عدنان عادل : خالق الفقاعات الصابونية

خالق الفقاعات الصابونية

عدنان عادل

اليوم فقدتُ هاتفي.
***
جيوبي ملأى بأجبان فاسدة،
خرجتُ من أنفاق المترو ،
ابحثُ عنكِ تحت الغيوم الرمادية،
تتبعني جرذان المدينة.
***
كانت أعضائي ترّن،
بعضها يهتز صامتا لملاقاتكِ،
ورأسي يستلم كل رسائلكِ الإلكترونية،
هكذا وجدتكِ في كرنفالات الرغبة
تراقبين بهلواناً يلتهم النار،
قربه غجرية تلتهب بشعلة بين فخذيها،
فَحِيح ألسنتها الصاعدة يمتد حتى ما بين الشفتين.
***
تركتُ أعضائي على هواها،
تنفصل مني،
تغادرني واحدا بعد الآخر،
زاحفة صوب الشعلة تتدفأ،
كنتُ سعيداً بتوديعها.
***
تحت الغيوم الرمادية،
أَلوّح بعصا مُنَقعة بزَبَد رغباتي،
أنفخ في حلقتها،
أرى جرذانا سعيدة،
تتقافز لالتقاط فقاعاتي الصابونية،
والناس من حولي تنفلق طمعا بجنة كاذبة.
***
لم يبقَ لي سوى هذا الرأس المليء بالحوريات،
أحتفظُ به كألبوم ذكرى،
الجنة هنا في رأسي،
مَن يرغب بقطفه لينال ما فيه ؟
***
هكذا فقدتكِ في زحمة الكرنفال كهاتفي.
***
وهكذا تحوّرت علاقتي بالأشياء من حولي:
رغوة الصابون المتيبسة على جرح المغسلة
توتر علاقة ذاكرتي بنعومة الوسادة،
الذاكرة والدم
يتناسلان في أرحام أُمهاتنا،
فيولد بالصدفة واحد مثلي أو مثلكَ:
خالق فقاعات صابونية.
***
الوجه الذي بتُ لا أراه منذ عقود على المرآة
يُذَكِّرني بوطن هَرِم،
والآخر المنقوش بظفر على الصابون
لا يُذَكِّرني بشيء
لكنه يصلح للاستمناء.
***
فردة النعل المقلوبة على البلاط (قياس43)
تُريني وجه الله الحائر،
تقاطيعه الشبيهة بالوجه اللامرئي على المرآة
لا تُذَكِّرني بوجه افتقده.
***
قُطفْ السيجارة
موضوعاً بعناية على حافة المغطس،
يشبه زماناً مبتلى بمكان.
***
اضطرابات هذا العالم
تُذَكِّرني بالحمار الأبيض الفتيّ
لحارس مزرعة التين الأسود،
وكيف جنّ جنونه
حينما أولَجتُ في إسته
نصف اصبع من الفلفل الأحمر الطازج،
وكيف طار بي في سماء العش الأول
إذ نفختُ بالخرطوم المسروق من حديقة نَنَه فهيمه
في أذنه المتيقظة.
***
صرخة الحيامن المُكَفّنة بمسودة هذه القصيدة
زرعتُها في غابة سميتها: “غابة مقبرة الحيامن”،
ستُزهر حتماً طفلاً عصياً يسخر من الفأس
ومن الأديان لامحالة،
أُمه شجرة بلا جذور،
إنه طفلي
وسأتبعه.
***
تتبعني جرذان سعيدة،
وعرّافة الكرنفال تتبعني وتردد:
“في النهاية نفقد كل شيء”.
***
عدتُ أدراجي
مع ريح تلاعب فقاعاتي ورأسي هائم بينها،
سعيداً، رغم فقدي:
هاتفي،
والوطن،
وبضع نساء جميلات.

يونيو 2017
بروكسل

شاهد أيضاً

سامية البحري: هيباتيا

تصدير : تاء التأنيث صنعت كل الحضارات.. أوقدت نار الحكمة ..ثم أخرجت من رحمها نسلين: …

قصائد في زمن الفيروس
2 على مقربة من مخيم المهاجرين
فيرونيكا غولوس
ترجمة نزار سرطاوي

هذا الصباح ظهرَتِ الغربان كأنها ظلالٌ مترهّلة، تغنّي أغنيتها الهستيرية حاملةً في داخلها كل ما …

عن الفتيات اللواتي لا يعرفنّ جدّهنّ
فراس حج محمد/ فلسطين

كم تخسر الفتيات اللواتي لا يعرفن جدّهنّ هو حيّ يرزقُ، ما زال يضحكُ، يسندُ قامته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *