مكاتيب عراقية
شهقة حنين بباب الفجر
علي السوداني

مكاتيب عراقية

شهقة حنين بباب الفجر

علي السوداني

أمّا صديقي الشاعر ركن الدين يونس حمادة ، فلقد سكنَ منطقة جديد حسن باشا ، بقلب بغداد العباسية العظيمة ، سنوات لا أدري عددها الآن ، وكنا كلما شعرنا بالملل والضيق من قسوة التخوت التي نجلس فوقها بمقهى حسن عجمي ، المزروعة في وصلة من أوصال شارع الرشيد المعروف بمواجهة جامع الحيدرخانة ، حملنا جسدينا ودفاترنا وكتبنا تحت الأبط ، أو معضوضات باليمين مرفوعات على عتبة القلب ، وسرنا بَخترةً وفق درجة الغرور المتاحة ، حتى نحل ركابنا بتلك الغرفة الطيبة .

ظلَّ ركن الدين يسمي تلك الغريفة الصغيرة شقةً ، وكنت أوافقه على هذه الإزاحة الرحيمة التي تعمّد أحياناً قليلات بزجاجة نبيذ رخيصة ، ينفخُ وصفها صاحبي نفخاً ، حتى يصل بك وأنت تدندن على وشل الكأس الأخيرة إلى مخيال لذيذ ، فيصير سميّك آرثر رامبو ، وخالتك سيمون دي بوفوار ، ومثيلك شيطان هنري ميلر ، وقد تتطور الواقعة فنطير منتشين بالوهم ، صوب دكان شاب مصري وسيم ، يقدّم الكبدة المقلية ، أو الفشافيش المتبّلة بالبهارات والفلفل الحار ، ما يبدّل تالياً شكل وطعم الفشفوش ، وينقله إلى المنطقة الأرستقراطية التي يعيش فيها معلاق الخروف ومشوى زند الخروف الهرفيّ ، فتكون ساعتها كما لو أنك خرجت من مطعم كباب الإخلاص بحلق شارع المتنبي ، وبطنك قد حملت نفر كباب دهين مدهش ، وعند باب الحساب الذي يصيح به النادل الذكيّ زاير ، ستسمع صوت الرجل الشائب وهو يبشرك بصوتٍ خفيضٍ ، أن سعر طعامك قد تكفّل به أبو حيدر كمال العبدلي ، البغدادي الشاعر الجميل الكريم ، المشهور بلازمته ذات النفس الطويل : أيّبااااااااه أغاتي أبو حسين .

أعود الى رسم غرفة ركن الدين يونس حمادة ، فهي أكبر من زنزانة ببعض ذراع ، وفيها سرير واحد يستعمل للنوم ، وقد حوّلَ الشاعر ما تحته إلى خزنة فوائض من كتب وجواريب مثقوبة وبسطال عتيق لم يرَ وجهَ الحرب ، وملابس منوعة منها قبّوط جوزي ، وقمصلة عسكرية بمقدورك لبسها في ثالث موعد مع حبيبتك الرائعة ، التي هي من صنف النساء المنذهلات بمنظر الأدباء ، الذين يتبعهم الغاوون والغاويات المغدورات

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

علي الجنابي: إنَّهُ خَليلي : نَبَاتُ الصّبَّار

إنَّهُ خَلِيلي , ذُو صَبرٍ عَتيدٍ وَمِن صَبرِهِ شُقَّ إسمُهُ فَنُودِيَ ( صَبرٌ و صُبَيرٌ …

سامية البحري: هيباتيا

تصدير : تاء التأنيث صنعت كل الحضارات.. أوقدت نار الحكمة ..ثم أخرجت من رحمها نسلين: …

قصائد في زمن الفيروس
2 على مقربة من مخيم المهاجرين
فيرونيكا غولوس
ترجمة نزار سرطاوي

هذا الصباح ظهرَتِ الغربان كأنها ظلالٌ مترهّلة، تغنّي أغنيتها الهستيرية حاملةً في داخلها كل ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *