بيان “جماعة إختلاف”

 أول الغيث
يبقى الشعر الحر أو ما أصطلح عليه ب ” قصيدة النثر ” جزافا هاجس التطور الحداثي الأول لما له من خصائص التفرد كفن وتقنية ولغة وبناء.
” يدعى هذا النوع من الشعر الجديد بالفرنسية Vers   Libres,   وبالانجليزية –
– Free Verse أي الشعر الحر الطليق, وهو آخر ما توصّل إليه الارتقاء الشعري”  . وعليه .. يجب أن نلغي ومن الآن اصطلاح  ” قصيدة النثر ” من قاموسنا على ما نكتبه نحن شعراء الشعر الحر ..

مقدمة :
 يخطئ من ينظر إلى الشكل الشعري بعيداً عن مقدار الشعرية فيه ، فالنص المعبر عن التجربة الإنسانية والحافل بقيم الجمال في مؤدياته القصية هو نص كوني بالضرورة، و لابد أن يكون حداثي النزعة حتى وإن كان قديماً. فالتطور لا يمكن أن يحدث إلا من داخل المنجز الشعري ذاته، والشعراء والمعنيون به إدراكا وفهما، من يعنى به حصراً على صعيد الإنتاج والنقد معاً، ويبقى أدنى من ذلك، ما يلحق به من قراءات سواء كانت كاستهلاك أو استعمال . فالنص الشعري كبحر واسع ، تتوزع علي مرافئه القراءات وتضيء غيا هبه الفنارات والشموس القارئة ، وتتوزع في اكتشافه الآراء من قريب أهم وبعيد مهم .. فالرأي في النص الشعري يبقى للشعراء أولاً والنقاد ثانيا ، ولا يجب أن يطلق بحقه رأيا كل من هب ودب ، وبمفاهيم شخصية لا تنتمي إليه ولا إلى الأدب بصلة.
 إن أخطر الآراء على الحداثة تلك التي يطلقها أدعياء الحداثة إلى جانب المتمسكين بالقديم كشكل ، ومنهم أصحاب الأحكام الجاهزة ودعاة النظريات الدخيلة والوافدة من الأجناس الأدبية الأخرى. فبسبب كونها من خارج الوسط الشعري تعاملت مع الشعراء بعصبية أدبية شبه قبلية مقصودة ومع الشعر بصنميه الجاهل والجاحد وفق منطق التقريب والإقصاء، ونعرف كلنا ، إنما لغة الإقصاء في الأدب هي جهالة ما بعدها جهالة ، تنم عن ضعف معرفي واضح وتدفع بصاحبها إلى التقاطع مع أي رأي إيجابي ، إلا ما يتعلق بـ «أناه» المحضة وما يحيط بها من التباس بأنوات ضعيفة أخرى كتبعات ولواحق .
إن الرأي النقدي الفردي بنزعته المتشددة يبقى دون النقد الحقيقي ، إذ لا تجد في قاموس صاحبه المأخوذ بمناعة التصنـّم غير مفردات التشكيك والتندر، مقابل التعكز نفاقا على أسماء المشاهير كتعويض لمركب النقص في الرأي المعرفي، وإلا بماذا يمكن وصف جهالة فهم النص عند من يتلبسه سوء القصد والوعي والظن معاً؟.. فهي تطغي على ايجابياته تماما وتعصبه عن رؤية الحقيقة الإبداعية عند غيره وهذه الحقيقة المرة لا شك ستلحقه كاتباً إتباعيا يريد له أتباعا بالضرورة، ولا أقرب عليه وصفا إلا بالأديب الهامشي الذي لم يقل فيه الأدباء رأياً ولم يحسمه النقد كأديب حقيقي..
فهل هذا الرأي هو السبيل لكشف بعض الأدعياء في الأسماء و العناوين وبشجاعة ينبغي أن تؤشر وتحذر وتدين؟..
 أجل.. فما بات أمام أدباء الحداثة والشعراء بشكل خاص، إلا الأخذ بأسباب التطور الحداثي النوعي والدفاع عنه مهما كانت النتائج ، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية وحسابات المنفعة والغايات الملغومة بنزعة جدلية التعميم وأخلاقيات القراءة الرديئة. ‏
‏ فالاختلاف ، وإن نختلف عليه في مفاهيم كثيرة ، هو سبيلنا الذي يجب أن يبقى كدليل وعي وبرهان تجربة ومهماز بحث ، فالذنب  ليس في الشعر الحر إنما القصور فيمن لا يعرف أسرار كتابته ، وهنا لابد وأن أقف مثمنا رأي الكثير من الأدباء والشعراء ، الذي زادني إصرارا على ما أؤمن به في نظرتي للنص الحر وفق منطق الاختلاف  كسبيل أدب ومشروع حياة  .
