حنون مجيد: الملك في عزلته

شخوص  المسرحية
– الملك
– كبير خدمه
– طرّاق مجهولون

المنظر
  الوقت ضحى ..
 الملك – وحيداً – مستلقياً على سريره الملكي الضخم في غرفته الملكية.. الغرفة فخمة جداً، لكنها باردة دكناء، ورائحتها عطنة بعض الشيء، ويسودها إهمال طفيف.. ستائرها مسدلة ونوافذها مغلقة.. وهناك في خارجها، حيث رواق القصر الطويل، ينتصب كرسي ملكي مصنوع من خشب الابنوس المزخرف، والى جانبه كرسي آخر لا يقل عنه صناعة وفنا ولكنه غير ملكي، ويختلف عنه في الحجم، تساقطت عليهما أوراق توت صفر ذاوية، وتربض قبالتهما وليس قريبا منهما، ثلاثة أسود ضامرة.
  الملك (منادياً على كبير خدمه بصوت واهن، فَقَدَ نبرته القديمة الواثقة والصارمة) يا..يا. ياإلهي (يضع احدى يديه على قمة رأسه) إنني انسى الاسماء.
  كبير الخدم: نعم سيدي.. لا ‘تبالِ بالاسماء (يدرك رغبة سيده فيسرع اليه مجتازاً مساحة الغرفة الكبيرة الى حيث السرير الملكي).
  الملك: (مؤشراً الاشارة ذاتها التي يقوم بها كلما ضاقت نفسه بغرفته وعزلته فيها، ونزعت الى الفضاء ويفهمها الخادم من دون عناء)
كبير الخدم: لك ماتريد سيدي.
الملك: (ينهض على ساعديْ كبير خدمه، ويحرك نفسه قليلاً، قليلا) أي نعم، ولكن على مهلك وكن حذراً.
كبير الخدم: أمرك سيدي.. (يقود الملك في تؤدة وعناية فائقتين حتى نقطة محددة من الرواق المعبد برخام أسود ثمين، تناثرت عليه هو الآخر أوراق التوت الذاوية.. يترك سيده لحظة متأرجحاً بين الثبات والسقوط، ريثما يعود الى الغرفة ليُقبل منها، من بعد  حاملاً عصاً قصيرة تبدأ بحزمة من أرياش طويلة ملونة، يزيح بها ما تساقط على الكرسي الملكي من تلك الاوراق، ثم يساعد سيده على الجلوس) تفضل.. استرح، سيدي.
الملك: (يجلس على كرسيه الذي أصبح نظيفا الآن، ويسرح نظراً قلقا نحو البعيد ليستلقي على خط كثيف ادكن متصل، تتخلله في نوبات متواترة انبثاقات  ضوئية، فيدرك ان الأفق لم يكن مدلهما كما هو مثل هذه الساعة أمس، بينما الغابة التي الى جانبه، ليس القريب، خلعت رداء صمتها، إذ بدأت تدهم أذنيه ضجتها العاتية) بدأت أتقزز من هذا المكان.. الموقع ذاته.. الحديقة عينها.. المنظر القاتم المجهول  أبداً نفسه، ولشدَ ماأرقني ذلك المشهد المريب (يشير الى الافق، ثم يشيح بنظره عنه نحو حديقة قصره).
 كبير الخدم: إنه الخريف سيدي.
الملك: (ينتبه الى كبير خدمه الذي اقترب منه الآن حتى صار لصْقه، وبدأ يلتقط من على رأسه المؤطر بالتاج وريقات تساقطت عليه)آه. نعم فاذن هو الخريف!
كبير الخدم: نعم سيدي انه الخريف.
الملك: الفصل الذي يحملني على شتم هذه الشجرة المعطاء، التي لايعرف أحدٌ كم أحببتها وكم تعلقت بها.
كبير الخدم: شجرة كريمة النسب سيدي، حتى لكأنها من نسل الملوك.
الملك: انظر اليها.. لقد بدأت تتجرد، وهكذا حالها كل خريف.
كبير الخدم: (ينظر الى الشجرة الكبيرة ويقول بلهجة حزينة) نعم سيدي. ولكن ألا يرى سيدي بأننا في كل حال تتجرد فيه، يلفنا حزن ما، حتى وإن كنا في أسعد لحظات بهجتنا.. أم أن الأمر يخصني وحدي سيدي؟
الملك: (منتفضا) لقد صدقت.. وأنت تتذكر كم كنت في صباي أقف تحتها، وهي تنفض آخر أوراقها على رأسي. كان الأمر يسليني بقدر ما كان يحزنني (يحدث نفسه) ما أغرب الحالة التي يتداخل فيها الحزن والسعادة في لحظة واحدة.. ياإلهي ما أفظع ذلك (يعود يكلم خادمه) كانت تنزع رداءها لا لتلبس رداء آخر، كما نفعل نحن البشر، وإنما تلبث أشهراً تنتظر فصلاً آخر لتلبس رداءها الجديد.. كنت أراها عارية، تخلف عنها معظم طيورها ترفع أذرعاً ‘جرداً الى السماء، كما لو تطلب منها حلة أخرى، وفي صبر لا يرقى اليه صبر أعظم الرجال والنساء.. شيء يثير الحزن لو انعمت النظر فيه.. لكننا نعمى وننسى، ثم اذا عادت اليها حلتها ولبستها من جديد، نظرنا اليها مبهورين مأخوذين بلحظتها  المونقة، ومنظرها الزاهي الجميل.. وهكذا كل خريف وكل ربيع.
  كبير الخدم: إنها الدورة سيدي.
الملك: (متفكراً في كلام خادمه) ولكنها دورة الاشياء العظيمة.. تلك التي يكون الشقاء فيها بقدر النعيم، والأخذ والعطاء بمقياس متناسب، والحزن والفرح في كفتين متعادلتين (يشعر بالاعياء ويتململ على كرسيه قليلاً) وكما الحياة والموت.
  كبير الخدم: رأي سديد سيدي، فميزان العدل يجب أن يكون مع الأشياء العظيمة، لا الاشياء الرخيصة التافهة.
الملك: هاأنني اسمعك.
كبير الخدم: (يضع يده على صدره إمتناناً، وينحني إنحناءة خفيفة) سلمت أذناك سيدي.
الملك: (ملتفتا الى خادمه، وقد تصادت بين اذنيه أصوات مختلفة آتية من خارج القصر) يا..
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: (يصرف اذنيه نحو الاصوات المجهولة، ثم يعود الى خادمه) نعم. ولكن اذا لم يكن ماتريد، فأرد ما يكون. ويا للبؤس.
كبير الخدم: (متغافلاً عن جزع الملك وما يسمع من أصوات) أحوال سيدي.. تغير احوال (ثم مع نفسه) بل هي دورة الفصول.
الملك: (مصغيا الى كلام كبير خدمه) نعم.. أحوال .. واذا لم يكن ما .. (يقطع كلامه) يالحكمة من قال ذلك، ويا لبؤسه كذلك.
كبير الخدم: آه.. سيدي
الملك: يا
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: أين الفرسان؟
كبير الخدم: (بتسليم فيه تَشّفٍ) لقد فروا سيدي.. تركوا الساحة سيدي.
الملك: والخيول؟
كبير الخدم: لقد “سقطت” في الساحة سيدي!
الملك: (يتطلع الى الاسود التي كفت تماماً عن ملاحقته والاحتكاك بجسده منذ أيام، واكتفت بالتطلع اليه) حتى هذه الاسود لم تخن ولم تفرّ.
كبير الخدم: شيء محزن سيدي.
الملك: (مغضبا محزوناً) بل قل شيء مخز.. لقد فرّ الجبناء.. وتخلى أقرب الناس.
كبير الخدم: الطبيعة البشرية ياأعقل الناس.
الملك: (لايزال في سورة غضبه) صه.. لقد كانوا جبناء.. جبناء وكفى.. بل قل لقد خانوا طبيعة الاشياء، فكانوا خونة وجبناء.
كبير الخدم: (مؤمّنا على كلام الملك) صحيح سيدي.. كانوا خونة وجبناء.
الملك: وكانوا مارقين: ستموت هذه الاسود من الجوع، ولم تتخل عن مواقعها.. بوسعها الآن ان تنطلق نحو البراري وتهيم هناك بحثاً عن الطعام حيث الارانب والغزلان، ولكن انظر اليها.. اليأس يقتل عيونها ولا تريم عني، ولعلها تنتظر من الغيب مالم انتظره أنا أو تتوقعه أنت (يقطع الملك كلامه، ويصمت كبير الخدم ويطرق ببصره نحو الارض.. يعاود الملك النظر للبعيد، ثم يعود به نحو الاسود ليلمس الجوع يفتك بها)، لو تعلم كم أحببت هذه الاسود.. لقد كان لها في ترسيخ مجدي وسطوتي، أكثر مما كان لجنودي.
كبير الخدم: أعرف ذلك جيداً.. لقد كانت أسوداً عظيمة سيدي.
الملك: وكان علي أن أكافئها باولئك الذين فروا، لا باولئك الغوغاء الذين رفعوا أصواتهم في الهواء الفاسد أو خلف الجدران(يطرق قليلا، ثم يستدرك) وان كانوا جميعاً يستحقون ذلك.. اولئك وإولاء.. الجميع من دون استثناء.
 كبير الخدم: تماماً سيدي.. الجميع بلا استثناء
الملك: اذاً هل ثمة من ذنب عليَّ ان تمنيت حقاً أن اطعم هذه الاسود الجائعة أجساد اولئك الجبناء الغادرين؟
كبير الخدم: كلا سيدي.. أنهم في الحقيقة يستحقون ذلك.
الملك: ولأكثر من سبب.. اولاً لأنهم جبناء.. وثانياً لأنهم فروا عند اشتداد المعركة والحاجة اليهم.. وثالثاً لأنهم من الرخاوة والترف ووفرة اللحم والشحم ما كان يمكن ان يصبحوا أفضل مكآفات هذه الاسود على انتظارها الطويل وصبرها الجميل.
كبير الخدم: إنهم يستحقون ذلك حقاً سيدي.. وهذه الاسود النبيلة كانت أولى باجسادهم الرطبة المائعة.
الملك: يا.
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: أصدقني القول.
كبير الخدم: كذلك أبداً سيدي.
الملك: أكنت تتمنى لهم ذلك قبل هذا الوقت؟
كبير الخدم: الحقيقة سيدي (يتلبث لحظة في فكر غائب مبلبل) الحقيقة ياسيدي.. أنني لم أفكر بهذا من قبل. الآن فقط بعد ان خانوا وفروا وتركوا خيولهم عارية في أرض المعركة. كان يجب ان يسقطوا هناك، لا أن تداس سيوفهم وتسقط خيولهم.. لقد اقسموا سيدي.. وهاهم يحنثون بايمانهم لا كما يحنث اسافل الناس.
الملك: (في غضب شديد) أترى؟ والله لم أعهدك سديد النظر، كثير الاهتمام بما كان يجري حولك، كما انت الآن.. لقد كان اولئك خونة موقوتين.. كنت اعرف ذلك، وكنت ترى بام عينيك تناقص اعدادهم الهشة.. ولكن المؤلم ان ذلك كان يجري بالسيف، لا بين انياب هذه الأسود.. هذا هو المؤلم فقط.. كانوا أبقاراً مسمنة وخنازير مدجنة.
كبير الخدم: كنت ارى ذلك سيدي و..
الملك: (مقاطعا) كيف أنسى!
كبير الخدم: ما فات مات، وما مات فات.. لقد كانوا يرفلون بلباس حلمك الواسع وحكمك المكين، سيدي.
الملك: كلام.. مجرد كلام، فما زلت حيا، ولا حاجة لي بأية ذاكرة، فها هو الملك يزول، والتاج يسقط ويستباح، وانه لأمر يخترق صدري كالسهم، وينهض في فؤادي كالنار.. وتباً لحلمي، بل لاحلامي جميعاً.
كبير الخدم: سلامة فؤادك سيدي.. وما الحلم الا من شيم الملوك.
الملك: (متسائلا في نكران) حتى وان كان في ذلك أعظم الخسارات؟
كبير الخدم: عفوك سيدي.. ولكن هذا هو شأن الملوك.. إنهم يحلمون وسيوفهم على الرقاب!
الملك: (مأخوذاً لحظة بكلام خادمه، ومعترفاً في الوقت عينه بحجم هزيمته) لقد ولى ذلك الشيء البليد الذي تدعوه حلم الملوك، لاشيء حقا الا وفيه خسارة وربح (ثم مع نفسه بصوت خافت ولكن مسموع) وقد يكون ذلك مختلفا من حال الى حال، ومن درجة الى أخرى.. وكائنا ماقد تبلغ حجوم خساراتنا، فإننا في الملك، وفي غفلة من عقولنا، لا نأبه الا بما يفصل رؤوسنا، وغالباً ما يكون ذلك في اللحظة الأخيرة حيث تضطرب الحسابات، وهنا خطأنا القاتل والكبير.
كبير الخدم: كلام سديد سيدي (يصمت لحظة، متفكرا في الكلام الذي يتفجر في صدر الملك، ثم يسترسل) وأعظم ما في الملوك أنهم يتلقون الخسائر بصبر عظيم.
الملك: كيف ذلك ياكبير خدمي، والأب الأكبر لأولادي؟
كبير الخدم: جَلَد الملوك، سيدي.
الملك: ومن أين يجيء هذا الجَلَد المزعوم؟
كبير الخدم: هِبة من الله، ومما يتوارثه الملوك.
الملك: هِبة من الله، أم هِبة من السيف؟
كبير الخدم: كل هذا صحيح.. فلا يتوارث الملوك الا هذا.. وملازمة السيف للملك، ملازمة الانياب للأسد.. لا مَلِك من دون سيف ولا أسد من دون أنياب.. إنها سنة الحياة.. لقد بدأتَ باولادك بالعلم، ولكنهم انتهوا بالسيف ومنادمة الاسود، وكانوا الى هذا ألهف منهم الى القلم.
  الملك: (متطامنا ولكن في سخرية مرة) نعم. اوافقك الرأي.. لا يتوارث الملوك الا السيف والتاج.
كبير الخدم: تماما.. ومثلما تقول سيدي.
الملك: (في سخرية لاذعة) وأعظم الشهود على ذلك خدم الملوك ورقاب العبيد.
كبير الخدم: ذلك ما رأيته بعيني سيدي.. وهو صحيح تماماً.
الملك: (مستمراً في السخرية عينها) وكل ذلك بعدالة القانون.
كبير الخدم: السيف من صنع القانون وهو أداته كذلك سيدي.
الملك: ومن صنع القانون ياهذا؟
كبير الخدم: الملوك سيدي.. عدل الملوك.. طاقتهم على معرفة النسب سيدي وموازنة الاشياء.
الملك: (مغيراً مجرى الحديث بَرِماً به) قل ياصديقي.. ونحن الآن في عزلتنا.. بل في أوحش لحظات حياتنا.. وأقرب الساعات الى نهايتنا.. هل تستطيع ان تعطيني صورتي في عينيك؟
كبير الخدم: (يمسح عينيه بيديه، كما لو ان السؤال امتحان لهما) حاشا سيدي ان أجمع بعيني الكليلتين هاتين، حجم صورتك المهيبة المشرقة.. كيف لي ان اجرؤ فأضم بحدقتيْ عينيّ الصغيرتين ما فاض على السمع والبصر.. هذا سؤال – عفوك سيدي – لم أفكر فيه من قبل مطلقا، فليعذرني سيدي.
الملك: لك الرأي والأمان.. ثم ما أنا الآن الا رجل أعزل.. خسر معركته وينتظر من يقطع رأسه.
كبير الخدم: عفوك سيدي لا تحضرني الآن الا صورة الشمس التي تخذل العين وتطفىء البصر.
الملك: (ضاحكا ضحكاً مراً) اذاً لو كنت قمراً!
كبير الخدم: (في جدية خالصة) الشمس شمس والقمر قمر.
الملك: مجرد امنية.. أمنية هي الآن أجمل من كل الاماني، وأصعب من أي مستحيل.
كبير الخدم: كفاك انك الشمس، وغيرك القمر.
 الملك: (مخاطبا نفسه بصوت لايقل درجة عنه في الحوار، ومولياً وجهه شطر الغابة) لقد انتهى ماكنته، وما هذا الا تطييب خاطر.. فلسفة لايجيدها الا الخدم ليرطبوا بها صدور ملوكهم المهزومين.. ولو لم يكن في الحياة خدم! (يتذكر وضعه) ولكن كيف لو انهزم القادة وانفض في ذعر من في البيت؟ (بصوت محايد) كنت أريد رؤية صورتي في عينيك.. ربما كان هذا اعظم ما أتمنى معرفته بعد ان انفرجت الجُنّة ونَفذَ السهم.
 كبير الخدم: أنت الآن على كرسي العرش، ولا يزال التاج فوق رأسك، ولربما عاد اليك جنودك.
الملك: لن يعودوا .. لقد فروا وانتهى الأمر. وليست لي قناعة بعودتهم.. الأمور في غاية الوضوح، والآن تتجلى لي صورهم وهم يتخلون عن جيادهم، ويقذفون الى الارض بسيوفهم.. وليتك لاترى كما ارى اللحظة خفتهم في تنفيذ ذلك.. ولربما مضوا يرقصون.
كبير الخدم: اني لأتمنى ان لا أرى ذلك سيدي.. شيء معيب، يندى له الجبين.
الملك: (ناظراً الى أسوده) وليتهم الآن بين يدي.
كبير الخدم: (يتبصر امنية سيده، ويتغافل عن فهم دلالتها) ليتهم الآن بين يديك سيدي.
الملك : اذن لشفي صدري.
كبير الخدم: تماماً.
الملك: ولكانت هذه(يؤشر الى الاسود) أسعد حالاً.. هذا في الأقل.
كبير الخدم: (يصمت لحظات طويلة يقطعها بسؤال) أيأمر سيدي باعداد طعام الفطور؟
الملك: كلا فلا شهية لدي اليوم لأي شيء.
كبير الخدم: أمرك سيدي (ينعطف نحو داخل القصر، ثم يعود حاملاً كتابا ضخماً بين  يديه) خذ سيدي، إن قراءة الكتب تريح النفس، وتذكر الانسان بانه حي على قيد الوجود.. أما اذا كانت عوالمنا جميلة، فانها تنقله الى خيالات لا حصر لها.
الملك: (يأخذ الكتاب ويقرأ عنوانه) لقد كتب الكثير عني، حتى ماعدت أعرف حقيقة نفسي (يعيد الكتاب الى خادمه).
كبير الخدم: إذاً، سأجلب لكم آخر سيدي.
الملك: أنت تعلم أن لاشأن لي بذلك منذ مدة طويلة.. ولكن هلمّ.
كبير الخدم: (يدخل القصر ثم يعود بكتاب ثان) خذ سيدي.
الملك: ينظر في الكتاب.. يقرأ عدة أسطر منه بصوت واضح.. ” وله من القوة ما جعله مآل جميع الناس، من الضعفاء والاقوياء على حد سواء.. الجميع يلوذ به، والجميع يأمل منه.. ملك اجتمع له جبروت الملوك القدماء العظام، وعبقرية عباقرة هذا العصر.. ملك بسط ظله على الارض، فأقام العدل، عدل الاولين والآخرين..” يلتفت الى خادمه قائلاً: خذ واعطني اسم هذا الكاتب، وان لم اعد راغبا في رؤية هذه الاسماء التي تضافرت على شيء واحد: قوتي وبأسي (يستدرك) اترك الاسماء ولاتعد الي بأي كتاب.. لقد سئمت كل شيء.. الكتب والناس، وتعاقب الفصول والاشجار التي كانت أحب الاشياء اليَّ.
كبير الخدم: (مذكر الملك بأولاعه التي ظلت طفولية) ولاتنس الاسود سيدي.
الملك: هذه شيء خاص. بل هي القناعة الكاملة، ولا تقلْ هواية الصبا.
كبير الخدم: الاسود والملوك صنوان لا يفترقان.. بل ما اقرب الشبه بينهما.
الملك: صحيح.. ولكن اخبرني بربك في أي شيء؟ (متسائلا على حين غفلة).
كبير الخدم: في الكثير سيدي.
الملك: مثلا
كبير الخدم: السطوة مثلا، والهيئة العامة مثلا آخر.
الملك: (يكمل متسائلا مرة أخرى) والفتك مثلا ثالثاً؟
كبير الخدم: حين يستحق الاعداء ذلك، يكون فتك الملوك أشد من فتك الاسود سيدي.
الملك: لعلك لم تقل شيئاً أصح من هذا طوال عمرك يا.. يا. فتك الملوك اعظم من فتك الاسود.. كم انت على حق.. وكم هي الحقيقة التي لا لَبْس فيها.
كبير الخدم: (في سخرية مبطنة) ومن هنا، كان للملوك هذا التاريخ العظيم.
الملك: نعم.. فتأريخ الملوك أعظم من تاريخ الاسود (يضحك ضحكا حزيناً يكاد يذرف معه دموعه، ثم يقول ساخراً هو الآخر) ولعل الملوك القدماء حينما كانوا يركبون، يركبون اسوداً؟
كبير الخدم: (في مجاراة لطبيعة الحوار الدامي) هذا جائز سيدي لتكتمل مهابة الصورة وسطوة الفعل.
الملك: (بأسى) هذا هو ما بدأ ينفرط من حبات خيالي يا صاحبي.. أما زلت تصدق بكل ما أقول؟
كبير الخدم: (يعود لنفسه) ما الذي تقوله سيدي؟ انك تحطم فؤاد عبدك سيدي.
الملك: (ضاحكاً بلوعة) حسبتك تحب المداعبة؟
كبير الخدم: أحبها سيدي.. أحبها.
الملك: (في هياج وفي صوت مسرحي يخالف صوته الحقيقي) لاسيما في آخر العمر، حين يتحول كل شيء في عينيك الى صورة مضحكة.
كبير الخدم: (مقتربا من الملك كما في البداية، يلتقط بعض الاوراق المتساقطة، وما انفكت تتساقط على رأسه وكتفيه) نعم سيدي.. هنالك ألف سبب للضحك، وأفضل هذه، أن يكون سيدي منشرحاً وسعيداً.
الملك: ويلك يا هذا: أرأيتني يوماً كهذا؟
كبير الخدم: هموم الرعية ياسيدي.. ولعلك تتذكر جيداً قول ذلك الأديب اذ يقول: ” إذا نامت الرعية، ينام الخير والشر”.
الملك: (يضرب في التفكير) أين تجد هذا يا، يا؟ من قال ذلك يا رجل؟
كبير الخدم: رجل أريب سيدي.. رجل وحسب.
الملك: وحين ينام الملوك؟
كبير الخدم: يستيقظ الشر سيدي..
الملك: حين تكون الذاكرة صافية تقفز اليها أجلى صورها.. الذاكرة أعظم ملاجىء النفس الانسانية المعذبة، لكن تباً لها حين لاتعود الا بأقسى الصور واشدها ايلاماً (يعود الى التفكير العميق وقد قَطّب وجهه واشتدت ملامحه).
كبير الخدم: (لايزال قريبا من جسد الملك، يمارس التقاط الاوراق) ها أنا ياسيدي استعيد صورة شبابك يافعا تحدوك رغبة الملك الشجاعة.
الملك: (يتفحص قبضتيه الفارغتين شبه المشلولتين)اترى كان ذلك واضحا؟
كبير الخدم: رأيت ذلك بأم عيني.. رأيت خطواتك المهيبة وقامتك الممشوقة، ثم رأيت الكرسي كيف يتقدم نحوك.. كنت أقول: انظرو المجد يتقدم من صاحبه، وكان الجميع يصدقون نبوءتي.
الملك: (مرتاباً) كان الجميع على حق ولاشك.
كبير الخدم: أقول الحق، سيدي، الجميع.
الملك: (بصوت مختلج راعش) إذاً كانت اسودي تستحقهم حقا (يسرح نظرة طويلة على اسوده ويسترسل) والعجيب انها (يقصد اسوده) ظلت على حجومها.. كم أكلت، وكم اطعمتها ولم تنتفخ ولم تنفجر (يواصل حديثه هذه المرة همسا على هيئة هذيان دون ان يكون موجها نحو أحد) الليل وحده يعرف الحقيقة.. النهار كاذب تختفي  خلفه آلاف الاحجيات، بينما الليل يسفر عن حقيقته.الناس لايعرفون ذلك، فما يرونه في النهار يعدونه صادقاً.. المشكلة ان النظر هو أحد اسباب الخداع ودفن الحقائق، لذلك آثر الملوك استخدام انظار الناس.. ولائم وافراح وهدايا ومكافآت.. هذه هي حقيقة النهار (الى خادمه) ام أنت ترى العكس ياصاحبي الأمين؟
كبير الخدم: خادمك سيدي.. خادمك الامين.
الملك: رأيك  في ماسمعت؟
كبير الخدم: عند الملوك، يتساوى الليل والنهار.
الملك: كيف؟
كبير الخدم: عظمة الملوك من امثالك سيدي، أنهم يرفعون عن عيون عبيدهم غشاوة الشمس، فما يعلنونه في النهار يفعلونه في الليل.
الملك: من ذلك مثلا؟
كبير الخدم: من ذلك بعض الولائم التي لاتقام الا في الليل.
الملك: تباً لك: تلك هي ولائم الاسود!
كبير الخدم: هذه سيدي، والولائم الأ‘خر التي تعود على الملوك بسعادة النفوس.
الملك: (ينظر ملياً الى عيني خادمه) هات لي كتاباً آخر.
كبير الخدم: (ينصرف مسرعاً، ليعود للملك بمجلد ضخم لامع كأخويه الاولين) هذا هو الكتاب سيدي.
الملك: (يقرأ العنوان، فيدرك انه كسابقيه لا يتحدث الا عنه) خذه.. عد به الى مكانه.. وعد لي بآخر غيره.
كبير الخدم: (يذهب ويقبل عائداً بكتاب آخر أكبر حجماً) هذا كتاب آخر سيدي.
الملك: (يتناول الكتاب، وينظر الى غلافه نظرة سريعة) خذه، فهو لا يختلف عما سواه أقبِلْ بآخر ان استطعت.
كبير الخدم: حاضر سيدي (يذهب ويعود بآخر).
الملك: (قبل ان يتناول الكتاب يصيح عالياً) ما هذا؟ الا ترى أنه من تلك التي بدأت أسأم منها وألعن مؤلفيها؟
كبير الخدم: هذه هي كتب المكتبة سيدي.. اللون نفسه.. الغلاف الجميل عينه.. لكن الاسماء تختلف والحجوم كذلك.. ماذا بيدي سيدي؟
الملك: اذا كان كل هؤلاء كتبوا عني، فأين هم الآن؟
كبير الخدم: لا أعرف سيدي.. لم أعد أرى منهم أحداً أو أسمع صوته.
 الملك: لقد تواروا، هم الآخرون.. الجبناء دون شك.. هات.
كبير الخدم: تفضل سيدي، ولعلك ان تصفحت بعض اوراقه، وجدت العذر لكاتبه.
الملك: ومن منا من لايملك عذراً لافعاله، الجبناء والابطال (ينظر في الكتاب ويتوقف على صورة له ملونة تتصدر صفحته الاولى، يجلس فيها على كرسيه المذهب.. يغلق الكتاب فجأة وفي عصبية بالغة يقذف به الى ارض الحديقة) لو كنا نحب الكتب والكتابة لجالدنا عليها كتابها بالسيوف، لكنها هراء في هراء.. ولربما كانت فضيلة الملوك الوحيدة انهم يعرفون ذلك.
كبير الخدم: الصواب كله سيدي.
الملك: أتعرف ملكا كاتباً؟
كبير الخدم: القليل جداً.. بل ما أندرهم، وما أسرع انطفاء أنجمهم.
الملك: (منفعلا يبصق على الارض) ما جدوى الكتابة يا، يا.. بل قل ما جدوى الفعل كذلك؟
كبير الخدم: (يخرج من جيبه قماشة يمسح بها بصاق الملك) الكتابة والفعل ياسيدي رديفان في موضوع واحد.
الملك: وما هو؟
كبير الخدم: تزجية الوقت!
الملك: (يبصق على الارض مرة أخرى، ثم مرة ثالثة) والنتيجة؟
 كبير الخدم: (يترك الاجابة على السؤال، ويسرع الى مكنسة قريبة، يمسح بها آثار البصاق) الشيء نفسه سيدي.. النتيجة واحدة.. أي كلاهما عمل وكلاهما فراغ.
الملك: (تأخذه نوبة سعال خانقة وبصاق متواصل) إذاً؟
كبير الخدم: (ينشغل بمسح الارض في التفاف ودوران حول كرسي الملك وحيثما هنالك أثر للبصاق) الشيء عينه سيدي.
الملك: (بعد أن ‘يفرغ ما بصدره جيداً يستعيد شيئاً من صفاء صوته) أتقصد انهما كما الليل والنهار، ما الذي يتخلف منهما بعد ان ينقضي العمر؟
كبير الخدم: تماماً سيدي.. فحين تسود الظلمة الاخيرة، يفقد الشيء جدواه.
الملك: اتقول ذلك لأننا في خسراننا الاخير، ام إنك كنت ترى ذلك منذ البداية؟
كبير الخدم: ها أنت في قمة مجدك سيدي.
الملك: حين يكون الملوك وحيدين، تكون النهاية قد بدأت، فأين هي وفود الوجهاء وسرايا القادة الفاتحين، ورسل الملوك العظام وحشود الخدم وأفواج العامة والبسطاء، في مواكب لاهفة مبشرة مستبشرة، تقدم آيات الطاعة والولاء، وتتقدم بالهدايا والتذكارات.. المشكلة ان ذلك لم يكن حقيقياً.. ألم أكن على صواب اذاً حينما أعلنت عن كذب النهار ووجل صوره وابتذال مظاهره؟ شيء مهترىء وان أتاك في صورة منظمة تطفح بالضوء، وتغالب بؤسها بالبسمة المشرقة (تتعالى ريح قادمة من الشمال، وكان كبير الخدم قد مضى يفتح شبابيك الغرفة، وينظف او يرتب بعض افرشتها وينفض عنها الغبار) يا.
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: هات لي غطاء دثرني به.. عظامي بدأت تبرد.
كبير الخدم: (يعود بدثار ملون تقاطعت عليه خطوط الطول والعرض، ولونت مربعاته ومستطيلاته ألوان زاهية، وأخر معتمة، يغطي به جسده) أيطلب سيدي شيئاً آخر؟
الملك: دثر به قدمي.. البرد يأتي منهما. أو قل  يبدا بهما.
كبير الخدم: (يدثر قدمي الملك جيداً، ويتطلع الى وجهه الغارب.. يشعر بالاسى، وهو يلاحظ شعر ذقنه قد نما بصورة عشوائية، وفقد كثيراً من نظام هندسته السابقة المحكمة، وظهور بعض المساحات الدائرية بعد ان توقف نمو الشعر عليها، فغدت مسطحة لامعة شبيهة بقطع النقود الفضية) أتراك، سيدي، بحاجة الى حلاقة ذقنك؟ أيأمرني سيدي بذلك؟
الملك: اوه.. كلا.. دع كل شيء على حاله.
كبير الخدم: (يتراءى له ذقن سيده النظيف دائما اللامع والحليق، ينث عطراً لا تفوقه عطور أنقى زهور حديقته التي شاع أخيراً في أعطافها إهمال قاس) امرك سيدي.
الملك: (بصوت خافت) الذقن يتعلق بالمراسيم، لا بمواجهة الخصوم، ترى (يلتفت الى خادمه) هل تنتظر أحداً يجيء؟
كبير الخدم: (يحار في الجواب، لكنه يصدر صوتاً خافتاً) أتمنى ذلك سيدي.
الملك: (تعاوده صورة الفراغ الذي يحيط به من كل جانب) أما الامنية يا.. يا.. آه ما الاماني والأحلام؟ إنك تنكأ جرحا دامياً، أتعقل ذلك؟ الا زلت مخدوعا بالسراب؟ انتبه يا، يا لعزلتنا ووحشة أيامنا، ولا تفزعني بأحلام العصافير (تسري في اوصال الملك واذنيه اصداء اغنية بعيدة، يعلو على نبراتها الهلامية الغائمة رجع نواح عميق، تتراتب أنفاسه عليه فيما يشبه الغيبوبة او النشوة الثقيلة الحزنية) أواه.
كبير الخدم: (يلتفت الى حالة الغيبوبة التي طرأت على الملك.. يميل الى الصمت ولا يفضل الكلام)
الملك: (بعد ان يستيقظ من غيبوبته) يا.
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: أعنّي على الانتقال الى ذلك الكرسي.
كبير الخدم: ها أنذا سيدي (يعالج نقل الملك الى الكرسي الآخر) تفضل سيدي.. استرح برفق.. تماما.. تماما.
الملك: (يجلس على الكرسي.. يأخذ أنفاسا بطيئة عميقة) لا أدري لماذا بدأت أحس لياقة هذا الكرسي دون ذاك (ثم مع نفسه) الراحة هي دائما في مكان آخر، وعين الاستبداد ان يكون الانسان في موقع واحد.
كبير الخدم: (يقرأ افكار الملك، ويتطلع الى صورة شخصية له، تشير الى هيامه بكرسيه ، ولزومه والانشداد اليه ، علقت على احد جدران صالة الضيوف التي تتقدم على غرفة نومه) لعل هذا افضل سيدي.
الملك: تماماً..
كبير الخدم: تماماً والراحة حيث يكون سيدي.
 الملك: (ينعطف بنظره الى حيث الخادم الذي هيأ مكنسته بعد اذ لاحظ الملك يعاود، سعاله وبصاقه) كيف؟
كبير الخدم: (مبلبل الفكر، لا يعرف كيف يجيب، بيد انه يبتكر بعد الجهد كلاماً عاماً) الملوك لاتصنع غير التمام، فلقد زودها الله بكمال العقول.
الملك: فطرة إذاً!
كبير الخدم: الاثنان معاً.. الفطرة والاكتساب.
الملك: (لنفسه) وهكذا يخلق الله الملوك والعبيد (ثم موجها كلامه للخادم) وما العبرة في هذا اذا كان بالفطرة تمام عقول الملوك؟
كبير الخدم: والاكتساب سيدي.. لأنه يذكي منابت الفطرة، ولايغيب عن ذهن سيدي، معلميّ أولاد الملوك.
الملك: يا.
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: أعدني الى الكرسي ذاك.. ماعدت أطيق هذا؟
كبير الخدم: أمرك سيدي: (يعالج نقل سيده الى كرسيه الملكي)
الملك: هذا أفضل.
كبير الخدم: كنت أعرف ذلك.
الملك: (مستفهما بسخرية) كيف يا.. يا.. كيف كنت تعرف ذلك؟
كبير الخدم: كراسي الملوك للملوك.. الشيء المناسب.. تلك هي المعادلة.
الملك: وهذا إذاً؟ (يشير الى الكرسي الآخر)
كبير الخدم: لم تصنع للملوك سيدي.
الملك: إذاً!
كبير الخدم: للضرورات سيدي. وللضرورات، كما يعلم سيدي، أحكام.
الملك: كضرورة الاكتساب للفطرة مثلا ؟
كبير الخدم: (يبتسم) نعم سيدي.. وهو كما تقول.
الملك: (يضحك ضحكا يترادف مع هبوب تيارات هواء طفقت تشتد وتتعالى، تضخم نشيجها أصداء الغابة المترامية، ثم يبدأ بهذيان من يناجي نفسه) فطرة واكتساب، عبث وجدوى، نفع وضر، ملوك وعبيد،هزائم وانتصارات، كراس للملوك وأخر للعبيد، سلطان عتيد ووحشة ذئب جريح، الأفق مدلهم والخريف قادم، ولا ربيع في الطريق لا ربيع، ياويل نفسي، أين منافذ النور، وأين مدارج الأفق المستديم، أين مسّرات النفس أيام الحبور، بل أين لهوها في ليالي المجون؟ يايا، أنت تذكرني بايام خلت، وليال مضت كان الربيع فيها مستديما، ولا خريف، بل لاشتاء ولا صيف، ياأيتها النفس المكلومة، تناجي الليل وها اننا في النهار، أي اغتصاب أن يكون القاسم المشترك بيني وبين عبدي هذه الوحدة الموحشة والحاجة المستفحلة، وليس في أي منا شفاعة للآخر، الأ بمقدار ما تقتضيه اخلاق العبد لسيده المهزوم، وحاجة السيد لعبده الوحيد. يا، يا. كل الفصول واحدة وكل الايام،  كل الليالي وكل النهارات وكل بني البشر، وكل هذا وذاك ولا شيء خالد ولاشيء يظل على حاله بل سرعان مايتحول الى نقيضه، وسرعان مايتلاشي فيه ويذوب في كيانه، الصيف في الربيع، والربيع في الخريف، والخريف في الشتاء، والرجل في المرأة، والسيد في العبد، والشرف في الرذيلة، والشجاعة في الجبن، والوحدة في الوحشة، والرغبة في العفة، والحياة في الموت والوجود في العدم، يا يا (يتدلى رأسه حتى يسقط على صدره).
كبير الخدم: سيدي الملك.. سيدي الملك (يضع يده على كتف سيده.. يستيقظ الملك.. يفتح عينيه في عيني خادمه.. ينصت الى صوت خادمه المتعثر) سيدي الملك، ها أنذا بين يديك، ما الأمر سيدي؟
الملك: (يطمئن خادمه بأن يضع يده قبالة صدره المندفع نحوه) لا شيء.. لا شيء.. مجرد نوبة نوم مفاجئة ..إننا لا ندرك الاشياء الا وقت وقوعها.. لم أنم الليلة الماضية كفاية مادام الرجال لم يعودوا، وكان يجب ان اعود الى غرفتي قبل هذه اللحظات لآخذ قسطا من الراحة او النوم.. لا أفضل للانسان من النوم حينما لاتعود أشياؤه الا بالخسران.. آه.. يا يا.. الخطأ ينمو فينا حتى آخر أعمارنا نحن الملوك.. الخطأ هذا الداء الذي ينهش في الناس، ويرهق في الوقت نفسه الأبرياء والمذنبين.
كبير الخدم: كلنا خطاء، سيدي، وخير الخطائين هم التوابون.
الملك: نعم، ولكن أكبر الأخطاء ذلك الذي لاتتسع له توبة.
كبير الخدم: (يؤمن على كلام الملك بعد ان لم يسعفه كلام آخر) ماتقول الا الحق سيدي.
الملك: الرعية في هياج، فها أنني اسمع ضجيجا في البعيد له دوي خلايا النحل.
كبير الخدم: (مكذبا هواجس الملك) إنه ضجيج الغابة سيدي.. الضجيج الذي نسمعه كل ليلة منذ حين بعيد.
الملك: كلا، يا.. يا. لا تَغُرّني بطيبة قلبك ولا تُعَزنّي بالآمال.. لقد مالت الاشياء وانتهى الأمر.. لقد استيقظت الرعية ياصاحبي، وعلى الملوك ان تنام، يا.
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: هات سيفي، قبل ان تعود الى شأن من شؤونك الخاصة، واحفر حفرة هنا قريباً من هذه الشجرة او تحتها، تتسع لجسد رجل مثلي او مثلك.
كبير الخدم: (يتباله، تختلط ملامحه، يقترب من جسد الملك، يلتقط مثل كل مرة بعض الاوراق المتساقطة على رأسه وكتفيه) إنه الخريف سيدي والمطر القادم.
الملك: (يتغافل عما يبثه كلام خادمه من أصداء في نفسه) نفذ ما قلت لك.
كبير الخدم: امرك سيدي (يذهب ويقبل متعثرا) هوذا سيفك.
الملك: (يسحب سيفه من غمده) نعم، هو ذا سيفي (ثم مع نفسه) ولا أدري سيف من سيكون غداً.. ما أجمل ان تسقط وسيفك في يدك، بعيداً عن حسابات الحروب وان كانت مجحفة حقا، ذلك أنها لا تتعدى حسابات الربح والخسارة، وهو أمر قاهر في كل الاحوال.. يا.
كبير الخدم: نعم سيدي.
الملك: أين معولك؟
كبير الخدم: انه هنا سيدي. (يتوجه الى ركن من اركان الحديقة ليعود به).
الملك: باشر الحفر.. هنا تحت ظل الشجرة، وحيث تسّاقط اكبر كمية من أوراقها.
كبير الخدم: كما يأمر سيدي (ثم متحدثاً مع نفسه وهو يباشر الحفر) قبر؟ احفر قبراً؟ ولمن سيكون يا ترى؟ طوال عمري المديد لم أحفر قبراً.. كنت ألوذ في الاشراف على اعداد ولائم الافراح وولائم العزاء،  وهذه الاخيرة قليلة جداً..  أبو الملك.. ثم أمه فقط.. لم يمت من هذه العائلة وعلى مدى عقود سوى الملك الاب والملكة الأم ولا أحد غيرهما، وها أنني أحفر قبراً بيدي لحيّ هو واحد منا نحن الاثنين.. رباه!
الملك: (يسمع دمدمة حديث الخادم مع نفسه ويحس مثلما يرى تلكؤ فعله) قف ياهذا.. قف ولا تستمر (ينظر الى اسوده برقة محتدمة بانفعال جنوني، وعاطفة جياشة.. يشاهد انغلاق عيونها وهزال اجسادها، وثقل بل موت حركتها وهي رابضة مستكينة.. يحدث نفسه) لتكن الوليمة هذه المرة ملكية ذات تاج عريق.. لحم ملكي نقي لم تداخله الا لحوم أنقى سلالات الطيور والغزلان.. ولكن من يدري ان كانت هذه الارانب الوديعة تفرّق بين لحم الملوك ولحم العبيد.. مثلا) يا.
كبير الخدم: (لاهثا) نعم، سيدي.
الملك: أعد التراب الى حفرته.. كف عن الحفر، واغلق القبر.
 كبير الخدم: (يأخذه فرح يمدّه بنشاط غير مألوف، فيشرَع باهالة التراب في حفرته، ويسوي الموقع ليعيده الى سابق وضعه) أمر سيدي العظيم.
الملك: ساقول لك شيئاً (يخاطب الخادم وهو يروز سيفه الذي يبدو ثقيلا على يده) بهذا السيف لا بغيره (يعود يخاطب ذاته) فأعظم الميتات ان تموت بسيفك لا بسيف غيرك، واعظمها طراً ان تموت بيدك (يصيح بخادمه صيحة هستيرية) يا.
كبير الخدم: (مستيقظاً فزعاً) نعم.. سيدي.
الملك: هل تستطيع ان تقرأ مايجول بخاطري الآن؟
كبير الخدم: (متلبثا لحظة، ثم يجيب) نعم سيدي.
الملك: قل اذاً، ان كنت تفهم.
كبير الخدم: (في حال من يتخلص من جواب عسير) أن أعدَ على مسامعك الكريمة، مواقع الشرف التي حظي بها هذا السيف النبيل.
الملك: (كمن يؤخذ بما لم يكن في الحسبان) أه.. يالك من مدهش في غير وقته.
كبير الخدم: عفوك سيدي.. في المناسب لاتُخلقُ الدهشة سيدي.
الملك: ليس في ذلك من شك، بل ماذا تريد ان تعدّ يا.. يا، وبالتمام؟
كبير الخدم: (بروح لاتخلو من سخرية مبطنة مرة اخرى، اصفر عليها وجهه) المواضع التي كان لهذا السيف فيها فيصل الحكم.
الملك: (يرتفع قليلا عن شعوره الدامي) آه.. شيء مغر.. ولكن الا ترى ان الوقت اوقل المناسبة هي عصب المتعة والسرور، ومن دونها تكون كمن يأكل لحم غزال بعد ان أفطر منذ قليل على لحم بغل؟ نعم.. ان الخداع قد ينطلي على الملك حين يكون على عرشه، فهالة العروش تفسد الفطنة وتعمي الابصار.. ثم ان هذا الخداع مهما قصر زمنه أو طال، فهو لايهدد العرش الا بمقدار ما تؤثره زرقة سم تافهة في جسد فيل.. أما الآن فالأمر مختلف يا.. يا. ياصديقي الأمين، ويا آخر حراس الملوك.. ما قيمة هذا السيف في اليد التي يثقلها جنح بعوضة؟ (يحاول رفع السيف فينحسر ردن ردائه يكشف عن ضعف ذراعه وهزالها) يا لها من مهزلة ان لا يتجسد الوعي الا مع الهزيمة المنكرة، عندما تستيقظ الاشياء في الذاكرة المحاصرة، او عندما يسطع عليها نور الكون كله. خذ هذا السيف اللعين، زنْه بيدك وأعرف ان كان ازداد وزنه هذه الايام، او ان يدي ضعفت الى هذه الدرجة المزرية.
كبير الخدم: (يروز السيف) إنه ثقيل جداً سيدي.. وهذه زنة سيوف الملوك.. بل هذه هي المعادلة سيدي.
الملك: معادلة ماذا؟
كبير الخدم: (في مراوغة مكشوفة تعبر عنها حركاته المضطربة غير المتسقة) كلا سيدي، فما زلت ملكاً، وما زالت يداك قويتين.. كل مافي الأمر أن..
الملك: إن ماذا؟ إن السيف ازداد وزنه، ام أن اليد هزلت؟ لقد انعكس الأمر، وها أنني انتظر من يأتي ليقطع بسيفه رأسي ويدوس بقدمه تاجي؟
كبير الخدم: (مهتاجاً، منفعلا باختلاط) معاذ الله سيدي، وسحقا لمن يؤذي سيدي ورب نعمتي (يقترب من سيده لكأنما يحميه من أعداء قادمين.. يرسخ التاج على رأس الملك الذي فقد استرسال شعره ونظامه) وراسخ مجدك حتى آخر العمر.
الملك: كف عن تطميني ياهذا وانصرف لما سوف أأمرك به .
كبير الخدم: (يسمع طرقاً على الباب) ثمة طارق على الباب سيدي.
الملك: اذهب ورَ من الطارق.
كبير الخدم: (يذهب مسرعاً ثم يعود منذهلا) فارس على جواده.. طرق الباب ومرّ عجلاً.. إنه طارق مجهول. أو هكذا يلوح لي، فهو ليس برجل من رجالنا، كما أن هيئته غريبة، سيدي.
الملك: بشير لحزن.. كلما يكون الشيء مجهولاً كثرت احتمالات السوء.
كبير الخدم: لا ياسيدي.. ربما كان صاحب حاجة وقد تأخر الرد عليه.. او هو مخبر خير.
الملك: سيان ان يكون هذا او ذاك او ذلك.. الامر واضح والنهاية قادمة، وماسوف يفعله السيف لن يمنعه العذل.
كبير الخدم: (محاولاً تطمين الملك مرة أخرى ولكن بصوت يشف منه الكذب والانتحال) مايزال السيف الذي تتحدث عنه هو سيفك وليس سيف غيرك.
الملك: ها انت تعود الى حالتك القديمة.. أقلع عن هذا يايا.. أما قلت لك، ان مهمتك الآن، ان اردت أن تصغي اليّ، هي في ان لا تضعني تحت سيوف الاعداء.. فان لم يكن المرء شجاعاً دائما فليكن مرة واحدة في الاقل.
كبير الخدم: كنت شجاعاً دائماً سيدي.
الملك: وان لم أكن كذلك، فهذه المرة نعم.. كان كل شيء لي.. الجنود والاسود.. فان لم يكن لي شيء من الشجاعة من دون هؤلاء، فأنا الآن في أنقى حالات  الوحدة والوحشة والحزن والصفاء كذلك، إذ لا جنود ولا أسود، بل لا رعية ولا ملوك، وفي مفترق الطرق يجب ان تتوفر على أعلى درجات القناعة وسريعاً جداً، لكي لاتسقط اعياء فتدوسك الخيول.. آه.. ما اشد صفاء نفسي وما أعظم يقيني، بل ما اشد توقي لنهايتي.
كبير الخدم: (يسمع طرقاً آخر على الباب) هنالك طارق آخر سيدي.
الملك: اذهب ولا تذهب، او، تذهب ولا تذهب فالأمر واحد.
كبير الخدم: عن إذنك سيدي.. أملي كبير في اخبار سارة (يذهب).
 الملك مع نفسه :مشكلة العبيد انهم يصدقون كل ما يرون ويسمعون، وربما كان هذا هو الهواية الألذّ في حياتهم ..انهم لا يعرفون انها مصدر ارباكهم وصورة من صور غفلتهم وبؤسهم ..ان خسارة المرء في ما يسمع ، وغالبا ما كان مجدنا في صم آذاننا عن احاديث الاخرين.. انظر الى خطواته (يؤشر بيده كما لو انه يخاطب احدا) كيف هي لهفى الى معرفة مصدر الصوت حتى لو كان صوت الريح..اعظم الظن ان نشاط هؤلاء في اقدامهم وليس في عقولهم، ولو كان العكس لاختلف الامر ، ومتى يحصل ذلك يموت الملوك..(يتوقف لحظة عن الكلام مستغرقا في تفكير مسهد ذي فطنة مفاجئة، يتابع بعدها حديثه الداخلي) ترى هل ما يحدث الان هو من نوع ذلك؟ اعتقد انه كذلك ، فهذه الاصوات القادمة من خلف الغابة او من عمقها ليست اصوات الملوك (يقول ذلك بتهكم)  ولا ابناء الملوك!
كبير الخدم: يفتح الباب.. يطل على الشارع.. المشهد ذاته.. فارس غريب منطلق على جواد، لم يتوقف الا لحظة طرق الباب.. يعود بعد ان يغلق الباب) فارس ثان لم يتريث كثيراً كسابقه، منطلق على جواده كالسهم سيدي.
 الملك: حسنا يفعل.. إذ كلّ منطلق كالسهم.. لاتوجد لحظة توقف في الحياة، الا لحظة القرار الاخير، وحتى هذه فانها قد تكون اسرع من السهم اذاً لايوجد فارس ولا جواد.. وليس هنالك طرق على الباب.. اننا  نصنع ذلك، بل انه صورة ما بأنفسنا.. أنت تنذرني يا يا.. وانا مستجيب لكل ذلك.. وحسنا تصنع انت أو اصنع انا.. فما سمعته انت، سمعته أنا.. واذا رأيت احداً ولم أره انا، فما ذلك الا لأنك فتحت الباب لتكون لك ذريعة لما تقول.. في الوهم تحصل اشياء كثيرة، بل كل شيء وهم.. وهم في وهم، وأخلد الاشياء هو الوهم، ذلك أنك ما ان تزول حتى يحل في رأس غيرك وهكذا.. نحن نزول والوهم خالد (ينظر حوله) أنظر.. اين ذلك الثراء وأين تلك السطوة، بل أين ذلك المجد؟
كبير الخدم: (يستمع منصتا، لكنه يسمع طرقاً جديداً) طارق ثالث سيدي، هنالك طارق آخر، دعني اسرع اليه.. استميحك العذر سيدي، فانا ذاهب اليه.
الملك: قف يايا.. سيظل هذا الطارق يطرق الباب، مادمت في موقعك هذا حتى اذا عزمت الذهاب اليه لتفتح الباب، هب مسرعاً على جواده مولياً إياك ظهره.. ولكن دعني قبل ان تفتح بابك أصفه لك.. وها انت تسمع الطرق مستمراً لايزال ولن يكف.. الطارق فارس غريب، وحصانه مدبر، هيئته غير هيئة فرساننا، ما ان تطل عليه حتى لا ترى سوى شبحه المنطلق كالريح، ها أنني اراه.. ملابسه ملوثة بالتراب، وسيفه يتدلى من جنبه، مهتزاً على حركة فخذه.. اذهب الان تر ما وصفت لك.
كبير الخدم: (منطلقاً نحو الباب) أمرك سيدي. (الطرق لا يزال متواصلا) نعم.. نعم.. ها انني قادم اليك، فتمهل قليلا او انتظر حتى افتح الباب. (يفتح الباب.. يشاهد ما شاهده في المنظرين الاول والثاني وكما وصف الملك.. يعود الى سيده بعد ان يئس من مخاطبة الفارس الغادي، ويكاد يسقط اعياء وحيرة) الأمر ذاته سيدي.. وإنه لأمر مربك تماماً (يمسح قطرات من العرق تصببت من على جبهته) ما إن وقعت عيناي على بقايا نظرته أو كادت، حتى انقلب نحو الغابة باقصى سرعته.. شيء غريب (يعود يمسح جبهته) لم أكن أرى ذلك من قبل.
الملك: ستسمع مثل هذه النداءات كثيراً، مادمت تستدعيها أنت بنفسك الخائرة الجبانة. أنت مشوش الفكر ياأميني.. لم تعرف حالات الصفاء، وكم هي من اعظم الغايات.
كبير الخدم: صفاء نفسي من صفاء نفسك ياسيدي، ولكنني اسمع بأذني وأرى بعيني، وبليتي أنني لا استطيع تكذيبهما.
الملك: ليس كل مانسمعه او نراه يكون صادقاً، بل قد يكون كاذباً، وهذه هي البلوى التي ينبغي ان تبرأ منها أذاننا وعيوننا.. واذا كنا لانكذب، فاننا قد لا نقول الحقيقة كاملة، وهذه بلوى كذلك.
كبير الخدم: إنني استمع اليك سيدي، وآخذ بكلامك، ثم إنني..
الملك: (مقاطعا) يا..يا.. إقطع كلامك واتجه نحو الفعل.. فما عاد في الكلام من جدوى، مأساتنا أننا نكثر من الكلام، بل ان في افعالنا الكثير منه.. لقد تكلمنا وكأننا في نزهة، بينما ثمة ارض تغلي من حولنا وبركان يثور (يصمت طويلاً وينقل بصره بين الاسود المتداعية والآفاق المدلهمة.. يعاود كلامه بصوت اجش حاد وقد علت الصفرة جبهته) اقطع كلامك ونفذ ما سوف أمليه عليك.. لقد سئمت هذه الجلسة الرثة المَشينة المتهالكة (تتحول الصفرة الى خضرة تغطي كامل وجهه) وهذا الانتظار البليد، بين هزائم الجند وقدوم الاعداء، ولا حول لي ولا قوة على اداء عمل ما.. أيها الخادم الأمين، يا آخر ناسي المخلصين.. كن شجاعاً، وصادقاً ولا تذرّ ذرة واحدة من الرماد على صدقك.. امسك هذا السيف، بيد حاول ان تكون قوية كالعاصفة، وإن لم تستطع فبكلتا يديك، وأضرب بجميع ماتستطيع، وكما لو أنك تقطع ساق شجرة وليس هذا العنق الاجوف الهزيل، وتماما مثلما كنت تقطع خشب الوقود بضربة فأس واحدة، وأطعم هذه الاسود الغافية هذا الجسد البارد الرخو، قبل ان تطلق عنانها للبرية السمحاء، فهي كفيلة برزقها، فهنالك الارانب الطازجة والغزلان الفتية اليانعة وحمار الوحش السمين، او كل ماهو ساخن ولذيذ.. لاتتردد.. كن شجاعاً صلباً، صامت القلب فارغه، لا تأخذنك العاطفة الرخوة التي غالباً ما تكون عليها قلوب الخدم الاوفياء.. اقطع كما كنت‘ اقطع من قبل، واضحك في الأخير كما كنت أضحك من بعد، واعلم انه في الالم يتساوى في الحجم والمساحة ، العبد والملك والنملة والفيل فلا تذرف دمعة، وامش مرفوع الرأس.. ليس لأنك أصبحت حراً، وانما لأنك قتلت ملكاً عظيماً في ساعة هزيمة مرة، واليك حكمتي: إن المرء لا يمكن ان يكون ملكاً ونبياً في وقت واحد وهو ما كان عليه الملوك جميعاً وليس انا وحدي وان الشيء الصحيح فيهم أي الملوك ، انهم اول من يغفو وآخر من يستيقظ فلا تبدد يقظتي بما لايحقق امنيتي .(الملك يناجي نفسه في هوس لا يبدو منطقياً) لا متعة بعد هذا اليوم ، بل لا متعة لأي ملك في اي يوم. الطبيعة تنشئنا والاغبياء يحسدوننا… المتعة مثلا ، متعة الملوك وهم يلبسون افخر الثياب ، وينامون في غرف مرفهة مع نساء يدلكن الاقدام ، ويمسدن السيقان قبل ان يستوين على سرر فراشها حرير ، وكل هذا في حقيقته الاخيرة زيف (يلتفت الى خادمه) يا صديقي القديم ، اتعلم كم مرة تمنيت الشاي وانا احتسي اجود انواع الخمر، والفقر وانا ارفل بالغنى ، والجوع وانا مخنوق بالتخمة ، كم مرة تمنيت ان اغادر القصر نحو مقهى صغير يطل على نهر ساكن ، كم مرة تلصصت من نافذة القصر على مشارف كوخ ، ومن موائد القصر تسللت روحي الى رغيف خبز طازج حار؟ الملوك وحدهم من لم يحسنوا التصرف يوماً ولم يفكروا بعقاب، هم وحدهم من لم يعرفوا ان مع النهار شمساً وان مع الليل قمراً ، هل تتذكر يا يا من أكرمت ، ومن رحمت ، ومن كافأت غير اولاء الذين تخاذلوا فهربوا ونأوا ؟  يا يا ..اعرف ان مع هذه اللحظات الخانقات يفسد الدم وتتغير الالوان وتنهد الاعمدة الواقية ، يا يا ..أترى ان ثمة من يستجيب لنداء الملوك اذا خاروا غير سيوف الاعداء ومن ‘يسقط الرأس ويدوس التاج بالاقدام اذا تسابقت الحشود عليك ؟ آه انني اشعر بالغثيان يا يا ، العزلة هي الحكمة التي لم نكن نعرفها ، وما كان لاحد ان يقودنا اليها او يتركنا واياها…فراغ كل ما اشاهده او احسه الآن .اوصيك وصية اخرى ان ملكت الطاقة على فعل شيء كبير ، ان تصب الزيت على هذا الكرسي الحقير وتشعل به النار ، واياك ان تتقاعس عن هذا ابداً. (ينظر الى يمينه فيرى الخادم قد تهاوى على الارض.. يناديه بما يقدر عليه من صوت تداخلت معه نبرات موسيقى حزينة خافتة بدأت تنداح في الفضاء) يا..يا..يا.. (يكرر استغاثته وقد علت صوته حشرجة جلية واضعا يده على مذبح صدره)يا..يا..يا.. (ثم يسقط رأسه على صدره سقطته الأخيرة).
كبير الخدم: (يستيقظ بعد برهة قصيرة.. يقف مذعوراً على قدمين مضطربتين.. ‘يهرع نحو سيده ليجده قد قضى وقد سقط سيفه، من بين يديه واستقر تحت قدميه.. يستبد به الشك وتتناوله صدمة المفاجأة فيمضي يقلب جسده البارد الصامت، وحتى يتيقن من ان كل شيء قد مضى ، ينتفض مرتداً  على نفسه، ينظر في الفراغ الموحش، دائراً حوله متوحداً مع ضجيج داخلي متضارب ، يهرع الى داخل القصر ، ينقّل بصراً ذاوياً في غرفه وابهائه ، ثم يعود حسيراً الى حيث جثة سيده..يلقي عليها اطلالة متشككة ويصرخ بأقصى طاقات صوته ) كلا..كلا.. (يسمع دوياً غامضاً متنامياً يأتي من خلف الغابة او من عمقها، بينما يزداد الطرق على الباب.. تتفاقم الاصوات وتعصف الريح فتنفض الشجرة العملاقة آخر اوراقها على الجسد الذاوي على كرسيه والارض المحيطة به.. تبدو عليه الحيرة والبلبلة في ما يمكنه ان يفعل او لا يمكنه، فيشعر بالدوار.. أخيراً يجمع أمره فيترك سيده على حاله ويغادر القصر، تحف به موسيقى جنائزية ثقيلة، لها طابع المارش العسكري الحزين، يتوافق ايقاعها الرتيب مع درجات متباينة من العتمة والضوء تسلط على شارع طويل مهيب يتقدم القصر، خال الا من شبح مفرد، شبح رجل وحيد، يسير، كمن على هواه، هائماً الى حيث لا يعرف أحد، تخفق تحت اذنيه وفوقهما أصوات بشرية قادمة تقول: عندما يموت الملوك، يتحررالعبيد ..ويرهف سمعه الى الاصوات التي بدأت تقترب منه .. عندما يموت الملوك يتحرر العبيد.. يختلط الامر عليه ، يدور حوله مرة اخرى ، يسقط نظره لمحاً على الاسود التي خرجت من بوابة القصر لتتوارى في شعاب الغابة . الاصوات تتعالى درجة بعد درجة وهي تزداد قرباً منه ، لكنها سرعان ما تبتعد عنه حين تصل الى ذروتها وتذوب .. الموت وحيداً اقسى انواع الموت وابلغ خسارات الانسان ، يفكر. تخفت موسيقى المارش شيئاً فشيئاً مع تدرجات انحسار الضوء، ليطبق الصمت والظلام معاً). 

                              ختــــــــام

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.