د . آلاء محسن الحسني : شعر عيسى حسن الياسري (دراسة فنية) (9) (ملف/113)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

(9)
ثانيا ً : نمط البناء المركب :
والمقصود به البناء الذي يشتمل على ” عناصر التعبير المتداخلة فيما بينها إذ يتّضح فيها القناع والقص وعنصر الدراما والمنلوج ” (1) ، وكل هذه العناصر ” تخضع لنظام داخلي دقيق من العلاقات يربط بين محاورها ومستوياتها رابط تتولّد منه الدلالات أو تتكامل بفضله الدلالات ويبطّن بعضها بعضا ً ” (2) ، فإذا كانت القصيدة ذات البناء البسيط تسيطر عليها فكرة واحدة مفردة وبسيطة ، فإنّ القصيدة المركبة تشتمل على عناصر فكرية متجاذبة ومتصارعة ومتكاملة في الوقت نفسه (3) ، تتطلّب هذا النظام البنائي الدقيق .
وقد عرف هذا النمط من البناء ، عند بعض النقّاد بالقصيدة الطويلة ، التي تغلب عليها الفكرة ذات الطبيعة الدرامية (4) ، في حين ” نجد نقّادا ً آخرين يضعون تسميات متعدّدة لهذا النمط من البناء ، فهناك النمط القصصي والنمط الدرامي ، والهرمي فضلا ً عن تسميات أخرى ” (5) .
وعند إستقراء نصوص الياسري الشعرية ، تبيّن أنّها تشتمل على البناء القصصي – الدرامي .
البناء القصصي – الدرامي :

يعود هذا البناء الى جذور قديمة في تاريخ الشعر العربي ، فالشعر كما يرى د. جلال الخياط ” يبدأغنائيا ً مطلقا ً ، ثم غنائيا ً مقيّدا ً بحدث ، ثم يميل الى الحكاية والحبكة والسرد والروح القصصي والملحمي ، ثم يقترب من الدراما عفويا ً فتتولد فيه جذور تعد النواة الدرامية الأولى وتتعقّد فتستقل الغنائية عما تفرّع منها أنواع شعرية أخرى ” (1) ، فالشعر هو جزء من الدراما كما هي الدراما جزء من الشعر ، كما ظهر ذلك في زمن الأغريق وفي عصر ” شكسبير ” قبل أن يحصل الأفتراق بينهما في عصرنا الراهن ، عندما أتجهت الدراما الى ” النثر ” .
ولو تصفّحنا الأدب العربي بشكل خاص ، نجد قصائد كثيرة كُتبت على هذا النمط ، فالإسلوب القصصي مألوف ” في شعرنا القديم منذ أنْ إستخدمه إمرؤ القيس ” (2) ، ولعلّ” عمر بن أبي ربيعة أكثر الشعراء العرب القدماء إحساسا ً بضرورة الحوار في الشعر وتأكيد المنحى القصصي بحدود ما يرسمه الشعر الغنائي ” (3) ، وعلى صعيد الأدب الحديث فقد إنجذب الشعراء المحدثون الى هذا المنحى من الكتابة ، ف ” الحرية في التعبير ، وإستخدام الحوار الداخلي ، والإقتباس ، والرمز والإسطورة المأخوذة من الحياة اليومية وملامح التاريخ العربي والإنساني أصبحت من الخصائص الفنية التي تميّز القصيدة الجديدة من غيرها من النماذج الشعرية الأخرى في أدبنا المعاصر ” (4) .
ومما تجدر ملاحظته أنّ هذه البنية ” لا ترتبط ببنية إطارية بقدر إرتباطها ببنية علائقية ، تنبثق من الداخل . بمعنى أنّ الحركة تتكثّف من الداخل لتحقّق الوحدة والإنسجام ” (5) .
وعليه فإنّ الوحدة العضوية في هذه البنية تتحقّق ” على نحو متميّز ؛ لأنّ ما تقدّمه العناصر ( الدرامية ) ، والقصصية : منطقية الشعور ، ونمو الحدث ، أو الجو ، وترتيبه على نحو خاص ، يسهم إسهاما ً فاعلا ً في إقامة الترابط والتلاحم بين صور القصيدة ” (1) ، من هنا فإنّ ” القصائد الغنائية ذات العناصر القصصية والدرامية تتحقّق فيها الوحدة العضوية أكثر من غيرها ، ويكون الطابع القصصي عاملا ً كبيرا ً في تحقيقها ” (2) .
ويعدّ عيسى حسن الياسري واحدا ً من الشعراء الذين أفادوا من البناء الدرامي في نصوصه الشعرية ، وقد شهد البناء الدرامي في شعره تطوّرا ً مع تطوّر قصائده الشعرية ، فبعد أنْ كان يعتمد على الحوار الخارجي في مجاميعه الشعرية الأولى ( العبور الى مدن الفرح ) و ( فصول من رحلة طائر الجنوب ) ، وهذا يتطلّب شيئا ً من المباشرة والموسيقى ذات النبر العالي ، صار في مجاميعه الشعرية اللاحقة يعتمد على الصوت الواحد ، هذا الصوت الذي يحاور زمنا ً غائبا ً ، أو معشوقة بعيدة ، أو ذكرى منسية ، وهذا النوع من الدراما هو الأكثر ملائمة مع النص الشعري ، حيث يحفظ للنص تماسكه العضوي ، ويروّض موسيقاه الخارجية ، ويعمّق من بنائه الموضوعي .
ويمكننا الوقوف عند بعض قصائده ، لنرى القيمة الفنية ، التي حقّقتها التقنية القصصية لبنية القصيدة .
في قصيدة ( لحظة حب ) يمثّل الحوار عنصرا ً بارزا ً ، وقد جاء بطريقة
( فقالت .. فقلتُ لها ) ، وهذا النوع من الحوار يُسمّى بإسلوب رواية الحوار ، وكان الشاعر القديم يرويه في قصيدته فيحكي به ما دار بينه وبين محبوبته ، كما أنّه حين يروي الحوار فإنّه يبتعد عن التجسيم الدرامي بمقدار ما يقترب من السرد القصصي ، وقد ظهر هذا الإسلوب منذ عهد أمرىء القيس في العصر الجاهلي (3) .
يقول الشاعر :
قالت .. وهي تخبّىءُ في صدري عينيها
– هذا ليل ..ما إلتمعتْ فيه نجمهْ
دفّئني .. فأنا يرعبني ثلج الظلمة ْ ُ
هذا خوفٌ يتصبّبُ حتّى من كُمي
خذني .. فلعلّي أنساك َ وأنسى إسمي (1)
فالشاعر هنا يقوم بدور السارد أو الراوي ، حيث ينقل لنا الحوار الذي دار بينه وبين حبيبته ، فيبدأ أوّلا ً بسرد وصفي ، يصف فيه حبيبته وهي تحاوره ( قالت ..وهي تخبّىءُ في صدري عينيها ) ، ثم ينتقل الى حوارها معه ( هذا ليل ٌ ما ألتمعت فيه نجمه ) ، يردفه خطاب أمري ( دفّئني ، خذني ) ، بهدف إنهاض الحوار .
بعد ذلك ينتقل الى نفسه ، فيخبرنا بحواره معها ( الحبيبة ) :
قلتُ .. وأنا أرقب موتَ القنديل
لا تبتئسي إنْ أزمن َ في هذا البيت الليل
وتوارى الأحبابْ
فعيونك تخبرني أنّ الفجرَ وراء الباب (2)
ويبدأ هذا المقطع أيضا ً ، بسرد وصفي ، حيث يصف لنا نفسه وهو يحاور حبيبته ( قلتُ – وأنا أرقب موتَ القنديل ) ، ثم ينتقل الى الحوار معها ( لا تبتئسي إنْ أزمن َ في ——– ) ، وهكذا تنتهي القصيدة بهذا الإسلوب الحواري القديم ، والذي ساد القصيدة من أوّلها الى آخرها .
وإذا كان الشاعر في هذه القصيدة يستخدم إسلوب رواية الحوار ، وهو إسلوب مألوف في الأدب القديم ، وقريب من السرد القصصي ، إلاّ أنّه لم يتّكىء عليه كل الإتّكاء ، وأنّما لجأ الى إستخدام الحوار الذي يقترب من التجسيم الدرامي ويجعل الموقف كأنّه جزء من مشهد مسرحي ، كما في قصيدته ( خبز القرى ) التي شكّلت التقنية السردية فيها تمازجا ً فنيا ً مع تقنية الحوار .
يمثّل المقطع الأوّل من القصيدة ، إنطلاقا ً للبذرة الصورية السردية الأولى :
تغرّبت فينا
وكنت الولادات ..والسفرَ العذب َ
هذي الملامح تخفيك عنّا
تشوّه وجهك بالقار
نأتيك ..نرتاد حزنك مثل المقاهي
نعايش سهد َ الأسرّة
خوف العيون الصغيرة في دغل الليل
لا تغلق الباب َ
إنّا إنتظرناك حتى إنطفاء العشيهْ
إنتظرناك حتى النزيف الأخير
وما عدتَ ..جاعت إليك َ الصرائف ُ
نشتاق وجهك َ مثل اللفافة ِ
مثل المتاريس .. تملأ أحضاننا كالعشيقه (1)
يصوّر الشاعر في هذا المقطع حنينه الى الريف أو القرية من خلال حديثه عن ( خبز القرى ) ، ثم ينتقل الى سرد الأشياء التي تذكّره به في المقطع الثاني إذ يقول :

تغرّبت فينا
فأورق عبر الصباحات حزن ُ السواقي
ذكرنا العصافير َ ..نذكرُ خبز َ القرى
وحين إبتعدنا .. رأيناه يكبر مثل النجوم البعيدة (2)
فهو ” يحن الى السواقي وحزنها والى العصافير التي تذكّره بخبز القرى ” (1) ، مّما يدل على أنّ القرية لا تزال تعيش في ذاكرته حتى بعد أنْ هاجر الى المدينة ، وهذا ما يكشفه المشهد التالي ، الذي يتحدّث فيه عن المدينة ، من خلال تقنية السرد الوصفي ، فيقول :
لثمناه فوق الجبين ..على موضع الجرح
حيث المدينة تفتح أبوابها
يجيء إليها اللصوص .. الصيارفة .. الحاكمون
فلا ترتضي غير وجهي المهاجر خلا ً
تجاذبني قلقي .. وإضطرابَ المخاوف
تكشف لي .. ساقها .. خصرها .. والتلال القصية َ
أضرع بين يديها (2)
حيث يبقى ( خبز القرى ) راحلا ً معه الى المدينة التي يصفها بأنّها مفتوحة لكل الناس ( اللصوص ، الصيارفة ، الحاكمون ) ، وبرغم ذلك فإنّها لا ترتضي بخل ٍ لها إلاّ هو ، حيث جعلها تبدو لنا في صورة إمرأة جميلة ، تغازل الرجال وتغريهم ، ، لذلك يحاول أنْ لا يقع في شباكها ، وهذا ما يكشفه المشهد التالي ، فيقول :
أنا رجل محبط ٌ ..
فإبحثي عن سواي َ ..الرجال كثيرون
-إني إستضفتهم واحداً .. واحدا ً
فما أطفأوا عطش القلب .. والشفّه الراجفهْ
– ولكنّني أجهل العوم بين الدهاليز ..والشقق التالفه ْ
ولي زمن آخر ٌ
ونساء ٌ ..يقاسمن وجهي التسوّل ..والأرصفهْ (1)
لقد أبرز الشاعر من خلال تقنية ( الحوار الخارجي ) ، الذي دار بينه وبين المدينة ملامح شخصيته ، حيث رسم لنفسه صورة لا تتعلّق بالسمات المادية ، وأنّما بسمات معنوية تشير الى شخصيته القروية البسيطة التي تجهل العوم في دهاليز المدينة ، وكما أبرز الحوار أيضا ً المدينة في صورة ( إمرأة ) تعاشر الرجال . وهذا يقودنا الى القول أنّ اللجوء الى الحوار في تصوير الشخصية ” طريقة فنية تسمو على طريقة رسم الشخصية بوساطة السرد الذي يلجأ إليه القصّاصون عادة ً ، في تصوير سمات أبطال قصصهم ” (2) .
ويشكّل ( المونولوج ) ، المحور الثالث من محاور بناء القصيدة ،
يقول :
أعانقُ وجه الشوارع
أعرفُ أنّ العصافيرَ ترحلُ
أنّ المواعيدَ ترحلُ
فالمرأة الآن تقتادني في ظلام الأزقّة
تحفر في جسدي ندبة ً للسؤال
المعلّق بين الشفاه .. وقلبي (3)
وهنا يظهر الشاعر حرصه ، على إستكمال ملامح شخصيته ، من خلال محور جديد يصوّر فيه نفسه في الحاضر ، فبعد أنْ كان يجهل المدينة في الماضي ، أصبح الآن يعرفها جيّدا ً .
ولعلّ هذا ما يجعل الحوار بينه وبين المدينة ، يكون أكثر حدّةً وهذا ما نلاحظه في المشهد التالي ، يقول :
– إنتظرناك يا أيّها الملك ..المتسوّلُ
في آخر الليل تغلق حانتنا الباب َ
يمضي الزبائن تحت رذاذ الرياح البليدة
” مبترد جسدي ”
هل تشاركني غرفتي ليلة ثم ترحل … ؟
-سيّدتي .. إنّني حاجز في القطار السريع
– جميع القطارات مسرعة ٌ
والمحطات مفتوحة للمسافر ِ
هاك الحقيبة َ
إن الأسرّة في الليل تتعب ُ
والحب يتعب
هذا زمان العشيق المؤقت
والموت في غرفة موحشهْ (1)
فهذا المقطع أو المشهد يصلح أنْ يكون جزءا ً من مسرحية شعرية بدلا ً من دخوله في نص شعري كونه يمثّل خروجا ً على إنسيابية وهدوء موسيقى النص ، وهذا ما يفرض على النص الشعري شيئا ً من المباشرة والموسيقى ذات النبر العالي
بعد هذا الحوار ، يعلن الشاعر النهاية الحتمية لرحلته في المدينة ، فقد ينشغل عن خبز القرى ، وهو يلعب ( الطاولة ) ، أو يتمنّاه بين ( السجائر ) ، أو يرثيه في وحشة الليل ، لكنّه يبقى الأقرب الى نفسه :
قد تشاغلنا عنك َ طاولة ٌ .. أو بغي ٌ
وقد نتمناك َ بين السجائر
نكتب إسمك في الطرقات البعيدة ِ
نرثيك في وحشة الليل ِ
لكنك الآن أقربُ منا إلينا . (2)
بمثل هذا الإداء القصصي – الدرامي ، أصبحت القصيدة كُلاّ ً متجانسا ً ، مفيدة من الحوار الخارجي ، والسرد ، والمونولوج ، لإقامة التلاحم في بنية القصيدة .
ومن الأمثلة الأخرى على البناء القصصي – الدرامي ، قصيدته ( رحيل آخر الرعاة ) ، تقوم التقنية القصصية فيها ، على حركة السرد الأعتيادي المتمثل بالإداء الوصفي للحدث ، ثم تبدأ الحركة الأخرى – هي سردية أيضاً – تقوم على تقنية التداعي أو الأسترجاع ، أما الحركة الثالثة فهي تقوم على تقنية الزمن .
تبدأ القصيدة من نهاية الحدث المتمثّل برحيل ” أعبيد بن عنبر ” * ، حيث يصف لنا حالة الحزن التي أصابته لحظة موته ، فيقول :
– 1 –
لن أبكيك َ
فأنت َ الأسعد حظّا ً بتذوّق ِ فاكهة موتك َ
– 2 –
أنا أبكي عينيك َ المطفأتين ْ
فعبرهما كنت ُأرى أيّاما ًراحلة ً
وحقولاً تّتشح بغلالات ِ ضباب زرق ٍ
– 3 –
قد أقلق فردوس هدوئك َ ببكائي
قد تتحوّل قطرات دموعي أحجارا ً
تعترض درب َ صعودك َلمراعي الربْ (1)
حاول الشاعر من خلال هذه الحركة السردية الوصفية ، إبراز حالة الحزن الكبير ، الذي أصابه بعد رحيل شيخ الرعاة ( أعبيد بن عنبر ) عنه ، مخاطباً أيّاه خطابا ً مليئا ً بمعاني الألم والحزن لفراقه ، لأنّه كان يثير في نفسه ذكريات متعلّقة بالقرية وحيوانات الحقل .
ثمّ ينتقل بعد ذلك الى وصف جسد ( أعبيد بن عنبر ) بعد موته ، مستخدماً في ذلك أيضا ً تقنية السرد الوصفي ، فيقول :
– 4 –
هذا الجسد الراقد قدّامي بسكون ِ لا يشبه جسدك َ
لقد غادره عطن ُ الشيخوخة ِ
– 5 –
وها هي نسمات الليل تنتقلُ عبر مراتعه
لتحمل لي رائحة الأزهار البرية
وأصوات الماشية الجذلى
– 6 –
بإسترخاء تغفو
ما عادت تحزنك ذكرى المرعى
ومواسم جمع الأحطاب ..
وحصاد القمحْ (1)
وفي هذه المقاطع ، يصف لنا الشاعر ، جسد الراعي ( أعبيد ) ، بعد أنْ غادرته الحياة ، فهو يغفو مستريحا ً من ذكريات المرعى التي كانت تحزنه وتؤلمه وهو يعيش بعيداً عن القرية .
وكما أثارت هذه الحادثة ، الألم والحزن لدى الشاعر ، فقد أثارت عنده أيضا ً ذكريات الماضي الذي عاشه مع ( أعبيد ) في المدينة ، وقد جاء هذا كلّه عبر تقنية الإسترجاع أو التداعي ، فيقول :
– 8 –
كلّ شتاء ٍ أُ جلسك قرب المدفأة النفطية
لكنّك تبقى تشكو البرد
وتنحو باللائمة على من إنتزعك من دفء ِ الموقد ِ
وقصب الكوخ ْ.
– 9 –
أحيانا ً تمتد أصابع كفّكَ
لتربت َ فوق بقايا شعر جدائلك الأشيب
وتغنّي ما كنت تغنيه للحطّابات
ورعاة الماشيةِ .
– 10 –
وكيتيمين أعاد لهما الليل البارد ُ وحشة يتمهما
نجهش أنتَ .. وأنا ببكاء ٍ قاس ٍ (1)
وفي هذه المقاطع ، يسترجع الشاعر جزء من أيّامه التي عاشها مع ( أعبيد ) في بغداد ، لاسيما الأيّام الشتوية ، التي كانت تثير لديهما الحنين الى القرية التي إبتعدا عنها مكرهين ، بعد أن أصابها الخراب والدمار ، أثر حريق إلتهم أكواخ القرية ، فكانت الليالي الباردة تثير لديهما الشعور باليتم ( وكيتيمين أعادلهما الليل البارد / وحشة يتمهما ) .
ثم ينتقل الشاعر بنا من ذكريات الماضي الى الحاضر ، عبر الحركة الزمانية التالية :
– 11 –
الآن ..وأنت بعيد ٌ عني
سأبكي وحدي
وأعاشر أكثر أيام البرد ِوجعا ً (2)
لقد أظهر لنا هذا المقطع حالة التضاد بين الماضي والحاضر ، الماضي ( الذي كان يجمع بينهما ) ، والحاضر ( الذي فرق بينهما ) ، وقد ساهم هذا التضاد في تجلي الحدث ، داخل النص .
لقد حقّقت القصيدة قدرا ً مهما من التماسك العضوي ، من خلال تقنية السرد الوصفي ، والتداعي أو الإسترجاع ، والتقنية الزمانية .
وفي قصيدة ( الظلال تغادر أشجارها ) ، يتطوّر الحوار لدى الشاعر ، فبعد أنْ كان حوارا ً خارجيا ً في الأمثلة السابقة ، صار يعتمد على الصوت الواحد .
لقد إعتمدت هذه القصيدة في بنائها على حركتين ، الأولى : حركة سردية قصصية ، والأخرى : حركة حوارية .
تبدأ الحركة السردية في المقاطع الست الأولى من القصيدة ، حيث يقول :
– 1 –
منذ زمان ٍ ..وأنا أحرس زهرات الحقلْ
أدفع عنها شهوات لصوص الليل ،
وإغراءات البرق الكاذبْ
– 2 –
إذ عبرت تلك الزهرات شتاء البرد
وأدغال الخوف نستني
– 3 –
هل يكفي أنْ أبكي أنا المتّشحُ 00
بنثار الأيام 00 وأتربة الريح
– 4 –
إنّي أبحث عن نبتة عشب لا أسنان لها
تلك العشبة ستكونُ بديلا ً لذراعكِ
– 5 –
أفتقدك كما أفتقد غروب النجمةِ
وقطيع المرعى
– 6 –
إرتحلت قبلاتك ِ.. فتشقّق قلبي (1)
من الملاحظ في المقطع الأول ، أنّه يمر مروراً عابرا ً على ما مضى عليه من الزمان ، ملمّحا ً الى أحداث غامضة لا تفصح عن شيء محدد ، وكأنه يريد أنْ ينقل لنا حالات وأحاسيس مجملة عن مسيرة حياته ، وليس الأحداث أو الوقائع المباشرة ، فتأتي المقاطع الأخرى ، لتوضح ما كان غامضا ً في المقطع الأول ، حيث يظهر لنا الشاعر ، وهو يعيش قصة حب خاسرة ، فهل يستسلم لهذا الحب الخاسر بالبكاء ؟ أم يبحث عن أخرى تكون بديلا ً عنها ؟ وهذا ما فعله فعلا ً ، لكن وبرغم ذلك لا يزال يفتقد ذلك الحب كما يفتقد القرية .
ثم تأتي الحركة الثانية ( الحوار ) في المقطع الأخير ، لتخبرنا بمصير هذا العاشق ، الذي أصبح كالشجرة المقطوعة ، لا ظل لها ، فيقول :
ظهيرة كلّ نهار يأتي الطائرُ.. ويحوّم حولي
يسألني أين أخبىءُ ظلي .. ؟
هو لا يدري أنّ الأشجار المقطوعة لا ظل لها (2)
ومن الملاحظ أنّ الحوار كان بصوت واحد هو صوت الشاعر ، وهذا ما يدعى بالبناء الدرامي الداخلي ، وهو تشكيل عفوي لا يقصد به الذهاب الى الدراما من أجل الدراما ذاتها ، وأنما تعمل على تأسيس بنيته عوامل حياتية وتحولات معرفية تعمق من فعله داخل النص الشعري .
نستنتج من كل ما تقدّم في بناء القصيدة ، أنّ القصيدة عند الياسري ذات أنماط بنائية متنوّعة أهمّها وأكثرها وروداً هي ، البناء المقطعي ، والقصيدة الخاطرة ، والبناء الدائري المغلق ، الذي كان وروده داخل النص الشعري للياسري قليلاً قياساً الى النمط الأوّل والثاني .
ولعلّ السبب في شيوع هذه الأنماط البنائية في شعره ، يعود أوّلاً : الى الطابع الغنائي الذي يمتاز به شعره عموما ً ، وثانيا ً : لأنّ هذه الأنماط ، فيها قدر كبير من الإنتماء والخصوصية الى روح الشاعر ، ولاسيما القصيدة – الخاطرة ، إذ ينتمي فيها الشاعر الى ذاته إنتماءاً تأمّليا ً .
وفضلاً عن هذه الأنماط الغنائية في شعر الشاعر ، فإنّ هناك نمط البناء القصصي – الدرامي ، الذي لجأ إليه الشاعر عندما وجد أنّ الغنائية قاصرة وغير قادرة لوحدها على التعبير عن تجربته الشعرية ، ونقل عواطفه وأحاسيسه ، فكان حضور هذا النمط في شعره حضوراً فاعلاً وحيويا ً .
وأخيراً فإنّ قصائده الشعرية شكّلت كيانا ً عضويا ً متكاملا ً ، سواء على مستوى المادة الشعرية من أفكار وعواطف ، أو على مستوى البناء الشعري من أشكال وهياكل شعرية تتلائم وطبيعة العنصر الأول ( المادة الشعرية ) .

هوامش
1- الطرق على آنية الصمت : 130 .
2- حركية الإبداع : 163 .
3- ينظر : الشعر العربي المعاصر : 268 – 269 .
4- ينظر : م . ن : 268 .
5- بناء القصيدة الفني : 128 .
1- الأصول الدرامية في الشعر العربي : 57 .
2- الشعر العربي المعاصر : 300 .
3- الأصول الدرامية في الشعر العربي : 76 .
4- مستقبل الشعر وقضايا نقدية: 103 .
5- رماد الشعر : 432 .

1- م . ن : 432 .
2- بناء القصيدة العربية: 376 .
3- ينظر : الشعر العربي المعاصر : 298.
1- العبور الى مدن الفرح : 58 .
2- م. ن : 59 .
1- فصول من رحلة طائر الجنوب : 7 – 8 .
2- م . ن : 8 – 9 .

1- في الذاكرة الشعرية : 139 .
2- فصول من رحلة طائر الجنوب : 9 – 10 .
1- م . ن : 11 .
2 – رماد الشعر : 437 .
3- فصول من رحلة طائر الجنوب : 14 .
1- م . ن : 15 – 16 .
2- م . ن : 16 – 17 .
1- صمت الأكواخ : 71 .
* كان راعيا ً في الزمن الغابر ، ولما أفل نجم الريف في الجنوب أحتضن والد الشاعر ( أعبيد ) هذا وجاء به معه الى بغداد . وبعد وفاة والد الشاعر أحتضنه الشاعر نفسه ورعاه . ينظر : كاف التشبيه في صمت الأكواخ ، د . عبد الواحد محمد: 71 .
1- صمت الأكواخ : 72 .
1- م . ن : 73 .
2- م . ن : 73 – 74 .
1- م . ن : 15 – 16 .
2- م . ن : 16 .

شاهد أيضاً

ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (9) (ملف/21)

إشارة: ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع …

عدنان المبارك: رسائل متبادلة مع الناقد “عادل كامل” (ملف/14)

هذه رسائل من الصديق عادل كامل ورسائلي اليه. لكن ليست الرسائل كلها ، فهناك الكثير …

الدكتور صالح الطائي: ولادة قصيدة وطن رائية العرب (ملف/16)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *