الرئيسية » نقد » ادب » عبد الستار نورعلي : الإبتداع الخلاق في شعر وفاء عبد الرزاق

عبد الستار نورعلي : الإبتداع الخلاق في شعر وفاء عبد الرزاق

الإبتداع الخلاق في شعر وفاء عبد الرزاق
عبد الستار نورعلي

تقول الشاعرة وفاء عبد الرزاق:

أمدّ رأسي من الجدار
(لأتذكـّـر ما قالته الشجرة ُ لأغصانها)
تسبقني رصاصة ٌ تـُشبهني تماما ً
كـُلُّ شيءٍ يصبح طفلاً
حتى الأطياف الراحلة
تفرد أُمّي ذراعيها
يَخرجُ وجهي منْ جـيبِ قلبـِها
ليسبقني إلى العتبة
لكنّ الرصاصةَ تفتح عالمَ الحبر .

(قصيدة: البحر ليس طفلاً / ديوان “من مذكرات طفل الحرب”)

(الرصاصة) كلمة تذكرنا فيما تذكرّنا بالخوف والموت والأذى من خلال دلالاتها وايحاءاتها القاسية والمؤلمة التي اقترنت في ذاكرة النفس البشرية باسم آلات القتل والجريمة والعنف. وعند الشعراء تستخدم مجازاً عن الحرب والقتل ، أو التعبير عن العنف والقسوة والتدمير والاضطهاد والخوف عموماً ، وخاصة في آداب الأمم التي عايشت حروباً وانظمة قمعية مارست إدارة المسدسات المدويّة منها و الكاتمة الصوت هوايةً وحرفة وحفظاً للنظام بإشاعة الرعب لاستدامة البقاء ، أو وسيلةً للاعتداء على الآخرين . مع أنّ بعض الشعراء استخدمها في القصائد السياسية والحماسية للتعبير عن المقاومة ومحاربة الأعداء والمحتلين ومعارك التحرير والدفاع عن النفس ، أو في تصوير بشاعة الحروب والقتل والموت مثلما نقرأ للشاعرة السويدية لينا أكدال في قصيدتها عن الحرب (حلّ الأزمة) والتي ترجمناها مع قصائد أخرى لشعراء سويديين وقفوا ويقفون ضد الحرب ونشرناها منذ فترة:

أقولها للمرة الأخيرةِ.
توقفوا الآن.
إذا رأيتُ أحدَكم يُطلقُ النار مرةً أخرى
فلنْ تكون هناك حلوى بعد الطعام.

ألا تسمعون ما أقول؟

عندها فإني سآخذ المسدساتِ
والبنادقَ والقنابلَ والمدافعَ.
لنْ تحصلوا عليها ثانيةً
إذا كنتم منشغلين بإطلاق النار على بعضكم البعض طوال الوقتِ.
الآن يجبُ أن ينتهيَ ذلك.

لا يهمني من الذي بدأ أولاً.
لا أهميةَ لذلك.
توقفوا الآن عن القتلِ.
توقفوا عن الحرب.
يكفي هذا الآن.

ولذا نرى أنّ دلالة كلمة الرصاص في الفن والشعر خاصة قائمة في إطار التعبير عن العنف والقتل والأذى والخوف وتصوير بشاعة ذلك وتأثيره السلبي على الانسان وحياته ونفسه وروحه الانسانية وموقفه في الحياة ونظرته الى الأمور.

تقول شاعرتنا وفاء عبد الرزاق في نفس قصيدتها المذكورة أعلاه:

ممتنٌّ لها جداً
تلك الرصاصة ُالتي
ستـُصبح أسرتي القادمة
حقـّاً لستُ بحاجة ٍ
إلاّ لمزاج الدويّ .

