أ.د.قيس حمزة الخفاجي : الفكر النقدي عند الدكتور علي جواد الطاهر في ضوء القراءة النسقية (17) (ماف/28)

إشارة :
من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تُعدّ هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات ووثائق وصور.

(17)

المبحث الثالث
نتاج مرحلة التمكّن(1981-1996)

تطل الثمانينيات ويجرى حوار ثقافي معه ويقول فيه:”بينما يعيش العالم مرحلة تجدّد، نجد أن تجديدنا قائم على قطيعة بين الشاعر والقارئ، فالقارئ يريد قصيدة يتجاوب معها، ويحس بنبض الشاعرية فيها، والشاعر يتحدث عن نفسه[…] فعلى الشعراء أن يراجعوا أنفسهم؛ لأن العيب ليس فينا نحن القراء والسامعين ولا في العصر ولكنه في هذا النمط الذي أخشى أن لا يكون شعرا”( ).
هذا الكلام يذكرنا بما قاله الطاهر في نهاية عام 1978 عن مكمن العيب الذي جوّز وجوده في الشعر أو في الطاهر قارئا.
ومن المبادئ المعروضة هنا التكلم على الشيء بما فيه، ولذلك فمن “عيوب النقد المعاصر أن تقرأ أشياء عن الشعر المعاصر ليس لها علاقة بالقصيدة”( )، وكذلك وجوب التكلم، فالنقد “مسؤول عن الرديء الذي يمر دون أن يكتب عنه وكذلك الجيد”( ). أين هذا الكلام مما أذيع عام 1970 من أهمية صب العناية على النصوص عالية الطبقة وعلى بيان المحاسن؟! الطاهر حينما ينطلق من(الواقع) العربي يذكر هذا الكلام، وحينما ينطلق من(نموذج) العالم المتمدن يذكر ذلك الكلام. فلا تعارض بينهما، وإنما رؤية الأمر من أكثر من زاوية، علاوة على أن الكتابة عن الرديء تعني- هنا- التنبيه على وجوده، وعلى أهمية الابتعاد عنه تأليفا وقراءة.
في الحوار نفسه تعرض أمامه قضية الاحتراف في النقد، فيقول:”الحرفة في النقد مسألة مهمة، بينما نحن نفتقد إلى الناقد المنصرف إلى النقد، فهو يقرأ ويحلل ويقابل ويبيّن ويتابع”( ).
وتثار قضية استخدام(المصطلح) فيقول:”هذا مرض آخر نصاب به. فالمصطلح الغربي عند أهله يعني شيئا، ونحن نستعمله كما نريد، والذي يستعمله لا يعرف لغة أجنبية، وحتى الذي يعرف اللغة فهو يتفقد إلى الذوق الأدبي، ولكن لسوء الحظ نحن نتنطع بهذه المصطلحات ونستخدمها ولو كانت هذه الأشياء تنفع لاستعملها طه حسين مثلا، وأنا أتحدى أي قارئ لطه حسين قد وجد مصطلحا أجنبيا في نقده بينما هو من أفهم خلق الله وليس العرب فقط وإنما حتى الفرنسيين بالفرنسية”( ).
ومبدأ الطاهر في ذلك الاستخدام يتجلى في قوله:”والذي يكتب قصيدة لا أدري ما الذي يدفعه لاستخدام هذه المصطلحات، فإذا كان فاهما لها فليستعمل أطرافها، موجاتها التي تتصل بموضوع القصيدة”( ).
ويفسر بعد ذلك سبب عنايته بالقصة أكثر من الشعر، وتفسيره توثيق لرأي مضى في هذا الجانب، قائلا:”القاص العراقي أكثر صدقا من الشاعر، وأنا عندما أقرأ قصة أعرف ماذا يريد القاص أو على الأقل أتصور، ولكن عندما أقرأ الشعر – وليس كله- لا أدري ماذا يريد، وإذا كنت لا أعرف ماذا يريد الشاعر فلماذا أورط نفسي في الكلام عنه وأكون على خطأ… فالقصة تعطي نفسها أكثر من الشعر في حالتيها من الصدق والكذب، وأنا أخشى أن أقول شيئا ويتبين فيما بعد خطأه”( ). إنه- إذا- لا يبحث عن رأي فقط، وإنما يبحث عن رأي صحيح في يومه وفي غده. وربما تثبّت هذا لديه من تصرفه الطوعي بالابتعاد عن مواطن اللوم؛ ذلك التصرف الذي لازمه على اختلاف الامكنة والازمنة( ).
ومن المبادئ الأخر التي أكدها، أهمية عدم التنكر للقديم، وأهمية أن لا يجيء الجديد منقطعا( ).
ثم يحل الربع الأول من عام 1981، ويُحاور الطاهر حوارا يُفتتح برأي يظن أن الطاهر توصل في كتابه(مقدمة في النقد الأدبي) إلى أن النظرية التكاملية في النقد هي أسلم من سواها من النظريات في التعامل مع النص الأدبي، ثم بتعقيب يرى أن هذه النظرية توفيقية، فيجيب الطاهر:”لم يرد كلام(المقدمة) على هذه الدرجة من النص والتحديد و[…] لم تدعُ المقدمة[…] صراحة إلى(النظرية التكاملية في النقد …) ولكنها تقرّر وجود النظرية مع من قرّرها، وختم بها حديثه عن المناهج، بعد أن تحدث عن أهم المناهج منبها إلى ما يمكن أن يكون الأحسن أو الأسوأ فيها، ورأى أن التطرف في أي من تلك المناهج بين أقصى المضمونية وأقصى الشكلية يعني النظر إلى النص الأدبي من زاوية واحدة ضيقة وإهمال النظر إليه من زوايا أخرى”( ). ويستند الطاهر إلى هذا التوجه ليقول:”هذا يعني أن النقد على أي من تلك المناهج يأتي ناقصا، والنص الأدبي عالم واسع عميق يفترض في نقده أن يكون كاملا بمعنى النظر إليه شكلا ومضمونا، بمعنى أن تربطه بصاحبه وبيئته وفلسفة صاحبه وبطبيعة عصره، وبالحالة النفسية التي كان عليها الكاتب، والحالة النفسية التي ينبض بها النص، وأن تكون موضوعيا بالمقدار الذي لا تنسى فيه ذاتك وما انطبع في هذه الذات، وأن ترعى جمالية الشكل الرعاية اللازمة في عمل فني”( ).
هذا هو منهجه، وهذه مبادئ قارّة فيه يذكرها كلما سنحت الفرصة، ونفعت الذكرى. ويؤكد بعد ذلك أنك “لا تنتقي كيفما اتفق وإنما تستوعب، وأنت لا تنتقي ما تهواه وإنما تتقيد من النص بالذي هو فيه”( ).
وعلى ذلك فـ”ليس التكامل توفيقا[…] إن(المقدمة)[…] قالت ما قالت لإيمانها بسعة عالم الفن وعمقه و(استقلاله)، ولأنها رأت خير ما في المنهج من هذه المناهج المتعددة يعين على اكتشاف(العالم) وسبر غوره. […] وربما ذهبت(المقدمة) بالتكاملية إلى ما هو أبعد مما ينص عليه التكامليون عادة وذلك إذ أعلنت استعدادها (ووجوب استعدادها) لأن تضم إلى دائرتها كل جديد من منهج جديد، وكأنها تعترف (ضمنا) بأن هذه المناهج القائمة على تعدّدها وعلى ما عمّقت من جوانب لم يكن للنقد بها عهد، ليست الأخيرة، وليست كل شيء، وأنها إذا كانت تعين الناقد على أن ينظر إلى النص من زوايا متعددة فإنها تخبره أن ما زالت هذه التكاملية غير كاملة وأن في المستقبل ما يسد جوانب أخرى من النقص”( ). ثم يقرر الطاهر:”التكامل ليس توفيقا؛ لأن التوفيق يتجاهل المساوي ويغطي عليها، والتكامل يعلن المحاسن والمساوي فيسخط الأطراف كلها”( ).
من ذلك كله يصل إلى أن النقد الأدبي(نوع) خاص، وهذا “يعني أن له عالمه الخاص، وأنه ليس تابعا لعلم من العلوم الأخرى ولفلسفة تلقى عليه إلقاء… وأنه إذا كان عليه أن يأخذ، فإن عليه أن يعطي. وهو من العلوم الأخرى كما هي من بعضها … على قدم المساواة.. أو الاتصال في حدود والانفصال في حدود”( ).
ويصب في هذا التصور قول د. عبد السلام المسدي:”إذا جاز للجميع أن يقر معنا أن النقد الأدبي إلى حد اليوم قد كان من بين العلوم الإنسانية هو المستثمر الأكبر للتمازج المنهجي والتظافر المعرفي فإننا نزعم أن النقد الأدبي يمكن- بموجب الأسباب ذاتها التي أدت إلى ازدهاره الفريد- أن يكون هو الخاسر الأكبر على مستوى تميز الخصوصيات المعرفية ونصاعة الهويات الذاتية بين معرفة وأخرى”( ).
وعلى ذلك يقرر الطاهر مبدأ جديدا نراه متجسدا في قوله:”إن الناقد الفلاني الذي يدّعي منهجا من المناهج يلتزمه ويراه الأوحد لا ينجح ولا يدوم نقده إذا بقي عند حرفية منهجية، وإنما يأتي النجاح – والدوام- من قدرة ذلك الناقد- قاصدا أو غير قاصد- على الخروج من الدائرة الضيقة بحيث يضمن نقده عوالم أوسع من عالمه[…] كأن الناقد المنهجي الناجح- المقيد بمنهج واحد- ناقد تكاملي من حيث يريد أو لا يريد، يدري ولا يدري، أما إذا لم يكن ناجحا فإنه لا يهمنا حتى لو كان في أعلى درجات المنهج الذي ينادي به”( ). وهذا يعني إمكانية وجود المنهج(الأوحد) الذي لا ينجح فقط، وإنما يدوم كذلك.
ونتلقى- هنا- من الطاهر اسما لمنهج يسير عليه- وإن لم يصرح بذلك في هذا الحوار- في قوله:”إن التكامل يعني الإفادة من الصواب في تجارب كثيرة متوالية لمنح العملية النقدية أكبر القسط من الصواب وما كان لمنهج من هذه المناهج منفردا أن يحقق هذا القسط المطلوب، ومؤلف(المقدمة) لم يفكر بالتوفيق إذ نصّ على التكامل، ولعله كان يفكر أكثر ما يفكر بما يعني: منهج النقد الأدبي، على أساس من أن تلك المناهج وضعت لغير النقد الأدبي أو للنقد الأدبي ولغيره، والمؤلف يبحث عما هو خاص بالنقد الأدبي، يبحث عن(منهج النقد الأدبي)”( ). وهذا الكلام هو الصميم في فكر الطاهر، ففي الوقت الذي يقول فيه العالم: مناهج النقد الأدبي بصيغة الجمع والتعدد، يقول الطاهر: منهج النقد الأدبي بصيغة المفرد الأوحد. وهذا النقد المطلوب وناقده المنتظر لا يهيئه لنا الانقياد لمنهج واحد من تلك المناهج التي يطلق عليها مناهج النقد الأدبي( ). وهذا مبدأ لا شك في أهميته وخطورته.
يستمر الحوار ويستمر تشديد الطاهر على مبدأ الانصراف إلى النقد الأدبي، وجمالية اللغة النقدية، والعلم العميق الواسع، والاستعداد للتطور، والعناية بإدامة الخط النقدي واغنائه( ). ومن هذا المبدأ الأخير ومن أشياء أخر حكم على(محمد مندور) بأنه “لم يستطع أن يكون الناقد المطلوب، ولعله كان في النظري خيرا منه في العملي، وفي الفكر خيرا منه في الذوق… ثم إنه- وهذا مهم جدا- بدا ناقدا وسار شوطا ثم استحال آيديولوجيا فكسب هو شيئا وخسر النقد شيئا”( ).
ومن صفات الناقد المطلوب كبر الموهبة، وضخامة الثقافة، وقوة الشخصية، وتمكّن في التمثل الذي يسبق الإبداع، ثم الثقة المرنة السلسة الجذابة-(المؤدبة)- والذوق السليم الذي يقف وراء نقده الخاص به وبأمته( ).
تلك الخصوصية يمكن أن تشكل رؤية نقدية عربية. وتحقيق تلك الرؤية يستدعي- فيما يستدعي- “الموهبة الكبيرة والذهن الفلسفي والذوق الفني والقلم السمح… والشعور الصادق والمعايشة الدائمة… والترفع عن الجشع والطمع والطماح خارج النقد الأدبي نفسه”( ).
وبين توضيح كيفية انتقال عنايته من الشعر إلى القصة( )، وتوضيح موجبات عنايته بالمسرح بصفة النيابة عن الناقد المسرحي وسد الشاغر( )، يعترف بأن التشتت عيب فيه كما هو عيب في الآخرين( )، لكنه يؤكد “أن الاهتمام بالقصة أصل وبغيرها فرع، هو في القصة دائمي وفيما سواها موسمي”( ).
في عام 1982 يؤكد أهمية “تقليل نسبة الفوضى والجد في تحديد الكلمات والحرص على المصطلحات وتتبع تاريخها”( ) ، وبسعى هو نفسه إلى ذلك التقليل والجد والحرص والتتبع.
ويعتذر عام 1983 عن إجراء حوار معه “معللا اعتذاره بأن الذي ينبغي أن يقوله قد قاله هنا وهناك، وأنه لا يعتقد بأن هناك ما يضيفه”( ). ولكن الحوار حصل فهل تمخض عن جديد؟ وهل قال الطاهر كل ما عنده قبل عام 1983 بحيث لم يعد هناك ما يقوله بعد عام 1983؟ الصفحات الآتية تكشف ذلك، وسنعمل على كشفه بأن نتجاوز ذكر ما شددنا عليه من المبادئ في ما سبق، وأن نصب العناية على الجديد وعلى ما لم يشدد عليه لنمتحن وصفنا لمرحلة التقاعد بأنها مرحلة(التمكّن).
إذا كنا قد تصورنا في الصفحات السابقة أن قول الطاهر(أنا كاتب مقالة أكثر مني ناقدا) عام 1978 رأيا مهما خطيرا، وإذا كنا قد انتبهنا على اعترافه عام 1981 بتشتت جهوده وبعدّه ذلك التشتت عيبا، فإن الجديد الذي تمخض عنه هذا الحوار هو بلورة ذلك الرأي وهذا الاعتراف بلورة نقدية وصلت إلى حد البوح، فحين يثبت الطاهر تقصير النقد في مسألة الارتفاع بمستوى الإبداع الأدبي( )، يسأله المحاور:”إذا كنت أدركت ذلك وأدنته لماذا لا تفعل الأحسن منه أنت؟”( )، فيجيب بكل هدوء وصدق وإخلاص:”أولا أنا لست بالناقد المتوجه للعملية النقدية بشكل كامل، فقد كتب لي أو عليّ أن أكون متعدد المشاركات، ومن كان كذلك ذهبت طاقته حينا إلى هذه الناحية من نواحي الأدب كالبحث أو التحقيق أو التعريف أو حتى المعجمية أحيانا، لكن من الخطأ أن تصبح المشاركات التي يفترض أن تكون ثانوية وجانبية أساسا مستنزف الطاقة، فهذا الذي وقعت فيه أرجو أن يكون عبرة لغيري؛ لأني لو لم أبذل من الطاقة في هذا المعجم أو ذاك في هذا البحث أو ذاك مما هو خارج دائرة النقد لادخرت هذه الطاقة للميدان الذي يحسن الناس الظن بوضعي فيه(النقد)”( ).
ويؤكد أنه متنبه جدا على ابتعاده عما يراد منه ويريده من نفسه “ولكن جذور القراءات القديمة على مدى العمر والدراسات والمتابعات يبدو أنها تفرض نفسها وتطلب من الحقوق ما يطلبه النقد[…] في كل مرحلة أو يوم أقول أصفي حسابي مع هذه المشاركات لأتوجه إلى النقد، ولكن الحسابات يظهر أنها من التعدد والتعقيد بحيث تفرض سلطانها”( ).
وحين يقول له المحاور:”أنا ما زلت أعتقد أنك تدور حول الضفاف من موضوع النقد والمسؤولية منه كناقد”( )، يقول:”قد يرجع ذلك إلى حسن ظنك وحرصك على الجانب النقدي، ولكن الواقع هو ما قلته وأضيف أنه ليس في صالحي، ومع هذا قلته، وربما بشيء من المرارة، ولا يخفف من هذه المرارة شيء قدر شعوري جادا بتصفية الحساب مع ما أشرت إليه أعلاه”( ). لقد قال مثل ذلك عام 1977، وها هو ذا يقوله عام 1983، ولم تتحقق تلك التصفية بعد ذلك، وكأنه حُكم عليه بالتشعب.
يشير الطاهر بعد ذلك إلى أن مقالاته التي صدرت في كتاب(في القصص العراقي المعاصر) كانت “تلقى قبولا لدى القراء ويقبل أصحابها[= المجموعات القصصية] إيجابها وسلبها مما يشجع على الاستمرار من جهة، ويسرّ الناقد بصحة مهمته، ونقاوة الجو الذي يعمل فيه، بل يشعره بأنه ناقد فعلا، وفي هذا تاكيد لما سبق أن قلت:(الناقدية) جاءت من الآخرين ولم تأت ادعاء شخصيا”( ).
وربما كان من الجديد أو مما لم يشدد عليه سابقا، اشتراط العزم على النشر الذي يتضمن التفكير بالقراء، إذ “ليس صحيحا أن يرى الناقد أنه يكتب لنفسه، فالقارئ عنصر في العملية النقدية على أن لا يكون في موضع الاستصغار ولا في موضع الاستكبار. وإنما يوضع حيث هو وحيث شرط خدمته والإخلاص له دون تفكير بما يمكن أن يحدث بعد ذلك من رضاه أو سخطه”( ).
وهذا التفكير متصل بمرحلة التخمير التي اشترطها “في العملية النقدية وهي تطول وتقصر تبعا لممارسة الناقد”( )، وواقع في ضمن إشارة الطاهر إلى دوافع الكتابة النقدية ومراحلها؛ تلك الإشارة التي كرر فيها ذلك المنهج الذي وضحه عامي 1974 و1979 مسميا مرحلة استجماع جو النص وتخيل خطة المكتوب مرحلة اختمار الفكرة مشربة بنمط تقديمها، ومؤكدا مرحلة مناقشة المؤلف التي تقع قبل مرحلة التخمر وفي أثنائها. وهي مرحلة خاصة- كما هو واضح- بالنصوص المعاصرة وبمؤلفيها الاحياء.
ومن الأشياء الخاصة أيضا بحثه في المجموعة القصصية عن القصة الأجمل، أي الأكثر أصالة ودلالة( ) “ليؤكدها تأكيدا خاصا وكأن مجمل سمات القاص متمثلة فيها… أو كأن هذه القصة هي الدليل الذي يجب أن يسير في ضوئه القاص فيترك ما عداها فيما يقع خارج دائرة أصالته”( ).
ذلك التشابه في مراحل(منهج) الكتابة يعود- كما نرى- إلى نضج مبكر واستمرار عليه.
وهذا النضج المبكر نجده في مظاهر منهجه كذلك، ويمكن أن نلمس ذلك في قول الطاهر: الذي جدّ على نمط الكتابة عن القصص الصادرة، منهج آخر غير منهج المقالة النقدية، “والذي يمكن أن يدخل في عملية النقد باعتراف أطراف مختلفة، هذا الذي أسميه(جد) هو ما سميته أو ما أسميه(تحية أو تحايا) بمعنى أنك إذ يصدر أثر قصصي تقرأه، تعجب به، تسكب هذا الإعجاب في مقالة قصيرة لا تستوفي جوانب الأثر المكتوب عنه، فهي أقرب إلى الخاطرة منها إلى المقالة النقدية”( ). وقبل أن نسترسل والطاهر في هذا الجانب نشير إلى أنه في كتابه(وراء الأفق الأدبي) لم يعدّ ما يكتبه- وهو في أغلبه تحايا- عملية نقدية( ).
ولهذه التحايا بدايات “وكان من بدايات هذه التحايا تحية إلى شاكر جابر مؤلف قصة(الأيام المضيئة). وكانت أولى التحايا الأنموذجية تركت صدى ولقيت تقديرا، كان ذلك في تموز 1961. وبعدها تحية لغازي العبادي عن(الرحلة الثامنة) وأخرى عن(المبعدون) لهشام توفيق الركابي، وآخر ما كتبته عن(غرف نصف مضاءة) لموسى كريدي، وهذا منهج غير مألوف”( ). نقف مرة أخرى وننبه إلى تسمية الطاهر هذا المظهر(التحية) لمنهجه منهجا.
ولتلك(اللامألوفية) أو بسببها “كان في كل مرة يثير نقاشا، وكثيرا ما يوصف في سلبه بصفات ليست له، ولا في قصد صاحبه، وأفضل ما في هذه الصفات أن يعدّ نقدا، ومن ثم يحاسب صاحبه في هذا الضوء الذي لم يذهب إليه”( ). وما يثير الانتباه هنا هو التناقض بين اعترافه بأنه لم يقصد أن يكتب نقدا ويبعد- على ذلك- ما يطالب به، وبين تلويحه- قبل قليل- بإمكانية أن يعد ذلك نقدا تبعا لاعتراف أطراف مختلفة وقبوله تبعا لذلك صفة(الناقد)! أي ارتضاء الصفة وعدم ارتضاء ما يترتب عليها!
يقول الطاهر بعد ذلك:”لهذا الضرب من التحايا أثره الحسن في صاحب المجموعة أو الرواية وإن لم يكن قصد الكاتب التشجيع؛ لأنه عندما كتب كان صادقا في أعماقه راغبا في مشاركة الآخرين فرحتهم. وقد يكون هذا المنهج أحب إلي من الأول وأن الاستجابة إليه اسرع وأن ثأثيره أوسع”( ).
ولأن المحاور يرى أن المنهج الأول داخل في العملية النقدية كما يمكن أن يتعارف عليها، فهو يعيد الطاهر إليه ليعرف منه التطور الذي حدث في هذا المنهج الذي رأيناه مظهرا للمنهج لا منهجا منعزلا، فيقول:”قلت إني أعنى عناية خاصة بالقصد في إخراج المقالة النقدية مخرجا وعليه سمة من الجمال فيما أصبو إليه من الطراوة، وفيما أعتقد أني محقق منها شيئا، وفيما انعكس على عدد أثق بذوقهم، بل على من لا أعرفهم”( ).
وعدم المعرفة هذا إن أبعد المجاملة للطاهر من زاوية ما، فهو يبعد التأكد من قدرة المدلي برأيه عن ذهن المتصدي لنقد تلك المقالات من زاوية أخرى، فقد يعدّه بناء على أمر مجهول وبطريقة غير منهجية.
ويضيف:”وربما سارت هذه الطراوة نحو التوطد والزيادة نسبيا، وهذا مقصود أيضا… ذلك أني ومنذ نحو من خمس سنوات مقتنع بأن المقالة النقدية لا يطلب منها بيان الجيد والرديء فقط، والتحليل والتعليل فقط؛ لأن هذا المطلوب إن تحقق وحده يأتي شكله ثقيلا وربما غير متماسك وأكثر من هذا، أي حتى لو جاء متماسكا فإنه يبقى عبدا للأثر الذي دار حوله أو سبر غوره، فإذا مات ذلك الكتاب أو تغير ذوق الأجيال التالية فقدت المقالة المكتوبة عنه وجودها، ومن ثم فقد صاحبها وجوده. وإذا بقي شيء فبمقدار ما كان للأثر المنقود من ذكر تاريخي فقط وليس بذي بال حتى لو وجد”( ).
وهنا تنبثق أسئلة كثيرة، أهمها السؤال الذي يقول: إذا كان الطاهر قد بنى مقياسه الفني على التقاط النصوص التي تشتمل على الإنساني الخالد، فكيف يموت الأثر الذي يكون كذلك؟ ولمَ يموت؟ وإذا قال الطاهر “أنا أريد أن أكتب مقالة تقرأ لذاتها حاضرا أو مستقبلا بقي الكتاب المنقود أم لم يبق، وهذا مطلب صعب، وأستطيع أن أقول إن سعيي الشخصي – بيني وبين نفسي- لتصوره فضلا عن تحقيقه يصدني أحيانا كثيرة عن الإمساك بالقلم والبدء بكتابة نقدية عن هذه المجموعة أو ذاك الديوان. المطلب صعب وربما حالت إمكاناتي دون تحقيقه”( ) ، فإننا نرى أن لا خلود لمقالة إلا بخلود الموضوع المكتوب عنه، أي من غير فصل بين شكل المقالة ومضمونها. وربما كانت المقالات الاجتماعية الإنسانية مرشحة أكثر من غيرها ومن المقالات النقدية لهذا الخلود.
المحاورُ أشعر الطاهرَ أنه ما زال يسأل عن المنهج، أي المنهج الذي يسجل بوساطته- كما نتصور- الملاحظات، أي الخطوة الرابعة من(خطة) الكتابة النقدية. بعبارة أخرى: ما الأداة التي يستخدمها الناقد مع النص فتثير الحاسة النقدية بوساطتها ملاحظات وأسئلة، وتصل بوساطتها إلى تفسيرات وتأويلات؟ لكن الطاهر بعد أن انصب جوابه على المنهج بمعنى الخطة أو الإجراءات التي تمثل خطوات التفكير النقدي، انصب جوابه هذه المرة على المنهج الفكري لا النقدي، فقد أجاب:”لك ذلك.. ولكني أعلم أن هذا[=الخطة ولاسيما السمة الجمالية للغة المقالية النقدية] هو المهم في عمليتي النقدية، وإذا كنت تقصد إلى المنهج الفكري، فجوابي: إني لم أُقبِل يوما على قصيدة أو قصة أو مقالة من منطق فكري معين وفلسفة من الفلسفات. نعم إني أنشد فحوى الإنسان وكيانه، وخير البشر ومستقبله الأفضل، والبحث عن بذور النور منذ أقدم حقب التاريخ. ويهمني أن يكون الكاتب نفسه شريف الفكر حسن السيرة أو طيب القلب في أقل تقدير، بل إنه ليصعب عليّ أن أتصور أثرا فنيا أو أدبيا يبلغ من قارئه المتمرس في القراءة مبلغ الإعجاب دون أن يكون ذلك الأثر خيرا، تؤدي دراسته إلى الخير”( ).
ونتذكر هنا على سبيل التعضيد قولا لطه حسين يقول فيه:”الفن العظيم، الفن الحقيقي، لنقل الفن فحسب، هو لخير الإنسانية بالضرورة”( ).
وهكذا يصل الطاهر إلى فكرة ليست جديدة- كما رأينا، وكما يقول هو- عنده، “خلاصتها أن الإبداع قرين عنصر الخير في الإنسان”( ). وتبعا لذلك يقول:”أجل إذا كان المقصود بالسؤال عن المنهج إلى المنطلق الفكري فإني لا أحسب أن تغيرا يذكر طرأ على مسيرتي في المفهوم الفني لدى تقدير الجمال. ومن هنا لم أفهم السؤال جيدا؛ لأني لم تكن لدي مراحل من هذه الناحية. أي باختصار- لم أر صاحب ذوق خالفني فيما رأيته جميلا من الشعر أو القصة أو المقالة، إنه يتفق وإياي على أن الذي أراه جميلا هو جميل بالفعل، ولكني وإياه نختلف عندما يرى هو نفسه الجمال فيما لا أراه”( ).
ويدور الحديث حول النقد والناقد، فيذكر الطاهر:”إننا في النقد نكاد نشبه حالنا في أمور أخرى، أي عدم الاستمرارية، وإلا فقد وجد أكثر من شخص- وأذكر بصورة خاصة هنا عبد الجبار عباس- من كان مرشحا أن يكون الناقد العراقي، ولكن ذلك لم يقع له أو لغيره، بسبب من انقطاع أو تغيير مجرى القلم وظروف أخرى”( ). لقد ذكر الطاهر عبد الجبار عباس قبل ذلك في مجال حديثه عن الناقد المنتظر.
في عام 1984 يشير إلى أنه كان من قبل، قليل التذوق لـ(سومرست موم)، فغيّر المترجم الجديد(عزيز ضياء) من موقفه، لتمكنه، وانسجامه مع صاحبه، وللغته المرنة، وأشياء أخرى( )، ويشير كذلك إلى جعل(موم) المُغرَّب مألوفا، وإلى عنايته بالسياق الذي تظهر فيه المفأجاة فنية جاذبة وذات طرافة( )، وإلى أنه لا غرابة في أن تحتفظ القصة(المتمدنة) بالنكهة الفطرية المتحدرة عن عهود سحيقة بالبدائية، وأن هذا هو الذي يحفظ للنوع – مهما يتطور ويتعدد ويتعقد- جوهره( ).
والحديث عن الناقد المنتظر قد يجر إلى الحديث عن الناقد المغموط، فيلمع اسم مصطفى عبد اللطيف السحرتي؛ ذلك الناقد الذي تناول في كتابه(الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث) موضوعات من صميم الأدب والنقد، قديمة جديدة، والذي جمع كثيرا من الأمور التي عني بها الطاهر مما ذكر في هذا الفصل أو غيره( ).
واذا كان الطاهر بوصفه ناقدا ثقافيا ينبه إلى ناقد قد غُمط حقه، ويأتي بأدلة على ذلك، فإنه- بالمقابل- يثير الشكوك حول آخر طار صيته مستندا إلى أدلة، ومنتظرا ظهور أدلة أخر. نجد مثل ذلك في موقفه من ابن قتيبة فيما يتعلق بما أورده عن الجودة من دون النظر إلى عامل الزمن، فيرى الرأي صحيحا، ولكنه يستكثره عليه، ولاسيما بعد أن ربطه برأي للجاحظ وآخر للمبرد( ).
في عام 1985 يعرب الطاهر عن مفهومه للقصة:”الأداء الفني. العناية بالتراكيب والأسلوب. عرض الحدث مع انفعالاته، لا مجرد حكاية أو تقرير عن حادثة. أما قضية القواعد القديمة التي ترتبط بالعقدة فقد خفّت كثيرا. الانسياب والثأثير النفسي لا المناورات على أعصاب القارئ. مدى ما تثيره فيك من هزة وتفكير منبعثين من عمقهما في الكاتب. لقد انتبهت- لدى ستاندال وتشيخوف مترجما إلى الفرنسية ومن النثر الفرنسي بعامة- إلى أن هناك عبارة خاصة أسميها(العبارة القصصية). ليست شعرا، وليست علما. إذا قلت لي: إنها شيء بين هذا وذاك لم تخطئ كثيرا بمعنى الدقة، والسبك، وضغط الانفعال. شيء أسميه(الجفاف الطري)”( ).
يعرب- كذلك- عن(منهجه) في نقد القصة، وهو خطته نفسها المشار إليها آنفا( ). وكان من ثأثير ذلك(المنهج) أنه أعطاه الثقة في أن يكون ناقدا، وقد جاءته هذه الثقة من الآخرين( ).
وهذا الكلام يشي بعدم وجود القصدية في الكتابة بوصفه ناقدا. إنه مطابق لاعترافه في مقالة(اعترافات أو من أسرار المهنة)، إذ قال:”القراء هم الذين وصفوني بالناقد، وهم الذي عدوا ما أكتبه نقدا، وهم الذين ارتاحوا إلى الناقد والنقد”( )، وإذ قال: نقد القصة شيء “أوقعه عليّ القراء اختصاصا”( ).
والسؤال هنا هو: إذا كان قد أكد أكثر من مرة هيمنة الجانب المقالي على الجانب النقدي فلمَ ارتضى هذه الزيادة وهو الذي يقول عام 1985:”لا أعطي نفسي أكثر مما هي حتى لو أعطاني الزيادة الآخرون”( )؟ ثم كيف نفسر قوله عن عنايته الكبرى:”إن الاهتمام الأكبر انصرف إلى النقد”( )، وقد قرنه بقوله:”وقد التقى مع النقد الأدبي ما قد يكون أقوى منه هواية وهو(نقد الكتب)”( )؟
عنايته الكبرى تلك عناية قراءة، والهواية تلك هواية إنتاج. ومن ذلك الانتاج المبني على(الهواية) نقده المسرحي. يقول عن ذلك:”أما نقد المسرحية فإني أزاوله-أحيانا ولدى الضرورة من شعور بالواجب-(هاويا)- وقد جاءتني هذه الهواية من ملازمة صادقة للمسرح الفرنسي قراءة ومشاهدة وقراءة لنقد مسرحيات قرأتها أو شهدتها. ولا أخفي عليك أني بقدر ما أمنع القلم من المجازفة في الاستمرار على النقد المسرحي، يسرني ما يصل إلى سمعي من رضا عما كتبته وأنه سدّ فراغا في حينه، ويسرني كذلك أني كتبته صادقا مع نفسي- شأني في كل ما كتبت على قاعدة ذهبية خلاصتها أن الإنسان إما أن يكتب ما يرى ويعتقد أو لا يكتب؛ إما أن يحترم قارئه خلال نفسه وإما أن يخسر احترام القارئ، وخسارة القارئ الشريف- فيما أؤمن به- خطب فادح لا يعوض بعد فوات الأوان”( ).
ثم يحس آسفا بقصور عن توسيع الجو على القدر الذي يتطلبه الفن عموما والمقالة والنقد الأدبي خصوصا، ويقول:”ولا يقنعني ثناء في هذا مهما يكن صاحبه مخلصا من ملاحظة لما يسميه الجرأة، فليس هذا القليل جدا هو المطلوب لزيادة نسبة الأصالة أو لإيجادها أصلا”( ).
وهنا لا بد أن نذكر أنه في الجانب المقالي أشار إلى قصديته، وإلى وصف القراء معا، إذ قال:”إن هذه الثقة قد يرجع بعضها إلى تأمله الشخصي، أو حسه النقدي إزاء مقالته، ولكن البعض الآخر- ولعله القسط الأكبر- يرجع إلى القراء أنفسهم فيما يصل إلى أذنيه من ثنائهم على الإدارة الفنية للمقالة ضمن مسحة من الشاعرية- تقل أو تكثر حسب الموضوع- وما كان ليصدق هذا الثناء لو جاء بمعرض النفاق أو التملق أو الغش وإنما هو يصدقه؛ لأنه يأتيه اختيارا دون قصد أو طمع أو خبث، ومن أناس لا يكاد يعرفهم أو لا يعرفهم فعلا”( ). وعلينا أن لا ننسى فضل النظم القديم في عناصر مقالة الطاهر المتكاملة، مثلما لم ينس الطاهر نفسه الإشارة إلى فضل النظم القديم في عناصر مقالة طه حسين المتكاملة( ).
ومما يشدد عليه الطاهر عام 1985 الإعلان عن غير الموجود( )، وأهمية أن يعيش المترجم اللغة؛ لأنه إذا لم يعش اللغة لا يستطيع أن يترجمها، و”الترجمة استعداد أيضا، وتقتضي من صاحبها وقتا طويلا. أحيانا يذهب الوقت الذي تصرفه في ترجمة الشعر عبثا”( )، وأهمية عدم التعجل في تقديم العمل الأدبي. يقول: إنك “إذا تعجلت لم تقدم الثمر إلا فجّا، وليس بثمر ما كان فجّا، وإذا حسبت القليل الذي تقدمه كثيرا خاب مسعاك وركبك الضلال. وإذا كان للثمر من النبات أمد لنضجه، وأن على الفلاح أن ينتظر ذلك الأمد بتؤدة، وأن يخدم الشجرة بما يلزم من ماء وهواء وحرارة.. فالأولى بالثمرة الأدبية أن توفر لها الشروط، وأن تخدم طويلا، ولا تقدم إلا بعد أن تكتمل لونا وطعما”( ).
وبعد أن يلتفت إلى مسألة العبث بالمصطلح وأهمية تجاوزه( )، يطالب بإيجاد المصطلح المناسب للأمر الجديد( ).
يستمر الطاهر في متابعة الساحة النقدية، ويكتب مقالة(البنيوية أعلى مراحل السوء في ترف نظرية الفن للفن). ومما جاء فيها، أهمية أن يكون ميزان الناقد “عدلا، ورأيه عدلا، وموقفه عدلا… دون رخص في العرض، أو رخص في المنطق، ورخص في الذوق”( )، و”أن هذا الذي تقولونه من مبادئ البنيوية في الوقفة عند النص، وفي تحليل النص، والاستمتاع بالنص… معروف صحيح لا خلاف فيه”( )، ويؤكد “أن صحيح الحركة من الوقفة طويلا عند النص موجود قبلها وبعدها”( )، وأننا “يمكن أن نفيد من المناهج الأخرى من تاريخية واجتماعية ونفسية ونفسانية… أما أن تكون بنيويا وإلا.. فذلك عيب فيك أنا في غنى عن الوقوع فيه”( )، وهذا يعني- فيما يعني- أن قليلا من البنيوية لا بأس به( ).
وقد أثارت هذه المقالة نقاشا وجدلا، ومن ذلك رأي لعلي عبد الحسين مخيف( ).
ونرى في هذا أنه في حين انصب حديث الطاهر على لحظة تاريخية فكرية معينة في تاريخ الفكر النقدي الغربي، راح علي عبد الحسين مخيف يشرح وجود منهجين بنيويين، صابّا حديثه على المنهج البنيوي التكويني أي على لحظة تاريخية فكرية لاحقة في ذلك التاريخ، لم تظهر إلا لمعرفة أعلام البنيوية أن في البنيوية- الشكلية مساوئ خطيرة لا يمكن تلافي عدد منها إلا بإظهار ما رأوه جديرا بذلك( )، بل لقد تنكر عدد منهم لبنيوتيهم( ). ومطالبته الطاهر بالتفصيل وبسط القول لا تنسجم مع تصميم باب(المقالة) الذي ينشر فيه، ولا تنسجم مع العنوان الذي أطاله الطاهر ليوضح الطريق الذي يريد أن يتصدى لها، ولا تنسجم مع السياق الثقافي النقدي للطاهر.

هوامش

( ) م.ن : 107.
( ) م.ن: 108.
( ) ج.س؟ : 130.
( ) م.ن: 111.
( ) م.ن: 111.
( ) م.ن: 111، وظ: 112.
( ) ج.س؟ : 112.
( ) م.ن: 112.
( ) م.ن: 112.
( ) ظ: موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين- ج19 -علي جواد الطاهر: 38.
( ) ظ: ج. س؟ : 113.
( ) ج. س؟ : 117-118.
( ) م.ن: 118.
( ) م.ن: 118.
( ) ج. س؟ : 118.
( ) م.ن: 118.
( ) م.ن: 119.
( ) في آليات النقد الأدبي: 17.
( ) ج. س؟ : 119.
( ) م.ن: 120، وظ: 119.
( ) ظ: م.ن: 120.
( ) ظ: م.ن: 120-121.
( ) م.ن: 121.
( ) ظ: ج. س؟: 121-122.
( ) م.ن: 122، وللاستزادة، ظ: 123-124.
( ) ظ: م.ن: 125-126.
( ) ظ: م.ن: 127-128، وعن وضع النقد المسرحي العراقي المبني على الهواية، ظ: من حديث القصة والمسرحية: 360، وعن فعل المؤلف المسرحي مع النص والشخصيات والمتلقي، ظ: 364، و392.
( ) ظ: ج. س؟ : 127.
( ) م.ن: 127-128.
( ) من حديث القصة والمسرحية: 318.
( ) ج. س؟ : 137.
( ) ظ: ج. س؟ : 137-138.
( ) م.ن: 138.
( ) م.ن: 138-139.
( ) م.ن: 139.
( ) ظ:ج. س؟: 139.
( ) م.ن: 139.
( ) م.ن : 142.
( ) م.ن: 143.
( ) م.ن: 143.
( ) ظ :ج. س؟: 143-144.
( ) م.ن: 144.
( ) م.ن : 145.
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي: 6.
( ) ج. س؟ : 145.
( ) م.ن: 145.
( ) م.ن : 145-146.
( ) م.ن: 146.
( ) ظ:ج. س؟: 146.
( ) م.ن : 146.
( )ج. س؟: 147.
( ) ماذا يبقى من طه حسين؟، غالي شكري، دار المتوسط، بيروت، ط1، 1974: 74.
( ) ج. س؟ : 147.
( ) م.ن: 147.
( ) م.ن: 149.
( ) ظ: من حديث القصة والمسرحية: 264.
( ) ظ: م.ن: 265.
( ) ظ: م.ن: 269.
( ) ظ: أساتذتي ومقالات أخرى: 131- 137.
( ) ظ: م.ن: 270-273، وللاستزادة عن هذا الرأي، ظ: منهج البحث في المثل السائر: 25-26، وتحقيقات وتعليقات: 243.
( ) ج. س؟ : 178.
( ) ظ: م.ن: 182.
( ) ظ: م.ن: 182-183.
( ) أساتذتي ومقالات أخرى: 347، وظ: ج. س؟ : 187.
( ) أساتذتي ومقالات أخرى: 347-348، وظ: ج. س؟ : 187.
( ) ج. س؟ : 153.
( ) م.ن: 165.
( ) م.ن: 165.
( ) أساتذتي ومقالات أخرى: 348، وج. س؟ : 187-188.
( ) أساتذتي ومقالات أخرى: 348، وج. س؟ : 188.
( ) أساتذتي ومقالات أخرى: 146-147، وظ: ج. س؟ : 186-187.
( ) ظ: أساتذتي ومقالات أخرى: 99.
( ) ظ: أساتذتي ومقالات أخرى: 198.
( ) ج. س؟ : 176.
( ) أساتذتي ومقالات أخرى: 365.
( ) ظ: م.ن: 299.
( ) ظ: م.ن: 304.
( ) م.ن: 317.
( ) م.ن: 318.
( ) م.ن: 319، وظ: 320.
( )أساتذتي ومقالات أخرى: 320.
( ) ظ: م.ن: 322.
( ) ظ: منهجان بنيويان(مقال).
( ) ظ: من البنيوية إلى اللابنيوية(مقال)، د. عناد غزوان، جريدة الجمهورية، 12/1/1986.
( ) ظ: عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو، إديث كيرزويل، تر: جابر عصفور، دار آفاق عربية، بغداد، 1985: 20، والشعر العربي عند نهايات القرن العشرين- المحور الرابع: اتجاهات نقد الشعر العربي المعاصر، إعداد: عائد خصباك، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1989: 10، والبحث للدكتور إبراهيم السعافين.

شاهد أيضاً

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

محمود الورداني: الرقـص عــلي أنغــام الميلـودرامــــا (ملف/146)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

(خارج نطاق الانتماء)
قراءة سريعة في رواية (سيدي قنصل بابل) للروائي العراقي المقيم في المغرب (نبيل نوري)
عبد السادة البصري (ملف/5)

كم هو صعبٌ ، وثقيل الوطء على روحك ، حين تشعر أنكَ غريبٌ اينما حللت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *