عبد الحسين شعبان : بعد سنوات من التمرد.. مظفر النواب يعود إلى بغداد

يعود إلى بغداد بعد أكثر من أربعة عقود هي غربة الشاعر الكبير مظفر النواب صاحب القصيدة الحديثة المكتوبة باللهجة العامية. لعل منفى النواب زاد على نصف عمره البيولوجي وأكثر من ثلثي عمره الإبداعي، وباستثناء عقد ونيّف من الزمان كتب فيه النواب قصائده الشهيرة إبتداء من ” الريل وحمد” و”ياريحان” و”صويحب” و”حن وآنه حن” و” سفن غيلان إزيرج” و”البراءة” و”حسن الشموس”، فإن منجزه الشعري الإبداعي إكتمل في المنفى، بعد تجربة السجن المريرة إثر هروبه بعد إنقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 إلى إيران وإلقاء القبض عليه وتسليمه الى السلطات العراقية، ثم الحكم عليه وإيداعه في سجن نقرة السلمان، وبعد ذلك هروبه مع مجموعة من السجناء من سجن الحلّة العام 1967 بعد نجاحهم في حفر نفق تحت السجن وفرارهم الجماعي.
منذ أن نشر النواب قصيدة ” الريل وحمد” جاءت الإشارة بقدر غموضها، واضحة، فقد كان أمام النقّاد نوع من الأدب الجديد المكتوب بالعامية، لكنه مختلف عن القصيدة العامية التقليدية أو الكلاسيكية التي عُرف بها شعراء كبار مثل حسين قسّام والحاج زاير والملاّ عبود الكرخي وغيرهم، لاسيما وأن القصيدة النوابية شكّلت خروجاً على التقليد، وامتازت بلغة آسرة ومفردات جديدة، بل إن بعضها يستخدم لأول مرة ، بعيدة عن الوصف المباشر، وحملت صوراً وتأملات عكست احتدام روح الشاعر وشحناته العاطفية وحبكته الدرامية.
وإذا كان شعراء كبار مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي قد سبقوا النواب الى القصيدة الحديثة المكتوبة باللغة الفصحى، إلاّ أن الفارق بينه وبينهم أن هؤلاء الشعراء الكبار اجتازوا مرحلة تمهيدية طالت أو قصرت ارتباطاً وتزامناً مع من سبقوهم من شعراء كبار في الشعر العمودي والقصيدة الكلاسيكية، كالجواهري الكبير مثلاً، مع أنهم حملوا لواء الحركة التجديدية الشعرية وكان لهم شرف النهوض بالقصيدة الحديثة الحرّة، الاّ أن تأثير الرواد عليهم لم يكن بعيداً.
أما في حالة النواب وهنا المفارقة التي يذكرها الناقد والكاتب الدكتور حسين سرمك حسن في كتابه القيّم ” الثورة النوابية” الصادر حديثاً عن دار الينابيع في دمشق (2010)، فإنه كان “رائد الثورة العامية الحديثة في الشعر الشعبي” ويعتبره فارسها الوحيد.
وفي وصف رمزي لم أجد أجمل منه بخصوص دور النواب الريادي في الحركة التجديدية الشعرية الشعبية، يقول حسين سرمك حسن ” في مجال الثورة النوابية كنّا أشبه بأناس اعتادوا أن يروا كلّ يوم بستاناً كبيراً من الأدب العامي، ثم نمنا ذات ليلة واستيقظنا، فإذا بنا نجد غابة جديدة ساحرة قائمة بجوار البستان السابق، لم نألف مظهرها من قبل… لا في شكل شجرها ولا ثمره ولا في تنظيم صفوفه، غابة آسرة وجدنا لغة طيورها فقط هي اللغة (اللهجة) العامية” ثم يضيف في تبيان اختلاف عاميّة النواب عن العامية السابقة التي ألفنا سماعها والتعامل بها أو معها. ولنلاحظ هذه الصورة: آنه يعجبني أدوّر عالكَمر بالغيم… ما أحب  الكَمر كلّش كَمر (من قصيدة النواب- زفّة شناشيل).
وإذا كانت القصيدة الجواهرية قد بلغتي سدسها العبقري حسب الكاتب حسن العلوي، في الأربعينيات، باعتباره رائد القصيدة الكلاسيكية الحديثة، فإن قمة الجواهري الشعرية تلك كانت تعاصرها وتقف الى جانبها حركة شعرية ريادية جديدة،حاولت أن تشق طريقها وإن كان بصعوبة، وذلك بسبب أن الجواهري ومُنجزه الإبداعي لم ترك متّسعاً للشباب من الشعراء المفعمين بالتجديد مجالاً للمنافسة حسبما عبّر عنه الناقد والكاتب جبرا ابراهيم جبرا.
هكذا كان للقصيدة الجديدة والحركة الشعرية الحديثة والحرّة عرّابون سابقون مثلاً لكنه حسب استنتاج د. حسين سرمك حسن، لم يكن للثورة الشعرية النوابية من أب روحي، ومن يقرأ شعر النواب وتطوره خلال العقود الخمسة، سيرى أن تأثير وحضور شعراء العامية الكبار الذين سبقوا النواب كان قليلاً، بل لا يكاد يُذكر.
وإذا كان النواب معجباً بالحاج زاير الدويج والملاّ عبود الكرخي، لكنه لا يمكن بأية حال من الأحوال مقارنة القصيدة النوابية لا من حيث معانيها أو مبانيها أو صورها أو لغتها، بالشاعرين الحاج زاير أو الكرخي، فكلاهما لم يمدّا النواب بوسائل الخلق والتمرد والتجديد، الأمر يرجح الاعتقاد السائد أن النواب فيما ذهب اليه كان المبدع الأول في القصيدة التجديدية العامية، وأعقبه وسار على طريق التجديد شعراء مثل طارق ياسين وشاكر السماوي وعزيز السماوي وعريان السيد خلف وكاظم اسماعيل الكَاطع وآخرين، وإن كان لكل منهم صوته الخاص.
يعتبر مظفر النواب الشاعر الأكثر اغتراباً (فسيولوجياً) فقد عاش في المنفى وانتقل بين المدن والبلدان والمرافئ والمحطات والقطارات والحدود والجوازات. وسواءً تآلف أو تخالف مع المنفى، لكنه ترك بصماته على النواب وشعره، بل أخذ يطبع كل شيء: هوياتنا وعاداتنا وأصدقائنا وهمومنا وعذاباتنا يقول النواب:
سواءً إعتاد النواب على صحبة المنفى أو يعتد، لكن وجعه كان يزداد وحزنه كان يكبر، بل لم يفارقه منذ أن غادر الوطن:
   ” المنفى كالحب يسافر في كل قطار أركبه ”  لأنه.
  ” مو حزن لاجن حزين
  مثل ما تنكَطع تحت المطر
  شدّة ياسمين…
مثل بلبل كَعد متأخر
لكَه البستان كله بلايا تين
مثل صندوق العرس
ينباع خرده من تمضي السنين
آنه كَتلك مو حزن
لاجن حزين ”

سألت الجواهري يوماً وهو الذي لم يكفّ يتحدّث عن المنفى والسبع العجاف (سنوات غربته الأولى 1961-1968) وماذا كان في المنفى يا أبا فرات: أهو زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟” وبعد أن سحب نفساً طويلاً من سيكارته أجابني: الاثنان معاً.. أي والله. وقد صادف أن زار مظفر النواب براغ لبضعة أيام في العام 1970 وخلال وجوده ضمتنا جلسة في مطعم “أوفليكو” المكان الذي زاره نابليون عندما احتلّ براغ في أوائل القرن التاسع عشر، والطريف أن الساعة التي تزّين واجهة المطعم قد أوقفت عقاربها وظلّت هكذا لتحمل توقيت احتلال نابليون للعاصمة التشيكية. وهناك صدح صوت النواب وشاركه فيه جعفر ياسين أحد المثقفين والاقتصاديين العراقيين الذي يمتلك صوتاً شجياً وعذباً.
في براغ إلتقى النواب بالجواهري في مقهى سلوفانسكي دوم الشهير الذي كان مقرًّا للجواهري يرتاده كل يوم تقريباً، وهناك دارت الكؤوس حيث تزدان مدينة براغ وكأنها ” حلم العذارى في يقظتها” جامعة كل الفصول والجمال والحُسن والفتنة: يقول الجواهري:
أعلى الحسن ازدهاءً وقعت   أم عليها الحسن زهواً وقعا ؟
يا لصيف ممتع لو لم يكن   غيره كان الفصول الأربعا
ممطرٌ آناً.. وريّان الضحى   مزهرٌ أناً.. وذاوٍ سَرِعا

في مقهى سلوفانسكي دوم علقت فاتنة من اللواتي يعشقهن الجواهري بالشاعر مظفر النواب.. وهنا انتبه الجواهري للحكاية فسأل النواب: بأيّة لغة تتكلّم معها؟ فأجاب النواب: بفرشاة الرسم، وبالمناسبة فالنواب رسّام وله اذن موسيقية، وكما أن صوته جميل جداً خصوصاً عندما يهدر بالمحمدّاوي. وفي يوم من الأيام إقتحم الجواهري خلوة النواب مداعباً بمملحته الشهيرة التي كانت بعنوان ” فاتنة ورسام” مهداة الى محمد المصباح الذي عُرف في الحال ” مظفر النواب”:
وقال ” محمد المصباح” يوماً  لفاتنةٍ من الغيدِ الحِسانِ
من ” الجيك” لست أدري  بهن المحصّنات من الزواني
هلمّي أرسمنك غداً.. فقالت  غداة غدٍ وفي المقهى الفلاني
فقال بمرسمي حيث استتمت  من الرسم المعاني والمباني
فقالت لا.. ومن أعطاك ذهناً  وعلّمك التفنن في البيان

وإلتقى النواب بالجواهري في طرابلس (ليبيا) بعد سنوات طويلة (في آواخر الثمانينيات)، كما إلتقاه في دمشق الشام، وظلّت علاقتهما حميمة وتمتاز بالمودة والاعجاب وفي كتابي “الجواهري جدل الشعر والحياة” قال الجواهري مقيّماً إبداع النواب: يعتبر أبرز الشعراء الشعبيين المجددين.
النواب الذي يعيش في منفاه ويحلم بالعودة الى وطنه لم تتركه الشائعات السوداء والمغرضة، فمنذ أربع سنوات تقريباً وبين حين وآخر نقرأ أو نسمع من يُعلمنا بوفاة الشاعر مظفر النواب وأخبار أخرى لا تقل سوءًا، وإذا كانت الأعمار بيد  الله كما يقال، فنقول ألف تحية للشاعر الكبير مظفر النواب وألف تحية للقصيدة النوابية التي عشنا معها خمسة عقود من الزمان. لقد عاش النواب واقفاً مثل نخلة عراقية باسقة وسيظل واقفاً باستمرار ولن تؤثر فيه أقاويل أو ترّهات، وكما يقول المثل الشجرة المثمرة هي التي ترمى بالحجر!!
تحية للنواب الذي أهدانا الحب والجمال والابداع وروح التمرد والتجديد.
صحيفة الاقتصادية السعودية العدد رقم 6423 الجمعة 13/5/2011

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.