ناطق خلوصي : تجليات أهوال الحرب في رواية ” ما بعد الجحيم “

  تضفي التجارب الحياتية التي يعيشها المبدع شخصيا ً ، زخما ً مضافا ً على تجربته الابداعية ، وتفتح أمامه أفقا ً رحبا ً للتوغل في عوالم قد يتعذر عليه التوغل فيها بدونها . إنّ تجارب الحرب المعاشة تُعد من أقسى التجارب ولكنها في الوقت نفسه من أكثرها غنى ً في توفير المادة التي يستلهمها المبدع لصياغة أعماله ، وتأتي رواية حسين سرمك حسن التي تحمل عنوان ” ما بعد الجحيم ” شاهدا ً على ذلك .
 تقع هذه الرواية في 158 صفحة من القطع المتوسط  وقد صدرت عن اتحاد الكتّاب العرب في دمشق عام 2008 وهي الرواية الأولى لكاتبها الذي سبق أن صدرت له  في القاهرة مجموعة قصصية تحمل عنوان ” الحصار ” . الكاتب غزير الانتاج فقد أصدر حتى الآن تسعة عشر كتابا ً في موضوعات مختلفة أغلبها على صلة بالتحليل النفسي ( مجال اختصاصه) ولديه من المخطوطات ما يزيد عن هذا العدد .
  لقد عاش حسين سرمك تجربة الحرب مقاتلا ً وطبيبا ً نفسيا ً ومبدعا ً مرهف الحس فجاءت روايته مثقلة بالهم الانساني والجو الماساوي ومفعمة بروح الادانة لكل ما هو غير انساني وفي مقدمته الحرب التي ظلت لعنة ً تلاحق العراقيين على امتداد ثلاثة عقود من السنين . ومن الواضح ان أحداث الرواية على صلة بالحرب العراقية ــ الايرانية كما توحي بذلك أسماء مواقع المعارك  على الرغم من أنّ الروائي حاول أن يضفي عليها صفة التعميم لكي تبدو انها لا تتناول حربا ً بعينها وإنما كل الحروب التي خاضها هو .
 تقوم الرواية في مبناها السردي على المزاوجة بين الروي والاسترجاع أمام خلفية من التحليل النفسي حيث يوظف الروائي خبرته في هذا المجال . ويأتي الروي على لسان السارد ( بضمير الغائب) تارة ً ، وعلى لسان شخصية الرواية الرئيسية شامل ( بضمير المتكلم ) تارة ً أخرى .لكنهما يتخليان عن هذه المهمة في الثلث الأخير من الرواية ليفسحا المجال لـ ” صدّيقة ” زوجة شامل لكي تسرد الأحداث برؤيتها ومن وجهة نظرها الخاصة . وتتراوج لغة السرد بين اللغة الشعرية ولغة الحياة اليومية المطعّمة بتعابير ومفردات شعبية .
 إن شبح الحرب يلوح باستمرار وهو يلاحق شخصيات الرواية حيث يبسط سطوته على مجمل أحداثها ، وتتجلى أهوال الحرب على امتداد صفحاتها . إنّ لها حضورها الصريح أو الموحى به بدءا ً من العنوان حيث تشي بها مفردة ” الجحيم ” ، مرورا ً بالإهداء الذي يقول  :
         ” إلى رفاق الشرف والسلاح والعقيدة  أساطير كل العصور
           مقاتلي ملحمة أم قصر الخالدة .. شهداء وأحياء ،
           هل حقيقيا ً ان التأملات تمارس خيانة عظمى بحق الدم النازف ؟ “
 وما تلبث مشاهد الحرب ببشاعتها أن تبدأ بالتوالي  لتغطي الجزء الأكبر من مساحة الرواية ، وتكون مفردة ” الحرب ” خاتمة المتن الروائي الذي جاء في واحد وأربعين فصلا ً قصيرا ً ، تخترقه قصتان ونص يحمل عنوان ” سوريالية عراقية ” . ويبدو كأن هذا النص والقصتين تشكل إضافة  طارئة أو مقحمة على المتن ، أو انها تؤثر على مستوى انسيابية السرد . غير أنها في الواقع لا تنفصل عنه في مضمونها وطبيعة أحداثها ومستوى انتمائها إنما تلتحم به ، ذلك ان الحرب تشكّل الثيمة الرئيسية فيها هي الأخرى ويزيد تداخل أحداثها مع أحداث الرواية من مواجع القارىء .