تقدّم لنا الشاعرة في هذا المقطع رؤية استقرائية مستقبلية تخيلية للرصاصة المدوية من خلال مذكرات طفل الحرب وهو اسم ديوانها المعنيّ بقراءتنا ، وهنا المتحدث هو هذا الطفل (الشاعرة) . الرصاصة ستكون الأسرة القادمة في اشارة الى المعايشة اليومية الدائمة لتكون بديلاً عن الأسرة البيولوجية الاجتماعية في الوهلة الأولى للقراءة ، لكننا بالعودة الى المقطع الأول من القصيدة ربما يمكن التقاط اشارة (لكنّ الرصاصة تفتح عالم الحِبر) يمكن استنتاج أنّ أسرة الشاعرة التي تشير اليها رمزاً هو عالم الكتابة على أساس أنها المعايشة اليومية بحكم احتراف مهنة القلم ، وذلك بما فيها من الاشتغال الدائم قراءةً وكتابةً وجهداً ومعاناة ، وبالتفكير وباستعادة ما في الذاكرة من صور حياتية ماضية ومن شخصيات ومن تجارب ، ثم الاستعداد النفسي والتخطيطي الدائمين لمشروع نص . وكلّ ذلك ممارسة يومية ومعايشة مستمرة بالحس والتفكير والتعب . والغذاء الروحي لكل ذلك وارهاصاته هي الكلمة ، مثلما هو استذكار للشخصيات والأحداث والممارسات والتجارب الذاتية الفردية والجمعية الأسرية والبيئية الاجتماعية وكذلك الأفكار والمشاعر والأحاسيس.

فكيف يا ترى يمكن لرصاصة أن تكون أسرة وبهذه المعاني والدلالات والرموز المتنوعة؟

هنا نرى الاستخدام الإبداعي (الإتقاني) الفني وبآلات فن الشعر واللغة والأخيلة والتصوير ومرتكزات الرمز ومتطلباته ، وصولاً الى الاقتدار الابتداعي (الخَلقي) عند شاعرتنا . والمقصود بالابتداعي هنا مدلوله الاصطلاحي الفني التصويري واللغوي بخلق صورة مُستحدَثة غريبة غير مألوفة الدلالة والاستقبال الحسي والتقبل الخيالي ، أي اختراعها (الاختراع) لحاجة بلاغية تخيلية جديدة مستنبطة من العلاقات بين الكلمات ومعانيها للخروج بلوحة مستحدثة لم تألفها القراءة الساكنة في بطون المتوارث من الصور المنهجية المنطقية الأداء والمعقولة الاستقبال والثابتة الشروط والقواعد المنهجية المدرسية بثباتها المعهود الذي أمسى مقدساً من المقدسات في الكتابة النمطية بموروثها الثقافي العقلي .

وابتداع الشاعرة هنا هو في تصوير الحرب والاضطهاد والقتل أسرة قادمة بإشارة الى المعايشة الحياتية اليومية المستمرة مع دويّ الرصاص في أرض تلطخت بالحروب والقمع السري والعلني المهووس بالموت المجاني اللامنطقي الخارج عن المتصوَّر البشري ليقع في مستنقع الحيواني المتوحش في البطش اللاعقلاني واللاواعي وغير الانساني لمجرد اللذة المريضة واشباع غريزة القتل بلا هدف والمعنوَّن بكلام مزوّق وتبرير برّاق لم يكنْ إلا تزويراً وزيفاً مبالغاً في تزويقه وتسويقه وتبريره . فتحيلنا الشاعرة بمهارة المبدع المبتدع ووعي الفنان الموهوب المقتدر الى هذا العالم المتشح بسواد القسوة الانسانية من خلال ذاكرة طفل ما هو إلا شاعرتنا نفسها كاتبة هذه المذكرات الحسية بذاكرتها المختزنة لتراث غزير من الحروب والجرائم ضد الانسانية والموت في وطنها الأم . هذا التراث الذي دفعها قسراً إلى أنْ تحطّ رحالها في أرض غريبة بعيدة عن ذاكرة الرصاص ودويّها المصحوب بالخوف والرعب والقلق وافتقاد الأمان ، إذ تقيم الشاعرة المبتدعة وفاء عبد الرزاق في لندن عاصمة ما يُسمى بالضباب جغرافياً .

تقدم لنا شاعرتنا هذا الابتداع الشعري في المقطع أعلاه على طبق من مزاج تهكمي حين تتحدث عن امتنانها وشكرها للرصاصة. لأننا في نهايات القصيدة نشهد النتيجة المأساوية التراجيدية للرصاصة بمعناها العنفي اللاإنساني والتي كانت الغاية من المذكرات إذ تقول:

الـَّذين نسوا لعبهم إرتدوا آخرَ قمصانِهم
ثمّ التحمتْ أشلاؤُهـُم بي وكأنـّها تنتظر زائراً
والـَّذين يصلحون للروايةِ المشوّشة
سيقرأون في كـُتـُبِ التـُراب
عن أطفال ٍ مِنْ أغلفةِ الرصاصْ
ابتنوا لهم بيوتاً .

في هذا المقطع نقرأ النهاية الفجائعية للرصاص بعد أنْ قادت الشاعرة مخيلتنا وقراءتنا وذائقتنا في دروب القصيدة وزواياها بتمكن عالٍ وأداء فني راقٍ فيه من الجمال اللغوي والتصويري والابتداع الكثير لتصل بنا الى المراد فتلقينا في صدمة النهاية من ذاكرة الرصاصة. أطفال نسوا لعبهم وتحوّلوا إلى أشلاء لتصبغ قمصان كاتب المذكرات الطفل (الشاعرة) بلون الدم مُعلَقةً عليها أشلاؤهم البضة التي لم تكتمل حياةً كانت في انتظارهم لما تبقى من العمر الجميل في القادم من أيامهم . ولم يلحقوا أنْ يشبعوا من طفولتهم لهواً ولعباً ومرحاً وضحكاً كان من حقهم الطفولي الانساني الذي تقرّه شرائع السماء قبل الأرض . لوحة درامية تنقل الينا تراجيديا الموت في سجّل ذاكرة طفل . فالأطفال أكباد الناس الماشية على الأرض ، وهم أحباب الله ، فلنتصوّرْ حجم ألم الجرح في الكبد وشدته . فليس أقدر على نقل شكل وحجم المأساة وقسوتها على النفس من تصويرها في جسد وذاكرة طفل .

ثم تذكَّرنا الشاعرة بحجم مأساة الحرب وترمز اليها بالرصاص حين تذكر أنّ الأطفال بنوا بيوتهم من اغلفة الرصاص . وهو تصوير مجازي مُبتدّع رائع عن حجم ما أطلق من الرصاص ومن متفجرات القتل والتدمير بحيث أمكن بناء بيوت منها يسكنها الأطفال بدلاً عن بيوت الأمان والورد والينابيع العذبة والنور الوهاج واللعب البريء . إنها تستخدم البلاغة التصويرية وحجم ما تكتنزه اللغة من ثروة لم تُكتشف مداخلها كلها بعدُ لتخرج عن مألوف الكلام الى لامألوف الصورة المثيرة البراقة الوَهَج والصياغة .
فكيف يمكن بناء بيت من أغلفة الرصاص ! وكيف تنتظر الأشلاء زائراً ! وهل للتراب كتب !
قد ترد هذه التساؤلات على ذهن قارئ ثابت القراءة البلاغية والرؤية الخيالية ومعتاد على الفهم السريع المتربي على الموروث وصارم الذائقة والتلقي : ألم يكن بمقدورها ان تنقل الينا ما تريد بما يُفهم من كلام ويُستوعَب من تخيّل وصور ومجازات ؟

يقول افلاطون بأنّ الشعراء حين ينظمون يخرجون عن حدود العقل والطبيعة. بمعنى أنهم يلجون عالماً آخر بعيداً عن منطق الأشياء بحساب العقل ، عالم الخيال والخلق والابداع والابتداع والاستعارات والمجازات والالتفاف على المعنى والصورة الموروثة لتقديمها بشكل جديد مُستحدَث يثير الدهشة والصدمة معاً فيحدث اهتزازاً وارتجاجاً لدى المتلقي. وهو ما أشار اليه الشاعر نزار قباني أيضاً بقوله: “لا قيمة لشعر لا يحدث ارتجاجاً في قشرة الكرة الأرضية، ولا يُحدث شرخاً في خريطة الدنيا وخريطة الانسان.”

أي أنْ يكون اللامألوف بالمنطق العقلي والتخييلي والبصري والحسي تعبيراً حسياً شاعرياً ينقل المألوف بصورة منقلبة الرؤية وملتفة التبليغ الروحي في ثوب بلاغة جديدة تخرج عن الموروث البلاغي الثابت الذي تربّى عليه ذوق القارئ خلال قرون طويلة حتى رسّخت المفاهيم والقواعد وسكون الذائقة ليصبح المألوف مقدساً لا يجوز تجاوزه . هذه البلاغة الجديدة تخلق بلاغتها الخاصة بإطار يثير ارتجاجاً وصدمة ودهشة. وإلا كيف نسمّي الشعر فناً حسياً لغوياً خالقاً ، وابداعاً وابتداعاً يروم التأثير وإثارة الاهتزاز والدهشة ، وينقل الينا ما يتلاطم من ارهاصات واحاسيس ومشاعر وخيال في نفس الشاعر؟!

ولنقرأ أيضاً للشاعرة من المُبتدَع من صور ومجازات خروجاً على الثابت الموروث والمعهود المألوف ومن قصيدة (امرأة واحدة لا تكفي):

دون قلم ٍ يـُشاكس أوراقي
أو استئذان حائط ٍمُغـفـّلٍ
تحت شجرةٍ لا فصولَ لها
جلستُ على فؤاد التراب
أكتبُ بأصابعي
عن مدرسةٍ تعرّت للهواء
وانتقي من النجوم امرأة ًواحدة ً
تتـّسعُ لـِمناخِ استهزائي ببطاقةٍ رعناء
مخدعُها جيبُ أ بي الـَّذي كساني بالجراح
كما كسته الحروق
هلْ سبقَ انْ شبعتم بـِدُخـانٍ
أو رقصتم على قفزاتِ الشظايا ؟
هكذا رقصت زينبُ بنت جارنا
وأهدتني عينـَها الممتلئة بالدخان لأشبعْ .

هنا مجموعة صور خارجة عن المألوف وعن حدود العقل والطبيعة والمنطق: أوراق مُشاكسة، حائط مغفّل ، شجرة بلا فصول ، فؤاد التراب ، مَدْرَسة تتعرّى ، مخدعها جيب ، شبعتم بدخان ، اهداء العين الممتلئة بالدخان … إنّ كلّ هذه وغيرها من صور في قصائد الشاعرة عموماً هو ارتجاج وشرخ في خارطة الشعر واللغة والحسّ الانساني والخيال بموروثه المألوف المطابق للطبيعة بما تنقله الى البصر وتزرعه في العين . وكلما حدث شرخ وارتجاج أصيب المتلقي بالدهشة والصدمة . وهنا مهمة الشعر وآلة الشاعر .

يقترن الابتداع الحقيقي باللامتناهي ، والابتداع هنا بمعنى الابداع المتقَن في خلق الجديد من غير المخلوق المعهود المتوارث حسّاً ورؤية وذلك لحاجة الشاعر في تصوير ما يروم نقله الينا كما اسلفنا . وهو لامتناهٍ لأنه لا نهاية له بحساب الخيال الانساني الواسع الذي منحه الخالق سبحانه وتعالى للانسان لكي يحلّق على أجنحته منذ أيام أبينا آدم وحتى اليوم ليصل الى ما وصل اليه الآن مما كان يوماً خيالاً غير قابل للتحقيق ، لكنه تحقّق . يقول الشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف اللعبي:
“لا حدود للابداع مادام أفقه هو القارة الانسانية اللامتناهية الأطراف.”

فكل ما أبدعه الانسان كان يوماً خيالاً أسطورياً ومن المستحيلات التي لم يكن العقل البشري بمنطقه يتخيل أنه يمكن الوصول اليه . لكنه حصل ويحصل . والشعر أيضاً نشاط انساني خُلق موهبةً منحها الله سبحانه وتعالى لانسان دون غيره ، وآلة هذه الموهبة ووسيلتها هي اللغة والخيال والحسّ والابتداع اللاعقلي اللامنطقي . وعليه فإنه نشاط انساني لا بد أنْ يتطوّر فيبتدع الشاعر ما يمكن أن لا يُقبل أو يُستوعَب عقلياً ومنطقياً منهجياً لكنه مقبول حسياً ، لأنّ الشعر صناعة حسية غايتها اثارة مشاعر وخيال المتلقي من خلال تحفيز احساس الدهشة ، اضافة الى ادخال المتلقي في عالم جديد غير مألوف للوصول الى الهزّة التي تغيِّر القناعات التخييلية الثابتة نحو فضاء جديد ينقل المتغيرات الروحية والخيالية في إهاب اللغة . مع أنّ الفيلسوف الفرنسي هنري بيرغسون يرى أنّ اللغة فاشلة في التعبير عن النفس، وأنها ليست من طبيعتها فالنفس متحولة غامضة واللفظة واضحة متحجرة. وهذا ما يجعل مهمة الشاعر صعبة للغاية مليئة بالأشواك مجهدة لأنه ينقل ما في نفسه بآلة اللغة .

ولربما هنا أيضاً يكون فهمنا لطبيعة اللغة الشعرية التي تعبّر عن مكنونات النفس البشرية . فإذا كانت النفس متحولة غامضة فحينها يكون المنتج الشعري الأصيل معبراً حقيقياً عن النفس فيكون غامضاً متحولاً عن المألوف ، والغموض هنا ليس بمعنى الانغلاق والاستعصاء على الفهم والادراك والوعي والاستيعاب والمعايشة والتلقي وانما يمكننا أن نأخذها على محمل التعبير البلاغي المجازي الذي يثور متفجراً مجدّداً ليكون لامألوفاً بمفهوم المنطق العقلي ، لكنه مألوف بمفهوم المعايشة الحسية التخيلية . لأنه أصلاً يكتب الشاعر كفنان ليثير الحسّ والمشاعر والخيال من خلال خلق صور جديدة غير موجودة مسبقاً في خيال القارئ مما هو موجود أمام بصره ، فهو لا يخاطب العقل والمنطق وثبات الأشياء ، وإنما هو خروج عليها . وهو ما أشار اليه الشاعر الروسي أندريه فوزنيسنسكي حين قال بأنّ الفنَ ليس ترفاً وأنه أمنية اللاموجود والوسيلة لتحقيق هذه الأمنية . وألم يقولوا قديماً في تراثنا الثقافي الأدبي أنّ أعذبَ الشعر أكذبُه، والمقصود بأكذبه هنا ابتعاده عن الحقيقة المنطقية المتعارف عليها . فالكذب هو قول غير الحقيقة القائمة في الواقع أمام البصر والبصيرة ، أي اشغال الخيال لخلق حالة جديدة غير موجودة في العُرف العام أو في الطبيعة حولنا.

كان يمكن لنا أن نتساءل ونحن نبدأ رحلتنا مع ديوان (من مذكرات طفل الحرب) : ما الذي يدفع شاعرتنا وفاء عبد الرزاق (الطفل) وهي تكتب مذكراتها أنْ تشبّهَ نفسها (نفسه) برصاصة بدلاً من وردة أو فراشة أو غصن أو نسيم عذب مثلما يمرّ بخاطر القارئ عندما يشرع في دخول العالم الابداعي لشاعرة ما ، أي العالم الحسي التعبيري لامرأة بما تمثله المرأة لنا من كيان رقيق خَلقاً وحسّاً ومشاعر؟
لكننا حين نقرأ عنوان الديوان ثانية (من مذكرات طفل الحرب) نعرف الجواب . فالحديث هو عن الحرب وتداعياتها وويلاتها ونتائجها في بناء وتكوين عالم الطفل الذي عايشها أو يعايشها يومياً مع طعامه و شرابه ويقظته ونومه ولعبه ولهوه ، هذا إذا ابقت له لهواً ولعباً . وهو ما التقطنا إشاراته من المقطع الشعري :

الـَّذين نسوا لعبهم إرتدوا آخرَ قمصانِهم
ثمّ التحمتْ أشلاؤُهـُم بي وكأنـّها تنتظر زائراً
والـَّذين يصلحون للروايةِ المشوّشة
سيقرأون في كـُتـُبِ التـُراب
عن أطفال ٍ مِنْ أغلفةِ الرصاصْ
ابتنوا لهم بيوتاً .

في استقراء لديوان الشاعرة والذي نتناوله بقراءتنا هذه نلتقي بحجم الابتداع فيه من صور وأخيلة ومضامين وتلاعب مُستجَدّ بالعلاقات البلاغية لتخرج علينا بما يثير فينا الارتجاج والدهشة من اللامألوف واللامقبول بمنطق العقل والطبيعة . ولنقرأ لها من قصيدة (مأوى):

أسرّحُ شَعرَ الطرقات
من صُور تـُشبهُ البحر
بينما الطائراتُ
تـُسرّحُ شَعرَ البيوت
وتـُنظـّفها من أبنائها .

تحاول هنا أنْ تنقل الينا الشاعرة صورة عن بشاعة الحرب فتستخدم مقدرتها الابتداعية في اللعب على البلاغة المألوفة في التصوير والتشبية والمجاز لتخلق بلاغتها الخاصة الخارجة عن منطقة الموروث لتدخل خارطة الابتداع الشعري الارتجاجي المرجوّ على رأي نزار قباني . فكيف يمكن تسريح شعر الطرقات ، وهي هنا تعني تعديل وتنظيف ما ألفته الطرقات من صور يومية تشبه البحر في حركته سكوناً وعمقاً وغموضاً وخوفاً وأمواجاً متلاطمة ، وكيف يتهيأ للطائرات المادية الجامدة أنْ تسرّح شعر البيوت من أبنائها ، فالتسريح فعل انساني نقلته الشاعرة الى فعل ماديّ للطائرات ، وترمز بهذا الى بشاعة الطائرات الحربية في تمزيق عرى البيوت وقتل أبنائها وتفريغها منهم مثلما يُمشّط الشعر لتنظيفه ، وهذا التصوير هو لبشاعة الحرب طبعاً . فهي لم تلتجئ الى الاعتياد الذوقي الخيالي واللغوي التاريخي المدرسي لنقل ما ترمي اليه من التعبير والتصوير وذلك باستخدام القصف والقتل وتفريغ البيوت الآمنة من أبنائها بسوقهم الى الحروب العبثية التدميرية . بمعنى أنها خرجت عن المألوف البلاغي الى اللامألوف اللامنطقي بحساب المنهج وقواعده الصارمة العتيقة.

ولنقرأ أيضاً من هذا المبتدع الفني الجديد على الذائقة الساكنة الثابتة على ما لا يثقل المتلقي في البحث ما وراء ما يقال للحفر فيه لاستخراج كنوزه بتعب وجهد وصبر فيعثر على مصوغات رائعة الصياغة والتكوين مبهرة البريق بجواهرها الثمينة، لا أنْ يستند على عكاز التثاقل والكسل من خلال الاعتياد على تقديم الطعام له جاهزاً على طبق من البيان الواضح واللغة السهلة والرؤية المباشرة والاستيعاب السهل السريع والذي لا يحتاج الى جهد في البحث الحثيث في مكامن الجمال والحلاوة واللذة والثراء لاكتشاف قيمة المنظوم العالية.

ولنتوغلْ أكثر في عالم الشاعرة المبتدعة وفاء عبد الرزاق لنستخرج المعادن الثمينة لتُثير دهشتنا بلمعانها وثرائها وغلائها ، فنقرأ الدُرَر المصاغة بريشة صائغة ماهرة وفنانة مقتدرة متمكنة من آلتها في النحت والصياغة المستجدة الباهرة ، تقول في قصيدة (قربان):

الجـُدرانُ
بـِأمـان ٍنـامـتْ
عـُيونُ المارّةِ
كهلٌ على كرسيـّهِ المُتحرّك
أطفالُ ذبائح
باعة ٌ كأغصان قـُطفت من شـُعاع
شحـّاذون بزمنهم الهر ِم
ثـديانِ افترقا عن جسد
كـُلـّهم
بأمــان ٍ نــاموا
الموتُ وحدُه اليقظ
مَـنْ يـدري
لربـّما بكلّ هـذه الولائـم
لمْ نجمعْ ما يكفي لِعشاءِ الرب

الجدران تنام بأمان مثلما البشر، وهنا اشارة الى الصمت الذي يعمّ البيوت قبل العاصفة. الكهل والأطفال المذبوحون ، الباعة الأغصان المقطوفة، الشحاذون ، الثديان ، ناموا كلهم بينما الموت يقظ ، أي أنها استعارت اليقظة من الأحياء الى المعنى (الموت) . فهي بابتداع أخّاذ مثير للدهشة والصدمة والارتجاج تشير الى بشاعة الموت باختلاق الحروب ودمار النفس البشرية . ولم تذهب الى ما ذهبت اليه باطار المنطق التعبيري السهل ، لكنها اختارت الابتداعي الصعب لتصل الى ماترمي اليه. ولنقراْ ثانية من قصيدة (تجميل الموت):

الّذين يَلتـَفـّون على حِبالِ الموْت
الّذين يترصّدون موعظةَ التوابيت
ويبتهِجون في صدرِ المعنى
الـَّذي تورّمت آدميـّتـُه
وتفسّـخـَت أسفارُه
الـَّذين يلتفـّون على ثـَوبِ نقائي
توسـّخوا بـِجُـمـَل ٍ
لمْ تـُترجم أنثى المطـر .

هذا الخزين اللغوي التصويري اللامألوف تلقيه الشاعرة القديرة في كأس قراءتنا لنحتسي معها خمرة التصدع الوجداني والجرح الانساني في ابتداع مذهل وصدمة هازّة بقوة للمشاعر لترتعش الأوصال ، لكنه جميل وبرّاق في الوقت نفسه لغوياً وأسلوباً وبلاغةً مدهشة تدلّ على حجم الثراء الشعري واللغوي الذي تختزنه الشاعرة في شاعريتها الكبيرة .

إن البحث عن الابداع والابتداع لدى شاعرتنا القديرة وفاء عبد الرزاق يوصلنا الى اكتشاف كمية الثروة التي تمتلكها شاعريةً وموهبةً وأداءً وقدرة على تطويع اللغة للصورة وللحسّ وللمضمون والهدف خروجاً على المألوف بمنطقه الثابت الجامد . فهي بموهبتها وقدرتها الكبيرتين استطاعت تجاوز ما هو ثابت الى ما هو متحوّل لتستكشف الجديد المثير والمذهل فتتجاوز الفكري العقلي المعهود الى المستحدث المطلوب في التطور الحاصل في الحياة البشرية ومنها منطقة الأدب والفن عموماً . وكما قال الأديب الروسي فلاديمير ناباكوف بأنّ الادب لاينتهي الى قسم الافكار العامة بل الى قسم الكلمات الخاصة والصور والمعاني .

ولا بد لنا ونحن نتناول ديوانها (من مذكرات طفل الحر) أنْ نعود الى مضمون هذا الديوان في إدانة الحرب وبشاعتها من خلال تركيزها على ذكر الرصاص ونتائجها المأساوية الكارثية على نفسية الطفل وبنائه الروحي لأنه المستقبل ، وكذلك الانسان عموماً وما تجرّه من ويلات وكوارث ومصائب . تقول في قصيدة (باتجاه الله):

رصاصٌ
ورصاصٌ بصحن ِ رصاص
مـُثقلٌ بقـناديل الخلاص
خُـذ صحنكَ الرصينَ
يا عليّ
وغـُص بتواضع
بتواضع ٍ يا علي
كيْ لا يباتَ الرفضُ جامحاً .

وتقول في قصيدة (أغنية البرتقال) لتعرّفنا بفجائعية نتائج استخدام الرصاص وتأثيراته المرعبة على حياة وروح الانسان:

فـُرصة ٌضئيلةٌ
أن أرى بخزانةِ أبي
بعضَ كلمات.
وأنا أعدّ الـَّلحظاتِ بإلحاح
وأتساءل :
لربّما لها شكلُ نـُجيمات
ثلاثة ُ كتبٍ مـُندسّة بين ملابسه
فرصة ٌضئيلة
أن أحصلَ على شىءٍ من أبي
بين ورقٍ له شكلُ تـُراب.
أخذت أتراجعُ
وأتساءلُ بتراجع ٍ
أتـُراه ينتظر منّي أن أكتشفَ
الموتَ الذي دخل بيتـَنا دون استئذان ؟

إنّ الدخول في عالم وفاء عبد الرزاق الشعري مغامرة لذيذة نلتقي فيه بجماليات الصورة المستنبطة من وعيها الشعري الفني وحسّها المرهف الذي يلتقط المعنى والجربة الحسية فتؤطرهما بابتداع بلاغي لغوي يغيّر في شكل العلاقات بين الكلمات ودلالاتها المتوارثة القاموسية الأداء والمندرسية الاستخدام. لكن شاعرتنا تخرج عن هذا الرداء لترتدي ثوب الجدة والبحث عما هو لا مألوف ليكون لها لونها الأدائي المتميز بين الألوان المعتادة التي أصبحت ممتزجة ببعضها كأنها واحد.

الابداع والابتداع وموقع الشاعرة فيهما

بالعودة الى عنوان القراءة هذه أودّ أنْ أوضح رأيي في دلالة المصدرين (ابداع) و(ابتداع) بجانبيهما الاصطلاحي الفني في مجمل ألوان الفن الجميل تشكيلاً ولغةً وسماعاً، وبخاصة فن الشعر الذي هو محور قراءتنا هذه. ولا أريد هنا الخوض في جذر الكلمتين اللغوي والاشتقاقي وما تؤديانه من معنى منهجي مرتبط بقواعد اللغة، مع تأكيدنا على أنّ معاني الالفاظ لها علاقة بجذورها اللغوية واشتقاقاتها دون شكّ.

(الابداع) يعني فنياً إتقان الصنعة جمالياً بحرفية عالية ومقدرة كبيرة تثير الاعجاب والدهشة، وهذه الصنعة تعتمد على آلة الحرفة المعنية بالخلق والتوليد. ففي الشعر مثلاً يمكن لشاعر ما أن يكتب قصيدة عمودية أو شعرَ تفعيلة أو قصيدة نثر يحافظ فيها على أصول وأسس وشروط هذا اللون بصرامتها ومنهجيتها وقواعدها وبحرفية عالية واقتدار فتكون صورة أخرى لما اعتدنا عليه من شكل ومضمون القصيدة بما عهدناه، فيكون الشاعر فيها مبدعاً من خلال اتقان المحافظة على فنه وبامكانيته الكبيرة وموهبته المشهودة دون أن يخرج عن خطوط المألوف مما عُرف عن هذا الفن والكتابة فيه من شروط وقواعد لغوية وفنية وتعبيرية.

أما (الابتداع) فهو مثل (الاختراع) أي خلق نص جديد في صوره ولغته وبلاغته، فيه خروج عن المنهجية المدرسية المتوارثة لكنها تحافظ على أسس وقواعد ممارسة هذا الفن، أي استخدام نفس الآلة المطلوبة في هذه الصنعة (الشعر) وهي اللغة مع الاختراق والخروج على الموروث الثابت والمشروط منها بمنهج وقواعد، وذلك لابتداع المُستحدَث الذي يكون فيه جديد خارج على المتوارث. يقول النابغة الذبياني مستخدما التشبيه في مدحه للملك النعمان بن المنذر:

كأنّكَ شمسٌ والملوكَ كواكبُ
إذا برزَتْ لم يبدُ منهنَ كوكبُ

فالتشبيه هنا كان تقليدياً مقبولاً تلقياً وذائقةً بشروط المنهج البلاغي في أصول وقواعد التشبيه وأركانه الثلاثة المشبَّه والمشبّه به ووجه الشبيه، والعلاقة المنطقية العقلانية المدرسية لدى ذائقة ووعي المتلقي الذي اعتاد عليهما في سهولة ويسر وسرعة ما يتلقى والذي لا يحتاج الى عناء وجهد استقرائي استنباطي في قراءة وادراك ثم معايشة ما خلف الكلمات والصور والبلاغات. وقد أبدع الشاعر في هذا بدليل أنّ البيت سار شاهداً بلاغياً في بابه. فهو يُشبّه النعمان بالشمس في سطوعها وحرارتها بحيث تخفي النجوم حين تبرز مثلما يُخفي النعمانُ الملوكَ حين يبرز. فالصورة البلاغية هنا سهلة الوصول الى المتلقي، بينما حين نقرأ بيت امرئ القيس من معلقته:

وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ
عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

نرى أنه ابتدع صورة بلاغية (ليل كموج البحر) فيها من الجدة والابتداع ما يثير الدهشة والاعجاب، وهي ما أضفت جمالاً استثنائياً على تشبيه الصورة المُستخدَمة في البيت .

ونجد شاعرتنا المبتدعة وفي قصيدة (مرايا الفراشات) تخرج على القاعدة البلاغية الفنية بمدرسيتها المُمنهجة فتشبّه نفسها بسيجارة. فما هو وجه الشبه المنطقي الطبيعي المقبول عقلياً وذوقياً بين المُشبّه (نفسها) والمشبّه به (السيجارة)؟ لا منطقية التشبيه هنا هو (الابتداع) التشبيهي الذي خلقته الشاعرة من ذاتها الشاعرية ومخيلتها الواسعة الثرية مستخدمة قاعدة التشبيه البلاغية لتطلع علينا بجديد مثير للدهشة والصدمة والارتجاج ، وهو اقتدار الشاعر الماهر الذي يتقن صنعته اتقاناً كبيراً:

نـفـسـي
سجائرُ نـفـسي
أدخـّن ذاكرتي
وأتحصّن في مدخنة
وحدي
إله ٌ
في سماءٍ قذيفة

ومثلها ما ورد من تشبيه بلاغي في قصيدة (تأهيل):

خاصّتي
قفلٌ
دُعائيَ
مشنقة
على بساط ٍ مخلبٍ
كجلباب ٍ وسخ ٍ
طـُـويتْ

فما العلاقة التشبيهية بين (خاصتي) و (قفل) ، و(دعائي) و (مشنقة) ، وتشبيه الصورة في (على بساط مخلب كجلباب وسخ طويتُ..) ؟
هنا هو (الابتداع) بمعناه الاصطلاحي الفني الشعري. وعليه فإنّ شاعرتنا وفاء عبد الرزاق مبتدعة باقتدار وعلو باع وموهبة عالية وامكانية لا تخفى على القارئ والمتابع . مما جعلها من الأصوات الشعرية الكبيرة .

عبد الستار نورعلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *