تابعنا على فيسبوك وتويتر

الإيصال
موريس بلانشو
ترجمة: حسين عجة

ما يُهدد القراءة أكثر: واقع القارىء، شخصيته، عدم تواضعه، شراسة رغبته في البقاء كما هو إزاء ما يَقرأه، رغبته في أن يكون إنساناً يعرف عموماً كيف يقرأ. إن قراءة قصيدة ما، ليست قراءة قصيدة ما ثانية، ولا حتى الدخول، عبر هذه القصيدة، إلى جوهر الشعر. عند قراءة القصيدة، تثبتُ القصيدة بأنها عملٌ من خلال القراءة التي تمنحُ، عبر المجال المفتوح الذي يُحافظ عليه القارىء، الولادة للقراءة التي تستقبلها، وتصبح قوة قراءة، تتحول إلى إتصال مفتوح ما بين القوة والإستحالة entre pouvoir et l’impossibilité، ما بين القوة المشدودة بلحظة القراءة والإستحالة المُرتبطة بلحظة الكتابة.

لا يكّمنُ إيصال العمل في واقع أنه أصبح قابلاً للإيصال، من خلال القراءة، ، إلى قارىء ما. العمل ذاته إيصال communication، حميمية تنازعُ ما بين ضرورة القراءة وضرورة الكتابة، ما بين مقياس العمل الذي يتحول إلى قوة وإفراط العمل الذي يُحاول بلوغ المستحيل، ما بين الشكل الذي يقبض فيه على نفسه واللامحدود l’ilimité الذي يتنكر فيه لنفسه، ما بين القرار الذي يشكل كينونة البداية واللاقرار الذي يشكل كينونة البدأ ثانية. يدوم هذا العنف بالقدر الذي يبقى فيه العمل كعمل، عنف لا يجنح أبداً نحو السلام، ولكنه يشكل أيضاً سلام الإتفاق، إحتجاج بمثابة حركة التوافق، أتفاق يُفسدُ ما أن يكف عن كونه مقاربة لما لا يمكن الموافقة عليه.

إن يقرأ المرء، فذلك لا يعني إذاً بأنه يتمتعُ بإيصال العمل، لكنه “يعملُ” « fait » لكي يوصلَ العمل نفسه ويكون، بغية أستخدام صورة مغلوطة، أحد القطبين اللذين ينبثق فيهما، بحكم الجذب والطرد المُتبادلين، العنف الواضح للإتصال، واللذين تمر بينهما هذه الواقعة l’événement التي تبنيهما بفضل ذلك المرور ذاته. غير أن هذه المُقارنة خاطئة، بطبيعة الحال. أنها تشيرُ في أفضل الأحوال إلى أن هذا التضاد antagonisme الذي يضعُ هاتين اللحظتين وجهاً لوجه (أو بدقة أكبر يجعلُ من العمل توتراً تظهرُ فيه تلك اللحظتين كمتعارضتين، اثين باثين)، فيما يسعى العمل، عبر تلك الضدية، نحو حرية إيصال نفسه، لكن لا يتحتم عليه القول بأن تضاد كهذا هو تعارض بين قطبين مُثبتين يتوافق مع المخطط السوقي لقوتين، ثمَ تركيزهما مرة وإلى الأبد، وأطلقت عليهما اسمي القراءة والكتابة. كما سيكون من الضروري إضافة بأن ذلك التضاد الهائج الذي يَاخذُ في النهاية الشكل المُشخصن للقارىء والمؤلف، لم يتوقف أبداً عن تدفقه في مجرى البحث عن أصل العمل. هنا حيثُ، في النهاية، يبدو العمل وقد تحول إلى حوار بين شخصين يتجسدُ عبرهما شرطين راسخين، وبإن هذا “الحوار” « dialogue » كان أولاً بمثابة المعركة الأكثر إصالةً بين ضرورتين لا يمكن تمييزهما عن بعضهما indistinctes، حميمية مُمزقة للحظتين لا يمكن المصالحة بينهما ولا يمكن فصلهما inséparables، واللتين نطلقُ عليهما اسم القياس والإفراط، الشكل واللامتناهي forme et l’infini، القرار واللاقرار واللتان تمنحان، تحت تعارضاتهما المُتعاقبة، واقعاً للعنف، يميل إلى فتح نفسه كما يميل نحو إغلاقها، ينحو منحى القبض على نفسه ضمن الشكل الواضح الذي يُحدد ويدفعُ أيضاً نحو ضياع لا نهاية له، تضيع نفسه من خلال الرحيل الذي يخلو من الراحة، راحة الليلة الأخرى l’autre nuit التي لا تأتي أبداً، لكنها تعاود القدوم. أيصال ينبغي أن يصبح فيه الغامض هو النور، الذي لا بد من قدوم الضوء فيه عبر العتمة، كشفٌ لا يَظهرُ فيه أي شيء، ولكن يصبحُ فيه الإخفاء ظهوراً.

موريس بلانشو

القارىء ما زال مستقبلاً
يقول البعض أحياناً بأن كل مؤلف يكتبُ بحضور قارىء ما أو لكي يكون مقروءً أيضاً. هذه طريقة في التفكير بنقصها التأمل. ما ينبغي قوله، هو أن حصة القارىء، أو ما ستصبح عليه، إذا ما أنتهى العمل، كقوة أو إمكانية للقراءة، كانت حاضرة سلفاً، تحت أشكال متحولة، في أصل العمل. بالقدر الذي تكون فيه الكتابة بمثابة اقتلاع المرء لنفسه من المستحيل، حيث تصبح الكتابة ممكنة، حينئذ تكتسبُ الكتابة خصائص شرط القراءة، ويغدو الكاتب تلك الحميمية التي توشك على توليد القارىء الذي يظلُ في المستقبل إلى ما لا نهاية. لكن من الجلي بأن تلك القوة لا تمثل بالرغم من ذلك قوة الكتابة إلاّ عبر تضادها مع نفسها التي تتشكلُ من خلال تجربة الإستحالة. ليس هناك من قوة في جانب، والإستحالة في الجانب الآخر؛ وليس ثمة من تصادم ما بين الأضداد؛ هناك، في واقعة عمل الكتابة dans l’événement du fait d’écrire، التوتر الذي يشترطُ، عبر الحميمية التي تجمعُ بينهما الكتابة، على أن يكون المُتضادين في أقصى تضادهم، لكنه يشترط أيضاً مجيئهم من تلقاء أنفسهم بخروجهم من أنفسهم، وإن يحافظوا على بقائهم مجتمعين خارج أنفسهم وضمن الوحدة القلقة لإنتمائهم المُشترك. قوة ليست بالقوة إلاّ إزاء الإستحالة؛ إستحالة تؤكد على نفسها كقوة.

بالقدر الذي يبقى فيه الكاتب شخصاً واقعياً ويؤمن بهذه الشخصية الواقعية التي تكتب، يؤمن أيضاً، طواعية، بأنه ينطوي في داخله على قارىء لما يكتبه. كما يشعرُ في نفسه بالحصة، الحيّة والمُطالبةٌ، للقارىء وهي في طريقها نحو الولادة، التي غالباً ما تتولد عن الاغتصاب الذي لا يفلت منه أبداً، ذلك لأن هذا القارىء قد تمّ توليده بوفت مبكر وبطريقة مزيفة، وشرعَ بالكتابة فيه ( من هنا يكون الجزئيين الجميلين، حتى لا نقدم عنهما سوى مثلاً عادياً، وتلك العبارات التي تقدم إلى السطح، والتي لا يمكننا القول عنها بأنها مكتوبة écrites، وإنما مقرؤةً فقط uniquement lisibles). نحن نفهم الآن ذلك الوهم، الذي يمر عبر الكاتب، أثناء مجرى تكون ما genèse، واللحظاات التي تُجسدُ سلفاً ضرورة القراءة، لكن ينبغي بالدقة على تلك اللحظات السقوط خارج عنه، حينما تتجمع ضمن القرار النهائي للقراءة، في حرية الإستقبال والإقامة قرب العمل الذي يشكل وحده القراءة الصحيحة.

لا يمكن للكاتب أبداً قراءة عمله لذات السبب الذي يولد لديه وهم قراءته. “لأنه، كما يقول رينيه شار René Char، “تشكل كائن يقذف وكائن يتلقى”. لكن حتى يبلغ “الكائن الذي يتلقى”، الكائن الذي يهب الشكل والمعيار، المُكَوّن le formateur، “البادىء” « le commenceur » التحول النهائي الذي يصنع منه “القارىء” « le lecteur »، ينبغي على العمل أن ينفلت منه، ويفلت من ذلك الذي صنعه، ويتحقق بتنحيته، ويتم إنجازه في ذلك “البعد” « écart »، الذي ينزع نفسه نهائياً منه، حينئذ يكتسبُ بالدقة شكل القراءة (وحيث تأخذ القراءة شكلاً”.

إن اللحظة التي يُمجد se glorifie فيها العمل نفسه، هي العمل ذاته، حيث يكف هذا الأخير نوعا ما عن الأعتقاد بأنه كان قد صُنعَ، ويُرجع نفسه إلى منْ صنعه، وإنما يلمُ الجوهر الكامل للعمل في نقطة هناك عمل ما، بداية وقرار أولي، هذه اللحظة التي تُلغي المؤلف هي أيضاً اللحظة التي ينفتحُ فيها العمل حياله، وعبر ذلك الإنفتاح تعثرُ القراءة على أصلها.

يَلدُ القارىء إذاً في اللحظة التي يكون فيها “الفراغ” « vide » الذي يوسم العمل، أثناء تكونه، بعدم أكتماله son inachèvement، لكنه يوسم أيضاً حميمية تقدمهُ، نابض “الكائن الذي يقذف”، تلدُ القراءة في اللحظة التي يكون فيها العمل على مسافة من نفسه وتتغير إشارته، كما يكفُ فيها عن التلويح بعدم أكتماله، وإنما إنجازه son accomplissement، كما يكف عن التدليل بأنه لم يُصنع بعد، بل إنه لم يكن مطالباً أبداً بالأكتمال.

يشعر القارىء، عموماً، على عكس الكاتب، أنه مُسطح بسذاجة. ولا يفكرُ بأنه هو من يصنع العمل. حتى وإن قلبه هذا الأخير وزاد إنشغاله فيه، يشعرُ بأنه لا يستنفذه، ويظل بكامله خارج مُقاربته الأكثر صميمية: لا ينفذ فيه، كما أن العمل حرٌ حياله، وهذه الحرية تشكلُ عمق علاقاته به، وتصنع صميم مفردة النعم التي يقولها، لكن، وفي قلب هذه النعم ذاتها، يظل يحتفظُ به على مسافة منه، ويعيد بناء تلك المسافة التي تُكون وحدها ذلك الاستقبال، والتي تكف عن تركيب نفسها انطلاقاً من حماس القارىء الذي يُلغيها.

إن تلك المسافة، إذا ما أحتفظ بهاالقارىء بنقائها، وإذا ما كانت، إضافة إلى ذلك، معيار حميميته مع العمل، وصار قريباً منها بحيث يرى عبرها العمل من دونه هو، تكون هي منْ ينجز العمل، بعيداً عن كلّ مؤلف وعن أي اعتبار لواقع أن العمل قد تم فعله، ويتعامل معه كما هو. وكأن الغاء القراءة، التي تجعله بريئاً وغير مسؤول، كانت، للسبب ذاته، أقرب إلى العمل المُنتهي، لجوهر خلقه، من الكاتب الذي يظن بأنه عمل كل شيء وأتم خلقه.

رعبٌ الفراغ
بيد أن تلك المسافة cette distance، التي تستدعي نعم Oui العمل المُنجزِ، المُعطى وكأنه قد صُنع في اللحظة التي التي يحل فيها محل الحركة التي صنعت منه الإثبات الذي هو عليه، مسافة العمل حيال ذاته، إزاء القارىء، ومجرى العالم، وحيال الأعمال الأخرى –ما يخلقُ براءة القراءة، ويُثبت مسؤوليتها والمخاطرة بها أيضاً. يبدو أنه من الشاق تماماً الإبقاء على تلك المسافة. تتم ترجمة رعب الفراغ هنا عبر حاجة إملائه بحكمٍ قيمي un jugement de valeur. يُقال عن العمل أنه جيد، أو سيء، من وجهة نظر الأخلاق، القوانين، وغيرها من منظومات القيم، الخ.. ويُقال بأنه ناجح أو مُخفق من وجهة نظر القواعد، العابرة اليوم، التي بإمكانها بناء مقامات إستطيقية esthétique، والتي هي في الواقع مجرد انطباعات لذائقة مُرهفة نوعا ما، أو غياب ذائقة صارمة نوعا ما. ويقال عنه غني أو فقير من وجهة نظر الثقافة التي تقارنه مع أعمال أخرى، تكتسب أو لا تكتسب منه على سعة المعرفة، التي تضيفه إلى الكنز القومي، الإنساني، أو لا ترى فيه سوى ذريعة للكلام والتعليم.

من الممكن أن يكون العمل في مواجهة خطر أكبر، كلما علا تثمينه: يصبح عملاً جيداً une bonne œuvre ، ومن ثم يوضع إلى جانب الخير الذي يستخدمه، ويجعل منه عملاً نافعاً. يعثر العمل، الذي حُكمَ عليه بأنه سيئ، في هذا الحكم المجال الذي يحافظ فيه على نفسه أحياناً. وها أنه يوضعُ جانباً، ويتم نذره إلى جحيم المكتبة العامة، ويجري حرقه، ونسيانة: لكن هذا المنفى exil، وذلك التلاشي في صميم حروق النار أو برودة النسيان، يُمددُ أيضاً ضمن مقياس معين المسافة الدقيقة للعمل، ويتوازى مع قوة أبتعاده. غير أن هذا لا يعني بأنه سيعثر بعد قرن على قرائه الذين كان يفتقدهم. لا تعطي الأجيال القادمة أي وعد لأحد ولا تشكل سعادة أي كتاب. لا يدوم العمل، لكنه موجود؛ كما يمكن لهذا الكائن فتح ديمومة أخرى، أنه نداء من أجل البداية، ويعيد التذكير بأنه لا شيء يَثبتُ إلاّ بفضل خصوبة القرار الأول، بيد أن بشارة العمل ذاتها لا تتضح لا عبر لمعان التلاشي ولا من خلال النور المزيف لبقاء أصبح مألوفاً. إن الشعور بأن الأعمال تفلتُ عن الزمن تعثر على أصلها في “مسافة” « la distance » العمل، والتي تعبر، باختراقها له، عن البعد الذي يَقدمُ دائماً من حضور العمل، ويُعبر exprime، بتغافله له، عن أكتمال العمل، عبر القراءة، التي تَبلغً دائماً للمرة الأولى الحضور، قراءة مُتفردة، الأولى في كل مرة والوحيدة كل مرة.

ومع ذلك، يظلُ خطر القراءة ليس عابراً. فإذا ما كان من الشاق المحافظة على “الفراغ” « le vide »، الذي هو بمثابة حضور العمل إزاء نفسه، فذلك ليس لأنه من الصعب عليه البقاء في ذاته وحسب، وإنما لأنه يتذكر أيضاً، بطريقة ما، ذلك الفراغ الذي وسمَ، في مجرى التكون، عدم انجاز العمل، كما كان يشكلُ لحظات توتره المُتخاصمة. لذلك تجذب قراءة العمل ذلك الذي يقرأه مع تذكره لهذا التكون العميق: لا لأنه بالضرورة يراقب من جديد الطريقة التي تمت صناعته فيها، أي التجربة الحقيقية لخلقه، ولكن لأنه يمسكُ على العمل وكأنه إنتشار لشيء ما يأخذ بالتكون، في صميم ذلك الفراغ الذي يصبح كائناً، –وتقدمٌ يؤسس، إذا ما تم تناوله من جانب انتشاره الزمني، جوهر النوع الروائي essence du genre romanesque.

إن طريقة القراءة هذه، الحضور المُرافق للعمل وكأنها مرافقة لتكونه، تمنحُ، بتحويرها لنفسها، ولادة القراءة النقدية la lecture critique التي يسآلُ القارىء عبرها، وقد تحول إلى مختص، العمل لمعرفة الطريقة التي تم بفضلها صنعه، ويسأله عن أسرار وظروف خلقه، ويطلبُ منه بقسوة في ما بعد إذا ما كان يستجيب لتلك الظروف، الخ… يتحول القارىء، بعد أن أصبح أختصاصياً devenu spécialiste، إلى مؤلف بالعكس. لا يُعيد القارىء الحقيقي كتابة الكتاب، غير أنه يُعَرضهُ إلى القدوم ثانية، من خلال سحبه اللامحسوس insensible له نحو التشكلات التي كان يتمتع بها والتي جعلته تقريباً حاضراً، منذ البدء، ونحو التجربة الصدفوية للعمل: حينئذ يكف ذلك الحاضر عن الظهور له بالضرورة لكي يغدو ثانية إمكانية بين ممكنات مختلفة، ولكي يعثر ثانية على اللاقرار indécision حيال شيء غير مؤكد incertaine، كما لا بد من إعادة عمله برمته. وهكذا يعثر العمل ثانية على قلقه son inquiétude، وعلى ثراء عوزه، وعدم آمان فراغه l’insécurité de son vide، فيما يتحول القارىء، بتوحده مع ذلك القلق وتزاوجه مع هذا العوز، ما يشبه الرغبة، قلق وخفة حركة الانفعال.

كل تلك التحولات تنتمي لجوهر القراءة الصحيحة. فهذه الأخيرة قد حافظت على نقاء ما نطلقُ عليه تسمية مسافة العمل distance de l’œuvre، كما حافظت بنفس المقدار على حياة تلك المسافة، وإيصال حميمية العمل، ومنعها لهذا الأخير من التحنط فيها، وحماية نفسه خلفها ضمن عزلة عبثية للمثالي solitude vaine de l’idéal. كما يبدو أن”الفراغ” الذي ينتمي، في مجرى التكون، للحميمية المُمزقة للعمل، وقد سقط، في النهاية، خارج عنها، هو ما يجعلها حاضرة بالمطلق، لكنه بالرغم من ذلك يصنعُ من ذلك الحضور الإبتعاد الذي يحافظ على مقاربتها، والذي يمنحنا الانطباع بأن خلف اللوحة دائماً ثمة من لوحة أخرى، كما يهبنا الشعور بأن الشعر، المعبد والمنحوتة تفلت من تقلبات الزمن الذي تحمل هذه الأعمال بالرغم من ذلك وسمته.

وكأن ذلك الفراغ المُمزقُ كان، في مجرى التكون، الهوة التي تبتلع العمل تارة، وتارة أخرى بمثابة النابض الذي يتجلى بفضله، أنه العنف الفارغ المُتكرر منذ الأزل، لكنه أيضاً البحث الذي يشرعُ انطلاقاً منه كلّ شيء، وكأن هذا “البعيد الداخلي” « lointain intérieur »، كما يقول ميشو Michaux، قد مرَ بكامله، في لحظة التحقق، نحو الخارج، عازلاً بهذا العمل، ومُشكلاً من حوله هالة ce halo الغياب تلك، التي تُميز خاصة حضور الروائع présence des chef-d’œuvre، التي تشبه هالة المجد auréole de gloire وتمنحه قيمة تحت وشاح الجلالة الفارغ voile de majesté vide، عدم مُبالاة مُتعمدة. هكذا تتجمد الروائع في مسافة تخلو من الحباة. تكون معزولة، مُحافظ عليها من قبل الفراغ الذي لم يعد قراءة، وإنما طقوس عبادة، كما تكف عن أن تكون أعمالاً. لا يرتبط العمل الفني أبداً بالراحة repos، ولا علاقة له باليقين الهادىء الذي يُرافق عادة الروائع، ولا يلجأ إلى المتحاف. بهذا المعنى، لم يكن موجوداً أبداً، وإذا ما قلنا عنه، خلاف الفكرة الخاطئة بأنه لم يُصنع أبداً، بأنه لن يكف أبداً عن صنع نفسه، فذلك لكي نتذكر على الأقل بأنه لم يكف عن الارتباط بأصله، وبأنه غير قائم إلاّ انطلاقاً من التجربة التي لا تتوقف للأصل، كما يُذكر أيضاً بأن العنف التنازعي الذي كان فيه، عبر مجرى التكون، يتعارض مع لحظاته، تعارض لا يشكل أحد ملامح ذلك الأصل، لكنه ينتمي لطبيعة الصراع، النزاعي agonal ما بين الكينونة والعمل. أن العمل هو الحرية العنيفة la liberté violente التي يوصل نفسه عبرها، والتي يكون فيها الأصل l’origine، العمق الفارغ واللاحاسم للأصل، يوصل نفسه se communique عبرها من أجل تشكيل القرار النهائي، وصلابة البداية commencement. لهذا فإنها تميل دائماً باتجاه جعل تجربة العمل مكشوفة، وبأنها ليست بالدقة حرية خلقه، وليست أيضاً حرية خلقه التقنوية sa création technique، لكنها تقوده دون كلل من وضوح البداية إلى غموض الأصل، وتخضعُ ظهوره المتشظي، الذي ينفتح من خلالها على قلق التخفي الذي أنسحبت منه.

إن القراءة التي تكتسب شكلاً ضمن مسافة العمل، والتي هي شكل هذا الفراغ واللحظة التي يبدو فيها هذا الأخير وقد سقط خارج العمل، مُطالبةً إذاً في أن تكون أيضاً بمثابة العودة العميقة لحميميته، إلى ما يبدو وكأنه ولادته الأبدية. أنها ليست ملاكاً يُحلقُ من حول نطاق العمل ويجعله يدور من فوق قدمية المُزودتين بأجنحة. كما أنها ليست النظرة القادمة من الخارج، من خلف واجهة زجاجية، والتي تقبض على داخل عالم غريب. أنها مُرتبطة بحياة العمل، حاضرة أثناء كلّ لحظاته، أنها واحدة منهن، وهي في آن معاً كل واحدة منهن وكل واحدة بدورها، أنها ليست الإيحاء بهن، تجلياتهن النهائية leur transfiguration ultime وحسب، وإنما أيضاً ما يمسكُ واقعياً على كل ما وضعَ في رهان العمل، لهذا فهي تحمل وحدها، في النهاية، كل ثقل الإيصال.

العمل والتاريخ
بعد ذلك تتجسد القراءة، وقد أكتسبت بقوة تلك الحميمية، في القارىء، وتهيمن بطبيعة الحال على العمل، الذي تطمخ “الأمساك” « saisir » عليه، مُختزلةً وحاذفة لكل مسافة عنه، وتقوم، إضافة إلى ذلك، بجعل تلك المسافة، كإشارة لإنجاز العمل، بمثابة مبدأ للتكون الجديد، الذي يُمثل تحققه التاريخي réalisation historique، وذلك حينما يتحول العمل، في عالم الثقافة، ويصبح ضامناً للحقائق ومستودعاً للدلالات، كذلك ليس علينا الأندهاش من أنه لا يمكن تفادي تلك الحركة. لكن ذلك لا يعني فقط بأن العمل الفني يقتفي مجرى الأعمال عموماً ويَخضعُ للقانون الذي يحركها عبر تحولاتها المُتلاحقة. ذلك لأن هذه الحركة ذاتها قد تمّ دفعها بتشجيع من الطبيعة الخاصة للعمل الفني، وقدمتْ من تلك المسافة العميقة للعمل حيال نفسه والذي يفلت بفضلها من ما هو عليه دائماً، كما يبدو semble وكأنه تم تحقيقه بطريقة حاسمة وبالرغم من ذلك لم يتحقق inachevé، ويبدو semble، ضمن القلق الذي يُخفيه عن أي أستحواذ، متضامناً مع التنوعات اللانهائية للصيرورة. إن المسافة التي تضع العمل خارج قدرتنا على بلوغه وخارج إضرار الزمن atteints du temps –تعرضه أيضاً لكل مغامرات الزمن aventures du temps–، وتظهره وهو يبحث بلا كلل عن شكل جديد، عن تحقق آخر، ويُرحب بكل التحولات التي تبدو وكأنها تعملُ، بإرتبطها بالتاريخ، من ابتعاده الخاص الوعد بمستقبل غير محدود.

وهكذا يسقطُ كل ما يَقذفُ بنفسه في حميمية العمل خارج عنه، لكي يسنده ويسمرهُ في سكون هائل، ويقذفُ نفسه، في النهاية، في الخارج ويصنعُ من حميمية العمل ما لم يعد بإمكانه الأكتمال إلاّ من خلال عرضه لنفسه في العالم، وامتلائه بحياة العالم والتاريخ.

يتولد هذا التحول بالقدر الذي تحملُ فيه الحركة “الفارغة” « vide » محتوى ما، فيما يفقد العمل، لحظوياً أو نهائياً، القوة والحميمية la force et l’intimité لتكونه المتواصل، وينتشرُ عبر توليده لعالم توضع فيه قيم تستدعي تحكيم حقيقة ما على المحك، أو يقتضيها قدومه sa venu.

حينئذ، يوصلُ ما كان في العمل بمثابة وصول العمل إلى نفسه، أي تفتحُ الأصل من البداية، شيء ما. ما يصنعُ منه، بفتحه، البشارة وتألق ما ينفتحُ، يغدو مكاناً مُنفتحاً على غرار عالم الأشياء الراسخة، ويُحاكي الواقع القائم الذي نقيم فيه بحكم حاجتنا للديمومة. ما كان بلا معنى sens، من دون حقيقة، ولا قيمة، والذي يظهره باعتباره ما يَكسبُ كل شيء معناه فيه، يصبح لغة تقول أشياء حقيقية choses vraies، وأشياء مُزيفة، ونحن نقرأه حتى نتعرف بطريقة أفضل على أنفسنا أو لكي نتثقف se cultiver.

عبر هذا الانجاز، يتحقق العمل إذاً خارج نفسه وعلى شاكلة الأشياء الخارجية، وبدعوة منها أيضاً. ومن خلال هذه الجاذبية سيكون شيئاً مُبتدئاً chose commençante، بدلاً من أن يكون قوة البداية. وعوضاً عن التمسك بكل واقع اثباته المحض، الخالي من المحتوى، كما هو عليه، يصبح واقعاً قائماً، يشتمل على معنى أكبر مما يتلقاه من حركة العصر، أو الذي يتضحُ بطريقة مختلفة وفقاً لأشكال الثقافة واشتراطات التاريخ. ثم يشرعُ بوضع نفسه، عبر كل ما يجعله قابلاً للمسك saisissable، في كينونة لم تعد كينونة العمل، ولكن عملاً يشتغل على الطريقة الثرية لأعمال العالم، في خدمة القارىء، ويأخذ حصته من الحوار العام، يُعَبرُ، ويدحض ما يُقال عموماً، يُعزي، ويُسلي، ويضجر كل واحد، ليس بحكم طبيعته أو علاقته بالفراغ وحسم كينونته، وإنما بسبب عودة محتواه، وفي النهاية بسبب ما يعكسه من الكلام العام والحقيقة السارية. مما لا شك فيه لم يعد في الحاضر ذلك العمل الذي قُرأ، وإنما أفكار الجميع التي يعيد التفكير بها ثانية، والعدات المُشتركة التي يجعلها أكثر عادية، الذهاب والإياب اليومي الذي يواصل نسج لحمة الأيام: حركة بحد ذاتها غاية في الأهمية، ولا يلزمُ سحب الثقة عنها، ولكن تلك التي لم يعد فيها لا العمل الفني ولا القارىء حاضرين.

ذلك لأن هذا التحول ليس بالنهائي، كما أنه لا ينفع ولا يضر العمل. لأن التلاشي، حتى وإن كان مُقنعاً بقناع الحضور النافع، ينتمي لجوهر العمل، كذلك ينبغي التفكير بأنه مرتبطُ أيضاً بدالكتيك الفن dialectique de l’art، ذلك الذي يؤدي فيه النشيد –حيث يكون العمل، الإنسان والعالم غائبين—إلى العمل حيثُ يحاول الإنسان والعالم أن يكونا حاضرين، ثم إلى العمل الذي تتأكد فيه تجربة العمل ذاتها، الفن، وتوصيل الأصل منذ بدايته، ضمن حضور présence بمثابة التلاشي أيضاً qui est aussi disparition.

تتم أحياناً وبأسف ملاحظة أن العمل الفني لن ينطقُ بذات اللغة التي كان يتمتع بها أثناء ولادته، لغة ولادته التي لم يسمع بها ولم يستقبلها سوى اؤلئك الذين ينتمون لنفس العالم. لم تعد الـ Euménides مسموعة من قبل الأغريقين، ولن نعرف نحن أبداً ما قيلَ عبر تلك اللغة. هذا صحيح. لكن صحيح أيضاً القول بأن الـ Euménides لم تتكلم أبداً، وفي كلّ مرة تتكلم فيها، تكون بمثابة الولادة المتفردة للغتهم والتي تعلن، حينما كانت في الماض تتكلم بلغة الآلهة الغاضبة والتي هدأت من روعها قبل أن تنسحب في معبد الليل –وهذا نجهله نحن ويبقى غريب علينا–، وصارت تتكلم في ما بعد عبر رموز القوى الغامضة التي لا بد من محاربتها لكي تقدم بشارة العدل والثقافة –وهذا ما نعرفه بافراط–، والتي تتكلم ربما في يوم ما، في النهاية، كالعمل الذي يحملُ دائماً الأصل، كلام الأصل parole de l’origine –وهذا مجهول بالنسبة لنا، ولكنه ليس غريباً علينا. وفي ما وراء كل ذلك، تكون القراءة، الرؤية التي تضمُ في كلّ مرة، عبر ثقل المحتوى والدروب المتنوعة لعالم مُتمددٍ، الحميمية الوحيدة للعمل، ودهشة surprise تكوينه المتواصل ونابض أنتشاره.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"