                      رؤية النص

الشك .. هو هاجس الشعر بشكل متوالد صوب يقين يتقصاه كحقيقة ..
 الحقيقة التي لايبلغها إلا بولادة شك مضارع آخر، وهذا ما يلخص جدلية استمراره وبقائه حيا كالكائنات الحية الأخرى .
النص الشعري :  يبقى أكبر من النقد دائما وأبدا ، لأنه من صير الفكرة لصالح الجمال ..
ومهما كتب ويكتب عنه بهدف النقد والتقييم  يبقى لأهميته وخطورة دوره مدار بحث ودراسة وتحليل إلى (مشاء النص) ، لذلك  ستبقى قامته أعلى وأفقه أوسع وجذره أعمق من أي جنس كتابي آخر، وفي مقدمة ذلك النقد بكل مدارسه وفلسفاته .. ووفق هذا التصور أقمت علاقتي مع نصوصي والنصوص التي كتبت عنها وما سأكتب في المستقبل ،  لقناعتي بأن خسائر الشعر العربي كبيرة على صعيد النقد وما جنيناه من اندثار أكبر مما نتصور لأسباب يصعب ذكرها الآن ، ولكن تأشيرها من لوازم البحث عنها لتحديدها ولو على صعيد البيان ..
فالتنبيه إلى حقوق هذا المضطهد (الشعر) وإلى حقوق الشعراء الحداثيين كتابيا، وما يجب أن تقف عنده النقدية العربية  وقفة جدية وجديدة ، كضرورة من ضرورات الحفاظ على رأس المال الثقافي والأدبي، وفي مقدمة ذلك الشعر الحر الذي يراه البعض لحد الآن “محض تجريب ومغامرة  ” !!؟؟.
إن خطاب الشعر الحر ولو يراه البعض مفعما بشخصنة الذات بشكل مفرط ، لكن مضفياته تتسع باضطراد إلى الأنوات الأخرى، حين يتساقط البوح الشعري الأثير بانكسارات حادة على حافة الحلم الذي يتطلع إليه شاعره . ولا أجده بشخصية الاختلاف ، إلا معبرا عن الاحتجاج والرفض لكل النماذج الهزيلة مهما حملت من أسماء لأسباب تقنية موضوعية .
فالنص مؤهله مقدار شعريته فيه ..  وحتى (الكارثي) منه إنما يعبر عن أسى الذات المقموعة وذواتنا المهددة دائما ، ولا حول لنا إزاءها ولا شأن لها بنا كأضحية أو (أقنان) ؟!! .وهنا أستأنف الانطباع كرأي من خلال الخطاب الشعري المنفعل والمتصاعد بوتائر مضطردة، والموزع باتجاهات لا يمكن إقصاء الترادف فيها لصالح التعاكس ولا الرؤياوي لصالح التاريخي، والعكس ما يؤكد جدلية الاستمرار والبوح عن مدارك الوعي الملم بصناعة الحدث الشعري ، وبأدوات منتخبة تتبنى الأداة وتغادرها صوب المعنى بأقصى درجات الجمال .
فالشاعر الحداثي لا شك بأنه يؤسس لحقيقة كبيرة مفادها : بأن الشعر  حتى في المباشرة الشعرية هو غيره من الأجناس الأخرى، والإشارة هنا لا أعني بها إلى ضرورة تكريس التجريد في التكثيف والتورية إلى درجة (المعميات) ، إنما السعي إلى المعنى الزاخر بالدلالات الذي نتقصاه ، وإلا إلى ماذا يرمي الشاعر كثيمة في أتعس الظروف وأفضلها ؟ .. ففي بعض النصوص تجد التخارج بمعنى الرفض له تداعيات التشخيص السلبي في النص ، وله صدى رفض أكثر حدة في تضاعيفه وبتشخيص بائن آخر أكثر حدة أيضا وبالمجارات حينا وبالمغايرة أحيانا أخرى ، وبهدف أن نبقى في خضم الحدث الشعري تضعنا بعض النصوص في مأزق التشخيص والتشتيت معا ، لا لشيء إنما لتوضيح الأمر كي ندرأ عن أنفسنا تهمة تعضيد الحرب  ضد الآخر في الشعر والنقد !!.. لكننا نهدف إلى الضوء سببا للنور والانفجار في آن واحد صوب إنارة العتمة والتلاشي والإبهام .
وللحقيقة أجد بعض شعراء العمود أسير وهم ماضوي يتجدد بقلق مضارع دائم وبتضادات غير محسوبة كالشك في يقينيات غير مستقرة .. فتوجساته غير مشروعة ربما من (مدنسات) لم تزل تستهدف قدسية أشيائها بعدة وجوه الإفصاح، وستظل تتقصدها بمكنوناتها (كليمونة) ساقطة بين حجرين . فالبوح احتراقا قد يكون مقصودا كاعتراف يعلل النار للامساك بتلابيبها وبيان المعنى كي لا يظل مباشرا ساذجا يسعفه الشاعر بترميز مقصود، فيضع احتمالات التأويل هدفا وبأكثر من معنى لإخفاء السبب وحقيقة التسبيب ، وبتاريخ أشاري محدد يضع الزمن هاجسا له بصور متعددة ، لذلك يترسخ التشخيص بمردودات السبب مباشرة تمثيلا أو حصرا ، ويتركز في مسميات تجد الإبهام ضالة ودالة وصفية دافعة تجترح الأسئلة والشك للوصول إلى برهان الحقيقة الشعرية المستهدفة جمالا.
من هنا أعلن عقد الوصل ما بيننا كمنحازين للشعر، وما سنعمده بالتواقيع ونسجل له اعترافاً منصفاً وأخلاقياً بأنه الصفوة بكل ما تعنيه هذه الدلالة من معنى، وأرجو منها أن تكون رؤية في فهم تأسيس نقدية جديدة، يكون الشعراء أساسها في ترسيخ منهجية القراءة ب(فهم النص) أولا ، لأنها وحدها من تكفل تحليلاً وتأويلاً نصياً يضع النقد في موقعه الصحيح ، بعيداً عن إرهاق النص بما لا يحتمله ولا يتحمله من افتراضات وفرضيات المناهج النقدية.
 فلا نقدية دون فهم لتضاعيف النص وإدراك أسراره ومعرفة سابرة لجرس المفردة في الجملة، والجملة في وحدة الموضوع .. لذلك فأصحاب الشأن أدرى بشؤونهم حتى في ذلك المنطوي على الإخفاء أو التورية والترميز والاستعارة وغيرها وإن كان يتهمهم بعض (المتناقدين) باصطلاح (المعميات) لجهل معرفي منهجي يفصح عن عيب قرائي بائن. ‏
إن ما يواجهه الشعراء من تهم أقرب المقرّبين إليهم أشبه ما يكون إلى مطوّلات مقدّمات الكتب، التي تدور (حول وليس في) جوهر النصوص في البناء والجمال ، بمنأى عن استهداف المعنى بدلالاته الواسعة أو تبنـي الجمال بعمق أداء المفردة والجملة الشعرية المكتنزة المفصحة عن ذاتها..  وكلّنا يعلم بأن ليس هناك من منجز يبلغ ذروة الثناء إلا ربما ذلك الذي يبلغ درجة الهجاء.. فالنص الجميل ذلك المثير للجدل دائماً بين مادح وقادح ، لكن الرأي المنصف ذلك المنطوي على وعي قرائي متجرّد عن أية إشكالية غير أدبية في الثناء أو الهجاء، فالمشكلة ليست في جماليات اللغة ، بل في اكتشافها أو التجاوز عليها  عند الضرورة ، لذلك يتعمد الكثير من الأدباء المبدعين إلى تفجير مكنونات هذا الجمال بوسائل متعددة، بعضها كتابي مباشر، والآخر اشاري كامن إلى جانب التصوير الرمزي وغيره مما يتصل بالشعر من فنون ومعارف. ‏
ماهية الاختلاف
في خضم إشكالية المنجز الشعري الحداثوي وما أصابه من غموض يلتحق في مفهوم الحداثة كمصطلح بشكل عام ، ظهرت آراء وتعريفات كثيرة منها آراء “مالكوم برادبري وجيمس ماكفارن” في كتاب “الحداثة”، لخصها بالحداثة الزمنية وبـ”الهزات” الثلاث .. البسيطة والواسعة والكاسحة ، وما تلاه من آراء عبرت عن مفهوم الحداثة الشعرية ، التي نعنيها تحديداً بـ”حداثة النص ” ز
 النص الذي يتجاوز بقدراته على الإشعاع جميع شروط الزمن والمكان ، ووفق هذا التصور أجد أدق تعبير عن النص الشعري هو .. ذلك الكائن الكتابي المثالي في التعبير عن الحرية ، في تجاوزه ” زمكانيته” وكل القيود المحددة له ، والذي يجب أن يختلف عن الآراء التي تناولته ( كشكل وكمظهر ) أو الأخرى التي تناولته ( كمتن ومضمون ) .. وبظلهما راح الكثير يتأرجح بين فلسفات مختلفة وآراء أكثر اختلافاً فيما يتعلق بمصدرية الحداثة والشعر الحر تحديداً، وما أثير حولهما من آراء بين التيارات الوافدة في التغريب وبين المحافظة على القواعد والأصول .
 فأين مكمن الخلل..   هل في الإرث كشكل أم في التبعية للتغريب ..؟
 ولكن بين هذا وذاك .. هناك بيان ولادة أصيلة للنص الشعري الحر عربيار، ابتدأ  وتجسد فترسخ . فإذا كان الالتباس في هيئة الشكل ، فإن أول من خرج عليه هم الأندلسيون في مقلوبات الأوزان ، وما أوجدوه بظله كأوزان وأشكال جديدة .. وإذا كان في المضمون الشعري ، فالنثر الشعري سبق الشعر في الاستعارة والترميز وفي الإيحاء والإشارة ، ولنا في “سجع الكهّان” و”النثر الصوفي” وما أتصل به دلائل قاطعة.
 ولا بد هنا أن نتساءل:
 ماهو النص الحديث ؟ آخذين بالحسبان .. أن قصيدة التفعيلة تبقى جزءاً من نظام العروض  ولم تترسخ لولا مقالات نازك والسياب ، وإن خرجت على نظام الوزن الواحد .. وما نقصده بالنص الحديث لزوما إنما هو الشعر الحر تحديدا .  أما ما طرأ على سواه .. سيبقى محض إكسسوارات وعمليات تجميل لم تصب الهدف تماماً. فلماذا لم ينل الشعر الحر حقه لا في النشر ولا في الانتشار إلا قريبا .. ؟
سبب الخلل يكمن في الأدب بشكل عام ، والتجنيس بشكل خاص لوغول الدراسات المتخصصة بالأجزاء والتي خلقت من الجنس أجناساً ومن الشكل أشكالاً ، وظل الشعر الحر يراوح في اتهامه بين الخاطرة والتهويم ، أو الغنوصية والمعميات وما إلى ذلك من مظالم .. ولو قد أسقطت عنه مؤخرا تهمة التبعية والتغريب لسبب تاريخي عربي واعتباري شعري وليس للنقد أية صلة بذلك .
ولكن للحقيقة ظل ما يندرج في سلفية “المحافظة” يدور بهباء الوهم .. من  أنه هروب معرفي عروضي ولغوي وهلمّ جرا ، كما انساقت إليه النقدية “المسايرة والتي اصطلح عليها بـ”الرياضية” خصوصا مآخذها بمثالب الضعيف من النصوص بهدف الإساءة إلى النماذج الباهرة  !! .
فالرأي الراجح .. ذلك الذي يرى في النص الشعري الحر  قدرة حداثوية هائلة تفوق التنظير والتنقيد على حد سواء ، و الخلل في رأيي  يتجاوز الشاعر إلى الناقد والقارئ معاً ، إذا آمنا بـ”إعادة إنتاج النص” كنموذج قرائي ، ورهنّا قيمته بالقراءة المنتجة حصرا.. إذ تعمل على تفعيله وإحيائه. وهنا لا ننكر وجود نماذج سيئة لقصيدة النثر التي كتب فيها غير شعرائها وشاهدنا بعض ما كتبه بعض شعراء قصيدة العمود ، استسهالاً اعتباطيا أو بسبب فشلهم في نظام القصيدة القديم .. وكأن الشعر الحر بغلا لتفريغ أحمال الفاشلين من على ظهره. ولنا في مجاميع شعرية عديدة رديئة خير مثال ، تصلح لأن تكون سبباً للتندر والاتهام  على حساب النماذج الجميلة ،  والتي من المفروض أن تكون المعيار في الدلالة والمقارنة في التقييم والنقد، بمنأى عن مزاج الميل والحب والعلاقات الاجتماعية الخاصة. إلا أن  هناك بعض دراسات نقدية مهمة جداً كتبت بهذا الصدد.. وهي معروفه بشخوص أصحابها ، وتظل إشكالية القراءة على ما أعتقد .. هي المعضلة الكبرى في استقبال الشعر الحر .. ذلك لأنها تتعلق بالوعي القرائي والمعرفي لفهم تضاعيف النص ، فلا مراهنة كما يعتقد البعض على قارئ كسول واستهلاكي يجهل  حقيقة النص في المضمون والجمال وفي البناء والترميز. .
إن ما يشغل الكثيرين الآن .. هو البحث عن ماهية اللغة الجديدة أو ” اللغة التي نعنيها شعرا ” وأحسب هنا لابد وأن تكون لنا شخصيتنا اللغوية في النص الحديث ، قبل أن نرحل كما ترحل الإمعات ، فالذي ورثناه وتوارثناه لا يمثل شخصيتنا اللغوية المعاصرة إلا في حدود رياضياتها كتابع آلي ومتبوع يخاف ظله !؟ ..
 فهل هي دعوة لإضافة جوازات جديدة للغة الشاعر تتيح له الخروج على بعض المألوف اللغوي المتوارث في الإنشاء والبوح؟.
 نعم وبإصرار ..
وهذا ما يجب أن ترقى إليه فهما المؤسسات والأشخاص المعنية في اللغة وعلوم اللغة كمسؤولية تاريخية ، فاللغة عند الشاعر هي أداة تعبير جماليه لا غير، من المفروض أن يغادرها وينصرف إلى جوازاته هو حسبما تفرضه طقوس النص ومنها تداعيات المحسوس وجرس المحسوس ..  بل وعليه أن ينفلت كانفلات الألوان وتداخلها في لغة اللوحة حين تتشاكل سيميائيا وجماليا من البصر إلى البصيرة ومن الوجدان إلى الروح ترادفا وانعكاسا ، كي يبلغ ذاته الآدمية الاستثنائية كخالق أخر..  يكتب فيجسد نفسه قبل كل شيء ..
 إنني على ثقة عالية بأن الشعر الحر هو التطور الطبيعي لتاريخ الشعر العربي لا غيره.. وأنه مشروع الشعر المستقبلي بلا منازع ، من المفروض أن يؤسس لغته وفق آفاقه الرحبة الجديدة. فإذا كانت الثقافة هي حياض الشعر  ، فالشعر هو أبو الأدب عامة ومن أصابعه خرجت كل الفنون والعلوم  وحتى الصرفة منها ، ولا يمكن فهم أو النظر إلى المتغيرات الشعرية بمنأى عن فهم المتغيرات الثقافية عامة  ، لكن الشعر يبقى أعلى قيمة إبداعية من كل المكونات الثقافية والأدبية الأخرى باعتباره الصفوة والنخبة لغة وفنا ، اولمشروع الشعري هو مشروع فردي رؤياوي ، وليس بالضرورة أن يعبر عن موقف حياتي جمعي إلا بانعكاساته الأخرى ، كما لا يعبر عن موقف  تاريخي رسمي أو سلطوي  … فالشعر يتناقض كليا مع السلطة بكل مفاهيمها وليس للشاعر من سلطة سوى سلطة النص.
إنني أجد في الاختلاف حالة من الائتلاف.. والتواصل بينهما يعني التواصل بين الماضي والمستقبل عبر قناة الحاضرة ،  فالقدامة جذر الحداثة والحداثة ابنة القدامة الشرعية ، ولكن التعبير عن التطور فيما بينهما أصابه  سوء الفهم والتشويه .. فلا خير في نص يبقى مراوحا في مكانه ولا يأخذ بأسباب التطور الحداثي شعريا  وفي اللغة وما عليها ، بمعنى أن تتجدد وفي منطق ومفهوم معاصر ومستقبلي أيضا .
فالنص الحديث لا يؤمن بالجمود ولا يذعن للثابت المتحجر .. فنحن لا نصنع هيكلا جامدا بل نبتكر  كائنا حيا له روح وقيم معرفية تضيف للحياة بما يعبر عنها وعنه.. فهو نص متجدد ومتبدل  في رؤيته ورأياه  ومستمر الحراك بمعنى الخلق والإبداع .
فالنظرة إلى الاختلاف يجب أن تتبنى النص المختلف  في الثيمة واللغة والشكل والمضمون والروية والرؤيا ، وفي خلاف ذلك لا اختلاف هناك ..!!؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.