف ؟
لن أتوقف،قلت ، بل سأخطو بك.
خطونا معاً بهدوء صوب البوابة العريضة للمشفى،دفع الشرطي الباب من منتصفه بقوة فصّر الباب بصرير تناهى الى قلبي كالنشيج ,وقف الجميع يتأملون بأنبهار هذا الجسد الملبّد بالنار وهو يخطو غير عابئ بأوجاعه العظيمة  .
هذا سجن ! قال .
بل مشفى ، قلت .
بل سجن وسجان ومسجون !
هل كنت مسجونا ؟
أجل،منذ أن أصخت السمع  لأمي وهي تقطّر في فمي الصغير حليب مصيري الأسود، كنت أسمعها تقول:
كنت مسجوناً ياولدي في زنزانة بطني حتى حررتك كف قابلة محروقة ، ما أن  إمتدت كفها المشوهة الى بدنك الرقيق حتى بكيت .
بكى فأنكفأت أمه بحنان عليه،دسّت رأسه الصغير في حضنها الرحيم،شدته برقة نحو ثدييها الناشفتين مسربلة جسده العليل بروائح ما إن تشممها حتى استكان و نام.
هل نام ؟ قال الشرطي المرافق له وهو يدفع بجسده الباب الموارب للردهة.
أجل نام ، قالت المرأة وهي تطالع المكان الذي صار خالياً إلا منهما .
نام ولم يتبق سوى بصيص نور خافت،ينفد من ثقب في النافذة الموصدة،يرتد الضوء من الجدار المقابل للسريرعلى السرير ، يضئ الوجه المخدد بالرماد،تتأمله المرأة بحزن وتدنو منه كثيراً، تقبّله من جبهته وتنتحب عندما ترى شفتيه المرتعشتين تترنمان يهمسات تتناهى الى روحها كالضجيج ، تلوذ بوجهها عنه فتتفجرُ ينابيع الحزن من داخلها المأزوم بالأسى،يتعالى حزنها مزلزلاً قيعانها الهادئة بالدموع ،تبكي ويحفزها البكاء الثقيل على سؤال ماأنفك يتصادى في داخلها  كالحريق!
لماذا حرقت المسجد ؟
لم أحرقه،كنت عازماً على ذلك لكن الحارس إعترضني فهويت بالمعول على رأسه .
هل مات الحارس !؟
كيف يموت ومعوّلي لم يصل الى رأسه قط .
عندما حاقت عدوى الفتنة بالمدينة المفجوعة وخيّم شبح القتل المخيف عليها،لزم الناس بيوتهم في الليل والنهار،شُلت الحياة تماماً وأقتصرت على القاتلين من الأشقياء أما الأبرياء المغدورين فكانت حصتهم الموت بقسوة في العراء،كان يرى المعلم  وجوه الجثث البريئة ترنو الى السماء الساكنة وفي أعينها أسئلة الموتى،تتملى عيناه الحزينتان وجوههم الساهمة وتتسرب نظراتهم الآسية الى داخله المتخوم بالوجع،يهدّهد رؤوسهم المثقوبة في حجره الفسيح ويصرخ :
لماذا !؟
يغيبُ رجع سؤاله المستحيل في الفضاء المعجون بالعفن ، تغيّبه أشباح الخوف المنتشرة في القلوب فيعلن أمام الأهل عن نيته في  طمر الشر بالنار ووضع حد للموت  المجاني .
بالنار !؟ يقول أبوه الحزين مستفهماً.
وهل حرق المسجد ؟ تقول أمه الحزينة خائفة .
لا لم يفعلها المسكين فحينما دخل المسجد ومن يده اليمنى تتدلى شعلة النارالصغيرة,داهمته أيادٍ عديدة  لم يرَ مِن أيٍ الأماكن باغتته، حملت عليه بماتيسر لها مِن اسلحة وهوت عليه بقسوة ولم تتركه إلا وهو طريح يتضرج بدمه الطازج، حملته ذات الأيادي بعد أن أوثقته بالحبال بعيداً ليرى نفسه وحيداً يقعي خلف قضبان سجن لايتذكر فيه مَن إقتاده أو مَن أوصله ليُدرك عندها الجميع ان المعلم الحكيم قد صقعته لوثة الوضع المرير وأحالته الى مجنون خطير.
انه مجنون ياسيدي ومصاب بالفوبيا .قال المحامي حسب علمه القليل بحالته المضطربة .
لا فوبيا ولابطيخ ! إنه مدعٍ ومتمارض وإرهابي. قال طبيب السجن وهو يشير الى مدونة التقرير وعيناه تسترقان النظر بين لحظة و اخرى الى العينين الموثقتين الى جسد مغلول من معصميه في قفص الأتهام .
أحيلوه الى سجن التسفيرات المركزي* في العاصمة قال القاضي بعد أن إطلع على لتقرير .
سأرافقه ! قال الشرطي صاحب الخبرة المريبة في نقل المتهمين الخطرين من المدينة الى سجن العاصمة المركزي .
أضحى الطريق الى العاصمة كمين خطير لا فرصة فيه للنجاة أبداً فالجميع هنا مشمولون بالقصاص الطائفي حسب الدين والهوية،سيطرات وهمية تقطع الطريق على العجلات لتجر من باطنها المجوف بالرعب الضحايا الى مثابة للذبح غالباً ما تختفي خلف أجمة أو ربوة ، تجز رقابهم المرتعشة بوحشية وتعّلق الرؤوس على رماح مغروسة على جانبي الطريق دلالة للترويع.
يشاهدها المعلم المأفون ويبتسم لها كثيراً،تلّوح يداه المرتعشتان لها وتدعوها للترجل من صهواتها،تتململ الرؤوس العالقة بالرماح وتنطلق مخترقة فراغ النافذة  صوب رأسه الصغير،تحط مجلجلة بدمها الطازج في رأسه وتمور بأسئلتها الصاخبة  في دمه، توجعه إستغاثاتها المنكسرة ويربكه لهاثها المرير ،يتلوى من غرابة الحال وقسوته فيأمر جسده بالأنفصال،ينفلت من كرسيه ويحاول الفرار من النافذة، ينكفئ الشرطي عليه ويوثقه من يديه ويأمرني بالتمدد عليه،أتمدد وأرى في نظراته المتوسلة الحزينة هول سؤاله الموجع يتردد:
لماذا ؟
لاشئ إنهم دُمى!أقول!
دُمى!
أجل دُمى فحسب .
تغادره نوبة الهيجان العارمة ونغادر معاً جسده المسحوق ،نتركه يتأمل في النافذة الموصدة وشفتاه تتمتمان :
لاشئ سوى المدى المفتوح على الخواء!
لاشئ سوى فجر أعور !
لاشئ سوى شمس عمياء لن تأذن لي بالوصول !
لقد وصلنا ! قلت
هل وصلنا حقاً ؟ قال
أجل وصلنا .
وصلنا بعد أن أنقذنا دهاء الشرطي الحاذق الى العاصمة التي لم يكن حالها أفضل من حال الطريق المرعب،فحرب الطائفتين تفاقمت وإستشرى خطرها ليشمل كل شبر في المدينة التي أحالها القتل الى مدينة ميتة لايقطنها إلا الأشباح !
هل هذه بغداد !
أجل إنها بغداد !!!
سجن مترامي الأطراف بلاحدود فيه إستشرت الخطايا كالأورام الخبيثة معطنّة فضاءاتها الصافية بأفكار ملتاثة بالجنون ،حطت بغوغائيتها في رأس المعلم العاشق جداً للحياة لتصيبه بعطب مزمن وخطير،تزحف بخرابها العظيم صوب مسارب روحه البيضاء مجرجرة معها حُزم الأمراض الغريبة لتنسفَ بإضطراب شديد ماتبقى له من إتزان قديم .
سيألب هذا المعتوه علينا السجناء لنتخلص منه فوراً ، قال زعيم الطائفة الأولى في السجن .
لاتخف سندرأ عنك شرهم !قال له زعيم الطائفة الثانية في نفس السجن بعد أن أنحى باللائمة على الطائفة الأولى .
تحول المعلم المجهول الى ذريعة لحرب أشعل الطرفان أوارها في خلسة من إدارة السجن النائمة،اشتبك المتنازعان ليلاً متخذين من سكون الليل و عتمته ستاراً لاستكمال معركتهم التي لم تُحُسم نتيجتها في الخارج ، هاج الداخل فجأة بالحرب وتصاعدت الشعارات مزلزلة هدوء السجن بالصرخات،مات الكثيرون بلا سبب ودفع الحال المخيف الإدارة لإعلان حالة الطوارئ وطلب المساعدات من السجون المجاورة ، وصلت القوات المدججة بالأسلحة لمكافحة الشغب  الهائج، باغتت الطائفيين المنهمكين بالقتل  في زنازينهم  المبقعة بالدم ، فكت اشتباكاتهم العصّية بضراوة البارود حتى نَجم عن هذه العملية الجريئة الكثير الكثير من الأموات ،روعّت الخسائر البشرية حكومة السجن وقررت بالإجماع  البحث عن رأس الفتنة،أشار الناجيين جميعاً بأصابع الإدانة إلى الأعلى،رفع الجميع رؤوسهم عالياً ، كان المعلم مفترشاً بهدوء ناصية النافذة العلوية لجدار السجن العالي،يطل من خلالها على السماء الزرقاء الصافية للعاصمة المنكوبة ويحلم مع العصافير الطائرة في  الهواء بوجه الحرية البيضاء.
كل شئ فيه يدل على انه فقد عقله تماماً،أشار طبيب السجن المركزي بسماعته إلى الأعلى .
لا إنه متمارض ويجب أن ينال قصاصه العادل ، أنزلوه ؟ قال آمر السجن صاحب الوجه المتجهم .
في المحجر في تلك الحجرة المظلمة الضيقة وجد المعلم نفسه منفرداً بأوجاعه في خلوة مريرة،يحاورها من اجل الخلاص فترشده إلى الجوع و العطش ، أضرب عن الطعام و الشراب وراح يتضاءل مع تقادم الوقت حتى استحال في النهاية إلى هيئة شبحيه مفزعة ، هيئةٌ روعَت مدير السجن الجديد فأمر بإحالته على الفور إلى مصحة الشماعية *.
جاء الخلاص مع خيوط الفجر الأولى عندما قرعت كف المضمد السمراء باب الردهة الموصد،غادرت المرأة كرسيها الملاصق للسرير و فسحت الطريق للمضمد الذي استل على الفور مشرطاً فضياً وكمامة خضراء من صدريته البيضاء:
سأشرع في سلخ الجلد المسموم .
هل سيتألم ؟
لا إن يديَّ ماهرتان .
شرعت المضمد  يسلخ  الجلد المحروق ويرميه في سلة الأوساخ أما المرأة فكانت تراقب الوجه المخدد بالرماد وهو يتململ تحت ألم مكتوم ،تشاهد العينين الذابلتين تتفتحان مثل زهرتين ميتتين ، يوجعها المشهد الحزين فتعطي ظهرها له،تخطو صوب النافذة المفتوحة وترنو إلى السماء المطلة على الضيم،تعتدل الشماعية في رأسها لترى عن كثب معلمها المجنون جاثياً يروي للمجانين المتحلقين حوله كالصغار رحلته مع العصافير المهاجرة تحت سماء صافية زرقاء .
لن أقوى على التحليق معكم ، قال مجنون بدين .
لا تخف  !قال الذي بجانبه ، سيهبك المعلم الأخير جناحيه !
إرتقى المعلم السلّم اللولبي المؤدي الى سطح البناية العالية وخلفه سرت جحافل المجانين يقودها حلم الطيران الى  الأعالي،لم يكن المانع إلا باباً يغلق بجسده الخشبي الطريق على الممسوسين بحلم التحليق .
هشّموه ؟ صاح المعلم بصوت تردد رجعه المرتعش في النفوس الحالمة .
تداعى الباب الموصد أمام إصرار الشمل الواحد وتناثرت أشلائه المتراصة الى شواظ رقشت بلاطات السلم الحجري،بدّد طوفان النور الغازي ظلمة الرواق الشديدة وأضاء الدرب للجنون المتحفز ليخطو نحو السطح العريض،تناثر المجانين على مرأى من معلمهم الذي أومأ إليهم برص الصفوف والتلاحم قبل العروج، إنصاعوا له فأمرهم يالتخلي فوراً عن كل  مايشدّهم الى الأرض ، خلع المساكين ملابسهم المتسخة أمامه بلا حياء معلنيين عن عريهم المطلق ، إغتاظ  المعلم الغاضب من شدة غبائهم وصاح بصوت تناقلته  الشماعية بأسرها :
كلما يربطنا بهذه الأرض أحذيتنا سنخلعها الآن ونصعد الى السماء !
خلع المجانيين أحذيتهم وأعتلوا السور النحيف للبناية الدائرية،تناثروا على محيطها الواسع مزخرفيين فضائها المبتور بلوحة فريدة للأنتحار الجماعي،إنتصبوا بعريهم المطلق ونظراتهم الشاردة تلتفت بريبة الى المعلم المأفون،أمرهم بالقذف فتداعت الأحذية من السماء مع الأسمال البالية على رؤوس الموظفيين الحائرة،إرتطمت بالأرض لترتد على هيئة ربوات وأنصاب فككت شفراتها الغيبية بصيرة المعلم الهائجة ودفعته الى التصريح على الفور :
الآن الآن وليس غداً !
مالعمل ! صاح المدير بعد أن نفخ في مكبّر الصوت المصوّب الى السماء .
الدخان ! قال من كان الى جانبه وأضاف بثقة الواثق من نفسه تماماً :
لنفرش الأرض لهم بالسكاير والشخاط *،إنها كمين ناجع لأحباط المؤامرة .
إستهوت الفكرة الخبيثة عقل المدير الأخبث فأمر بفرش الأرض وتغييبها بالسكاير والشخاط،حضرت الناقلات بسرعة البرق وقاءت مافي جوفها من بضاعة قاتلة،غصتْ أرض المصحة بالعلب الممنوعة ووشّحت وفرتها الأنصاب المتواضعة للأسمال البالية والأحذية العتيقة،تطلع المجانيين المتأرجحين على خيط الجنون الرفيع بالسكائر المثيرة ، أغرتهم ألوانها العديدة وأحجامها الكثيرة وأشعلت في بواطنهم اليابسة شرارة النيكوتين،هبطوا مستسلمين لنداء المتعة القاتلة مخلفين المعلم الحافي وحيداً على الحافة الحادة ينظر إلى الهرج العجيب وعيناه ترنوان الى السماء الخالية من الطيور .
أنزلوه ! صاح المدير المنتصر ومكبر صوته يتجه الآن الى المجانين .
هيا أنزلوه ، صاح الذي بجانبه بعد أن إنفرجت أسارير مديره المتجهمة.
صعدوا إليه بسرعة منقادين لنداء المدير مثلما هبطوا عليه بسرعة منقادين  لنداء الدخان،انهالوا عليه جميعاً بالركل والصفع والشتم و لم يتركوا في جسده العاري فسحة إلا ووسموها ببصمة قاسية،لم يسّتر وجهه عنهم ولم يرد عليهم،أذعن كما يذعن الطفل الآثم لأبيه مسلّماً جسده المغلوب للمجانين ليعبثوا به بوحشية وجنون ،سال الدم من كل بوصة في جسده النازف ولم يفكر حتى في الدفاع عن نفسه ،هوى كالشجرة المقطوعة متداعياً على الأرض المغشوشة، حملوه عالياً كالجنازة الغالية ومضوا به صوب المدير يبكّون، كان المعلم المرفوع على الرؤوس يأّن ويهذي ويصيح .
لماذا،لماذا،لماذا!!!
حمموه من النزيف وطبّبوه ريثما أوقّع إخلاء السبيل . قال المدير
كان الأخلاء من المصحة سبيله الوحيد الى خلاص ترسمه له وساوسه القاهرة بالنار لذا قرر كما لم يقرر من قبل أن يحيل الجسد النحيل الى رماد يتسامى في الهواء ، تلوّعه رغبة السمو الجارفة فيغادر غرفته العلوية وينزل الى باحة بيته الضيقة ، يبحث  في  زوايا البيت الفارغة  عمّا يوقد به جسده البارد ، تقوده عيناه الملتمعتان الى المرآب ، تعثر يداه المرتعشتان على البنزين في حقيبة سيارته السوداء ، يصّبه بإنتشاء على رأسه ويهرع كالملهوف الى المطبخ ، يحتضن النار بشوق فتتصاعد ألسنة النار منه ومعها تتصاعد  ألسنة  أحلامه الوردية،يرقص مسروراً في الباحة المستعرة غير عابئ بوجع النار ،يفرد جناحيه بقوة محاولاً التحليق مع الدخان فتثب عليه أيادٍ مختلفة من  الجوار ويتناهى لرأسه المحترق زعيق وعويل وصراخ !
اعتقوني لقد أعتقت جسدي ! يقول
اتركوه يتمّم رقصته الأخيرة !انه ميت لامحال !يقول أبوه المنكوب بإبنه الوحيد.
لاتتركوه ، أحملوه الى المشفي ، ولدي يحترق ! تقول أمه المنكوبة بالفقد الأكيد .
آه !
تزفرها رئة الهواء الساخنة في وجه الحشد المتحلق حول المعلم المتوهج،تلسعهم في وجوههم الساهمة فينفّضون من حوله تباعاً ، يتلاشون جميعاً في الغياب مخلفين إمرأة  تنفرد في حزنها  في المشهد الكئيب،ترفع رأسها للسماء لترى  غيوم ثقيلة تُنذِر بموت  وشيك ،تطأطئ رأسها لتراه وحيداً في  الردهة الخالية على سرير الفجيعة يغط في احتضار عميق ، تنتصب على رأسه بيأس وتصغي بخوف لشخير الموت المتقطع ، تخطو صوب الباب الموصد ، تفتحه وتستغيث:
ياطبيب !
يستوقفها صوته المنكسر :
الى أين ؟
انك حي !
أجل وسأحلق وحيداً .
تعود وتبتسم في سرها عندما تتذكر وقفته عارياً بلا حذاء على  شفا الحافة  العالية ، تذكّرهُ بنصب  الأحذية الكبير في وسط الشماعية ، تذكّره فيصعد الشخير من رأسه مهدداً وجوده  القصير بالغياب ، ترجرجه بقوة فيفتح عينيه بسهولة  ويغمضّهما بصعوبة وينام.

* جهاد كاظم :مدرس لمادة  اللغة العربية ولد في كركوك 1968 ومات منتحراً فيها  في  30 / 10/2010 .
* سجن كبير يستقبل الجلرمين الخطرين من جميع محافظات العراق ومقره في العاصمة بغداد.
* مستشفى مركزي للأمراض العقلية يقع في بغداد .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.