 يشفع الروائي إهداءه الذي أشرنا إليه بملاحظة تمهيدية تقول ” أحداث هذه الرواية واقعية ولكنها أقل بكثير من وقائع الحروب الثلاث الدامية المدمرة التي خضتها مقاتلا ً دفاعا ً عن وطني . أبطالها حقيقيون ، استخلصت آلامهم من بحر أحزان الشعب العراقي المقاوم الجبار ” ( ص 5 ) . وربما لم يكن  في حاجة إلى الإشارة الصريحة إلى واقعية الرواية ، فأحداثها ، بمجملها ، تشي بطبيعنها وبحقيفة ابطالها . ولعل رغبته في إلقاء مزيد من الضوء على مناخ الحرب المأساوي ، جعله يقتصد في عدد الشخصيات التي وظّفها في عمله الروائي  . إن هذه المحدودية لا تشكل مأخذا ً إذ أنها جعلته بمنأى ً عن الإسراف في تفاصيل قد لا تكون أكثر من استطالات فضفاضة ترهق النص .
  أغلب شخصيات الرواية ذات توجه ثقافي . فنائب الضابط شامل سلمان يكتب القصة ولديه مكتبة في البيت وكان يأخذ إبنه معه إلى اتحاد الأدباء . أما سلام  ( الشخصية التي تنفرد بخصائص تؤهلها لأن تتبوأ مركز الصدارة ثقافيا ً  بين الشخصيات ) فهو شاعر ومنظّر واسع الاطلاع ، أي أنه مثقف من طراز خاص ، في حين يستأجر شامل غرفة في البصرة مع شاعر من معوقي الحرب . وفي الرواية اقتباسات واستشهادات ثقافية وإشارات إلى كتّاب وشعراء ، ويبدو لنا ان الروائي يتقمص شخصياته ويضخ من خلالها ما لديه من خزين ثقافي.
 يبدأ الفصل الأول مسرودا ً بلسان شامل العائد إلى بيته من جبهة القتال بعد غياب امتد لسبعة وأربعين يوما ً ، في مشهد يجمعه وزوجته صدّيقة : مشهد حميم تتوهج خلاله رغبته فيها وهي تحاول التملص منه  لكنه يلاحقها بإلحاحه : ” جئت من الموت وأنت تريدين التأجيل ؟ مستحيل .” ( ص 6 ) .لكنه وهو وسط ذلك الجو الحميم تداهمه حالة استرجاع تنقله انتقالة قاسية إلى أهوال الحرب ويتوحد فيها وجه زوجته بوجه مقاتل معه في الملجا : صورة منتزعة من لاوعيه تخترق وعيه : ” أخفت رأسها تحت الوسادة التي تشبثت بها بقوة . لم تكن الرأس واضحة تحت الركام الهائل من خشب صتاديق العتاد والتراب الرطب …. كان الجسد الودود مكتملا ً ولكن بلا رأس والدم يشخب من الوريدين المحزوزين بغزارة ” ) ( ص 10 )، فأجهش في البكاء ربما كرد فعل لعجزه الجنسي الذي هو أحد مفرزات الحرب  ، ولعل في صدمته النفسية وإحساسه بالخجل من زوجته  ما  جعله  يهرب من مواجهتها . وتكاد شخصية شامل تشكـّل الأساس الذي تقوم عليه بنية السرد ويُنظر إليها كنموذج تطبيقي لقياس مستوى انعكاس مؤثرات الحرب على السلوك الانساني .  لقد أدخله الروائي إلى مختبره ووضعه على طاولة التحليل النفسي ، متابعا ً ما يطرأ عليه من تحولات نقلته من موقع سلوكي إلى نقيضه . فهذا المسالم المشدود إلى أسرته الصغيرة ما يلبث أن يتحول بزاوية حادة بعد أن مسخته الحرب . فقد عمد إلى معاقرة الخمر بإسراف مع صديقه رؤوف كشكل آخرمن أشكال الهروب وأدى سلوكه المتشنج إلى توتير علاقته الأسرية وبلغ به الحد إلى أن يتخلى عن اسرته وينزوي في قوقعة ذاته حتى كاد ينسلخ عن آدميته . وربما كان استشهاد صديقه ورفيق الملجا القتالي الحميم سلام ، سببا ً رئيسيا ً في ما وصلت إليه حاله . وسلام هذا الذي جاء منقولا ً من أفصى الشمال إلى أقصى الجنوب كان ينطوي على ” تناقضات عجيبة  : مجموعة كبيرة من الأنواط وكتب الشكر لبسالته في المعارك وانضباطه العالي ، تقابلها مجموعة كبيرة من العقوبات ” ( ص 46 ) . لكن الروائي ما يلبث أن يكشف عن جانب مضيء في شخصية هذا النموذج الاستثنائي فإذا بنا نكتشف انه رجل صاحب مبدأ تعرّض للسجن لأنه رفض  المشاركة في إعدام ضابط بتهمة التخاذل  . يرتفع صوت سلام محتجا ً : ” أنا مقاتل . أقاتل ولا أعدم .أدافع عن بلدي ولا أعدم ” ( ص 47 ) . لقد صار بسلوكه الانساني بؤرة استقطاب في وحدته العسكرية . يقول عنه شامل : ” بهذا النبل السماوي  والطيبة الملائكية وروح الفروسية الناجزة ، عصف بوجودي كاملا ً . منذ اللحظة الأولى التي شاهدته فيها شعرت بعاطفة غريبة تجاهه ” ( ص 53 ) .
 وتكاد شخصية ” صدّيقة ” تمثّل النموذج الموازي لشخصية شامل من حيث درجة الأهمية لدى الروائي . فقد وضعها هي الأخرى على طاولة التحليل النفسي يهدف استقراء انعكاسات الحرب النفسية على المرأة ، لكنه قدّم من خلالها نموذجا ً لجَلـَد وكفاح المرأة العراقية الصابرة على ويلات الحرب . وقد احدث إنطافا ً  حادا ً في مسار الأحداث حين كشف بأنها مصابة بالسرطان وكأنها لم يكفها ما أصابها من أهوال الحرب .
 وتجد ثيمة الخلود  حضورا ً في الرواية ، في تأكيد على ان الشهداء يظلون أحياءا ، يغادرون أجسادا ً ولكنهم يمكثون أرواحا ً حيّة بين أهلهم وأحبتهم . لقد كان شامل ورؤوف يملآن كاسا ً ثالثة في جلسات سكرهم ، يقولون انها لسلام الغائب ــ الحاضر ، وكان شامل يصر على أن يواصل كل ليلة ترتيب السرير الذي كان سلام قد صنعه لنفسه من صناديق العتاد في الملجأ . وساوره الشك في أن يكون سلام قد غاب حقا ً ويتشبث بأمل كاذب بأنه ربما كان أسيرا ًوانه سيلتقيه من جديد . وكان شامل وسلام قبل ذلك قد حملا جثمان المقاتل سمير إلى والديه وقد سمعا أمه تقول في لحظات إحساسها بالفجيعة وقد فقدت ولدها الوحيد : ” بعد يوم الأربعين سأزوّج أبا سمير من فتاة شابة من أقربائنا . أريدها أن تنجب له ولدا ً سأسميه سمير ، سمير لا يموت ”  ( ص 81 ) .
 وتعرض الرواية سلسلة ً من مآسي الحرب . فمن استشهاد شقيق صدّيقة الوحيد ( وكانت بلا أب ولا أم ) ، إلى استشهاد جميل ابن عم شامل وزوج أخته ، إلى مشاهد الجثث المتفسخة والطافية على مياه الأهوار ، أو تلك التي تنهشها الكلاب . مشاهد يسرف الروائي في تصويرها من أجل التأكيد على بشاعة الحرب . وكانت خاتمة المآسي في الرواية  النهاية الفاجعة التي آل إليها أحمد الذي كان قد فشل في دراسته واستدعي للخدمة العسكرية لتتلقفه قذيفة وهو في طريقه إلى ” مجنون ” ليلتقي أباه الذي كان هو الآخرفي طريقه ليلتقي ابنه المقاتل في ” بنجوين ” ، في مسعى ً مشترك منهما للم شمل الأسرة من جديد . ولم يكن حدث رحيل أحمد ً مفاجئا  للقارىءً فقد أشار إليه الروائي في الإشارات التمهيدية للرواية حين أورد نص ما مكتوب على شاهدة فبر الجندي المكلف أحمد شامل سلمان ، فاضعف صدمة المفاحأة في تلقي الخبر . إن  ” ما بعد الجحيم ” واحدة من أفضل الروايات التى كُتبت عن الحرب ومن أكثرها توثيقا ً لأهوالها ومآسيها .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.