مؤيد البصام: الرواية العربية والبحث عن الهوية :لماذا نلجأ للخيال ؟ إذا كان واقعنا أغرب منه

في خضم الموج المتلاطم للتحولات الفكرية والمنهجية في مختلف العلوم والفنون الإبداعية، تتحرك الرواية العربية، لتوجد لنفسها مكاناً وحيزاً مع هذا الكم الهائل من الإصدارات على الصعيد العربي والعالمي.
     والرواية العربية ومثلها سائر الأجناس الإبداعية ، لم تكن بمنأى عن التطورات التي حدثت وتحدث في العالم ، والذين يقولون أن التطورات التكنولوجية لم نشارك فيها ، حتى تحدث فينا ما أحدثته في الإنسان الغربي ، يخطئون تحديد المسار ، لأن كل تحركنا يخضع إلى حركة تطور التكنولوجيا والمعرفة حالياً ، من أبسط الأشياء إلى أعقدها ، صحيح أن الآلة الرأسمالية الضاغطة ، تمنع امتلاكنا وسائل الإنتاج ، ولكنها تفتح يديها ورجليها لتمنحنا ما نريد من إنتاجها الاستهلاكي ، إذن نحن في خضم الأحداث بشكل أو آخر ، مع تفاوت في المستويات بين منطقة وأخرى ، ومن هنا فأن الخطاب الإبداعي والروائي محكوم بخطين أولاً الواقع وثانياً الخطاب السياسي الإقليمي والدولي .
     ولكن لتحديد المسار بشكله الصحيح ، علينا الإجابة عن السؤال ، هل نحن جزء من التحولات التي تحدث في العالم بشكل عام والغربي بشكل خاص ، بتحولاته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ؟ والحقيقة التي يجب عدم الغفل عنها ، إننا لم نكن جزءاً ، ولم يحدث عندنا ما حدث عندهم ، والتغيرات التي حدثت في الغرب ، لم تشكل في الأساس أي تأثير روحي ومادي ، كما أثرت على مختلف أوجه الحياة في الغرب ، فنحن شعوب خرجت من نظام إقطاعي متخلف،  إلى نظام التجارة التابع للرأسمالية العالمية ، ووجدنا أنفسنا في وسط معمعة التطورات التكنولوجية والعلمية ، ولامتلاكنا الأموال التي نشتري بها ما نريد ، تماشى خطان، تقاعسنا وعدم رغبة الغرب في تطورنا .لهذا بدأنا نتلفت إلى الوراء وننظر إلى الأمام ، فمنا من لم يغادر ماضيه وآخر رفض الماضي كلياً وركض وراء الحاضر والمستقبل ، والقسم الآخر استمر في تعلقه بالماضي وعينه على الحاضر والمستقبل ، ولم تحدث لدينا هزات اقتصادية واجتماعية لتحدث تحولات فكرية وأيديولوجية من الداخل والخارج .
     وهذا ما جعل العمل الروائي ، لا يخرج عن واقعيته بمختلف المسميات والأشكال والمضامين ، وفي كل المحاولات التي قام بها الروائيون على صعيد التجريب وتغيير الشكل أو القفز على الواقع والتغريب ، إنما سعوا إلى معرفة ذواتهم  للانعتاق من شرنقة وسيطرة الرأي الواحد أو الخطاب السياسي ، ولكنه يلتف بخيوطه بصورة يصعب الخروج من دبقه الحلو والمر ، لأنه يقوم بعملية المحو والإقصاء والتجريد ، وإبقاء التخلف الفكري ليسهل عليه مسك زمام الأمور إلى أبعد مدة زمنية  وهذا ما جعل حالة الانقطاع والتحول عن القراءة، حالة لا تمثل واقع مجتمعنا العربي وحسب وإنما تأخذ دورها حتى في المجتمعات الغربية مع اختلاف النسب.
رؤية تاريخية:
     إذا ما قمنا بجولة تاريخية سريعة ، في تاريخ العمل الروائي العربي، ، سنجد أن عالم الروائي ، كان متلقياً وليس ملقياً ، فهو لم يستثمر ما لديه من قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والقص والحكايات والمأثورات الشعبية وقصص الرواة وقصص الأثر ، لهذا فان التطورات في السرد والتقنية في الشكل تسربت من أوربا . وبما أن ريح التطور لا تعرف سدوداً أو حدوداً، فأنها تجتاح وتقلب الأشياء رأساً على عقب، وهذا ما حصل، ولكن هذه التطورات في التقنية والأشكال والاقتباس هل جاءت محض الصدفة ؟ أم حملتها رياح التغيير ؟ أم من خلال تحولات صاحبت الواقع الاجتماعي، إن التطورات التقنية في  الرواية  الغربية،  ظهرت ضمن تسلسل منطقي تاريخي ، من الملاحم إلى الرواية الذاتية،  ورواية التداعي واللاوعي، ومنها الأشكال والمسميات للرواية الواقعية بأنساقها، النفسية والفلسفية والسحرية والنقدية والاشتراكية ، والشيئية ، ورواية  النص، ..الخ .
     فقد ظهرت هذه التطورات أو الرؤى ، مع ما حصل من تحولات في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، حيث أنهدت البنى الاقتصادية لمجتمع الإقطاع لتظهر طبقة البرجوازية تحمل معها أسباب وجودها السياسي والاجتماعي على ضوء بنائها الاقتصادي،  والتي غيرت من شكل المجتمع وبناء  الفرد ، وبظهورها ظهر واقع جديد داخل المدن لطبقتين هما المحرومون والمتخمون،  مع سحق الآلة للقوى الروحية للإنسان ، وهو أسلوب جديد في بني الحياة،  يختلف عن مجتمع الزراعة والإقطاع والفلاحين ، وظهرت هموم وجزئيات في الحياة تختلف كلياً عن هموم المجتمعات السابقة ، وتشكل وعي جديد تداخلت فيه المفاهيم العلمية مع التطورات التكنولوجية ، مع استمرار نضال الإنسان للانعتاق من الأسر والاضطهاد والظلم ، وظهرت أشكال ووسائل جديدة من الضغوطات للقوى البرجوازية الحاكمة على شعوبها . وتركزت عمليات القمع والاضطهاد والاستلاب، وتوضحت الغربة كأحد أهم نقاط معاناة الإنسان في مدن الصناعة والآلة،  ولم يعد الإنسان يمتلكه ذلك الإحساس بأن العالم المحيط به ملك له، وأنه يعيش ضمن توافق روحي متجسد بهذه الصيرورة التي تجعل علاقته ، علاقات ملكية للأشياء . حتى وان كان أجيراً، وكان الذكاء الرأسمالي يجتمع في بؤرة مركزية في كيفية تجريد الإنسان من كل شيء، حتى من ورقة التوت التي تستره،  وجعله يدور بانتظام لتسيير عجلة الإنتاج بدون توقف وهو مغمض العينين… ولكنه قدم له خدعة المجتمع الاستهلاكي وقال له: اركض أكثر،  تحصل على أحلامك الوردية… ولكن بعد نهاية الشوط ، لم يجد إلا لهاثه وحفرة تتكدس  فيها آلاف الجثث،  وأحلام لم يتحقق منها شيء
     ويبقى السؤال هل حدث في مجتمعاتنا العربية ما حدث في الغرب من تغييرات وتحولات اجتماعية واقتصادية ، تحدث تغيرات فكرية على صعيد البناء الأيديولوجي والرؤيا والنظر إلى الوجود والكون ؟ ، بنفس المستوى مثل ما حدث عندهم، إن ما حدث بعد انتهاء العصر العباسي ، ومجيء الغزاة من كل صوب وطرف . تركوا لنا مجتمعاً متخلفاً في البناء الاجتماعي والاقتصادي والفكري ، عشائرياً ، تحكمه طبقة الإقطاع  المتخلف ، ولم يحاول الإقطاع استثمار أمواله في إنماء قدراته العقلية والحضارية،  بل ابتدع أشكالاً جديدة من التخلف وترسيخ وجوده ، وخلال تصفحي لتاريخ وطننا لم أعثر على إقطاعي يملك بيانو في قصره ، أو علم أولاده العزف أو سماع الموسيقى الحالمة ، وإنما رباهم على الطبل والمزمار من أجل لهوهم وإشباع شهواتهم ، وان وجدت مكتبة في بيت أحدهم فأنها لأغراض الأبهة أو لإرضاء السلطة الدينية حتى تضفي عليه سمة الالتصاق  بها .
     إن تحولاتنا الاجتماعية والاقتصادية والفكرية جاءت مجتزأة ومقطوعة وتقفز من موقع إلى موقع،  لهذا جاء الخطاب السياسي العربي متقطعاً، ذاتياً، أنعزاليا، لا يملك رؤيا إستراتيجية عملية لتطبيق الرؤيا النظرية التي هي للقراءة كأحسن ما يكون. ولم يستطع الخطاب السياسي العربي أن يحدث نقلة فكرية للربط بين الماضي والحاضر،  ويستشرف المستقبل لأنه وحدوي نظرياً وإقليمي متعصب عملياً . ولا يملك رؤيا لتطبيق نظريته الوحدوية لأنه محكوم بانعزاليته وفرديته ودكتاتوريته وتبعيته وسيطرة البداوة والعصبية وروح الريف،  والسلطة الأبوية على تصرفاته. ولهذا لم يستطع أن يحدث تحولاً اقتصادياً، لا إقليمياً ولا عربياً. وهذا الواقع انسحب على مجمل الخطاب الابداعي، ففرض الخطاب السياسي هيمنته، وقد وجدت الرواية العربية نفسها في بداية ومنتصف القرن الماضي جزءاً من العملية الإبداعية المحكومة بهيمنة الخطاب السياسي،  وهو ما جعل خطابها السردي المؤيد للخطاب السياسي أو المعارض، يقع تحت مظلة الخطاب السياسي ولم تستطع أن تخرج من شرنقته .
     لم يتكون إمام هذا الاستلاب حكم نقدي يتمكن من السير بمحاذاة الأعمال الإبداعية أو سابقا ً عليها،  في الرؤيا،  إنما خضع كما خضعت الأجناس الإبداعية الأخرى لهذه الهيمنة وعدم الوضوح الفكري في الخطاب السياسي ، والميعة في أشكال الحياة الاجتماعية بين الطبقات . فلم نعرف هل نحن برجوازيون أم اشتراكيون، رأسماليون أم شيوعيون. إسلاميون أم تجار قريش، والكل تصرخ الوحدة العربية، وفلسطين، فلسطين، ولكن الواقع لا يمثل كل هذه الشعارات، وكما سبق القول فان النظرية هي الغاية، والتطبيق العملي مخالف تماماً للنظرية.. فأمام هذه العجينة الغريبة وحالة الاضطهاد والاستلاب ، ومطالبة الحكام العرب كل في دولته أن تقدم الشعوب لهم الولاء والطاعة وتؤيد برنامجهم السياسية  ( وإلا غضب السماء ينزل عليهم ) . وحتى في هروبك من بلدتك،  فانك مطارد في الأحلام، وفي جلساتك الخاصة والعامة.
     وتظهر إشكالية الرواية العربية، بأنها لا تملك الحوارية إلا في بعض النصوص المتفرقة، والتي ظهرت في العقود الأخيرة من النصف الثاني للقرن الماضي، وذلك بسبب هيمنة الفردية والنظرة الأحادية، وغياب احترام الرأي الآخر ، وعمليات المحو للحاضر والماضي،  التي تقوم بها المؤسسات الثقافية الواقعة تحت هيمنة سلطة الخطاب السياسي كل في موقعه من الوطن العربي .
     ولا تملك الرواية منهجية فكرية، ولا شكلية للمؤلف الواحد فهو لم يحسم قضيته الذاتية فكرياً مع أو ضد أو لنقل أين موقعه !! لهذا لم تختمر الرؤيا النقدية في تشكيلته الفكرية . وإذا ما عثرنا على حالات فردية وغير متعاقبة هنا وهناك من أرض الوطن العربي،  وليس تشكيلاً متأصلاً يحدث انقلاباً في المفاهيم أو يرتقي إلى شيء جديد في الساحة،  ينمي العلاقة المرجعية لتكوين خط بياني متصاعد ، ويتطور في الأسلوب ، ويبتكر الأشكال من خلال محاورة الواقع كما يقول كارل بوبر ( إن العلم وحده لا يكفي دائماً لإظهار الحقيقة إنما ينبغي أن تمتزج بالقيم والأفكار الإنسانية بعيداً عن الأساطير والأفكار الميتافيزيقية ) ، إذا أبعدنا الجملة الأخيرة ( بعيداً عن الأساطير والأفكار الميتافيزيقية ) ، تتمثل لدينا البناء الفكري، الذي تفتقده الأبعاد القيمية والمناهج الإبداعية،  التي تملك رؤيا جديدة وأسلوبية جديدة . تحاول أن تفهم وتدرك التطورات المتسارعة التي حدثت في العالم في المواصلات والاتصالات ، خصوصاً عندما كشفت هذه التطورات عن الكثير من الحقائق التي كانت فوق هامش الخيال،  وبدأ يصعب إدراك كنه ما يحدث ، فهذا الاختلال بين الواقع والتصور ، أحدث اهتزازات في القناعات ، شكلت في أوربا والعالم المتقدم شكلاً يختلف عنه لدينا، فنحن إلى جانب هذا الاختلال هناك الاضطهاد الإقليمي والعالمي الذي تمثله الحكومات الدكتاتورية والكيان الصهيوني والهيمنة الرأسمالية العالمية .
الواقع والخيال :
     إن الانقلاب الذي حدث في الثورة الصناعية كانت تجري تطوراته على أرض الواقع ويسير ببطء أتاح للإنسان امتصاص واستيعاب الأحداث،  واستطاع المبدع أن يخلق عالمه مع مجتمعه بتآلف كان الفهم والاستيعاب قطبي الرحى فيه ، كما حدث عند ظهور الكاميرا وما أحدثته في عالم الفنون التشكيلية ، وما حدث أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى وبعدها، من سقوط ملايين القتلى وتدمير وتشريد وضياع ، ولكنه واقعا كان مسيطرا ً عليه عقلياً ، وإن الخوارق التي كانت تظهر ليست من صنع الخيال ، إنما تمرد ورفض لما آل إليه الحال . ولكننا الآن نقع في الخط الآخر ، فالواقع ينفي نفسه أمام التطورات المتسارعة والهائلة ، ويلغي وجود ما هو موجود بوجود آخر ، لتتشكل من جراء ذلك فوضى بدأت تهدد النظام السائد ، إ ن لم تكن هددته واخترقته .. فها هو الكيان الصهيوني يضرب بالأباشي ليغتال مناضلاً واحداً ، فيقتل ويجرح العشرات ، والعالم المتطور يقول ، هذا رد للدفاع عن النفس ، وأمريكا تجتاح أفغانستان بواسطة أخوتهم في باكستان ، وأمريكا تقول يجب أن ينتهي النظام  العراقي ، واضع بديلا عنه بما اختاره،  والعالم الحر يسكت والدول العربية تنتظر متى تصفع ، ونحن الأفراد مسلوبو الإرادة لا نستطيع من فعل شيء . أليست هذه فوضى الوجود ، وأصبحت الخرافة لها وجود ، لأن ما كان متخيلاً وميتافيزيقياً ، أصبح واقعاً نتعامل معه وأن ( زيطة ) نجيب محفوظ في زقاق المدق، أصبح متخلفاً أمام القدرات التي ظهرت لكل الدجالين واللصوص،  وما اخترعه الإنسان لسعادته ، أصبح كارثة عليه ، وما أوجده اليوم يتغير مع الغد ، وما عاد الإنسان مسيطراً لسرعة التطورات، خصوصاً في النصف الثاني من القرن الماضي ، مما أحدث شرخاً بين الإنسان والواقع ، لأن الواقع الجديد ، فاق المتصور والمتخيل ، والجانب الأهم في المعادلة هو استلاب قوى رأس المال  العالمي ، بحيث لم يعد يهم أن تأخذ بنظر الاعتبار ردود الأفعال على ممارساتها اللا أخلاقية واللا إنسانية ، وما كان يحد بوجود القطب الواحد ، وتهشيم مفاصل القوى الثورية والتحررية في العالم في هجمة جاءت مترافقة مع اتساع القدرات التدميرية لقوى الرأسمال العالمي ، حيث كثفت من عمليات قهر الشعوب واستلاب الإنسان وتجريده من حريته والسيطرة على تفكيره وشل إمكانياته العقلية ، وبالتالي أصبح لا حول ولا قوة له ، أمام قوة لا يدركها ولا يصل بخياله إلى حجمها ، فهي في كل يوم تتعاظم إلى مرحلة فوق الواقع المعاش ، وأمام هذا الاستلاب الذي تقوده قوى الظلم والاستعلاء ، الذي تتضافر فيه قوى عالمية وإقليمية في تدمير وقتل حرية الإنسان وسلبه إرادته وقهره .


محاولات الانتفاضة على الواقع :
     حاول المبدع الرد على هذا القهر والظلم على جبروت القوى الظالمة ، بإيجاد حياة وعالم يلجأ إليه .. فنتازيات وحلم ، ولكنها في الحقيقة كلها جزء من الواقع ، فالواقع وهم وخيال ، والخيال واقع وحقيقة ، فكل هذه التطورات جعلت الفرد يتقوقع على ذاته ويخلق عالمه الخاص ، وجاءت النصوص بكل أشكالها الشعرية أو القصصية أو الروائية ، لتخلق حلم المبدع ضمن أجواء السحر والفنتازيات والرؤى المختلفة والأحاسيس المتصادمة ، محاولة الوعي لعكس ذاته وخلخلة ( الخطية ) التي تخلخلت في الحياة عموماً ، وعكس ذاته بكل طاقاتها أمام هذا العالم العجيب الخارق الذي ألغى وجود  الإنسان ، فهو يتخذ من ذاته مرجعاً ليشكل من خلالها علاقاته ورموزه ، فيشكل عالمه المحكوم بالأمنيات وإمكانية التحقيق مسحوباً من الواقع وكتاباته التقليدية . فهو لا ينظر بعين الواقع إلى الواقع الذي تغيرت مفاهيمه واهتزت أسسه وانقلبت على نفسها ، لهذا يعتبر نفسه فوق شروط هذا الواقع ، كما تخلى الواقع عنه فهو وضع أسسه الخاصة ، متخلياً عن الكتابة التقليدية ، ولا يشكل لديه الآخر الحث المباشر على الكتابة . فهو لا يهتم بهذه الناحية ولا يلتزم بشروط إقناع المتلقي وإيهامه بإمكانية حدوث أي شيء أو إشغاله بالوهم بحدوثها ، فهو يعمل على حقلين النزعة الصورية وعين الكاميرا .    فتستطيع أن تنفي الواقع ليس لكونه غير موجود،  ولكن لكونه يتشكل من ذوات متعددة منفية في الرؤية الصورية للذات العارفة ، ولإدراك كنه العالم من وسط ركام الأفكار الذي وصل إليه ، ومن ثم أصبح عبئاً أثقل حياته وأحلامه وطموحاته وآماله ، وهو بهذا يخلق عالماً يتطلب نزوعاً ذاتياً مع حركة العقل من دون وجود مادي ، فتشكل الكاميرا القطب الثاني في حركة العقل ، حيث تصور هذا العالم الذي يراه ، فكان الخيال ولكنه واقع ، لأن الواقع يفوق الخيال ، وبهذا فهو يسعى من خلال ذلك إلى فلمنة الواقع ، عبر عين الراوي ، حيث يمنحه حرية مطلقة في البناء ، لخلق عالم بديل من خلال هذه الطموحات المتطرفة ،وهو ما يتطلب جهداً ذهنياً وجمالياً استثنائياً ، ويتطلب اشتباكاً بين الحين والآخر لتدمير الواقع، من هنا نتلمس إن الأعمال الروائية التي ظهرت في الربع الأخير من القرن الماضي،  وبداية القرن الحادي والعشرين شكلت حضوراً لهذه الرؤية في كتابات رجاء عالم وجمال ألغيطاني ومحمد خضير وعباس عبد جاسم … وآخرين. لكن هل يعني هذا أن لدينا خطاً فكرياً يشكل منهجاً رؤوياً في بنائية عالم الرواية مع ما يزخر به عالمنا العربي من إرث حضاري وفلكلور شعبي وحاضر زاخر بالمتناقضات والمصادمات … إن نظرة على الساحة الثقافية العربية لا تعطي هذه الملامح وتبقى المسألة مسألة فردية … وبالتالي لا تشكل منهجا ًنقديا ًً،  لماذا ؟ ليس لأننا كما يقول المتمسكون بالماضي ، متأثرون بالغرب والمناهج الغربية ، وليس كما يقول المنقلبون على الماضي وينظرون للحاضر فقط. هكذا يجب أن يكون الإبداع، تهديم وتغيير وبناء جديد، وكلتا الحالتين المتطرفتين لم تمنحا رؤيا نقدية لبناء الجسور وإحداث النقلة. بسبب تطرفها وعدم وعيها الحضاري وتخلفها عن فهم التاريخ زمنياً ومكانياً… ولخضوعهما لسيطرة الخطاب السياسي العربي بشكل وآخر من دون إدراك أو وعي لهذه الهيمنة، بحركة الانزياح أو التغريب التي يمارسونها .
     إن الروائي العربي والمبدع بشكل عام يلجا إلى التعمية ، لأنه لا يملك حريته في الاختيار. فما هو صحيح ومقبول اليوم، في ظل هذا النظام أو ذاك في أي مكان من الوطن العربي، هو خطأ في اليوم الثاني، لأن المزاجية والفردية، هي التي تتحكم بقراراتنا المصيرية وليس الرؤيا الإستراتيجية للأمور ، ومن هنا فإنه هذا المبدع مطالب بأن يتلون كالحرباء داخل الإطار الإقليمي أو حتى عند زيارته لقطر عربي آخر ، كما لا يمكنك أن تبوح برأيك . ولا تتحدث إلا بما تمليه المصلحة الوطنية والقومية،  حسب رؤية ووجهة نظر الحاكم. فالآخر جاهل ولا يعرف المصلحة الوطنية والقومية، ولهذا يجب أن يخضع للتعلم والتعليم إلى حين قبره تحت التراب، فليس من حقه مناقشة ما لا يحق له به.  فكم من عمل إبداعي لم يصل إلى وطنه، والى أبناء عمومته وظل مقبوراً في العالم ألآخر أو في البلد العربي الذي صدر منه، وكم من عمل لا يرتقي إلى مستوى الأعمال الإبداعية استطاعت الرقابة أن تجعل منه عملاً نادراً تتداوله الأيدي بالسر ويباع منه بالآلاف . ولا أريد أن أسوق لكم الكثير من الأمثلة التي يزخر بها قاموس رقابتنا العربية. كيف يمكن لمبدع أن يتكلم رؤيته عن الإسلام ومذاهبه ، إذا كان سيف الإسلاميين مرفوعاً لقطع رأسه ويمنع مناقشة ما يعتبرونه ثوابت . وكيف أنتقد الحركات القومية، إذا ما اعتبروني خائناً للأمة ووجهوا بنادقهم إلى صدري وظهري، وكيف أتحدث عن الشيوعيين إذا ما اتهموني بالجمود العقائدي. وكيف أتكلم عن الجنس ضمن منهاج نقدي تربوي إذا ما رموني بالحجارة لأني مروج للدعارة… وهذه الرقابات التي تنتصب فوق رؤوسنا هي التي تمارس أبشع أشكال مخالفات ما تحدثنا عنه ، فالذين يدعون الإسلام ويتشددون فيه هم أول من يخالف الإسلام ويخرق قوانينه ويجعلونه خاضعاً لتعصبه،  ولرؤية مختلفة من العصور الحجرية بدون فهم حقيقي واع لقوى الإسلام الحضارية الفكرية . والحركات القومية هي أول من تخالف المبادئ التي تدعو لها ، فتؤسس على أساس إقليمي وفهم وبناء فكري إقليمي ومحاولة للكسب الإقليمي ، وترفض وحدويتها وتكرس إقليميتها القيادية وترفض التنازل القيادي الإقليمي،  وكأنما صنعت حكراً لها فهي التي تعرف الوحدة وغيرها لا . وهكذا بقية القطاعات، فتصور إذا ما استطاع أحدهم الوصول إلى دست الحكم ماذا يفعل ؟ أول إنجاز هو إخضاع جميع الأفكار لفكره. وجميع الرؤى لرؤياه التي لا تخطئ،  ويبقى المبدع محكوماً لهذا الخطاب السياسي مع أو ضد . فكيف يمكن أن يؤسس خطاباً نقدياً بعيداً عن تأثيرات الغرب الذي أسس منهاجاً ورؤيا للعمل الروائي ضمن منهجية تعددت مدارسها خلال قرنين من عمرنا . في هذا الاحتكام لا نجد إن الاحتدام والصراعات تختلف في الجوهر ولكنها تختلف في الشكل ، والحافر يضرب على الحافر ، والعمل الإبداعي الذي يحمل أصالته ورؤاه الخاصة يثبت وجوده عاجلاً أم آجلاً،  وليس بالضرورة أن يعرف في وقت ظهوره ، فكم من الأعمال العظيمة أركنت دهراً طويلاً ثم ظهر الجيل الذي يدركها من خلال متغيرات التذوق الجمالي والذائقة المعرفية .
الخلاصة:
     إننا وفي ضوء المعطيات الأنفة ، وباعتراف أغلبية المنظرين ومؤرخي الأدب العربي ، نرى إن العمل الروائي والقصصي بشكله السردي الحديث ، جنس أدبي ليس له تاريخ وعمق تاريخي في أدبنا،  بغض النظر عن ما هو موجود لدينا من ملحمة كلكامش وألف ليلة وليلة وغيرها من التراث   الشعبي . كما إننا نفتقد إلى التحولات الجذرية الاقتصادية والاجتماعية خلال حقبة الخمسة قرون الأخيرة حتى الألفية الثالثة. وإن مجتمعاتنا مجتمعات قفزت في المراحل بناء على تسلط القوى الاستعمارية والمحتلة والدكتاتورية المحلية التي حكمتها ، وهو ما يجعل أمر التماهي في رؤية الآخر الشكلية مسألة مسوغة، ولكن ما هو غير مسوغ أن نعالج ما يحدث في موزمبيق ، ونترك إنسان وواقع مجتمعاتنا . فالأشكال تأخذ مساراتها مع مسار التغييرات والتحولات التي تحملها رياح التطور ، والتي تكتسح ما هو قبلها وما هو أمامها ، لتظهر لنا سطحاً جديداً وخارطة للأشكال تختلف عما سبقها ، ولكنها متجذرة بما تحتها ومرتبطة به ، وهذا لا يحدث إلا إذا تخلى النقد عن تسلطه بفرض مناهجه النقدية التي هي أصلاً متأثرة بالغرب ، وأن لا يفترض من الكاتب أن يتبع نهجاً أو بنياناً معيناً لأن هذا يلاقي هواه وقبوله ، أو هذا ما يريده ليتماشى مع الخطاب السياسي الذي فرض سلطته منذ قرون على كل أشكال الحياة .
     إن متغيرات الواقع تفرض أن يبدأ المبدعون في النضال من أجل انتزاع حريتهم في الكتابة والكفاح الحقيقي من أجل أن يوضحوا لرقبائهم إنهم ليسوا أكثر وطنية ولا وحدوية منهم ، ولا حباً لشعبهم العربي ، ولا كرهاً لأمريكا والصهيونية منهم ، وما كتاباتهم إلا رؤى متفتحة لكشف ما لم يراه الآخر ، ونهجاً لإيجاد مستقبل لإنسان سعيد ، ولأمة حرة من كل أنواع السيطرة والظلم  والهيمنة ، وإن واقع ما قبل مائة عام غير واقع ما قبل خمسين سنة ، وهو بالتأكيد واقع آخر عما نعيشه في الوقت الحاضر .
     إن الخطاب الإبداعي ، إذا ما تحرر من  كل الرقابات ، وبات بمواجهة النقد وبمواجهة نصوصه من خلال المتلقين ، سيخلق واقعاً جديداً يرتقي فيه الإبداع الأصيل ، ويركن ما هو غير مبدع وأصيل ضمن رؤيا جديدة تتماشى مع كل المتغيرات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية في واقعنا بكل أشكاله .
ملاحظة:
     كتبت هذه الورقة إلى مؤتمر الرواية العربية الأول الذي انعقد في بغداد الشهر العاشر / 2002، وحجبت قراءتها. وقامت جريدة ( الأسبوع الأدبي ) التي تصدر في دمشق / سورية بنشرها في عددها (840 ) بتاريخ 4 / 1 / 2003، ونشرها مشذبة محمد ألغزي في جريدة (بابل) بعد أن تم رفع منها كل الكلمات ( الهيمنة السياسية، الدكتاتورية… الخ )، ثم نشرتها جريدة ( التآخي ) كاملة غير منقوصة على حلقتين. نهاية عام 2003.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.