ناصر الريماوي: حوض النعناع*

*إلى الصديق زياد جيوسي …مع خالص الحب

قبيل الفجر، في ذلك المكان يتلفظ المدى بأبجدية ساحرة، تحجبه المباني  العالية المصطفة عن عيون الناس في تلك المدينة، وقبل أن ينبثق الصبح الرمادي من عتمة الفجر ليغمر الطرقات وشرفات المنازل النافرة وهي تنفض عن مقاعدها الفارغة ما علق بالأمس من بقايا همس ليلي ، يستفيق في شغف – هذه المرة – على غير عادته ليشرع النافذة، ليطل منها على حوض النعناع، ليقف في مجرى نسائم البحر البعيد، يسخر وهو يغمض عينيه على لظى نفحة عابرة ممزوجة برحيق بيارات البرتقال في يافا: كيف يحتجز “الصهاينة” كل ذلك البحر؟!  رام الله تغفوا بأكملها هنا، ترتمي في سرير الشارع الخلفي لقاع المدينة، النافذة المشرعة على القاع تختزل كل الميادين والمحال الموصدة باكراً وحاراتها المتناثرة في إطلالة ضيقة، وحده مسرح القصبة يتوارى عن النافذة على الرغم من وجوده الأزلي هناك، يتكئ “زياد المغني” بمرفقيه كآخر السهارى، يتخلص من نبرته الساخرة في حرقة وهو يرى أسراب الحمام تهرع نحوه من جديد، كل الحمام هنا… على حافة النافذة، لم يبق في رام الله حمام إلا وحط هنا!!
   يسترد التفاتة خاطفة أرسلها نحو حوض النعناع، أوراقه الخضراء تنبت من جديد، تظلل الحوض بأكمله، كأن أحداً لم يمسسها بالأمس، تجرّع ما رآه في صمت بعد أن فقد الدهشة بتوالي الصباحات، لم يعد للدهشة إزاء ذلك وقع البدايات، لكنه لم ييأس في العثور على تفسير مقنع لما يحدث، هناك سر غامض يلف الصباحات وحوض النعناع والحمام بما فيها تلك الحمامة البيضاء في هذا المكان “ذلك الحوض هو سر آخر… يضاف إلى أسرار الأرض الطيبة في فلسطين” كان ذلك خلاصة بوحه في المرة الأخيرة لضيوف “الصومعة” لكن أحدا لم يصدق…  “يا عزيزي أنتَ تبالغ… فالنعناع لا ينبت هكذا بين عشية وضحاها” يرد احدهم في تبسيط  غير لائق مما يثير حنق “المغني”… ليتمتم بصوت غير مسموع: والحمامة البيضاء….؟
   يصفق بيديه في الهواء، فيتفرق الحمام في فضاء الشارع المعتم ويبتعد، لتظل نفس الحمامة البيضاء، تحط على حافة الحوض، الحمامة ذاتها تتخلف عن أسراب الحمام في إصرار غريب، في هديلها المتقطع حزن عميق يفهمه المغني وحده، أضاف على أسماع رواد الصومعة في تلك الليلة: أحسها تطلب الإذن مني بالبقاء في كل مرة… لا بل أنها تستعطفني لأجل ذلك…
   في ذلك الصباح، آثر التلصص إلى تلك الحمامة من خلف الزجاج، لمحها وهي تنتقي خطاها بعناية بين الفراغات في حوض النعناع باتزان، لم تؤذ أو تطأ أية خصلة أو ورقة منه، بدت حائرة تحوم وسط الحوض ثم تضرب بمنقارها أطرافه، تدفن نصفه المدبب في الرمل لبرهة، ثم ترفع رأسها نحو السماء كل ذلك قبل أن يطغى على هديلها تصفيق جناحيها وهي ترفرف مبتعدة، هز رأسه وهو يلتقط قصفة من نعناع الحوض ويردد: ما الذي سيرونه؟ على أيّ حال فلن يصدقني أحد…
   تناوب “رواد الصومعة” على اجتثاث أوراق النعناع من جذورها، كان ذلك تحت إصرار “المغني”،  وقبل أن تنفض الأمسية ألقوا نظرة أخيرة على الحوض، كان خالياً تماماً إلا من رمله المرصوص، رددوا أمام المغني وهم يجارونه في تنفيذ رغبته: “هل هذا ما تريده؟ كما تشاء، ننتظر حتى الصباح وسوف نرى…” ثم غادروا تحت جنح العتمة.
    تنسل العتمة سريعاً أمام وهج باهت للصباح، يرصدها “المغني” مع أول رشفة شاي حتى ينكشف الندى  وراء النافذة، ومن خلف الزجاج يواصل الوهج الرمادي إتساعه وانحداره عن رؤوس التلال المحيطة، يواصل غسل الواجهات الإسمنتية للبيوت في رام الله، يطلق زقزقة العصافير في وجه أشجار الصنوبر الحافية، ثم يغمر قاع المدينة قبل أن تلفحه الشمس، يترجل “زياد المغني” إلى الشارع الخلفي كي يصطاد الحكايا في غبش الصبح، ويحدثَ العصافير في الطرقات الخالية وقبل أن يطير النعاس عن الجفون المثقلة، تطلع للأعلى نحو الصومعة، شمل المباني المجاورة بنظرة أكثر إتساعاً، أحس باعتزاز… وهو يرى نافذته الوحيدة من بين كل النوافذ و قد إستأثرت بحوض مميز من النعناع الخالص، كان ذلك الحوض بمثابة العلامة المميزة والدالة على الصومعة، لم يكن ليواجه عناءً خلال وصفه لعنوان إقامته: حين تعبر الشارع المؤدي إلى مسرح القصبة، ما عليك إلا أن تتبع حوض النعناع الوحيد…حتى تصل.
   ميدان الساعة لازال خالياً، وشارع “السهل” بأشجاره الكهلة يحتكر الهدوء ورائحة الياسمين لرواد الصباح، دوريات جيش الاحتلال في ظهورها المحتمل عدو وحيد للتأمل وللصباحات معاً، لكن “الخفافيش” لا تنشط إلا في العتمة… هكذا علق ذات يوم مبرراً تجواله الباكر من وقت لآخر دون تنغيص أمام البعض في مركز خليل السكاكيني الثقافي، واصل سيره بمحاذاة أشجار الصنوبر العالية مأخوذاً “بزقزقة ” العصافير، اختار محطته التأملية الأولى على مقعدٍ حجري تحت شجرة “كينا” وحيدة، معمرة، حوض النعناع يقفز إلى ذهنه في حضور قسري يعكر صفو المساحة التأملية، رواد الصومعة ورهان الليلة الفائتة أيضاً، واللقاء المسائي المنتظر بهذا الشأن، سؤال بديهي يتردد : ما الذي سيجنيه من كسبه للرهان إن صدقوه… وما الذي سيخسره إن لم يصدقوه؟ ففي الحالتين سيظل السر مدفوناً يؤرقه… ، “حوض عادي يرمم ما تحصده الأيدي خلال فترة قصيرة”، ومع خيوط الفجر…  ظاهرة بلا تفسير.
–         ما الذي يثير حفيظتك بالتحديد في ذلك المسكن، أقصد الصومعة؟ باغته الصوت والسؤال على حين غرة.
حانت منه التفاته عاجلة، نحو مصدر الصوت، كان خلفه تماماً، إنتفض “المغني” وراح “يبسمل”، وقعت عيناه على شاب ملثم يعتمر كوفية تقليدية ترمز للوطن تنسدل عن عينينه بعض الشيء، يتجذر بقامة شامخة، قوية، كبقية الأشجار، وراءه… لم يدرك على وجه التحديد في تلك اللحظة الخاطفة هل قذفت به الأرض أم ألقت به السماء، في لباسه ” الكاكي” هيبة العسكر… تحدث إلى المغني في صرامة وجدية: هل أفزعتكْ؟
–         لا … فقط فاجأني وجودك … رد ” المغني” باضطراب.
–         أعتذر… لكنك لم تجبني… ما الذي يثير حفيظتك في تلك الصومعة؟
   أطبقت حيرة جديدة إلى جانب الدهشة، عقدت لسان ” المغني” إزاء ذلك السؤال، … حاول أن يتماسك،   استطلع الشارع الممتد، وجده خالياً، فأيقن أنه بمفرده مع ذلك الشاب يراه وينصت إليه برفقة الأشجار فقط…
–         حوض النعناع الذي يرمم ما تحصده الأيدي في كل ليلة مع انبلاج الصبح… والحمامة البيضاء التي تنقب رمله عند الفجر في كل يوم!!!  كان “المغني” يرد باستلاب بلا إرادة على الرغم من آلاف الأسئلة المحيرة في ذهنه…
   بدرت عن الشاب تنهيدة عابرة، وهو يميط لثام “كوفيته” عن وجهه، تأمله “المغني” جيداً، لم يكن قد إلتقاه أو رآه من قبل، لمح على جبينه ندبة مستديرة بدت كختم صغير، عرّف الشاب عن نفسه:  يدعونني ” بأبي كفاح”… تشرفتُ بالتعرف إليك، رد ” المغني”… بينما واصل الشاب حديثه بنبرته الجادة والهادئة في آن معاً: فيما يخص النعناع، فإن النبتة هي سر الرمل، والرمل هو سر الأرض… لا أدري على وجه التحديد كيف أفسر لك… لكن عليك أن تجد “وازن” …
–         وازن… من هو “وازن” هذا؟!
–         بائع جوال وفتى نازح إلى مخيمات الشتات… يقطن مخيم “قلنديا”،  يجوب الطرقات والأزقة في “رام الله” بين القصبة و دوار الساعة نهاراً …يبيع “الذرة المسلوقة” على عربة من الخشب ذات صندوق واسع.
–         لم أصادف أحداً يبيع الذرة منذ انتقالي إلى القصبة… لكني سأفعل؟
   أطرق الشاب، وهو يدنو في ثبات من “المغني” ليقول: أما الحمامة البيضاء…فهي تبحث عن شيء ما، يعنيها، يخصها، شيء إما أنه ظل مدفوناً في ذلك الحوض حتى اليوم، أو انه في حوزة ذلك الفتى “وازن” … لك أن تعتبر ذلك الشيء بمثابة الأمانة… وقبل أن يتم جملته، علا نفير حاد لسيارة عبرت مسرعة، أعقبها دبيب خافت لأقدام قريبة تحث الخطى، لتنبعث الحياة على إثرها من جديد، وقبل أن يندلع الصباح من بين أغصان “الكينا”، كان “المغني” يتلفت حوله باحثاً عن ذلك الشاب، بحث عنه خلف الأشجار، على امتداد الشارع والطرق الفرعية القريبة… لكنه لم يعثر له على أثر، ولم يلمحه وهو يبتعد،… كان قد تلاشى على الفور، تماماً مثلما قذفت به الأرض…أو ألقت به السماء…بغتة، منذ قليل.
   يطوي بهو القاعة المتخمة بشعر الندوات نحو ردهة الأحاديث الجانبية بمهارة، كان ذلك في مركز خليل السكاكيني الثقافي، حيث يفيض الحوار ويمتد قبل أن يتشعب، عينا السيدة “اليونانية” تطفحان بإعجاب وهي تصغي لمن يحدثها عن “جيانيس ريستوس”، والمئوية المرتقبة لمولده…  لاحقاً كان يستحث الذاكرة المشوشة ويصغي لمن يستفزه في مودة: هذا الشيب عشش باكراً يا “زياد” … فأنت لم تتجاوز الثانية والخمسين بعد… يرمق محدثه بنظرة عتاب لاذعة… بينما يواصل الآخر في إصرار: ولأن السيدة تتقن العربية فقد أطلقت عليك ذلك اللقب “المغني” …كان مقالك النثري عن “ريستوس” الشاعر وقتها شعرا يغنى! يرد زياد: ربما… ربما.
   عاد يستحث من حوله مجدداً بالسعي إلى جانب بحثه الموصول عن مسكن ملائم، صالة تتسع لكتبي ولأريكة واحدة… ليس أكثر، مر بشارع “النزهة” فعرج على بهو المكتبة العامة، بحث في ذاكرة “رام الله” الحية عن السيدة “نهلة” أمينة المكتبة، فلم يجدها، في آخر الدهليز الضيق بين أرفف معاجم اللغة، لمح “المغني” موظف الاستقبال يلوح له بيده، ثم يسعى إليه عن قصد، استبشر خيراً وهو يصف له مسكناً ملائماً في قاع المدينة، عثر عليه بالأمس.
   لم تكن سوى صالة صغيرة، مستقلة، ملحقة ببيت منفصل، طلاؤها قديم لكنه لا يحتاج إلى تجديد، رحبة بما يكفي كي تتسع لأكثر من أريكة، ولأرففٍ عريضة اصطفت فوقها كتب المغني للمرة الأولى، لتكون المكتبة، لم يصدق بأنه طوى صفحة العزلة والشراكة في تلك الفنادق، وأن عالمه الخاص ككاتب قد تحقق.
   استدرجته الرائحة نحو النافذة، في تطاير أوراق الكتابة من فوق النضد المجاور، اشتم نسيم البيارات البعيدة وشذى بحر يافا، وقبل أن يُعيد غلق النافذة، أطلعه حوض النعناع على سر الرائحة، كان يراه للمرة الأولى وهو يتمدد تحت النافذة كالرَصَدْ، هل هناك من يتعهده بالعناية؟ العجوز صاحبة النزل في زيارة الترحيب الأولى يلجمها السؤال ويضع حداً لثرثرتها، لا … لا أحد… هو مورق على الدوام. يعقبها صمت ثقيل، قبل أن تكمل: منذ سنوات وهذا الجناح لا يشغله احد… بدا الاهتمام على وجه المغني: منذ متى تحديداً؟ ترد في ضيق وهي تجر قدميها ببطء نحو الباب… منذ الاجتياح الإسرائيلي الأخير لرام الله.
   يهبط المساء على الشرفات والنوافذ الخلفية، يسارع الناس للّحاق بآخر الحافلات المتجه نحو القرى المجاورة، تقفر الطرقات باكراً بعد أن تغلق المحال أبوابها، “احتلال بغيض يفرض واقعاً صعباً يطال الجميع…” كان ذلك جزءً مما أفضى به “المغني” لعامل “البوفيه” وهو ينتظر شطيرة الفلافل، حين جذبته الرائحة نحو ذلك الركن الوحيد في الشارع الخلفي وهو يتلقف المارة من خلال ضوء باهت ينبعثُ من جوفه، تجاذبا أطراف الحديث في مودة… لم يجد عناء في توصيف مسكنه الجديد والقريب، حين إستبقه العامل ليشير لحوض النعناع في الاستدلال عليه… لقد عرفته… نفض يديه، تأمل ” المغني” لبرهة، ثم قال: لا زلتُ أذكر جيداً تلك الجريمة، والتي ارتكبها جنود الاحتلال في ذلك المكان… استحوذ الحديث على اهتمام “المغني” بتلك النبرة الجادة فأصغى بانتباه شديد، أحس بذلك مُحدثه مما حدا به للمواصلة… كان ذلك خلال الاجتياح الإسرائيلي الأخير لرام الله… بعد يومين من قتل ذلك الفتى سمحوا لطاقم الإسعاف بنقل جثته … قتلوه بدم بارد… ذلك الفتى لم يكن مسلحاً… قال بعضهم بأنه بائع جوال يجوب الشوارع بحثاً عن لقمة عيشه، يأتي في كل يوم من أحد مخيمات الشتات القريبة … وقال آخرون بأنه فتى متشرد… لكن أحداً لم يعرف كيف انتهى به الأمر إلى تلك الشقة السكنية… ثم عاد إلى تحضير الشطائر، علق “المغني” باهتمام: وهل لهذه الحادثة شأن في عزوف الناس عن هذه الشقة… لا أظن ذلك… رد العامل… فهناك من أقدم على ذلك بالفعل… لكن إقامة البعض –أغلبهم- لم تدم لأكثر من أسبوع واحد أو إثنين… تضاعف اهتمام “المغني” فأصر على معرفة المزيد…
–         لكن ما السبب؟ هل تعرف أحداً منهم؟ وما قصة حوض النعناع؟
–         أذكر جيداً أن احدهم تحدث عن سماعه المتكرر لأنين لم يعرف مصدره، وصدى لصوت خافت يتردد من خلال حشرجات في النزع الأخير…” هذا لأجل المقاومة… لأجل فلسطين”… أما أكثرهم غرابة فهو ذلك المدرس الذي حدثني وهو يرتجف، أقسم لي بأنه قد رأى -لثلاث مرات متتالية- جنود الاحتلال وهم يطلقون الرصاص على ذلك الشاب أمام عينيه… أما حوض النعناع فقد حيرني أنا… لكن أحدا منهم لم يأتِ على ذِكره.
–         وكيف ذلك… وما المحير في أمر الحوض؟
–         اخضراره الدائم، يشدني دوماً لأنظر إليه كلما مررت بالمكان، على الرغم من ثقتي بعدم وجود أحد يرعاه…
   بين سكون الليل ورشفات منقوع النعناع إصغاء وتحفز يلفان رواد الصومعة، عقد “المغني” ذراعيه وأسند ظهره للأريكة، وختم حديثه: هذا ما قاله العامل… بلا زيادة أو نقصان. لم يلبثوا أن عادوا للمناكفة، تبدد السكون في مودة أمام تندر الجميع، انبرى شاعر الحداثة “عبد الودود” ممهداً لطرفة جديدة: وأنت أيها العزيز… ما الذي سمعته أو رأيته في هذه الصومعة خلال الشهرين الماضيين؟ أم أن خيالك الجامح ككاتب فذ… لا زال يبحث عن شيء آخر مميز ومختلف…
–         أنا عني لم أسمع ولم أشاهد…، أشار للنافذة… لكن حوض النعناع محير بحق، فقد حيرني أنا الآخر…
–         هل تحاول إقناعنا بقدرته على ترميم ذاته في كل ليلة…؟ ماذا لو أننا اجتثثنا شتلات النعناع من جذورها… أتراها تنبت من جديد؟
–         نعم… قالها المغني في تحدٍ… هل تراهن على ذلك، نظر في وجوه البقية… وأنتم…هل تقبلون بالرهان؟.
   بعد الظهيرة، يمضي الوقت ببطء مشحون، كلُ الذين رأوه أجمعوا على مسايرته للوقت فحسب، وبأن خاتمة مثيرة لمقال ما تستعصي على ذهنه، لذا فهو مشوش… السيدة اليونانية في “مركز خليل السكاكيني” تذكره بنفسها، يلطم جبهته ويرحب بها من جديد، يستعيد نزهة الصباح ولقاءه المحير بذلك الرجل الغامض، ثم يعود ليحملق في وجه تلك السيدة ولا يراها… في التغطية لمهرجان القصبة السينمائي عصراً، يقتله الحضور المقتضب للنخبة، فيستعيض عنه بصور بديلة، حوض النعناع يناوش المسافة الفاصلة بين “المغني” وبين الحضور، تغمره الحيرة، تستأثر بكل ملكاته، يجيرها بلا إرادة لتفكيك لغزه الجديد، يتململ في ضجر فوق مقعده حين يعجز، يلمح عيونهم وهي تقفز نحوه في فضول حين يخرج عن صمته : أية أمانة مدفونة هناك… هل يعقل ذلك؟
   يغادر مسرح القصبة برفقة مساء يتهيأ، يحث خطاه في تثاقل نحو الصومعة، يلمح حوض النعناع كالرَصَدْ يتربع أسفل النافذة، أما في الصومعة ومن خلال النافذة، فقد راح يرقب ظلال المباني وهي تزحف مسرعة نحو شتلات النعناع، الحضور المرتقب لرواد الصومعة ورهان الليلة الفائتة يمنحانه لذة خفية،  هبط الظلام دفعة واحدة على المدينة تلاه سكون عميق حط فجأة ، وحشة وصمت مريبان… تفشيا في زوايا الصومعة أيضاً، توجس “المغني” للمرة الأولى، أحس بانقباض لم يعهده وهو يلقي بجثته في تراخ على الأريكة، لكنه غير واهم فهو لم يعتد على هذه الظلمة في مثل هذا الوقت… “المكان معتم أكثر مما يجب…” حدث نفسه، تنبه لمصباح الإنارة المخفي لم يكن يرسل نوره الخافت كالمعتاد في تلك الزوايا، قفز باتجاهه متثاقلاً، أدار المفتاح، حركه في الاتجاهين لمرات عديدة، جرب مفتاح “الفلوريسنت” على الجدار المقابل ومفتاح “لمبة” الطاولة قبل أن يدرك عبث المحاولة… رجح أن يكون عُطلاً كهربائياً، عزم على تبديد وحشته، فاسند مرفقيه إلى حافة النافذة، وراح يرمق الشارع الخلفي، بدا له مظلماً أيضاً أول الأمر، خالياً يشاطر المدينة وحشتها في صمت مماثل، على الرغم من مصابيحه المضاءة، شيء ما يعبر الشارع على امتداده، ويدنو ببطء، على ضوء شحيح لمصباح الإنارة السفلي، تبين القادم بوضوح، عربة خشبية مدولبة يدفع بها بائع جوال، توسطها قدر معدني، خفق قلبه وهو يستعيد ما قاله الرجل الملثم صباحاً عن بائع الذرة المسلوقة، اعتراه فضول جارف وهو يراه فتى صغيرا، أوقف عربته، ثبتها أسفل الصومعة تماماً، رأى المغني باباً صغيرا، ينشق ليقذف برجل من جوف العربة، نحو الطريق، تبينه “المغني” بوضوح أكثر، رجل ملثم بكوفية تراثية، يرتدي “الكاكي”، غاب في مدخل البناية، ولم يعد.
   أحس بطرق خفيف على باب الصومعة، تخلى عن النافذة مرغماً، جحظت عيناه لتلك المفاجأة وهو يراه للمرة الثانية، صاح المغني بلا تردد: أبا كفاح…!!! أومأ الرجل ولم يرد، دلف إلى وسط الصومعة بقامته الفارهة، رمق المكان بنظرة تأملية، قرأ فيها “المغني” لوعة دفينة وشوق لمكان مألوف…رحب “المغني” بارتباك ضاعف من إحساسه بالوحشة، لم يجلس الضيف، بل آثر الوقوف والنظر إلى حوض النعناع وهو يقول: افترقنا هذا الصباح قبل أن نكمل… المعذرة.
–         لا بأس…  (رد المغني)… لكن أرجو منك أن تطلعني على سر الحوض ولغز الأمانة المدفونة.
–         لا عليك… فقط ننتظر حتى ينضم إلينا “وازن”…
   استحال السكون إلى جلبة في لحظة، طرق حثيث متواصل يبعث على الفزع، تسارع في لمح البصر على باب الصومعة، امتقع وجه “المغني”…وهو يرى ذلك الفتى يدخل مسرعا بأنفاس متلاحقة، لاهثة، ووجه شاحب، تلقفه “أبا كفاح” مستوضحاً ما الأمر… ما بك؟ نطق الفتى بصعوبة: عليك أن تغادر هذا المكان على الفور… وسأعمل على إعاقة العسكر… هيا.
–         لكن ما الأمر…
–         عساكر الاحتلال… يبدو أنهم قد تعقبونا… المكان لم يعد آمناً وعليك أن تغادر.
   وسط الصدمة والذهول رأى ” المغني” ذلك الملثم وهو ينزع من عنقه سلسلة فضية علق فيها مفتاحاً قديماً ينتهي بحلقة مستديرة، توحي ضخامته بأنه لبيت من بيوت “العقد” القديمة في فلسطين، قال للفتى وهو يفتح زجاج النافذة ليثب منها: ورثه أبي عن جدي وأنا سأورثه لولدي، سلمه له إن لم أعد… ولم يعطه للفتى بل دفنه في حوض النعناع قبل أن ينسل من النافذة متشبثاً بجدران البيوت الخارجية في هبوطه نحو الشارع الخلفي…
   مضت لحظات من الصمت تلتها جلبة منظمة، إلى خارج الصومعة، انخلع الباب أمام ضربة قوية، عبر جنود مدججون بأسلحة حديثة، صوبوها في جميع الاتجاهات، رفع “المغني” يديه وهو يلقي بجسده على الأريكة مشدوها، كذلك الفتى… رفع يديه وأدار ظهره للنافذة… سرد الفتى قصة مبتذلة للجندي المسئول، حتى أنهى بقية الجنود تفتيش الصومعة، لم يتنبه أحد لوجود “المغني” والذي تسمر  جالساً في مكانه غير مصدق لكل ما يجري، صاح احدهم بلغة عربية ركيكة : لا تصغوا إليه… إنه يخدعنا فما حاجته لفتح النافذة في هذا الطقس البارد… انطلقت صلية من الرصاص نحو الفتى… رأى “المغنى” بأم عينيه كيف نشب الدم  من الجسد الممزق، و تناثر في كل الاتجاهات، وكيف امتزج الدم الحار بلون النعناع الأخضر واختلط برمل الأرض في ذلك الحوض …
   أفاق “المغني” بعد أن تلاشت الجلبة ورحل العسكر، سار بخطوات عاثرة نحو النافذة، أصغى وسط العتمة لأنين مخنوق، وكلمات مألوفة تشق طريقها بوضوح من بين حشرجات الفتى في الرمق الأخير: ” هذا لأجل المقاومة… لأجل فلسطين”…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.