الرئيسية » ملفات » قصيدة (لا ترحلي .. لا ترحلي) للشاعر عز الدين المناصرة (ملف/20)
الدكتور عمر فارس الكفاوين

قصيدة (لا ترحلي .. لا ترحلي) للشاعر عز الدين المناصرة (ملف/20)
الدكتور عمر فارس الكفاوين

إشارة :
احتفاءّ بتجربة نضالية فلسطينية / عربية مُشرّفة وتجربة إبداعية فذّة متفرّدة ، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر حلقات ملفها عن المبدع الكبير ” عز الدين المناصرة ” ، وتتمنى على الأخوة الكتّاب والقرّاء إثراء الملف بالمقالات والدراسات والصور والوثائق . تحية للمبدع الكبير ” عز الدين المناصرة ” .

قصيدة (لا ترحلي .. لا ترحلي) للشاعر عز الدين المناصرة
الدكتور عمر فارس الكفاوين
هذه القصيدة للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، وهي من الشعر الحر، وقد فازت بجائزة الجامعات المصرية سنة 1968م، وهي المرة الأولى التي تمنح فيها الجائزة لقصيدة من الشعر الحر التفعيلي آنذاك، وقد نظم الشاعر قصيدته في أعقاب حرب حزيران 1967م، وربما أنه كتبها مدفوعًا بنتائج هذه الحرب المأساوية التي خيبت الآمال، وأدت إلى ضياع ما تبقى من فلسطين، فأصبحت كلها محتلة .
ويمكن القول إن القصيدة مقسمة إلى أربع مقطوعات متتابعة، تدور بمجملها حول فكرة واحدة هي (الحث على عدم الرحيل من فلسطين)، والشاعر وإن كان يخاطب أمّه، مطالبًا إياها بعدم الرحيل، إلا أن هذا المعنى المخصوص يمكن تعميمه ليشمل كل من تبقى في فلسطين من أهلها، بأن لا يرحلوا ويتركوا أرضهم للمغتصبين .
المقطوعة الأولى
رسائلٌ تجيئني مُخْتَصَرَهْ
حروفُها معدودةٌ كأنّها من ذهبٍ أو … ماس
أهكذا يعيشُ كلُّ الناس !!
أم وحدنا نموتُ فوقَ النطْعِ، تحتَ القاطرة
رسائلٌ ثلجيةُ الإحساس
لكنني نسيتُ أنها مغامرة
أن تكتبي حرفًا به مرارةُ الشوق،
وصدقُ الذاكرة
نسيتُ أن كلَّ حرفٍ في الكتابة
قد صممَّتْهُ هيئةُ الصليب … والرقابة
بدايةٌ نهايةٌ مكرَّرة
يا حزنُ قد ذوَّبْتني
رميتَني للعتباتِ المُقْفِرة !!!
هل أنتِ تشتاقين للنهرِ المقدسِ والعذابْ
هل أنت تشتاقينَ للأرضِ الخراب
أم رؤيةِ الولدِ المعذّبِ قاطعًا صحراءَ تيهْ .
المفردات
النطع : مصدر نَطَعَ وجمعه أنطاع، وهو بساط من الجلد يُفرش تحت المحكوم عليه بالقتل .
القاطرة : عربة يحركها البخار أو الكهرباء، تُقطر بها عربات السكة الحديدية .
تيه : ضياع، ضلال .
تدور المقطوعة حول فكرة انقطاع الرسائل بين مَنْ هم في داخل فلسطين ومن هُجّر منها، بسبب استبداد المحتل، وعدم السماح لتلك الرسائل بالوصول . والشاعر يرسم في هذه المقطوعة الافتتاحية لقصيدته صورًا من الظلم الذي يعاني منها أهل فلسطين بسبب الاحتلال الصهيوني، فالرسائل غدت معدودة قليلة لا تصل إلا بصعوبة، كما أن أهل فلسطين يعانون المرارة والألم، ويتساءل الشاعر لماذا نحن وحدنا في فلسطين من نعاني ونقتل، وهو سؤال إنكاري تعجبي لم يحصل الشاعر على إجابة له، ثم يعود مرة أخرى إلى الرسائل ليصفها بأنها ثلجية باردة الإحساس خالية من المشاعر والعواطف، بسبب تلك الرقابة المفروضة عليها، فهي تقتصر فقط على التحية والسلام وبعض الأخبار الخاصة بمرسليها، ثم يخاطب أمه متسائلًا هل تشتاقين لعودة المهجرين وابنك منهم وحقهم في العودة، ثم هل تسعين للخروج من أرض فلسطين لأرض الغربة والمنفى التي تجسد الضياع والخراب، أم تريدين رؤية ابنك البعيد الضائع في صحاري التيه والضلال، وكأنه يلح عليها بأن لا ترحل وتبقى في فلسطين مهما كان الثمن .
– وفي المقطوعة بعض الصور والرموز منها :
1. حروفُها معدودةٌ كأنّها من ذهبٍ أو … ماس : شبه حروف الكتابة في الرسائل بالذهب أو الماس دلالة على ندرتها وقيمتها .
2. رسائلٌ ثلجيةُ الإحساس : شبه الرسائل بالثلج لكونها تخلو من المشاعر والعواطف فهي باردة برود الثلج .
3. يا حزنُ قد ذوَّبْتني : شبه الحزن بالنار الحارقة التي تذيب الإنسان .
المقطوعة الثانية
لا تسأليهْ
قد ضاعَ في وجعِ الليالي،
ربما، لن تسمعيهْ
يا حلوتي،
كُلٌّ هنا قد جاء يبحثُ عن بنيهْ
وأنا وأنتِ على الأسى نحيا ونُبحرُ في السراب .
هل أنت تشتاقين أن تقفي على قدميكِ
ثائرةَ المواجعِ، تصرخينْ
ماتَ الرجالُ على الوسادة
عَسُرَ المخاضُ وأنتِ في الستينْ
من أين تأتيكِ الولادة !!
المفردات
عَسُرَ : صعب.
المخاض : الولادة.
المقطوعة بأفكارها ومضامينها مكملة لسابقتها، ذلك أن الشاعر يواصل خطابه لأمه ولكل الأمهات في فلسطين اللواتي فقدن أولادهن، إما لأنهم قتلوا أو هُجروا قسرًا، فيقول لأمه لا تسألي عن ولدك (الشاعر) فقد ضاع منذ أن ترك الوطن، إنه ضياع معنوي يتمثل بالفقد والغربة والنفي، فلا تبحثي عنه، لأنك تبحثين عن سراب، ولا تستجدي العرب وتصرخين لأنهم تخاذلوا واستسلموا، فعبثًا تحاولين، لأنهم ماتوا وماتت كرامتهم، وبعد هذا الزمن الطويل من الضياع لن تجدي أملًا فيهم، فأنتِ كمن تحاول الولادة في الستين من العمر، وهنا يجسد الشاعر مبدأ الاستحالة، استحالة الثورة والنهوض للتحرير من قبل العرب.
المقطوعة الثالثة
جاءَ الشتاءُ المرُّ، جاءَ العيدْ
ويجيءُ ما بعدَ الشتاء
وتظلُّ عيناكِ المعذّبتان تنتظرانِ عودَتهُ
من البلدِ البعيدْ
قد أثلجتْ شوكًا على ليلِ العبيد
ما زادَ من دمعي
مرّوا مع الليل البهيمِ وأطفأوا شمعي
وتلوبُ عَبْر السحبِ قهقهةُ الجنودْ
ترتدُّ في عيني وفي سمعي
شجرًا من الزقومْ
من منكُمُ … سيصدُّ جيشَ الروم !!!
من منكمْ يحمي التُّخوم ؟!!
المفردات
الليل البهيم : الليل شديد الظلمة .
تلوب : تدور .
قهقهة : الضحك بصوت مرتفع .
الزقوم : شجر جهنم، وهو طعام أهل النار .
التخوم : حدود الأرض .
يحاول الشاعر في هذه المقطوعة استنهاض الهمم والحث على الثورة والتحرير، مصورًا تلك المآسي التي يعاني منها في غربته، المتمثلة بمرارة المنفى وقسوة الحياة فيه، حيث يأتي الشتاء لكنه شتاء مر بسبب بعده عن وطنه وأهله، وكذلك العيد مر، ومع هذا فالأم ما زالت تنتظر عودة ابنها من البلد البعيد، ثم إنه بالرغم من بعده إلا أنه قادر على تصوير تلك الخطايا التي يرتكبها الاحتلال في بلده، فهو يعاينه من بعيد فيرى دمار الأرض وقتل الناس على أيدي المحتلين، الذين أطفأوا شمعة الأمل المتمثلة بحرب حزيران فحولوها إلى ليل بهيم وهزيمة نكراء، فانطفأ أمله بالعودة، ومما يزيده غيظًا تخيله قهقهة جنود الاحتلال وهم يستمتعون بالتدمير والتعذيب لأهل فلسطين، فتغدو هذه القهقهة كأنها شجر الزقوم الذي يتناوله بحسرة وألم، لذا فإنه يحاول مرة أخرى أن يبحث عن أمل يعيد له وطنه ويصد جيش الاحتلال ويحمي فلسطين .
– ومن الصور الفنية في المقطوعة :
1. جاءَ الشتاءُ المرُّ : شبه الشتاء بطعام مذاقه مر دلالة على قسوة الغربة والنفي .
2. أثلجتْ شوكًا على ليلِ العبيد : شبه الثلج بالشوك الذي يؤلمه .
3. ترتدُّ في عيني وفي سمعي شجرًا من الزقومْ : جعل قهقهة الجنود الصهاينة كأنها شجر الزقوم دلالة على الغيظ منهم والقهر والعذاب .
_______________________________
المقطوعة الرابعة
لا تقطعي النهرَ المقدَّس للأماني والوعود
لا ترحلي
لا ترحلي
فوراء نهرِكِ غصةٌ من علقمٍ في أفقكِ الَمسْدودْ
ووراءَ حدِّكِ رُعْبُ قهقهةِ الجنود
لا ترحلي
موتي هناك كوردةٍ بيضاء
موتي هناك كنجمة في الغارْ
وأنا أجيئكِ كالرعود
أوْ جُثّةً آتيكِ،
كي تعلو زغاريدُ النساء!!.
المفردات
غصة : الألم والحزن والهم والغم الشديد المتواصل .
علقم : كل شيء مر .
يخاطب الشاعر أمّه مرة أخرى، محاولًا إقناعها بعدم الرحيل وترك البلاد، فيقول : إن كانت حجتك يا أمي أنك تريدين لقاء ابنك البعيد عنك، فلا تغامري بالرحيل، لأنه ربما إن خرجت لن تستطيعي العودة فيكون الخسران كبيرًا، وهو
خسران يتمثل بعدم الرجوع للوطن، إنه مر كالعلقم، فلا تخرجي وتمسكي بالوطن وموتي فيه كوردة بيضاء نقية أو كنجمة عالية صامدة، أما أنا (أي الشاعر) فسأعود يومًا فلا تقلقي، فإما أن أرجع ثائرًا مقاتلًا كالرعود، أو ميتًا كالشهداء، وهنا سأستقبل بالزغاريد كما يُستقبل كل الشهداء .
– ومن الصور الفنية في المقطوعة :
1. موتي هناك كوردةٍ بيضاء : شبه أمه بالوردة البيضاء النقية الطاهرة .
2. موتي هناك كنجمة في الغارْ : شبه أمه بالنجمة الساطعة العالية .
3. وأنا أجيئكِ كالرعود : شبه الشاعر نفسه بالرعود القوية الهائجة دلالة على الثورة.
وختامًا يمكن القول إن هذه القصيدة تمثل تجربة واقعية، لكونها صادرة عن شاعر مرّ بتجربة الحرب والثورة والنفي والبعد عن الوطن ولا يزال، فلم يجد وسيلة للتعبير عن مشاعره وحنينه لوطنه سوى النظم الشعري المتمثل بأسطره الشعرية السابقة، التي تعكس رؤية مفادها التشبث بالوطن والأرض وعدم الرحيل مهما صعبت الحياة وقست، فربما أن الفرج ليس بعيدًا، وأن الظلام سينقشع مهما طال عليه الزمن، إضافة إلى أن القصيدة تتسم بالشعرية والجمال، من خلال تلك الصور الفنية والرموز والدلالات اللفظية المتجسدة في بنائها المحكم الرصين .
• قصيدة لطلبة التاسع الأساسي في المناهج المدرسية الفلسطينية.
جامعة فيلادلفيا – الأردن

*عن صحيفة رأي اليوم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *