خالد جواد شبيل : زهور الحسين صوت عصيٌّ على التقليد (ملف/6)

إشارة :
كان موت “زهور حسين” الفاجع خسارة كبرى للمسيرة الغنائية العراقية. صوت عذب ببحّة حارقة باهرة دخل قلوب العراقيين ووجدانهم. من ينسى أغنيتها الخالدة: “غريبة من بعد عينج يا يمّه”؟ وحتى اليوم يردّد العشاق ويستعيد المطربون “جيت يا هل الهوى” “يا أم عيون حرّاگه” “سلمه يا سلّامه” “تفرحون أفرحلكم” “أخاف أحجي” “يا عزيز الروح” وغيرها الكثير. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تستهل ملفها عن صاحبة الصوت الخالد بمقالة الأديب الأستاذ “خالد جواد شبيل” فشكرا له ، وتدعو الأحبة القرّاء والكتّاب إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

زهور الحسين صوت عصيٌّ على التقليد
خالد جواد شبيل
أول الكلام:
هذه الفرزة أكتبها لصديق ألحّ عليّ أن أستذكر الراحلة الفنانة الكبيرة زهور حسين بمقالة..فهي له ولكل من أحب زهور حسين…
***
ظل مجتمعنا العراقي محافظاً، ينظر عموماً بدونية للغناء وأربابه من المغنين والموسيقيين، بينما ظلّ يُعلي الشعر، ويُكبر الشعراء ومتعاطي الشعر وحفظته، في حين أن الغناء ماهو إلا شعرٌ مُغنّى! وكانت كلمة “شعّار” وهي والشعر من جذر واحد، تُطلق على المغني، وهي كلمة لا تنطوي على احترام.. وحيث أن الغناء قد يرافقه مُجون الرقص حين يعمد بعض الراقصين الى لبس ملابس النساء والتحلي بحليهن للتسلية في المناسبات السارة كالزواج والأعياد، وما قد يرافق ذلك من تناول المشروبات ما عمّق من عدم الاستحباب ارتياد مجالس الغناء، بيمنا كان الشاعر الحبوبي قد حضر مجلس طرب وصف الغناء فيه بقصيدة “غنت بنات الفرس.. في حفل غنائي راقص إقيم في حديقة آل كبة في بغداد وقد أديرت في الأقداح ( راجع الموازنة بين ابن معصوم والحبوبي لكاتب هذه السطور في موقع النور ومواقع أخَر).
بيد أن بعض محافظات الجنوب اشتُهرت بالطرب مثل البصرة والناصرية والعمارة، في حين أن بغداد تحترم المقام العراقي ومغنيه والسبب أن المقام نشأ في التكايا ويُغنى في المنقبات والمناسبات الدينية كالمواليد الأذكار النبوية، حتى أن قراءة القرآن تخضع لأنغام المقامات الشرقية.. فلا غرابة أن يُدعى مطرب المقام قارىء..
فإذا كانت هذه النظرة شائعة على الطرب والمطربين؟ ترى كيف ستكون على المطربات في مجتمع ذكوري؟!
أحسب أن النظرة الاجتماعية قد تغيرت مع قدوم الحاكي وانتشارها في أكثر المقاهي وفي كثير من البُبيوت حيث تعرّف العراقيون على غناء العراق حضريه وريفيه وبدويه، وتعرفوا أيضا على الطرب المصري والشامي لمطربين ومطربات… وزيارة أم كلثوم لبغداد في الثلاثينات غيرت من النظرة السائدة للمطربات القادمات من الشام ومن مصر واللواتي امتهن الغناء والرقص في ملاهي بغداد!! ( رأي في المقام العراقي في حلقتين، موقع النور).
****

الفنانة زهور حسين وزوجها – من موقع منتدى أيامنا

كان تأسيس الإذاعة في الثلاثينات (1936) قد استقطب المطربين والمطربات وكان البث حيّا على الهواء مما يتطلب من المطرب مراناً كافياً مع الفرقة الموسيقية حتى لا يحدث خطأ وإلا ستكون نكسة للمطرب، وهكذا عرف العراقيون مطربين ومطربات.. أشهرهن منيرة الهوزوز وزكية جورج (سورية من حلب اسمها فاطمة!) وسليمة مراد (باشا) وصديقة الملاية وعفيفة اسكندر ونرجس شوقي (مصرية) ومن ثم الجيل اللاحق وحيدة خليل وزهور حسين ولميعة توفيق..
ولدت مطربتنا زهور حسين عام 1917وهناك من يزعم 1924 والأرجح هو الأول في كربلاء واسمها الحقيقي زهرة عبد الحسين من عائلة عربية المحتد وأصلها من المسيب..ثم انتقلت الى الكاظمية وشجعها زوج أمها (ناصر) الذي كانغاواً للطرب وكان يسمح لها بسماع مالديه من اسطوانات عراقية وعربية بالحاكي ذي البوق الكبير، فأعجب بصوتها الذي لا يشبه بقية الأصوات النسائية الشائعة، فراحت تنوح في مجالس النساء الحسينية وتغني بالأفراح شأن سابقتها صديقة الملاية (من المسيب) وشأن لاحقتها مائدة نزهت(من أصول عانية)..وحازت زهور على شهرة وشعبية كقارئة حسينية (مُلا) ومطربة، سمعها ذات مرة الأخوان صالح وداوود الكويتي فذهلا بصوتها الجميل المتفرد، وزاد إعجابهما بسرعة حفظها للكلمات والألحان، وكانت تغني باحساس وانفعال صادقين مما يزيدها تألقاً فتجرأت وغنّت في ملهى الفارابي عام 1938 حيث غنت مقام الدشت وكان بمثابة مدخل لعالم الغناء، ثم انتقلت للإذاعة وقُبلت بفضل الأخوين الكويتي وسرعان ما تألقت وبزّت زميلاتها وأضحى للإذاعة نجمان ساطعان هما حضيري أبو عزيز بين المطربين وزهور حسين بين المطربات..

الفنانة زهور حسين قرب سيارتها عام 1955 – من موقع منتدى أبامنا

لقد سرقت زهور الشهرة من مطربات كبيرات مثل صديقة الملاية وسليمة مراد وأصبح لها القَدْح المُعلّى، وأينما تغنِّ تجذبْ جمهوراً عريضاً من المُجبين. بماذا امتازت زهور حسين عن غيرها من المطربات؟!
صوتها متفرد قوي في الطبقات العالية خاصة وذو ترجيع انسيابي بلا تصنع وترافقه بحّة مميزة، وقد يُخطىء السامع في تمييز أصوات المطربات إلا صوت زهور حسين المائز؛ والبحة في الصوت الثانوي الذي يرافق الصوت، هي ظل الصوت، أذكر كلما كنت أمر في السوق الكبير في النجف تثير انتباهي لوحة كبيرة لصيدلية الشفاء بخط فارسي جميل مع ظل بلون آخر أظن للخطاط عباس ترجمان..البحة هي كالظل للخط الرئيسي.. حتى يتصور السامع المرهف أن هناك صوتين.. فيكون لهما تأثير وشجن للسامع وهكذ اشتهر أيضا صوت داخل حسن ببحته الباكية ويوسف عمر ببحته المميزة الشجية أما أزعج بحة سمعتها فهي بصوت هيام يونس!!
وأسلوب زهور في الغناء يصلح تماماً للغناء الريفي والمديني وخاصة الأبوذيات بأطوار العنيسي والمستطيل والمحبوب..في أحاديثه طالما يثني عليها ملحنها الذي قادها الى عالم الشهرة الراحل عباس جميل على سرعة الحفظ واتقان اللحن مما جلب لها حسد الأخريات وكن يضايقنها لما حازت عليه من إعجاب ملحنين آخرين مثل محمد نوشي ورضا علي…
لقد كان صوتها من طبقة الميزو سبرانو وهي الطبقة النسائية الوسيطة التي تتوسط الطبقة الأعلى تردداً السبرانو والأقل الألتو..وكانت قد ابدعت في المقامات خاصة الدشت من الحسيني وكذلك الأوشار من السيكاه.. أشهر ما أبدعت به الدشت الذي لم ينافسها أحد به وخاصة في قصيدة الأحوص:
إذا أنت لم تعشق ولم تدرِ ما الهوى – فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
فما العيشُ إلا أن تلذَ وتشتهي – وإن لامَ فيه ذو الشنانِ وفَنَّدا
وكذلك في قصيدة الشاعر محمد سعيد الحيوبي:
لا تدُر لي أيها الساقي رحيقا – أنا من خمر الهوى لن أستفيقا
ومن خصائص المطربه زهور حسين هو إخراج الحروف من مخارجها، بحيث لا تلتبس أي كلمة على السامع، وهذه مسألة غاية في الأهمية لأنها تحتاج الى نفس طويل، ومن يستمع إليها في الجوابات يجد ان صوتها يتجوهر اكثر ويبقى محافظاً على هويته، وتتسم ايضاً بالنسيابية والتمكن التام..
ومن أشهر أغنياتها من ألحان عباس جميل: غريبة من بعد عينج يايمّه، وأخاف أحجي وعلي الناس يكلون، أنا اللي أريد أحجي، يام عيون حرّاكه.. وغيرها .. ولحن لها رضا علي الحان الدشت والأوشار واشتهرت بأغنية تفرحون أفرحلكم..
وإذا ذكرت زهور حسين طالما تذكر معها المطربة لميعة توفيق..التي غنت السويحلي والنايلي وبعض الأبوذيات ولكنها لم تستطع من المقام شيئاً إلا محاولة بمقام بسيط هو الجمّال من السيكاه.. لا يصل صوت لميعة الى قوة وفرادة صوت زهور، كان صو ت لميعة ذا اهتزازات تُشبه الصهيل في المديات العالية أشهر وأجمل اغنياتها: يالرايحة بليل الهلج، وأغنية هذا الحلو كاتلني ياعمّه..
يكفي زهوراً أن الجواهري كان من معجبيها وقال فيها::
غنت الزهور ففاض العطر من فيها – على القلوب وقد لاحت ذراريهاا
توفيت الفنان الكبيرة زهور حسين مأسوفاً عليها في حادث سيارة مؤسف بين الحلة والديوانية في 24 ك1/ديسمبر عام 1964 وهي في الأربعينات من العمر وفي قمة عطائها.. ولم يحفظ من أغانيها الكثيرة جداً الا العدد القليل للأسف..
9ت1/أوكتوبر 2018-10-09

شاهد أيضاً

في الذكرى الثانية عشر لرحيل شاعر فلسطين محمود درويش
*قصيدة رثاء لمحمود درويش، نشرها سالم جبران باسم سعيد حيفاوي*
نبيل عودة (ملف/26)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

مشتهياتُ الحبّ في حياة محمود درويش وشعره
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

في الذكرى المائة لثورة العشرين الخالدة . الثورة العراقية الكبرى (ملف/8)

القيادة والتنظيم كانت قيادة ثورة العشرين، تتكون من مجموعة من شيوخ الدين، وشيوخ العشائر، وبعض …

3 تعليقات

  1. جمعة عبدالله

    الاديب والناقد القدير الاستاذ خالد جواد شبيل
    مقالة رائعة بهذه البساطة المشوقة . التي غطت معالم حياة المطربة الكبيرة زهور حسين . وميزتها الصوتية الغنائية المميزة , التي لايستطيع احداً تقليد هذه البحة الرخامية في طبقاتها الصوتية
    وتحية الى الناقد العراقي بسادنها الاستاذ الكبير حسين سرمك . في احياء التراث الغنائي الخالد , الذي يتجدد مع الزمن
    ودمتم بخير

  2. شكرا أخي الناقد البارع الأستاذ جمعة عبد الله على لطفك ومشاعرك النبيلة

  3. خالد جواد شبيل

    الأديب الأستاذ جمعة عبدالله
    تحية
    سرني حضورك الفاعل وسطورك العميقة؛ لقد عهدتك وناقداً موضوعيا منصفاً..
    أحييك شاكراً لك لطفك..
    كما أشكر الدطتور حسين سرمك حسن على حسن الإخراج..
    دمتم جميعاً بإبداع..
    خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *