الرئيسية » ملفات » أ.د.قيس حمزة الخفاجي : الفكر النقدي عند الدكتور علي جواد الطاهر في ضوء القراءة النسقية (19) (ملف/30)

أ.د.قيس حمزة الخفاجي : الفكر النقدي عند الدكتور علي جواد الطاهر في ضوء القراءة النسقية (19) (ملف/30)

إشارة : 

من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية  لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن  تُعدّ هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات ووثائق وصور.

(19)

يؤكد- بعد ذلك، من جديد- عدم انطباق دلالة(الانطباعية) على ما يكتبه بقوله: “إن هذا الذي سميته انطباعيا لم يكن انطباعيا حتى بالمعنى الرسمي للمنهج الانطباعي الذي احتواه تاريخ النقد ذات يوم، فقد كان ذاك- على جلال من زاوله عقلا وثقافة-ثأثرا مباشرا بالحال التي عليها الناقد، ومن هنا كان مجده وبؤسه، مجده أنه شعر على شعر، وبؤسه على أنه ليس نقدا، وأن صاحبه سيغيّر موقفه من النص الذي تأثر به حين تتغير حالته النفسية…  وما أريد للنقد الذي أحاوله أو أدعو إليه أن يقع فيما وقع فيه النقاد الانطباعيون الذين دخلوا التاريخ ولم يخرجوا منه”( ).

إن الاسم المناسب- كما يرى الطاهر، لما هو عليه- يظهر في قوله مخاطبا المحاور:”لنبحث- إذا، أنا وأنت، ومن سمى هذا النقد الذي أحاوله وأدعو إليه انطباعيا بقصد الذم- لنبحث عن اسم مناسب. أما أنا فقد سميته ذات يوم(النقد الأدبي) كأني أراه الوحيد الجديد وكأني أبعد النقود الأخرى عن الساحة الأدبية إلى الساحات التي تنطلق منها”( ). وقد يقول قائل: إن هذه التسمية تثير بلبلة مصطلحية أكثر مما تثيره كلمة (الانطباعية)، فتلك كتب العالم تقول:(مناهج النقد الأدبي)!… وإذا مرت معنا التسمية بـ(منهج النقد الأدبي) وبـ(المنهج الوحيد) فإن التسمية بـ(المنهج الجديد) جديدة، نجد لها جذورا في قوله واصفا(المنهج الوحيد)- وقد مر قبل قليل-:”إن التقليد فيه ليس تقليدا”( ). 

ثم تثار فيه قضية خطيرة خطورة الوصف بالانطباعية والتسمية بـ(منهج النقد الأدبي)، وقد تعرضنا لها من قبل، وهي قضية القصد في الكتابة النقدية، إذ يقول:”إن صفة الناقد جاءتني من القراء ولم أقصد إليها. وإن هذا الذي حدثتك عنه مما أحاوله من النقد الأدبي وأدعو إليه لم يتضح لي على هذه الصورة إلا في السنوات الأخيرة لدى التأمل والمقابلات وأحكام الآخرين، وقل مثل ذلك فيما كان من شأن المقالة لديّ محاولة ودعوة. أي أن القراء هم الذين تنبهوا ونبهوا إلى الجانب النقدي، وهم الذين تنبهوا ونبهوا إلى الجانب المقالي”( ). ويتنبه محاوره على تلك الخطورة، فيقول:”هذا يعني أنك لم تقرر أن تكون ناقدا”( ). فيجيب:”لم أكن مقررا أن أكون ناقدا أو كاتبا مقالة. وإنما الآخرون- من نقاد وقراء وأصدقاء أو غير أصدقاء- هم الذين سمّوني ناقدا، وسمّوا ما أكتبه مقالة، ومضت هذه التسمية صعدا- لحسن الحظ- حتى صدقتها فقبلتها صفة وارتضيتها رسالة… وشعرت- حينئذ- بتقصير في الصفة، وتقصير بأداء الرسالة”( ). 

نرى- هنا، على ذلك- أن هذا الأمر لا يستوي على سوقه ولا يتسق إلا بأن نصف نقد الطاهر بأنه(نقد ثقافي) حتى في مجال النقد الأدبي. حينذاك لا يُشعر بتقصير في الصفة ولا بتقصير بأداء الرسالة، ولا ينتحل شخصية لم يكن قد قرر أن يكون ممثلا لها، ويكون قوله:”وعزائي أن(نشاطاتي) إن كانت متعددة، وبدت متناقضة بين القديم جدا والحديث جدا، بين التحقيق والترجمة، بين الحلة وباريس… فإن ذلك ليصبّ في آخر المطاف في نهر واحد… وليس كالنقد بين الأنشطة الأدبية، فإن حاجته إلى كل شيء ليصل- بعد ذلك- إلى شيء- إذا وصل”( )، ليس عزاء، وإنما تجليا للشعور بأهمية النقد الثقافي الذي يمكن أن يجد الطاهر- من خلاله، في كل ما يعنى به- بصمته الخاصة وثمرة قراءاته المتنوعة، ولاسيما أن تركيب(النقد الثقافي) يرد أحيانا في الكتابات النقدية( ). 

وحين رأى المحاور في سؤال الطاهر للأديب عن الدلالات الفكرية الفنية، صيغة استخبارية تهيئ المادة النقدية بشكل أفضل، قال الطاهر:”إن النظريات الحديثة التي تفصل فصلا باتا بين القاص وقصته، والشاعر وقصيدته، نظريات إن لم تكن باطلة فهي لا تخلو من أن تكون باطلة… لأن القصة جزء من صاحبها في تجربته، في تأثره، في أفكاره، في لغته، وصحيح أن المهم في الإبداع هو النص، ولكن الصحيح أيضا أننا يمكن أن نستعين على جلاء غوامض النص بظروف ميلاده، في تجربة صاحبه وتاريخه وبيئته وعصره… وبمناقشة صاحبه مباشرة حين يكون معاصرا أو قريبا منا للوقوف على بعض أسراره، وللحصول على أجوبة عن أسئلة”( ). ترى هل هذا هو السر وراء عنايته بمبدأ(المعاصرة)؟

يشير- بعد ذلك- إلى أهمية الحذر مع أجوبة الأديب، وإلى أن ذلك لا يحدث دائما، وإلى رؤية المنقودين في حال سؤالهم أو عدمه، في نقده ما كان يطابق ما كان في نفوسهم وتصميمهم، وما يضيء نتاجهم، وما لم يكونوا قد انتبهوا إليه من عوامل الأصالة والتميز( ). ويشير- كذلك- إلى أن هذا النهج لم يقتصر على القصاصين، بل شمل الشعراء أيضا( ). وهذا النهج تأكيد لأهمية(الماحول) في استجلاء غوامض النص، وفي تحليله، وتسلّم مفاتيحه. 

وفي ذلك الحوار يؤكد الطاهر أن عبد الجبار عباس ناقد عراقي ممتاز، وأنه الأقرب إلى منهجه( ). ونظن أن هذا التقارب في المنهج، وهذا الاعتراف من الطاهر، من أسباب وصف الطاهر بالانطباعي، ولا سيما أن عبد الجبار عباس جهر عام 1985 بأنه ناقد انطباعي( ). ويؤكد فيه- أيضا- أنه يلمّ بالصادر، ثم يكتفي منه بالأعلى والأجدر بالقراءة والوقفة والكتابة عنه( )، وأنه يبحث في الشعر عن الجيد جدا، وعن اتساق الأصالة لشاعر في توالي قصائده ومجموع دواوينه، وأن الفوضى السائدة في عالم الشعراء لا تدع نقدا يختمر في النفس، ويطلع منسابا على(المواصفات) التي يطلبها له( )، وأن لا بد من ابتعاد عن(التجريد) الذي أتت به البنيوية لما فيه من خطأ في عملية النقد الأدبي( ). 

نصل هنا إلى ركيزة هذا الفصل التي يتجلى جزء كبير في قول المحاور:”أنت قارئ جيد للإبداع العراقي إلا أنك تلتزم بقواعد ثابتة”( )، وفي تعليق الطاهر:”تريد أن تقول إن نقاطا معينة تتكرر عند الحديث أو الكتابة أو النقد نظريا وعمليا بدءا بشرط الموهبة وانتهاء بشرط العرض النقدي الذي عليه سمات الإبداع”( )، وفي جوابه:”القول صحيح، وقد يرجع السبب في ذلك أني لم أصل إلى هذه النقاط المعينة اعتباطا وفي يسر، وإنما جاءت بعد دراسات ومناقشات وتجارب ظلت بعيدة عن النشر، قريبة من صاحبها ومن أصدقائه، حتى إذا نشرت ظلت ثابتة في الأساس، ولا سيما بعد أن أيدتها تجربة النشر في الاستجابات التي كان يتلقاها صاحبها ممن يثق بذوقهم وعلمهم وضميرهم. وليس من المعقول أن تبقى هذه المنطلقات هي هي في حدودها المحدودة، وصاحبها مستمر في القراءة والمناقشة والدرس والكتابة والتأليف، فلا بد من أن يطرأ عليها تغيّر، وكل ما في الأمر أن هذا التغير لم يأت على وجه الرفض للماضي والانقلاب عليه، وإنما جاء للتوسع في مداه والإنضاج في دلالته- وهكذا يجب أن تكون الأشياء. والضير في أن تكون على الخلاف مما كانت”( ). 

ويحسب الطاهر أن في النقاط التي اقترح تسمية مجموعها بالمنهج، من المرونة ما يجعلها تتسع للقديم والحديث، ولا سيما أنه عاش في أعماقهما، وأن تلك النقاط جاءت ثمرة لجوهر الإبداع الأدبي في قديمه وحديثه، والجوهر واحد، وإذا اختلفت فالاختلاف قليل، وفي العرض دون الجوهر( ). 

ثم يشير إلى عدد من مظاهر منهجه، وفيها مظهر ربما يكون قد مر معنا مفهوما لا اسما، هو الخاطرة، إذ يقول:”للجهد النقدي المطلوب أكثر من مظهر رأينا منه التحية والخاطرة والمقالة قصيرة أو مطولة”( ). 

ثم يحجم عن ذكر موقعه النقدي حين طلب منه المحاور ذلك، قائلا:”الموقع النقدي يقرره القراء عادة، وقد ذكرت أن صفة الناقد جاءتني من القراء، ولم أسع إليها”( ). 

ويلتفت إلى النقد العراقي، فيقول:”النشاط النقدي العراقي في تقدم، ولا شك، ولو استعرضنا تاريخه لرأينا مرحلته الحاضرة متقدمة مستوفية كثيرا من شرائط الحركة، وإن كنت أتمنى أن تكون أكثر استيفاء وأكثر رصانة وأكثر أصالة. وأقصد بالأصالة خاصة أن يتخلى النقد عن تبعيتين يفقد بهما هويته: التبعية إلى القديم لأنه قديم، والتبعية للجديد لأنه جديد”( ). 

ثم يميز بين النقد والدراسة لاختلاف طبيعتهما( )، ولكنه يستدرك ويقول: “ولكنك لا تعدم دارسا ناقدا”( ). وهذا يعني إمكانية أن تكون الدراسة مظهرا من مظاهر المنهج النقدي. ويسلط الطاهر- هنا- الضوء على عبد الإله أحمد، إذ يقول:”وهنا يذكر على شكل واضح جدا الدكتور عبد الإله أحمد في كتابيه عن الفن القصصي في العراق، وربما امتلك الدكتور عبد الإل في نفسه صفة الناقد أكثر من امتلاكه صفة الدارس. وتبقى- بعد ذلك- الممارسة والمزاولة والاستمرار”( ). 

وتبرز في الساحة النقدية(إضاءة النص)، ويُسأل الطاهر عن قيمتها النقدية، فيقول:”لا شك في أن إضاءة النص وتنوير القارئ بما قد يغلق عليه من مضامين ورموز، خطوة متقدمة في العملية النقدية”( ) ، وهذه الخطوة “لا بد منها – أولا- للناقد نفسه، أي لا بد للناقد نفسه من أن يقف عند النص(طويلا) يقرأه، يتأمله، يستعيد قراءتهن يستنطقه، يغوص فيه، ويعيش معه ناظرا في لغته وما وراء لغته، مستعينا بعلمه اللغوي القديم والحديث، الشرقي والغربي، على اختلاف المسميات من المعجم والنحو والصرف وعلم المعاني… والسميائية والأسلوبية… ومستعينا كذلك بما يعين العلم اللغوي من ضرورات يقتضيها هذا النص أو ذاك من شؤون التاريخ والفلسفة وعلم النفس… والتاريخ الأدبي(بالطبع)… وبكل المفاتيح التي تقربه من النص، فيحلّ بها ما يمكن حلّه من رموز ومضامين. فإذا انتهى نقل خلاصة عمله- أو علمه- إلى القارئ”( ). 

وإذا كان هناك من يعد هذه الخطوة نقدا، فالظاهر ليس مع هذا الرأي؛ لأنها- برلأيه- “خطوة تؤدي إلى النقد وليست النقد نفسه، وهذه الخطوة(اللغوية) قد يؤديها الناقد نفسه في طريقه إلى الخطوة التالية، وقد يؤديها من لم يكن ناقدا(ولا يملك مؤهلات الناقد)، وإنما هو عامل يمهد السبيل بإزاء الناقد(والقارئ) ثم من قال إن القراء(القراء كلهم) نقاد يتسلمون النص المضاء(لغويا… ) ويمضون به قدما على الوجه المطلوب؟ إن قولا من هذا يجافي الصواب، ولا يرضي الناقد كما لا يرضي القارئ”( ). 

ويضيف:”تلك(أسطورة) التي ترى القارئ ناقدا، ترى الناقد قارئا، أو هي لعب بالألفاظ واستهانة بالمصطلحات، لا تقل في فيولتها عن أسطورة(موت المؤلف) وأسطورة(النص المغلق)(الذي انفتح)، النص وحده والنص لا غيره!”( ). ويؤكد أن القائلين بذلك “يغالطون أنفسهم؛ لأنه لا يمكن أن يولد نص معلّقا في الفضاء(الخارجي) ولأنهم هم أنفسهم لا يملكون أن يقابلوا النص مجرّدا مسلّخا بحكم ما قرأوا من تاريخ وتاريخ أدب وفلسفة، وما عاشوا من مجتمع وجغرافية، وما تكون لديهم من قناعات ووجهات نظر”( ). 

ويرى أن العلوم اللغوية “لا تعني أن لأصحابها المؤهل الحقيقي للنقد، فلا بأس في أن نعد فلانا عالما لغويا وفلانا سيمائيا وفلانا أسلوبيا… وبنائيا وتخريبانيا… لا بأس. ولكن ذلك لا يشترط أن نعد أيا من هؤلاء ناقدا… كما لم نشترط من قبل أن نسمي المقتصر على منهج واحد في التاريخ أو الفلسفة أو الاجتماع أو النفس… ناقدا… على ما قدّم، ويقدّم، هؤلاء وهؤلاء- في حالة الصحة من تصرفهم- للنقد والناقد من خدمات، وللنص من إضاءات وإنارات. إن صاحب المنهج اللغوي- إذا كان هذا منهجا- لغوي وليس ناقدا، كما أن صاحب المنهج الاجتماعي اجتماعي وليس ناقدا”( ). 

وعلى ذلك يحدد نوع مؤهلات الناقد، قائلا:”للناقد الحقيقي مؤهلات غير هذه المؤهلات. مؤهلات الناقد تستفيد من العلوم والمناهج، من علوم اللغة وعلوم المجتمع… تستفيد ولا تعتمد اعتمادا تاما. تستفيد ولكنها- في الأساس- مؤهلات لنشاط إنساني خاص جدا اسمه النقد الأدبي”( ).

ثم يذكر مؤهلات الناقد( )، التي مر ذكر الكثير المهم منها فيما سبق. فإذا وقف امرؤ، له تلك المؤهلات “بإزاء نص، إضاءه، ونفذ إلى أسراره في شأن لغته وفكرته وعاطفته وخياله…، وسبر أغواره، وعاد منه بالجوهر يقدمه للقارئ تعريفا وتحليلا وحكما- أجل: حكما ولم لا؟ إنهم في أيامنا هذه[=1989] لا يرون للحكم بالجودة وعناصر الجودة(أو ما هو على العكس من الجودة)[…] مكانا من النقد، وربما سخروا مما عرف على مدى تاريخ العالم للنقد الأدبي بالقيمة”( ). يشعر الطاهر أن هؤلاء ينظرون إلى النقد وكأنه “عملية آلية، وكأن الناقد آلة لا حسّ له يرهف، ولا ذهن له يحكم، ولا قلم يستطيع- أحيانا- أن يحيل ما نفذ إليه في النفس إلى قطعة أدبية”( ). 

النقد الحقيقي- في رأي الطاهر- هو الذي مضى “في طريقه الخالد متعاليا تاركا الموجات تصطرع وتتكسر تحت أقدامه”( )، وهو “الذي يرتفع إلى مستوى الأدب”( ). والناقد الحقيقي- في رأيه- هو الذي يكون على مستوى المنقود( )، ومن المستحسن أن “يجمع بين الإبداع في النقد والإبداع في التعبير”( ). ويؤكد أن الذين يسمون ذلك النقد المصوغ بعناية وبجمالية نقدا انطباعيا “يدلون على جهل مركب، عنصره الأول في جهلهم مصطلح النقد الانطباعي(بين مناهج النقد) ويوصف هذا النقد بأنه الناقد وليس النص المنقود. وأن الناقد في حالة من حالاته النفسية حزينا أو مسرورا، أو ساخطا أو راضيا، واصلته(الحبيبة) أو هجرته.. وأنه يتقلب بإزاء النص الواحد من حال إلى حال، من حاله هو وليس من حال النص نفسه، وما يقدمه(الناقد) لقارئه- في هذه الحال- ما عليه هو- أي الناقد- من سعادة أو شقاء ساعة مزاولته القراءة والكتابة بعيدا عن النص نفسه في فهمه كما هو، وتفهيمه كما هو، وتحليله وتعليله والحكم عليه في إيجابه هو وسلبه هو”( ). 

أما الحال المعاكسة لذلك( )، التي عرفنا أبعادها وصفاتها مما مر سابقا، فهي حال نقد الطاهر، “وليس هذا هو النقد الانطباعي، وإذا خيل للجاهلين أنه كذلك فلنفاذه إلى ما وراء البنية، وإذا شئت اسما لمنهجه فهو منهج النقد الأدبي”( ). 

وذلك الإبداع في النقد الذي يدعو إليه الطاهر( )، ويسعى إلى تطبيقه، يتساوق مع توجهات نقدية حديثة تدعو إلى أن يكون النقد إبداعا على الإبداع، ويسعى المتبنون لها إلى ذلك ( ). 

ومما له صلة بهذا الأمر قول كاري نيلسون:”إن المسألة الأساسية للنقد كنص وممارسة هي دائما علاقة النقد بالأدب. ورغم ما يقول به البعض في الوقت الحاضر بأن النقد المعاصر أخذ بالتحول ثانية إلى ما يشبه الأدب- أكثر اتجاها نحو الخصوصية الأسلوبية، أكثر طموحا نحو الأصالة، وأكثر شمولية في رؤيته، وأكثر سلطة على جمهوره، وأكثر انفتاحا في ذاته على التفسيرات المتعددة، فإن التمييز بين النقد والأدب ما زال هو السائد”( ). 

وقد كان رولان بارت هو الأكثر تجاوبا ولهوا بالمجاز في الكتابات النقدية( ). 

ومما ثبتت عناية الطاهر به في الأدب، تقريب البعيد، وجعل المألوف كأنه غير مألوف، واليومي كأنه الابدي( )، والانتباه إلى مخاطر(العزل) الذي تقوم به البنيوية( )، والدعوة إلى المنهج الأقوم والثمر الأرضى، والسعي إليه( )، والهمس الذي “يشترط مزاجا خاصا من القراء بما لهم من رهافة الحس و(قراءة الممحي) وتتبع مسارب الفن”( )، ويجيء “سلك الالتزام فيه دقيقا(رشيقا) لا يكاد يرى بالعين المجردة، يخز ولا ترى الإبرة، ويلذع ولا حامض، ويهدم ولا معول”( ). 

ولم يقتصر الثبوت على ذلك، فهناك الانتباه إلى تكنيك المقالة( )، والسمة التبشيرية في(المبدأ الجديد) الذي دعا إليه( )، وقبوله صفة الناقد؛ لأنها جاءته من القراء طوعا( ).

وهناك- كذلك- الاعتراف بشعرية قصيدة النثر إذا وجد الروح الشعري فيها( )، والابتعاد عن إثارة البلبلة في المصطلحات المستقرة( ). 

في عام 1990 يؤكد أن سبر الغور خطوة نحو النقد( )، وهو “مهمة الدارس مثلما هو مهمة الناقد”( ). ولذا فهو جوهر النقد الأدبي( ) مثلما هو جوهر الدراسة( ).

ويؤكد أن الناقد الأدبي الذي يحدّثك حديث المعلمين أو العلماء( )، يُحدث “ثلاث خسارات(خارج عملية النقد التي اعترفنا بها)؛ خسارة في المنقود حين قُدّم جافّا يستثقله كثيرون فيصدون عنه، وخسارة في الناقد حين يبقى في دائرة ضيقة جدا، وخسارة في القارئ حين يعزف عن الناقد والمنقود بفعل الجفاف والثقل”( )، وأن “مثله[=الطاهر] الأعلى للمقالة النقدية ثلاثة عناصر تتركب منها العملية النقدية هي أن تعني الدراسة والنقد وشيئا من الشعر”( ). 

ولا بد هنا من التنبيه إلى أن هناك- في رأي الطاهر- دراستين يخفف فيها النقد، إن لم نقل ينعدم، ودراسة يكون النقد فيها ركنا رئيسا، وقد توجد من أجل النقد نفسه. 

والدراسة تحتاج إلى منهج البحث. ومنهج البحث ليس “شكلا فقط في خطوات جامدة متتابعة، وإنما هو فكر في الأساس، والمنهج وسيلة تنبثق عنه الأصالة، ومن هنا جاءت شروط خاصة جدا- فطرية ومكتسبة- تؤهل إنسانا بعينه إلى البحث”( ). 

ويعلن الطاهر- بعد إدراك- أن الكتابة عن المناهج- في حال عدّها مناهج نقدية- تستدعي عودة للدراسة في باريس( )، أي أهمية الامتياح من المنبع، ويعلن الطاهر- بعد إدراك، كذلك – أن للناقد جانبا معرفيا ومهما جدا يتناول فيه المؤلفات والدراسات والتحقيقات(التراثية) والترجمة( ). 

ويؤكد أن ما يدعى نقدا مسرحيا في العراق “هو في أحسن حالاته هواية غير مطمئنة في أسسها أو مستقبلها”( )، وأنه لم يكن يريد لنفسه عام 1970 تشعبا أكثر من الذي هو فيه، ولا يريد أن يدخل ميدانا لم يفكر جديا – من قبل- في الدخول فيه( )، ولكنه قرر أن يقوم بدور النيابة “عمن كان يجب أن يقوم من ناقد متخصص أو نقاد متخصصين، ومؤقتا حتى يتحقق الأمل في الواجب وجوده، مستخدما في الغالب مظهر التحية وسيلة للاشادة بإحسان المحسن( ). 

ويعلن الطاهر- بعد إدراك-  كما أعلن- بعد إدراك- عام 1985( )  وعام 1988( )، أن للقصة عمودها الخاص بها، المألوف لديها، السائرة عليه( ). ودلالة هذه الفكرة  هي “على ما استقر من أصول وطّدت الفن، وليس من خير القصة أن تحطم عمودها، وللإبداع منافذ خلال العمود”( ). 

ويحاور عام 1992، فيرى أن التطرف في المنهج الشكلاني أو المنهج الآيديولوجي- الثوري غير محمود بل غير طبيعي( )، وأن القول بأن النقد إما أن يكون 

بنيويا وإلا فلا، غير صحيح( ). 

ويصرح بمبدأ مهم- لم يصرح به من قبل على هذه الصورة- هو:”ليس صحيحا أن تنقل إلى الشرق من الغرب ما لم يكن الشرق مهيأ له”( ). ليست- إذا- صحة المنقول هي الأساس وحدها، وإنما أهمية تهيؤ السياق المنقول إليه له، أيضا. 

ويؤكد مرة أخرى أن الناقد غير القارئ( )، و”أن إطلاق كلمة(القراءة) على النقد إطلاقة خائبة؛ لأن الكلمة تقلل من شأن عمق القراءة وتخصصها وتكرارها بحثا عن السرّ، وسعيا لإذاعة السرّ، خدمة للمبدع نفسه فضلا عن القارئ”( )، وأن رولان بارت ترك النص بعيدا جدا، وشغل نفسه بنفس الناقد وهو ما دعاه بلذة النص( )، أي أن إبداعه متطرف إلى درجة احتياجه إلى النقد والناقد( ). 

وشدّد على أن علاقة الناقد بالمبدع علاقة تكامل( )، وأن النهوض بالنقد يستدعي النهوض بالكل الذي يمثل النقد جزءا منه( )، وأن الحال التي انتهى إليها في النقد أن همّ النقد ليس اكتشاف العيوب، وإنما البحث عن المحاسن( )، وأن منهجه الخاص هو أين يكون، بطريقة نقد العمل من داخل العمل، وعدم تطبيق قواعد ثابتة وجاهزة( ). 

وأعلن الطاهر في نهاية عام 1995- كما أعلن عام 1992، ولم ينشر ذلك في حينه- عن كون(السردية) من قبيل العبث والتخريب والهدم، بمقابلته(يا للسرديات من كلمة تسيء)( ).

 

وقد كان د.عبد الإله أحمد من المساندين للطاهر عام1992( ).

وكان من المترددين بقبول هذا الوصف والحكم طاهر عبد مسلم الجابري( ). 

ويعضد الطاهر- وإن من زاوية أخرى مختلفة وأكثر خطورة- كتاب إدوارد سعيد:(الثقافة الإمبريالية) الصادر في إنكلترا عام 1993. ففيه تشديد على “أن القوة على ممارسة السرد، أو على منع سرديات أخرى من أن تتكون وتبزغ، لكبيرة الأهمية بالنسبة للثقافة وللامبريالية”( )، وعلى أنها “الوسيلة التي تستخدمها الشعوب المستعمرة لتأكيد هويتها الخاصة”( )، وفيه يبلور سعيد “وجها خطيرا للسرديات يتمثل في تشكيل سرديات رسمية لتاريخ معين ثم سعيها الدائب إلى منع سرديات مغايرة من الظهور كما يبلور الصراع ضد هذه السرديات والسعي إلى تقويضها”( ). 

ويختتم عام 1992 بحديث عن فجيعة هي موت فتى النقد الأدبي في العراق، ألا وهو عبد الجبار عباس.. لقد خسره النقد السليم( )، وانقطع مشروع في نفس الطاهر نجد كثيرا من سماته التي أثبتها الطاهر في(كلمة) أخرى عنه كتبها في الذكرى الأولى لوفاته( )، تشبه السمات التي مر ذكرها، للناقد الناقد في رأي الطاهر. وأهمها أعلى شروط النقد عند الطاهر وهو(إبداعية النقد) الذي يقول عنه:”وحين يكون الناقد أديبا- هذا أعلى الشروط في النقد- يبثّ تجربة النص بثّا خاصّا في سبك تام ولغة حية، على معنى سليم من معاني الانطباعية، ليقرأه القارئ ملتقيا مع المؤلف الأول وملتقيا مع المؤلف الثاني[=الناقد] ليقف ثالثا معهما”( )، وهذا الرأي برأينا هو أخطر رأي قرأناه للطاهر، وقد أفاده من نظرية القراءة والتلقي التي أحلّت القارئ موقع المؤلف الثاني من حيث عدم التفريق بين الناقد والقارئ، أما هو فقد أحلّه من حيث تفريقه بينهما الموقع الثالث( ). 

وقد يكون مفيدا أن نذكر أن أدب النقد لدى طه حسين “لون رفيع من ألوان الأدب يحتاج إلى قدرة وموهبة وذوق وثقافة وإدراك”( )، وأن الذوق عنده “مزاج من العقل والشعور”( ). 

وتفرُّد عبد الجبار عباس( )، أو أي ناقد، شرط من شروط النقد؛ “لأن شرط النقد كالشرط في الشعر والقصة والمسرحية هو التميز”( )، و”لأن الناقد الكبير كالشاعر الكبير عالم خاص”( ). 

في عام 1994 يؤكد الطاهر عدم دخوله إلى عالم النقد الأدبي عن قصدية وتصميم، إذ قال مجيبا عن سؤال هو:(كيف دخلت إلى عالم النقد الأدبي؟):”لم أدخل إلى عالم النقد الأدبي، ولكن هذا العالم هو الذي دخلني- إذا صح التعبير. أعني أني لم أقصد- رسما وتصميما- أن أدخل هذا العالم، أو أن أكون فيه لأعدّ ناقدا، وإنما كان الأمر- أمري- فيه طوعيا وطبيعيا وتدرجيا، من دون قسر أو ادعاء”( )، ثم يقول:”قام هذا الدخول الطوعي الطبيعي إلى عالم النقد الأدبي قائما على صفتين هما: النظر إلى الجوهر، جوهر الشعر الذي يصير به شعرا، هو الموسيقى[…] و[…] استقلال الرأي والاعتماد على الشخصية في الحكم القائم على ذوق مرتضى”( )، ويذكر أنه لم يسمّ نفسه ناقدا( )، ويؤكد ما سبق قائلا:”أريد أن أقول إني لم أدخل عالم النقد قصدا إلى أن أدعى ناقدا، وإلى أن أميز بالنقد الأدبي، إنما جاء اللقب، وربما لأول مرة في العراق، من الخارج، أي من الناس فإذا هم يشيرون إلى هذا الشخص بالناقد، وإلى عمله بالنقد الأدبي”( ). 

ويؤكد- أيضا- أهمية الإلمام بالمذاهب الأدبية والمناهج، بشخصية قوية لا تتبنى أحدها( )؛ لأن النص العالي- برأيه- “لا ولا يمكن أن يخضع لمنهج واحد، ولا ولا يمكن أن تستوعبه المناهج كلها مجتمعة ما كان منها وما سيكون. وكل فضل المنهج الواحد، والمناهج مجتمعة هو ما تؤديه من خدمة في إنارة جانب أو جوانب من ذلك النص العالي تمهيدا لمنهج جديد أو ناقد جديد”( ). ثم يعلن أن الفرق بين صاحب المنهج الجديد المبتكر له، والناقد الفرد الجديد لا يكاد يكون كبيرا، وأن مؤسس المنهج ناقد، والناقد الفرد ناقد( ). 

وإذا تذكرنا أنه سمى منهجه هو بـ(منهج النقد الأدبي) وسماه مرة أخرى  بـ(المنهج الوحيد الجديد)، أو وصفه هكذا، عرفنا أن ذلك المنهج الجديد الممهد له، هو منهجه هو، وأن ذلك الناقد الجديد الممهد له، هو الطاهر نفسه، أو من يسلك مسلكه. ولذلك يكشف عن أن عنوان مقالة(النقد أنواع!) التي كتبها في الخمسينيات ولم ينشرها، عنوان “ساخر؛ لأنه يريد أن يقول ليس النقد أنواعا منها التاريخي ومنها العلمي ومنها الانطباعي ومنها النفسي… وإنما هو نوع واحد فقط وليس غير هو(النقد الأدبي). ومنهج النقد النقد الأدبي قائم فيه، أما الأنواع الأخرى فهي جانبية تأتي وتروح، وهي تضر أكثر مما تنفع بسبب مما تدخله على النقد مما هو ليس منه، وتعاملها – من ثم- مع النص بما ليس فيه”( ). 

وتثار- من جديد- قضية وصفه بالانطباعية، فيقول:”ليست لي بالانطباعية منهجا من المناهج صلة ما أو علاقة ما، وإن لوصفي المتأخر بالانطباعية سببا، أسارع فأقول: إنه خارج طبيعة الأشياء، وخارج معنى الانطباعية، وخارج ما أنا فيه”( ). ويرى أن محاربته للتطرف الشكلاني كانت وراء هذا الوصف( ). 

ويسأل عن منهجه، فيذكر الخطوات التي ذكرها كثيرا( ). ومن تلك الخطوات خطوة التسجيل أي أنه يسجل “على هوامش النص ما تبعثه القراءة من شؤون البناء والفكر والعاطفة والخيال… واللغة… وترابط الأجزاء… والبناء العام في وحدة متسقة، والصورة الكلية المتكونة من القراءة”( )، وخطوة الصوغ الجمالي الذي يراه الجاهلون والمغرضون انطباعا وانطباعيا، ويراه هو امتزاج الذات بالذات( ). 

ويسأل عن نتيجة انتظاره جيلا جديدا من النقاد، فيجيب:”كلا لم يسفر الانتظار عن شيء”( )، ويذكر أسباب انقطاع مسيرتهم( ). 

في العام نفسه 1994، يؤكد الطاهر أن عبد الجبار عباس هو “الناقد الذي حاز لقب الناقد بحق، ويكفي أنه وهب نفسه للنقد وحده لم يشرك به عملا آخر، ولم يشغل تلك النفس بوظيفة تقيّده، فكان بذلك متفردا بين من زاول النقد في العراق، أو في الوطن العربي، وهكذا يجب أن يكون الأمر، فالنقد الأدبي نشاط قائم بنفسه إذا أشرك به جار الشريك على الشريك”( )، وأن الموضوعية الحقيقية هي “أن تتعامل مع النص بما يقوم عليه النص وما يدل عليه”( )، وأن الشخصية الناقدة هي “أن تعرب عما يكون لذلك النص من أثر، وبما يمكن أن يشيع من ثأثير فيما يتميز به مما سواه، وفيما يفرض القول فيه عليه”( )، وأن أيا من المناهج التي عرفها النقد الأدبي “وجد في حال خاصة وله مساوئه إلى جانب محاسنه”( )، و”أن النص الأدبي أوسع وأعمق وأعظم من أن يقيده منهج من تلك المناهج – ثم أين يكون الناقد الناقد إذا وقع تحت سلطان غيره؟!”( ). 

وهذا الكلام لا ينفي الإلمام بها، بل “يحسن بمزاول النقد أن يلم بهذه المناهج ولكنه يجب أن يكون – حين يكون أصيلا- أكبر منها وأوسع منها”( ). 

ويتصدى الطاهر- من جديد- للانطباعية، وصلتها بعيد الجبار عباس، أو صلته بها، فيقول:”لقد عابه أناس بأنه(انطباعي) محمّلين(الانطباع) الانفعالية المطلقة والذاتية المطلقة، والهوى والنزوات المتقلبة. وهذا غير صحيح، ولم يكن شيء منه في عبد الجبار عباس، وإن لاح بالقول شيء من(الانتقام) الذي يحتجنه على عبد الجبار عباس أولئك(المنهجيون) الذين(ساءهم) ما يتمتع به عبد الجبار عباس من أصالة وشخصية ورواء المقالة، وما هم محددون فيه لضيق في نطاقهم النقدي من مناهج ليست لهم، وليس على الجدة التي يرونها لها، وما هي من الكمال في شيء”( ). 

وإذا ما راح عبد الجبار عباس يتبنى(الانطباعية) ويجهر بأنه ناقد انطباعي( )، فإن ذلك شبيه بحال الطاهر عندما قال:”أنا انطباعي ونصف”( )، بل سابق لها*، أي بالمعنى الذي هو عليه وله، مما يقترب كثيرا من معناها عند الطاهر( ) إلى الدرجة التي يمكن وصف نقدهما بكلمة واحدة هي الأدبي( )، وكأن أحدهما أو كليهما “يريد أن يقول إني ناقد فقط، وإن النقد هو ما أزاوله وأجوّد فيه وأبدع… وكلما عمق النص عمق النقد”( ). وهذا الكلام يبعد المناهج الأخر والانطباعية المعروفة عن ساحة النقد الأدبي ليبقي منهج الطاهر وعبد الجبار عباس ومن يشبههما سابقا أو لاحقا، وحده في تلك الساحة( ). 

وتوصُّل د.عبد الكريم راضي جعفر إلى كون “الطاهر متجاوزا المصطلح الرسمي للنقد الانطباعي”( )، يتفق وفهم الطاهر، ولا يتعارض مع عدم إيمان الطاهر بالتجاوز بصورة عامة؛ لأن التجاوز المرفوض اجتياز ورفض ما سبق جملة( )، والتجاوز هنا تحقيق خطوة متقدمة. 

ومنهج الطاهر يفيد من القديم إفادته من الحديث، ومن ذلك قول الطاهر عن شرح المرزوقي لحماسة أبي تمام: ليس شرح المرزوقي لها شرحا فقط، “وإنما هو شرح وأشياء أخرى ألخصها بكلمة(النقد) بل إن في هذا(النقد) ما يتصل منه القديم بالحديث، وما يمكن أن يجد فيه الحديث ما ينفعه ويعجبه ويدهشه، وما لا يجده في غيره”( )، وقوله: ألِف الباحث[=الطاهر] في مدة ثلاثة شهور ويزيد “الشرح وأحبه، وسعد بما التقطه من مادة نقدية رآها رائعة نافعة، ازداد بها المرزوقي مجدا وحداثة”( ). 

ومنهج الطاهر يكشف عن سابقين مماثلين، ومن أولئك السابقين المرزوقي الذي تبرز(ناقديته) من خلال عنايته بـ”النص والوقفة المتأنية عنده والكلام فيه، والتعليق عليه، وإبراز صور البلاغة فيه، والإعلان عن أسرار مبانيه، والغوص على معانيه، وبحكم هنا، وحكم هناك، وتعريف لمصطلح أو ما سيكون مصطلحا”( ). 

في عام 1995، يؤكد الطاهر أن المجدد لديه هو المجيد، والعمل الجديد هو العمل الجيد( )، و”أن حاجتنا تتلخص بناقد أدبي- وأدبي فقط، له ما يلزم للناقد من طبع واكتساب، وعليه ما على الناقد من السهر على القراءة والمتابعة والكتابة”( ). 

بعد هذه الرحلة الطويلة التي سعينا فيها إلى التقاط ما يتصل بمنهج الفكر النقدي ومظاهره ومبادئه عند الطاهر موازنين بين ما لحق وما سبق، وبين ما لدى الطاهر في أحيان معينة وما لدى غيره من مفاهيم وأدوات، نقف لنقول: لقد شددنا على ما يتصل بالنقد الأدبي عند الطاهر لكونه الحقل الذي شاع عنه عمله فيه أكثر من غيره، فوجدنا المبادئ كثيرة ومتناغمة، ووجدناه يطلق عليها أحيانا اسم(المنهج) مثلما يطلقه على(المظاهر) أحيانا أخر، وألفيناه- بصورة عامة غالبة كما وصف هو نفسه- يسير في خط مستقيم لا يتناقض. ونقف لنقول أيضا: إذا كان الفصل بحاجة إلى خاتمة تسمي المنهج وتصفه، فإننا قد جعلنا تلك الخاتمة فصلا رابعا ليكون البحث على شكل مراحل نمو الكائن الحي، ولا تستطيع أن تكون صورة متكاملة عنه إلا بالاطلاع على سيرورته وصيرورته بصورة كاملة.

هوامش

( ) م.ن: 239. 

( ) م.ن: 240. 

( ) ج. س؟ : 240. 

( ) م.ن: 240. 

( ) م.ن: 238. 

( ) ج. س؟ : 238. 

( ) م.ن: 241. 

( ) م.ن: 241. نؤكد أننا أطلقنا هذا الوصف(ثقافي) على نقد الطاهر في عام 1998، أي قبل أن يكتب الذيوع لهذا المصطلح، بعيدا عن التطابق في المفهوم، على يد د.عبدالله الغذامي، بسنوات.   

( ) م.ن: 241. 

( ) جاء مثل ذلك في حديث روزنتال عن نقد ييتس وعزرا باوند وإليوت، في: أساتذتي ومقالات أخرى: 211 مثلا. 

( ) ج. س؟ : 241. 

( ) ظ: م.ن: 241-242. 

( ) ظ: م.ن: 242. 

( ) ظ: م.ن: 243. 

( ) ظ: الحبكة المنغمة: 318. 

( ) ظ: ج. س؟ : 244. 

( ) ظ: ج. س؟ : 244. 

( ) ظ: م.ن: 246. 

( ) م.ن: 247. 

( ) م.ن: 247. 

( ) م.ن: 247. 

( ) ظ: م.ن: 248. 

( ) ج. س؟ : 248

( ) م.ن: 248. 

( ) م.ن: 249. 

( ) ظ: م.ن: 249. 

( ) م.ن: 249.

( ) م.ن: 250. 

( ) م.ن: 252. 

( ) ج.س؟ : 252-253. 

( ) م.ن: 253، وظ: 254. 

( ) م.ن: 253، وظ: 254. 

( ) م.ن: 253-254. 

( ) ج. س؟ : 254. 

( ) م.ن: 254. 

( ) ظ: م.ن: 254. 

( ) م.ن: 254-255. 

( ) م.ن: 255. 

( ) م.ن : 255. 

( ) م.ن: 255. 

( ) ظ: ج. س؟: 255. 

( ) م.ن: 246. 

( ) م.ن: 255-256. 

( ) ظ: م.ن: 256. 

( ) م.ن: 256. 

( ) ظ: الباب الضيق: 10 ، مثلا. 

( ) عن تنبه الطاهر على عدم امتلاك كثيرين لمؤهلات ذلك، ظ: ج. س؟ : 258. 

( ) ما هو النقد؟، بول هيرنادي، تر: سلافة حجاوي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1989: 248، وظ: رده على سؤال:(ماهو النقد؟)  بجواب عنونه:(هل النقد أدب): 247-261. 

( ) ظ: م.ن: 215. 

( ) ظ: الباب الضيق: 19. 

( ) ظ: م.ن: 30. 

( ) ظ: م.ن: 50. 

( ) كلمات: 136. 

( ) م.ن: 136. 

( ) ظ: موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين- ج19 -علي جواد الطاهر: 138-140. 

( ) ظ: م.ن: 152. 

( ) ظ: م.ن: 215. 

 

 

( ) ظ: ج. س؟ : 275، ومن يفرك الصدأ؟ : 241-242، وموسوعة المفكرين والأدباء العراقيين- ج19 -علي جواد الطاهر: 221. 

( ) ظ: ج. س؟ : 276. 

( ) ظ: م.ن: 268. 

( ) م.ن: 269. 

( ) ظ: م.ن: 269. 

( ) ظ: م.ن: 268. 

( ) ظ: م.ن: 270. 

( ) م.ن: 270. 

( ) م.ن: 271، وظ: 268. 

( ) م.ن: 275. 

( ) ظ: ج. س؟ : 277. 

( ) ظ: م.ن: 277. 

( ) مسرحيات وروايات عراقية في مآل التقدير النقدي: 15. 

( ) ظ: م.ن: 18. 

( ) ظ: م.ن: 19. 

( ) ظ: من حديث القصة والمسرحية: 234-235. 

( ) ظ: مسرحيات وروايات عراقية في مآل التقدير النقدي: 179. 

( ) ظ: في الريادة الفنية للقصص العراقي: نقد- ج2-(نشيد الأرض) لعبد الملك نوري: 10. 

( ) علي جواد الطاهر ناقدا(بحث مخطوط): 17. 

( ) ظ: ج. س؟ : 283، وعن المفيد في المنهج الشكلاني، وعن الإفادة من غيره: 284. 

( ) ظ: م.ن: 284. 

( ) ج. س؟ : 290. 

( ) ظ: م.ن: 295، و294. 

( ) م.ن: 293. 

( ) ظ: م.ن: 293. 

( ) ظ: م.ن: 293. 

( ) ظ: م.ن: 298، و297. 

( ) ظ: م.ن: 302. 

( ) ظ: م.ن: 303. 

( ) ظ: م.ن: 306. 

( ) ظ: كلمات وفوائد:؟؟؟؟؟ ، وعن موقفه من الترجمة والدلالة فيما يخص السردية، ظ: كلمات:137-141.

( ) ظ: في السردية وإشكالاتها(مقال)، د. عبد الإله أحمد، جريدة الثورة، 5/8/1992. 

( ) ظ: مناقشات ليس دفاعا عن السردية ولكن.. !(مقال)، طاهر عبد مسلم الجابري، جريدة الثورة، 10/11/1995. 

( ) إدوارد سعيد في الثقافة والهيمنة(بحث)، كمال أبو ديب، مجلة نزوى، عمان، ع9، يناير 1997: 9. 

( ) م.ن: 9. 

( ) م.ن: 9. وظ: 6، و9، و10، و14، و21. 

( ) ظ: كلمات: 151-152. 

( ) ظ: م.ن: 152-155. 

( ) م.ن: 154-155. 

( ) ظ: ج. س؟ : 352، و287، و293، و295. 

( ) منهج النقد الأدبي عند طه حسين، د. عناد غزوان، دار الحرية، بغداد، 1974: 11. 

( ) م.ن: 47. 

( ) ظ: كلمات: 155. 

( ) ج. س؟ : 313. 

( ) م.ن: 313. 

( ) م.ن: 313. 

( ) م.ن: 316. 

( ) ظ: م.ن: 317. 

( ) ج. س؟ : 318. 

( ) ظ: م.ن: 320. 

( ) م.ن: 320-321. 

( ) ظ: م.ن: 321. 

( ) م.ن: 321. 

( ) ج. س؟ : 322. 

( ) ظ: م.ن: 323-324. 

( ) ظ: م.ن: 323-324. 

( ) م.ن: 323-324. 

( ) ظ: م.ن: 324. 

( ) م.ن: 326. 

( ) ظ: م.ن: 326. 

( ) الحبكة المنغمة: 14. 

( ) م.ن: 15. 

( )الحبكة المنغمة: 15. 

( ) ظ: م.ن: 16.  

( ) م.ن: 16. 

( ) م.ن: 16. 

( ) م.ن: 16، وظ: ج. س؟ : 328-329. 

( ) ظ: الحبكة المنغمة: 16، و318، وج. س؟ : 328، وعن جهر الطاهر بأنه ناقد انطباعي، ظ: 330. 

( ) ج. س؟ : 209. 

* الطاهر قال ذلك في عام 1988، وعبد الجبار عباس جهر بذلك في عام 1985. 

( ) ظ: الحبكة المنغمة: 16-17، وج. س؟ : 329. 

( ) ظ: ج. س؟ : 330. 

( ) الحبكة المنغمة: 17. 

( ) ظ: ج. س؟ : 330. 

( ) مفهوم النقد الانطباعي عند د. علي جواد الطاهر(بحث)، د. عبد الكريم راضي جعفر، مجلة آفاق عربية، ع4، س22، تموز- آب 1997: 61. 

( ) ظ: الشعر ومتغيرات المرحلة-2: الشعر والتراث: 100. 

( ) المرزوقي شارح الحماسة ناقدا: 9. 

( ) م.ن: 10. 

( ) م.ن: 159. 

( ) ظ: ج. س؟ : 335. 

( ) م.ن: 337. 

 
*عن مركز دراسات جامعة بابل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *