صباح الأنباري : عندما يرقص الأطفال (ملف/22)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن ملحمة جلجامش العظيمة، كنز العراق المعرفي والشعري والنفسي، ودرّة تاج أساطير العالم، وأقدم وأطول ملحمة مكتملة في تاريخ البشرية. ولو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوّأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة كما قال الآثاري الكبير طه باقر. وإذ تتشرف أسرة الموقع بأن تقدم هذا الجهد ، فإنها تتقدم – في الوقت نفسه – بالدعوة إلى جميع الكتّاب والقرّاء للمساهمة في هذا الملف المهم كتابة وقراءة وتعليقا .
مسرحية
عندما يرقص الأطفال

شخوص المسرحية

مجموعة من المغنين
1 ـ الكورال
صبي الغابة 2 ـ ننورتا
صديق ننورتا 3 ـ أورننكال
صديق ننورتا 4 ـ أوبار
والد ننورتا 5 ـ الأب
والدة ننورتا 6 ـ الأم
من اهل الغابة. 7 ـ رجل (1)
من اهل الغابة. 8 ـ رجل (2)
المارد الكبير. 9 ـ خمبابا
أتباع خمبابا. 10 ـ القائد
أتباع خمبابا. 11 ـ سمّاع
أتباع خمبابا. 12 ـ شوّاف
أتباع خمبابا. 13 ـ شمّام
أتباع خمبابا. 14 ـ تابع
أتباع خمبابا. 15 ـ العرّافة
البطل الأسطوري 16 ـ جلجامش
والدة جلجامش. 17 ـ ننسون
صديق جلجامش. 18 ـ انكيدو

الكورال : إليكم الحكاية الأسطوره
عن غابة كبيرة مسحوره‏
عن ظالم تواصلت شروره‏
في الليل والنهار‏

إليكم الحكاية الأمثولـة‏
عن عالم الصغار والطفوله‏
والحب والرجال والبطوله‏
والغدر والأسرار‏

تعلموا من هذه الحكايا‏
من يدفع الناس إلى المنايا‏
ويملأ البقاع بالرزايا‏
وينشر الدمار.‏

المجموعة1 : أطفال يرتدون الملابس البيض القصيرة، وعلى ظهورهم أجنحة صغيرة).‏
أرواحنا تحوم حول الغابه‏
فراشة وشمعة مذابه‏
ووردة تنتظر الأمطار‏
والحب والسحابه.‏

المجموعة2 : وهم من الأطفال أيضاً. يرتدون ملابس عصرهم التقليدية)‏

أرواحكم تصعد في أرواحنا‏
نسغاً من النقاء‏
جذوركـم تمتد في جذورنا‏
درباً إلى الضياء‏

الكورال : نعيش في غابتنا الجميله‏
من غابر القرون‏
نرقص فـي أفيائها الظليله‏
نميس كالغصون

المجاميع : لكنهم جاؤوا مع الظلام‏
ليسرقوا الغابة والسعاده‏
ويمنعوا الغناء والكلام‏
والرقص والأفراح والولاده

مغني : وكـان يـا ما كـان‏
في غابر الزمان‏
أن دخل الغابة خمـبابا‏
فبدد الأمان.‏

أحد المنشدين : (ينظر باتجاه يمين المسرح. يصرخ). لقد وصل الأشرار.. وصل أتباع خمبابا.. اهربوا جميعاً… اختبئوا في الغابة… أو احموا أنفسكم.. هيا.. بسرعة.. بسرعة..‏
(يهربون جميعاً إلا ثلاثة أولاد.. يظلون مختبئين خلف أشجار الأرز).‏
أورننكال : (يخرج رأسه من خلف الشجرة هامساً) لم لا نهرب معهم؟‏
اوبار : فات الأوان.. لن نستطيع.‏
ننورتا : بل تستطيعان.. اهربا، إن شئتما، من هذه الطريق فهي آمنة.
اويار : وأنت..‏
ننورتا : سأنتظر هنا..‏
أورننكال : تنتظر من؟
ننورتا : أتباع خمبابا..‏
أورننكال : إذن سننتظرهم معك.
اوبار : هل جننتما؟
ننورتا : هـ…. ش…. ش… لقد وصلوا… يختبئون خلف الأشجار. يدخل ثلاثة من أتباع خمبابا (وهم يضعون الأقنعة على وجوههم).‏
شمام : (يشم هنا وهناك) أكاد أشم رائحتهم هنا (يتشمم) بل هنا.
شواف : رائحة من يا شمام؟
شمام : رائحة أهل الغاب.‏
شواف : كيف؟ ألم نمنعهم من دخول الغابة.‏
شمام : ملاعين.. يتحدون أوامرنا..‏
سماع : صحيح.. لقد سمعتهم يزعقون بأصوات يكرهها سيدنا العظيم خمبابا.
شواف : سمعتهم يزعقون ولم تخبرنا؟ أتعرف ما عقوبة من يكتم سراً على أتباع خمبابا؟
سماع : وأنا.. ألست واحداً من أتباعه؟.. أم تظنني واحداً من أتباع أهل الغابة.. ثم أنني لم أكتم أي سر.. لقد قلت لكم أنهم يزعقون بهذا الاتجاه.. وها نحن في المكان الذي كانوا يغنون ويرقصون.. أليس كذلك يا شمام؟
شمام : (ها منتبهاً) نعم.. نعم.. كانوا هنا بالتأكيد (يتشمم مبتعداً عنهما باتجاه مقدمة المسرح.‏
شواف : (يتابعه بنظره) ها؟ هل شممت رائحة أحد‏؟
شمام : (لايزال يشمّ) إن لم يخطئ أنفي أشم رائحة كائنات صغيرة.‏
سماع : (كائنات صغيرة متندراً) مقلية أم مسلوقة؟‏
شمام : (يشم) بل نيّئة.
سماع : هذا أفضل.. سنجعل منهم قرابين لعفريت الغابة (يضحكون).‏
شمام : اسمعا.. تعالا إلى هنا يقتربان منه.. (يشير إليهما إشارات غير مفهومة).
ننورتا : (يخرج رأسه من خلف الشجرة هامساً) يا له من أنف عجيب… لقد شم رائحتنا.‏
اويار : ماذا سنفعل؟‏
اورننكال : (مكرراً) نعم.. ماذا سنفعل؟‏
ننورتا : ننتظر قليلاً.
اورننكال : ننتظر ماذا وهم يريدون تقديمنا قرابين لعفريت الغابة.‏
ننورتا : لن يكون لهم هذا.. اعتمدا عليّ.. سأجعلهم يتيهون في الغابة.. هشـ… شـ… ش اختبئا جيداً الرجال الثلاثة يتراجعون بحذر وخبث. (يقف كل منهم أمام شجرة من تلك التي اختبأ وراءها الأولاد الثلاثة وبقفزة واحدة وموحدة يمسك كل منهم بواحد من الأولاد).‏
شمام : ألم أقل لكما أن أنفي لا يخطئ.. لقد أمسكنا بهم.‏
شواف : هيه أنت أيها الجرذ الصغير الملعون.. ماذا كنتم تفعلون هنا.. ها؟‏
ننورتا : لا شيء..
شواف : كيف لا شيء.. ها؟‏
ننورتا : (الحقيقة كنا… كنا تخطر له فكرة) آ.. كنا ننتظر خمبابا.‏
شواف : ماذا؟ ! تنتظرون خمبابا.. هاهاها يتوقف عن الضحك بشكل مفاجئ) هل قلت إنكم تنتظرون خمبابا؟ لماذا؟ ها؟.. لتقدموا له أنفسكم كقرابين طازجة؟‏
ننورتا : بل لأمر هام جداً.
شواف : (بإصرار وفضول) ما هو؟ ها؟ ما هو الأمر الهام جداً أيها الجرذ الصغير الملعون؟‏
ننورتا : (يفاجئه) خمبابا.
الثلاثة : (معاً بارتباك) ماذا؟‏
ننورتا : (يستغل ارتباكهم) انظروا إلى هناك يشير إلى جهة اليمين. يومئ لصديقيه كي يهربا أولاً ولكنهما يتأخران.. يهرب هو فيتبعه صديقاه، إلا أن شواف وسماع يقبضان عليهما. (شمام يطارد ننورتا إلى خارج المسرح).‏
شواف : (ينظر في أثرهما) يا له من شيطان صغير ملعون.. لقد استغفلنا وهرب.‏
سماع : شمام سيقبض عليه بالتأكيد.. إنه أفضل من يقتفي رائحة الطريدة.‏
شواف : هيه.. أنت (مهدداً) إن لم تقل ماذا كنتم تفعلون هنا سأعلقك، من قدميك، على هذه الشجرة.. وسأجعل غربان الغابة تفقأ عينيك..‏
أورننكال : (خائفاً) كنا.. كنا.. لم نفعل شيئاً.‏
شواف : حسن.. أنا أصدقك.. ولكن قل لي.. هل كنتم تغنون وترقصون معهم؟‏
شواف : مع مَن؟‏
اورننكال : مع أهل الغابة.‏
اورننكال : نعم.‏
شواف : هذا ما كنت أريد معرفته بالضبط (يغير ملامح وجهه) أنتم مشاغبون من أهل الغابة (ينظر في أثر شمام) سماع.. سماع… هل ترى ما أرى..؟!‏
سماع : أنا لا أرى شيئاً.‏
شواف : لقد فقد شمام أثر الصبي.. إنه يشم هنا وهناك دون جدوى.‏
سماع : غبي.‏
شواف : ما أشد غباءَه.. انظر.. لقد جعله يدور حول نفسه كما لو أنه بغل كبير… ينادي (بصوتٍ عالٍ) هيه.. أنت يا شمام.. ماذا تفعل هناك؟ تعال هنا.‏
شمام : (من خارج المسرح) لن أعود حتى أقبض عليه.‏
ننورتا : (يدخل متسللاً) تعال إذن اقبض عليّ هنا (إلى صديقيه) لا تخافا منهما.. إنهما غبيان أيضاً.‏
شمام : (من خارج المسرح) سأقبض عليك أيها الجرذ الصغير الملعون (يدخل إلى المسرح لاهثاً، يهرب ننورتا مرة أخرى).‏
شواف : (ينظر في إثرهما أيضاً) لقد اختفى.‏
سماع : من الذي اختفى؟‏
شواف : (الصغير يا غبي ينظر) ها؛ … ما هذا؟‏
سماع : ماذا أيضاً؟‏
شواف : لقد عاد.‏
سماع : من الذي عاد؟‏
شواف : شمام
سماع : ومعه الصغير.‏
شواف : لا..‏
شمام : (يدخل لاهثاً متعباً) أنتما أيها الغبيان لم لا تفتشان عنه بدل وقوفكما هنا كأبلهين.‏
سماع : وهذان.. ماذا نفعل بهما؟..‏
ننورتا : (يدخل متسللاً من بين الأشجار) أنتما أيها الغبيان لم لا تلحقان بي.. حاولا، إن أردتما، وستكتشفان أنكما أبلهان فعلاً (يثيرهما فيلحقان به دون أن ينتبها لاوبار واورننكال اللذين لاذا بالفرار من الجهة الأخرى).‏
شمام : غبيان وأحمقان (يصرخ بهما) عودا إلى هنا أيها الغبيان (يعودان) ماذا فعلتما ها؟ لقد منحتما الشياطين فرصة للهرب.‏
سماع : أكاد لا أصدق أننا لا نستطيع القبض على أطفال صغار مثل هؤلاء.‏
شواف : يبدو لي أن كل أرزة، هنا، تتآمر معهم ضدنا فتخفيهم عن أنظارنا.‏
شمام : سأقترح على العظيم خمبابا أن يقطع أشجار الغابة كلها حتى لا يختفوا خلفها أو يحتموا بها.
شواف : وما نفع هذا المكان بلا أشجار يا غبي.. أنسيت لماذا اختار خمبابا غابة الأرز مسكناً له دون غيرها من غابات الأرض؟ لماذا؟
شمام : هذا سؤال بحاجة إلى جواب فعلاً.. مع أنني لم أعثر، حتى الآن على جواب.‏
سماع : (يتنصت) هـشـ… شـ… ش… إ صمتا (يصغي باهتمام).‏
شمام : ها؟ ماذا تسمع؟‏
سماع : وقع أقدام.‏
شواف : الشياطين الصغار مرة أخرى؟‏
سماع : لا.. أقدام كثيرة وثقيلة.‏
شمام : هذا يعني أن موكب العظيم خمبابا سيمر من هنا.‏
سماع : إذن.. ليلزم كل منكما محله ولا يبرحه.‏
شواف : ولكن ماذا سنقول لـه حين يسألنا عن المشاغبين في الغابة.‏
شمام : (ببلادة) نقول إننا لم نقبض عليهم بعد.‏
شواف : غبي.. إياك أن تقول هذا وإلاّ جعل جثتك تتأرجح متدلية من أعلى شجرة أرز في الغابة (ينظر باتجاه الموكب) لقد وصل موكبه المهيب (إلى سماع) سماع.. انفخ في بوقك معلناً عن مقدمه الميمون.. انفخ حالاً (سماع يتناول البوق المعلق في محزمه. ينفخ فيه يدخل موكب خمبابا إلى خشبة المسرح من وراء الستارة البيضاء يظهر خياله على الستارة وهو كائن نصف بشري ونصف حيواني. محمولاً على أكتاف أتباعه ينزلونه في منطقة خيال الظل ويدخلون إلى الخشبة. يقوم قائد أتباعه بالتحدث إلى الآخرين نيابة عنه كلما أعطاه الإشارة فهو يفهم ما يريده خمبابا بالضبط).‏
القائد : (بعد إيماءة خمبابا) هل قبضتم على مثيري الشغب والفوضى.‏
شمام : (مرتبكاً) ليس بعد يا سيدي (يقفل فمه بيده لا إرادياً).. اعني.. اعني سنقبض عليهم يا سيدي (خمبابا يومئ).‏
القائد : ماذا كنتم تفعلون إذن.. ترقصون وتغنون معهم لتثيروا الضجة والصخب في أرجاء الغابة (يشير إلى شمام) أنت.. تعال هنا..‏
شمام : (إلى سماع) أنت يا سماع…. القائد يناديك..‏
سماع : (متهرباً) بل يناديك أنت.‏
القائد : تعال هنا يا غبي يتقدم شمام (بخوف وارتباك مضحكين).
شمام : أ.أ. أ.أنا يا سيدي.‏
القائد : من غيرك يا أبله (خمبابا يقف فينحني الجميع. تبدو هيئته في خيال الظل ضخمة جداً ومخيفة جداً. يخرج من وراء الستارة البيضاء. يقف شامخاً على دكة في أعلى وسط المسرح فيبدو مهيمناً على المكان. القائد يسحب سيفه فيفز شمام بشكل يثير الضحك. يشير القائد إلى اثنين من الأتباع فيمسكان به كل من يد). سأجعل من رأسك الفارغة هذه طعاماً لغربان الغابة.. وسأقطع جسمك قطعة قطعة وألقي بها إلى الوحوش المفترسة الجائعة.. كيف تجرأت وقلت في حضرة خمبابا أنك لم تقبض عليهم (يرفع صوته فيفز خمبابا من نومه) أتخالف أوامر العظيم خمبابا.. أمسكوه بقوة خمبابا يومي للقائد فيتوقف الأخير عن تنفيذ الحكم). حسناً… لقد عفا عنك العظيم فلا ترتكب حماقة أخرى أيها التابع.‏
شمام : لن أرتكب حماقة أخرى يا سيدي. صدقني سأفعل ما تأمرني به فقط.‏
القائد : ما يأمرك به العظيم خمبابا، فقط، يا غبي.‏
شمام : (يردد بآلية) ما يأمرني به العظيم خمبابا، فقط، يا غـ… يضع يده على فمه مذعوراً.. مرتكباً.. يحاول الاعتذار.. يضطرب. يتحرك بشكل مثير للسخرية والضحك)
القائد : (بغضب واضح) اقبضوا على كل من أقض مضجع العظيم خمبابا حالاً..‏
شمام : حالاً يا سيدي (يهم بالانصراف)..‏
القائد : توقف يتوقف يجمد في محله. يقترب القائد منه. خمبابا يومئ). أمركم العظيم خمبابا أن تستمتعوا معنا قليلاً قبل الشروع بتنفيذ مهمتكم.. الآن لتدخل العرافة (خمبابا يتثاءب).‏
شمام : (ينادي) لتدخل العرافة عزف على الطبول، تدخل العرافة ومعها مجموعة من الراقصين تؤدي معهم رقصة شبه وثنية طقوسية في نهايتها يسجد الراقصون لخمبابا ويظلون هكذا حتى تنتهي العرافة من طقوسها.‏
العرافة : (بصوت جهوري مرتجف ومؤثر) إليك أيها العظيم خمبابا ما أَنْبَتَنْي به الرؤيا المقدسة (صمت) لقد رأيت في الليلة الماضية ريحاً عاتية ساقها شمش إليك.. وبينما أنت تصارعها انقض عليك بطلان من أوروك… يقال للأول جلجامش والآخر انكيدو… أرشدهما إليك صبي غر يعرف دروب الغابة كلّها يقال لـه ننورتا.. كدت تقضي عليهما وتسحق هامتيهما لولا أن القدر شاء خلاف ذلك.. فإن أردت الحفاظ على سلطانك، أيها العظيم خمبابا، اقتل ننورتا قبل أن يهتدي البطلان إليه ينهض خمبابا غاضباً.. يومئ لقائده. (ينحني الجميع).‏
القائد : (غاضباً هو الآخر)، ويل لك أيتها البلهاء من غضب العظيم خمبابا.. أية نبوءة غبية هذه؟.. كيف تجرؤين على قول ما قلت في حضرة سيدنا؟‏
العرافة : أنا لم أقل إلا ما قالته الآلهة العظام في الرؤيا المقدسة.
القائد : وما أدرانا أن رؤياك المقدسة هذه… صادقة؟
العرافة : الآلهة المقدسة لا تهب أهل الكرامات رؤى كاذبة.. لقد صدقت رؤياي من قبل فلم لا تصدق الآن؟
القائد : لم تكن رؤياك السابقة نذير شؤم، كهذه، أبداً، فلم تكونه الآن؟‏
العرافة : لأن هذه هي مشيئة الآلهة.‏
القائد : هل تخلت الآلهة عن العظيم خمبابا وهي التي منحته الخلود في الأبدية.‏
العرافة : أنّى لي أن أعرف، أنا الفانية، ما تفكر به الآلهة الخالدة.‏
القائد : عجباً.. إنها المرة الأولى التي لا تعرفين ما تفكر به الآلهة.‏
العرافة : أنا أعرف.. عندما تريدني الآلهة أن أعرف…. ولكن…
القائد : (مقاطعاً) ولكنها النهاية.. أليس هذا ما تريدين قوله الآن.‏
العرافة : سأسجد للآلهة العظام، في ليلي ونهاري، وسأطلب منها ضارعة أن ترأف بالعظيم خمبابا وألا يكون ما أنذرتني به هو النهاية.‏
القائد : اذهبي وتضرعي حتى تبدل الآلهة المصائر كلها (ينتبه لصوت أحد أتباعهم).‏
التابع : (ينادي من خارج المسرح لاهثاً) سيدي العظيم خمـ…بابا (يدخل. يركع). سيـ…. سيدي …. أيـ… أيها العظيم خمبـ.. بابا…. لقد… لقد قتل…عفريتك حارس بوابة الغا… بة…‏
القائد : اهدأ قليلاً وقل…. من قتله وكيف؟‏
التابع : رجلان من أوروك يقال للأول جلجامش والثاني انكيدو… انقضا عليه قبل أن يصل إلى سلاحه وقتلاه.‏
القائد : والبوابة المسحورة… ألم تشل قواهما؟‏
التابع : لما أراد انكيدو الدخول منها ” شلت قواه فنادى على جلجامش وحذره من الدخول ولكن جلجامش شجع صديقه قائلاً:.. أبعدَ أن عانينا الصعاب وقطعنا هذا السفر البعيد نعود من حيث أتينا خائبين؟ أنت الذي مارست النزال والصعاب تشجع وكن بجانبي فتعود إليك شجاعتك ويفارقك الرعب والشلل”( ) .‏
القائد : وماذا بعد أيها التابع.
التابع : استعاد انكيدو قواه ودخل مع صديقه الغابة وحفرا فيها بئراً وراحا يتقربان إلى الآلهة ويتساءلان عن صبي نصحتهما والدة جلجامش، ننسون، العارفة بكل شيء، أن يهتديا إليه لأنه سوف يرشدهما إليك (خمبابا يشير باتجاه العرافة).‏
القائد : (إلى العرافة) هل سمعت يا عرافة السوء؟
العرافة : صه أيها القائد المغرور… ما نطقت به هو ما أنبأتني به الرؤيا المقدسة.‏
القائد : وهذا التابع الأمين (يشير إلى الرجل الذي جاءهم بخبر جلجامش وانكيدو) هل أنبأته الرؤيا المقدسة أيضاً؟ أم أنه رأى ما رأى بأم عينيه؟‏
العرافة : (تلتفت إلى أحد أتباعها وتهمس بغضب)، أمرتك أن تتخلص من هذه الحثالة… لِمَ لَمْ تفعل… انظر ماذا فعل بِنا الآن.
القائد : لماذا تهمسين، في الآذان، أيتها العرافة؟‏
العرافة : لأذكر أن لا أحد يستطيع تغيير مشيئة الآلهة إلا الآلهة.‏
القائد : أية مشيئة وأية آلهة (بغضب) أتسمّين دجلك هذا مشيئة؟ وادعاءك نبوءة يا عرافة الشؤم؟ (يصدر أمراً) أيها الحراس يا أتباع العظيم خمبابا. خذوا هذه الدجالة واجعلوها تبتلع نبوءتها إلى أبد الآبدين (يجرها الحراس إلى خارج المسرح ويطردون أتباعها).‏
العرافة : حذار من غضب السماء… حذار من غضب السماء… الجحيم الجحيم.
القائد : اذهبي إلى الجحيم أنت ونبوءتك الخرقاء (إلى شمام) اسمع يا.. أنت..‏
شمام : أمرك سيدي القائد.‏
القائد : اذهب وتحرّ عن أمر جلجامش (شمام يهم بالخروج بينما يفكر القائد في أمر ما)، يا…
شمام : شمام يا سيدي
القائد : اسمع يا شمام.. دع أمر جلجامش الآن، واقبض على ننورتا.. ولا تتوانى في ضرب من يتحدى إرادة خمبابا.. اجلد الصغير والكبير.. اقتل كل من يقف في طريق بحثك عنه واحرق من يتحدى مشيئة سيدنا.. لا نريد رقصاً في الغابة ولا غناء… من لا يحفظ لسانه اقطعه أيها التابع… هل فهمت.. اقطعه.‏
شمام : فهمت يا سيدي..‏
القائد : إذن.. نفذ مهمتك حالاً.‏
شمام : حالاً يا سيدي
(إظلام)

*

لوحة جلجامش للفنان الراحل راكان دبدوب
[في جانب آخر من الغابة جلجامش وانكيدو نائمان وخلفهما، في مؤخرة المسرح، على السايك، صورة جبل تغطي الخلفية كلها. تدخل ننسون والدة جلجامش وفي يدها مبخرة تضعها قرب رأسي جلجامش وانكيدو ثم تتقدم إلى أسفل وسط المسرح.. تركع للإله خاشعة متضرعة متوسلة.. الإضاءة تظل خافتة على العموم أو مركزة على البقع التي يتواجد عليها الممثلون….] ننسون : (ترفع يديها صوب الشمس) “علام أعطيت ولدي جلجامش قلباً مضطرباً لا يستقر؟ والآن حثثته فاعتزم سفراً بعيداً ليلاقي خمبابا في نزال لا يعرف عاقبته وسيسير في طريق لا يعرف مسالكها… فإلى أين يذهب ويعود … وحتى يبلغ غابة الأرز ويقتل خمبابا المارد ويمحو من على الأرض كل شر يمقته.. عسى عروسك أي أن تذكرك باليوم الذي ترجعه فيه ولتوكل به حراس الليل والكواكب وأباك سين) حين تحتجب أنت في المساء” .‏
تأخذ المبخرة وتتقدم من انكيدو. تشير له فيجلس دون أن يصحو من نومه). ” ها إنني ائتمنتك على ولدي فأرجعه إليَّ سالماً “تنزع من عنقها قلادة وتضعها في عنق انكيدو) ارجع إليّ جلجامش سالماً.. ارجع إليَّ جلجامش.. جلجامش.. ارجع إليَّ جلجامش.. جلجامش.. جلجامش.. يختفي صوتها تدريجياً).‏
جلجامش : يصحو ببطء. ينظر إلى صديقه انكيدو) يا صديقي.. انكيدو.. (انكيدو يفز) ” من ذا الذي أيقظني إن لم تكن أنت؟ يا صديقي رأيت رؤيا، رأيت أننا نقف في هوة جبل ثم سقط الجبل فجأة، وكنّا، أنا وأنت، كأننا ذباب صغار.. ورأيت في حلمي الثاني الجبل وهو يسقط ويمسك بقدمي… ثم انبثق نور وهاج.. طغى لمعانه وسناه على هذه الأرض فانتشلني من تحت الجبل وسقاني الماء فسر قلبي” ‏.
انكيدو : ” إن الجبل الذي سقط عليك هو خمبابا ونحن سنتغلب عليه ونقتله .
جلجامش : صدقت يا صاحبي وأخي الذي لم تلده أمي.. يامن اصطفيت لتكون ملازماً لي وحريصاً على سلامتي… يامن منحته ننسون موثق أمومتها.. أعنِّي على تسلق هذا الجبل العالي لنبحث خلفه عن ننورتا العارف بطرق الغابة ومسالكها فما أخشاه هو أن يعرف خمبابا بسره فيرسل إليه نفراً من أتباعه قبل أن نصل إليه..‏
انكيدو : اطمئن يا صديقي.. إن الذي يعرف مسالك الغابة كلها لا يقتل بالسهولة التي تظن.‏
جلجامش : إنما أخشى عليه من أهل الغابة.‏
انكيدو : أهل الغابة؟! كنت أظنك تخشى عليه من أتباع خمبابا.
جلجامش : أنت لم تخبر السلطة، يا صديقي، ولا تعرف وسائلها.‏
انكيدو : ماذا تعني؟‏
جلجامش : أتباع خمبابا قساة لا يرحمون ولا يشفقون.. وحتى يتمكنوا من ننورتا فإنهم سوف يسومون أهل الغابة مرّ الهوان.. إذ ذاك سيعترفون وسيشون به فيسقط في قبضة خمبابا.‏
انكيدو : لا تظنن سوءاً بـأهل الغابة يا صديقي جلجامش.. صحيح أن خمبابا جرّدهم من كل شيء… ومنع عنهم كل ما يرغبون ويحبون… إلا أنهم لا يزالون يغنون ويرقصون ليقضّوا مضجعه على الدوام.‏
جلجامش : يا لجبروت هذا المارد الظالم ويا لضعفه الشديد… أنك يا صديقي تملأني غيظاً وغضباً عليه.. وحماساً للقضاء على كل شروره…‏
انكيدو : يا صديقي جلجامش ليس المارد خمبابا عدواً يسهل القضاء عليه كما تظن… أنسيت ما قاله شيوخ أوروك عن هيئته؟.. ألم يقولوا لك ” إن بنيته غريبة مخيفة فمن ذا الذي يصمد إزاء أسلحته؟ والغابة تمتد عشرة آلاف ساعة مضاعفة في كل الجهات فمن ذا الذي يستطيع أن يوغل في داخلها.. أما خمبابا فزمجرته عباب الطوفان وتنبعث من فيه شواظ النيران ونفسه الموت .‏
جلجامش : ولكننا توغلنا في الغابة يا انكيدو
انكيدو : وما الفائدة يا جلجامش إن لم نستطع الوصول إليه.‏
جلجامش : سنصل بالتأكيد وسيساعدنا ننورتا في العثور عليه
انكيدو : إذن هلم بنا يا صديقي نبحث عن ننوري خلف هذا الجبل.‏
جلجامش : حسناً … هيا…

(إظلام)‏

*

[في ركن آخر من أركان الغابة نرى أتباع خمبابا وعلى رأسهم شمام وشواف وسماع وقد ألقوا القبض على أسرة ننورتا وعدد من سكان الغابة] شمام : من لا يعترف يقتل.
الأب : أذن اقتلني أنا.
رجل1 : بل أنا.
رجل2 : لا تفعل هذا أرجوك.. إن كان لابد من أن تقتل أحداً… فاقتلني أنا..
شمام : سيكون لكم، هذا، جميعاً إن لم يدلنا أحد على مكانه.
الأب : لن يدلّكم أحد على مكانه.
شمام : سترى أنك مخطئ أيها الأب.. لأننا سنبدأ بك (يصدر أمراً) اجلدوه (يجلد بقسوة، يشير للجلاد بالتوقف. يتقدم منه)، ها.. هل تقوى على تحمل قسط آخر من الجلد؟ (الأب لا يجيب) أنت أضعف مما توقعت.. هيا تكلم… قل شيئاً أيها العجوز.. لن ينفعك صمتك.. إن لم ترحم نفسك لن نرحمك أبداً.. سأسألك للمرة الأخيرة.. في أي مكان اختبأ ننورتا؟! (الأب لا يجيب) ها؟ … لا تريد أن تجيب إذن أنت مولع بالجلد أيها العجوز (يصدر أمراً) اجلدوه حتى يعترف (يستمر جلده حتى يغمى عليه فيشير لهم شمام بالتوقف. أحدهم يسكب على وجهه ماءً ليوقظه). سأتركك لترتاح قليلاً (بسخرية)، أيها البطل الضعيف (يتقدم من الأم التي لا تزال مربوطة على جذع شجرة الأرز) وأنتِ؟ هل ستقاومين مثل زوجك يا سيدة؟!.. هل تريدين أن تكوني وقحة أيضاً؟ (لا تجيب) هل ستمتنعين عن الكلام؟ (الأم لا تجيب) لا أظن ذلك.. أنتِ فقط تجهلين أنّ العظيم خمبابا هو الذي أصدر أمراً باعتقال ولدكم ننورتا.
الأم : أعرف هذا.
شمام : ولكن لماذا؟ ها؟ هل تعرفين لماذا؟..
الأم : لا.
شمام : حسناً أنا أقول لك يا سيدتي.. لقد تسلل إلى غابتنا رجلان من أوروك يزعمان أنهما جاءا للقضاء على العظيم خمبابا، وأنهما لن يستطيعا الوصول إليه دون أن يرشدهما ننورتا فهو كأبيه.. يعرف طرق الغابة ومسالكها.
الأم : على ولدي أن يفعل ما يراه مناسباً.
شمام : المناسب يا سيدتي هو أن نأخذه، حالاً، ليمثل بين يدي العظيم خمبابا قبل أن يظفر به هذان المجنونان.. وبهذا تسدون لأنفسكم معروفاً وتتحاشون غضبة خمبابا على ولدكم.
الأم : هل قلت إنهما جاءا للقضاء على خمبابا؟
شمام : هذا ما يزعمانه.. ولكن هيهات فالعظيم خمبابا خالد بأمر الآلهة.. لا يجرؤ أحد على مسه بضرر.
الأم : (لنفسها) إذن ليحاولا.. وليباركهما الرب، وليسدد خطاهما حتى تجمعهما وننوري طريق واحدة.
شمام : كنت سأشفق عليك قليلاً، لولا لسانك الذرب هذا، اجلدوهما (تجلد بقسوة، يشير للجلاد بالتوقف قبل أن يبدأ بالجلدة الثالثة) هل عرفت أيتها العجوز كيف يكون لسع السياط؟ أعدك أن يكون الجلد المقبل أكثر أذىً إن امتنعت عن الكلام… مؤكد أنّ جثتك هذه لم تخلق من الحجر.. وحتى لو كانت كذلك فالسياط وحدها كفيلة بأن تجعلها تتفتت ثم تنطق.. الآن قولي لي وبسرعة، قبل أن يلهب السوط جلدك ثانية، أين يمكن أن أجد ننورتا؟
الأم : لا جواب لك عندي.
شمام : (يلوّح لها بالسوط) لكنك ستجيبين على أية حال.
الأم : ما من والدة، على هذه الأرض، يمكن أن تشي بولدها.
شمام : هذه ليست وشاية.. إنها أداء لواجب مقدس.
الأم : الواجب أن احمي ابني.
شمام : نعم.. بكل تأكيد.. وعليك، الآن، يا سيدتي، أن تحميه من شرور نفسه.
الأم : شرور نفسه؟ ماذا تعني؟!
شمام : أعني رغبته في الوقوف ضد إرادة خمبابا.
الأم : ننورتا لن يقف ضد أحد.
شمام : بل يقف.. ولهذا يجب أن نجده قبل أن يهتدي جلجامش إليه.
الأم : لتتخلصوا منه. لا.. لن يكون لكم هذا.. أنا أمه أيها التابع والأم تموت ولا تشي بابنها.
شمام : إذن… تتسترين عليه.. أتعرفين ما عقوبة مَن يتستر على مجرم.
الأم : ولدي ليس مجرماً.. أنتم المجرمون.
شمام : يا لك من امرأة ثرثارة.. سأقطع لسانك هذا.. وسأجعلك تبتلعين كلماتك الوقحة إلى أبد الآبدين.
الأم : افعل، ما شئت، يا تابع خمبابا (يسحب خنجراً من وسطه. يتقدم من الأم. يشهر الخنجر في وجهها. يسمع من خارج المسرح صراخ أوبار).
شمام : ما هذا؟!.. مَن القادم؟!..
شواف : هذا أنا شواف (يدخل مع اوبار) ألم أقل لكما أنني سأتمكن منه.
شمام : أحسنت يا شواف (إلى الأم) الآن.. لا حاجة بي لقتلك أيتها الأم.. سأقتل ولدك هذا.
الأم : لا.. أرجوك.. اترك ولدي واقتلني أنا.
شمام : أرأيتِ؟.. إنك لا تستطيعين رؤية ابنك مقتولاً.. حسناً.. سأشفق عليك فأكتفي بجلده لأرى إن كنتِ تستطيعين رؤيته وهو يئن من ألم السياط (يصدر أمراً) اجلدوه (يقومون بجلده فيستنجد بوالديه. الأم لا تقوى على سماع صراخ ابنها وهو يستنجد ويستغيث يتقدم منه شمام) لن أجعلهم يضربوك أكثر، أيها الصغير، إن أخبرتني عن مكان ننورتا.. هيا أيها الصغير.. قل أين نجد ننورتا؟
اوبار : شقيقي ننوري لن يجده أحد.
شمام : (بلين) قل لنا عن مكانه وسترى أننا نجده بسهولة.
الأب : إياك يا ولدي أن تقول.. لا تقل شيئاً.. أي شيء.
شمام : لا تصغِ إليه فإنه يريدك أن تتعذب مثله.
اوبار : ما المانع من الكلام يا أبي.
شمام : (يجيبه قبل الأب) لا مانع أبداً.. دعه لحاله وكلمني أنا.
اوبار : عن أي شيء أكلمك؟
شمام : عن مكان ننورتا.
اوبار : فقط؟
شمام : فقط.
الأب : لا تفعل يا ولدي.
شمام : (غاضباً) اجعلوا هذا العجوز يبتلع لسانه المهذار.
اوبار : لا تفعلوا أرجوكم.. سأدلكم على ننوري.
الأب : لا تفعل يا اوبار.
اوبار : يا أبتي.. الجميع هنا يعرف مكان ننورتا.. إن لم أدلهم أنا فسيدلهم غيري.
الأب : لا.. لا أحد من سكان الغابة يشي بننورتا.
شمام : دعك منه فإنه يريد لك ولنفسه المزيد من الجلد.. ثم ألا ترى أنّ واجبك، كابن، أن توقف عذاب ومعاناة والديك.
اوبار : نعم.
شمام : إذن.. دلنا عليه حتى نتوقف عن جلدهما (يراوغه) ثم أننا لا نريد إيذاء ننوري كما تعلم، فقط، نريد العثور عليه لنجنبه المشاكل.
اوبار : كما تشاء.
شمام : أنت ولد عاقل فعلاً.. الآن قل أيها الولد العاقل.
اوبار : يمكنك أن تجد ننوري في
الأم : (مقاطعة) لا.. لا يا ولدي.. لا تفعل أرجوك
شمام : أسكِتوا أو اقطعوا لسانها حالاً.
اوبار : لا تفعلوا بها شيئاً وإلاّ لن أخبركم أبداً.
شمام : حسناً توقفوا (إلى اوبار) قل بسرعة.. هيا قل.
اوبار : يمكنك…
شمام : (يقاطعه بسرعة ليصل إلى المهم) أن أجد ننورتا في…
اوبار : الغابة.
شمام : (يصاب بخيبة كبيرة) ماذا؟ في الغابة؟ .. أين؟.. اسمع أيها الصغير.. الغابة تمتد مسافة عشرة آلاف ساعة في كل جهة.. فقل لنا بالتحديد في أي مكان يختبئ ننورتا؟
اوبار : إنه.. إنه (يسمعون صوتاً من خارج المسرح ينادي على شمام وهو أحد اتباع خمبابا)
التابع : شمام.. شمام (يدخل لاهثاً) لقد عثرت على ننورتا.. عثرت على ننورتا
شمام : (يتوقف الجميع لفرط المفاجأة) ماذا قلت أيها التابع؟.. عثرت على ننورتا؟ هل هذا ما قلته أيها التابع بالضبط؟
التابع : نعم.
شمام : أين؟
التابع : في الغابة مع جلجامش وانكيدو.
شمام : وماذا يفعل مع هذين الوحشين؟
التابع : حسنٌ.. هذا ما كنت بانتظاره.
سماع : (متدخلاً) ماذا تعني؟ أنظل بانتظارهم حقاً ؟.. مستحيل.. أنسيت أنهما قتلا أقوى عفاريت الغابة ودخلا من الباب المسحور؟
شمام : لم انسَ.. ولكنها فرصتنا.
سماع : أية فرصة؟
شمام : فرصة القبض عليهما.
شواف : (متدخلاً) ماذا؟ هل جننت؟.. لا.. لابد أنك جننت.
شمام : إنكما تحتاجان إلى مزيد من الدهاء حتى تتعلما كيف تروّضان وحشين مثلهما.. اسمعا.. ليمسك كل واحد منكما بواحد من هؤلاء.. أما أنا فسأمسك هذا الصغير.. أما أنتم (يخاطب أتباعه) فامسكوا البقية وضعوا خناجركم على رقابهم وانتظروا أمري (يدخل ننورتا أولاً ثم جلجامش وانكيدو. يفاجؤون عندما يرون الخناجر على رقاب الجميع. يهم جلجامش بمهاجمتهم)
سماع : اسمع يا جلجامش وأنت يا انكيدو.. إن خطوتما خطوة أخرى نحونا ذبحناهم جميعاً.
جلجامش : (وقد فهم ما يريدون) ماذا تريدون؟
سماع : نريد أن نأخذكم أسرى إلى العظيم خمبابا.
جلجامش : حسناً.. موافقون.
سماع : إذن.. قيدوهم (يتقدم عدد من أتباع خمبابا ليقيدوا جلجامش وانكيدو وننورتا)
جلجامش : لا.. ليس قبل أن تطلقوا سراح هؤلاء جميعاً
سماع : حسناً.. اتفقنا.. نقيدكم ونطلق سراحهم.
الأم : ولدي.. ننوري الحبيب.
اوبار : ننوري.. أنا آسف بشأن.
ننورتا : (يقاطعه) لا عليك يا اوبار.. وأنتِ يا أمي تشجعي فأنا مع جلجامش
الأم : ليحفظكم الرب جميعاً.
شمام : (يختلي بشواف وسماع) ماذا نفعل بهؤلاء؟
سماع : نذهب بهم أسرى إلى العظيم خمبابا.
شمام : اعتقدتك أكثر ذكاءً.. كيف نذهب بهم، إلى هناك، وهم يريدون ذلك.
سماع : ماذا نفعل بهما إذن؟
شمام : نقتل جلجامش وانكيدو ونأخذ ننورتا.
سماع : أنا موافق.
شواف : وأنـا.. (بصبيانية) سأعلن قرار الحكم (يفتح ورقة وهمية ويقرأ) بناءً على الصلاحيات المخولة لنا قررنا نحن شواف وشمام وسماع النظر في قضية المتسللين جلجامش وانكيدو والخائن ننورتا.. وقد ثبت لنا بالبرهان القاطع أنهما معتزمان على اغتيال سيدنا العظيم خمبابا.. وبالنظر لثبوت الأدلة فقد قررنا قتل جلجامش وانكيدو وأسر ننورتا.
جلجامش : هل قررتم هذا فعلاً.
شواف : (ببلاهة) فعلاً.
جلجامش : هذا يعني أنكم ألغيتم الاتفاق من طرف واحد.
شواف : نحن لم نتفق على أي شيء.
جلجامش : كيف ؟.. ألم تقولوا إنكم ستأخذوننا إلى خمبابا؟
شمام : هل ترانا أغبياء إلى هذا الحد؟
شواف : نعم.. (مكرراً) هل ترانا أغبياء إلى هذا الحد؟
جلجامش : جنيتم على أنفسكم (إلى انكيدو) عليك بقيودهم يا صديقي (انكيدو يزأر زئيراً قوياً يجعلهم ينزوون في ركن بعيد وهم يرتجفون خوفاً. وبحركة عنيفة ورشيقة يقطع الحبال التي ربط بها ثم يفك وثاق جلجامش وننورتا بينما يلوذ أتباع خمبابا بالهرب)
انكيدو : (ينادي في أثرهم) قولوا لسيدكم إننا قادمون لتخليص الغابة من شروره (ينادي بصوت مرتفع) يا سكان الغابة تجمعوا وافرحوا وتهللوا وارقصوا فإنّ نهاية الظلم قد حانت (يتجمع اهل الغابة. موسيقى يرقص بعضهم بفرح غامر ويشكل بعضهم الآخر كورالاً غنائياً)

الكورال : من اجل أن نقضي على المذلّة
من أجل أن تنير غابتنا الأهلّة
من أجل أن نقضي على خمبابا
سنمتطي الأهوال والصعابا.

من أجل أن نقضي على الهوان
وننشر السلام والأمان
من أجل أن نطهر الشعابا
سنمتطي الأهوال والصعابا.

من أجل أن يصدح الأطفال بالغناء
نقاتل الأشرار والأعداء
نجند الشيوخ والشبابا
ونمتطي الأهوال والصعابا.

الكورس : أيها البطلان.. سنقاتل معكما لنقضي على خمبابا (يغادر جلجامش وصديقه. يلوّحون لهما مودعين بالأيدي) أيها البطلان ليحفظكما الرب وليجعل نصركما على الظلم نصراً مبيناً (يظلم المسرح تدريجياً).

*

صراع جلجامش وانكيدو للفنان راكان دبدوب
[جلجامش وانكيدو وننورتا يسيرون في الغابة.. ينتقلون من مكان إلى آخر يشير لهم ننورتا على بعض الأمكنة فيتوقفون.. ثم يغذون السير مرة ثانية. يمر وقت مناسب على توغلهم في الغابة] ننورتا : (يتقدم البطلين) استعدّا.. سندخل نفق الأرز.
جلجامش : (باستغراب) نفق الأرز؟!‏
انكيدو : هو النفق الشجري المظلم يا جلجامش.
جلجامش : وما أدراك يا انكيدو؟
انكيدو : لقد علمت بأمره، يا صديقي، مذ كنت أتجول مع الحيوان في التلال والبراري.
ننورتا : (يشير إلى النفق) هو ذا مدخل النفق.. هل أنتما مستعدان للدخول
جلجامش : مستعدان.
ننورتا : (برجولة) كونا يقظين.. ولا تغفلا فتنقض عليكما الوحوش الكاسرة.
انكيدو : لا عليك يا ننوري.. سنقضي على كل وحش يعترض طريقنا.. أما أنت فلا تتقدمنا حتى نخرج إلى الجهة الأخرى (يدخلون في الظلام ولا يرى منهم غير قفازاتهم الفسفورية المضيئة وبعض الإكسسوارات التي يستخدمها البطلان في مقاتلة الوحوش وربما أسنان الوحش أيضاً
جلجامش : هل أنت متأكد من الطريق يا ننوري؟
ننورتا : كل التأكيد يا جلجامش رغم أنني لم أعبر إلا مرة واحدة.
جلجامش : متى؟‏
ننورتا : عندما أراد أبي ذلك.‏
جلجامش : وهل نجح؟‏
ننورتا : ليس تماماً.. لقد جرح في … (يسمعون صوت زئير قوي) يا إلهي.. إنه نفس الصوت الذي هاجم أبي.
جلجامش : ننورتا.. قف أنت وانكيدو خلفي والتصقا بالجدار حتى أتمكن من الوحش.
(نسمع صوت صراخ جلجامش والوحش. يتحول صوت الوحش إلى شخير ثم يتوقف. جلجامش ينادي على انكيدو وننورتا لاهثاً) لقد انتهيت منه.. بإمكاننا مواصلة الطريق.
ننورتا : أحسنت يا بطل (يسيرون عبر الظلام حتى يسمعوا صوت وحش آخر)‏
انكيدو ‏: ما هذا الصوت يا ننوري؟
ننورتا : إنه حارس النفق الشجري.. حذار يا انكيدو.. إنه وحش مفترس.
انكيدو : لا عليك يا ننوري.. أنا أعرف كيف أسيطر على الوحوش وأهزمها. (موسيقا تختلط مع صرخات انكيدو ثم نسمع خوار الوحش)‏
ننورتا : هل انتهيت منه يا انكيدو؟
انكيدو : نعم.
ننورتا : إذن نحن أمام بوابة النفق.. ضعا أيديكما على أعينكما حتى تتحاشيا قوة الضوء‏ (يبدأ بالتوهج تدريجياً كلما تقدموا جهة البوابة. ومع اشتداده يكون الثلاثة في الغابة مرة أخرى)‏.
جلجامش : الآن وقد عبرنا النفقَ الشجري المظلم.. أي اتجاه نسلك يا ننوري؟
ننورتا : (يشير بيده) هذا.
جلجامش : هل يوصلنا، هذا، إلى خمبابا؟
ننورتا : ليس قبل أن تقضيا على حارسي مسكن خمبابا.
جلجامش : حسن.. هيا بنا (يمشون في المسلك المؤدي إلى مسكن خمبابا.. يوقفهم صوت قوي)
الصوت : من الذي جرأ على الوصول هنا بغير أمر مني؟.. أياً كنت يا هذا فإنك هالك لا محالة.
جلجامش : بل أنت الذي سوف يهلك.. أيها الرعديد.
الصوت : صوت من أسمع؟ جلجامش؟‏
جلجامش : هو أنا أيها الرعديد.
الصوت : وهل معك صديقك المتوحش انكيدو؟
انكيدو : نعم.. جئت لأقضي عليك (ينقض الوحشان على البطلين بشكل مفاجئ وكأنهما هبطا بسرعة مذهلة من السماء. يمسك كل واحد منهما بأحد البطلين. يدور بينهم صراع عنيف ينسحبون إلى ما وراء الكواليس. ننورتا يراقبهم بانفعال من على خشبة المسرح)
ننورتا : (قافزاً بفرح وانتصار) بورك فيك يا جلجامش وأنت يا انكيدو.. بورك فيكما أيها البطلان‏
انكيدو : (داخلاً إلى المسرح) جلجامش يا صديقي لم يبق أمامنا إلا خمبابا فدعني أتقدم عليك.
جلجامش : حسناً يا انكيدو.. أما أنت يا ننوري فقف بعيداً وتجنب الأذى.
ننورتا : حسناً.. سأفعل
جلجامش : هيا يا انكيدو لنبدأ بقطع هذه الأشجار التي تسور مسكن خمبابا (يبدأ البطلان بقطع الأشجار بفأسيهما يمر وقت مناسب عليهما وهما يقطعان الأشجرر بنشاط وحيوية. صوت تقطع الأشجار يستفز خمبابا فيستيقظ من رقدته)‏
صوت خمبابا : (هائجاً. غاضباً. متثائباً. مزمجراً) [من الداخل المتطفل الذي كدّر صفو الغابة وأشجارها النامية في جبلي؟ ومن ذا الذي قطع أشجار الأرز؟] جلجامش : هذا أنا جلجامش أيها المارد.. وهذا خلي وصاحبي انكيدو.. جئنا لنقضي عليك.
صوت خمبابا (يقهقه بصوت مضخم) ها ها ها ها ها هو هو هو هو… (يقطع ضحكته) أنتما ميتان.
جلجامش : اخرج لنا وسترى.
خمبابا : (يظهر على خشبة المسرح) ها أنذا خرجت.. ماذا يمكنكما أن تفعلا أيها البائسان (البطلان لا يتقدمان، ينظران إلى هيئة خمبابا باستغراب وشيء من الخوف. يهجم عليهما خمبابا وهو يضحك منهما مستهزئاً ساخراً يمسك بخناقهما. جلجامش يحاول أن يستل سيفه لكن السيف يسقط منه. ينادي على ننورتا)‏
جلجامش : ننورتا.. ناولني سيفي (ننورتا يتردد قليلاً: ينظر إلى خمبابا بخوف. يتراجع. يشجعه جلجامش لا تخف يا ننوري.. تشجع (يستجمع ننوري قواه. يتقدم نحو السيف. يرفعه بصعوبة ويقترب منهم)‏
ننورتا : خذ يا جلجامش.. خذ (جلجامش يتناول السيف بصعوبة. يغرزه في خاصرة خمبابا فيصرخ صراخاً قوياً
خمبابا : (ينتزع السيف من خاصرته بجلد) سأقضي عليكما الآن (صوت جلبة وضوضاء من خارج المسرح. يدخل أهل الغابة وقد تقدمهم الأب)‏
الأب : بل نحن الذين سنقضي عليك أيها المارد الظالم.. يا سكان الغابة.. اهجموا عليه (يهجمون على خمبابا بمختلف الأسلحة والأدوات الزراعية. يلوذ خمبابا بالفرار)‏
انكيدو : (الذي تحرر من قبضة خمبابا) لنلحق به.
جلجامش : هيا يا صديقي لنلحق به ونقضي عليه.
الأب : دعكما منه أيها البطلان.. هزيمته تكفي.
جلجامش وانكيدو : (معاً) لن تكفي.. سيزرع شروره أينما حلّ.. وسيجعل الظلام يخيم ثانية على هذه الغابة.‏
الأب : لا.. لن يخيم الظلام وقد أشرقت، على الغابة، بفضلكما شمس لن يطفئها خمبابا بعد الآن (ثم بأسلوب خطابي إلى أهل الغابة) يا أهل الغابة.. يا أهل الغابة.. افرحوا وتهللوا واعلموا أن الليل مهما طال.. يأتي النهار.. الليل مهما طال.. يأتي النهار (موسيقى. أهل الغابة يغنون بصوت جماعي واحد):‏
الليل مهما طال.. يأتي النهار‏
الليل مهما طال.. يأتي النهار‏
يأتي النهار‏
يأتي النهار‏
يأتي النهار‏
يأتي‏

(تسدل الستارة قبل نهاية الأغنية)‏

كانون الثاني – 1996

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *