د. علي القاسمي: طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات
(1) أنيس زكي حسن المترجم الفذّ الذي اختفى

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.  

1
أنيس زكي حسن
المترجم الفذّ الذي  اختفى
في العام الدراسي 1956ـ 1957 حصلتُ على البكلوريا من ثانوية الديوانية، وكنتُ الأول في الفرع الأدبي في لواء (محافظة) الديوانية. واخترتُ أن ألتحق بدار المعلمين العالية في بغداد التي تُعدُّ المدرسين للثانويات في العراق، لا لأني أحبُّ التعليم فحسب، بل كذلك لأن هذه الكلية تشتمل على قسمٍ داخلي يضمن السكن والمأكل للطلاب، ولأنها مشهورة بأدبائها مثل شعراء حركة الشعر الحرِّ (شعر التفعيلة) كبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، ولميعة عباس عمارة وغيرهم من الذين درسوا فيها.
اخترتُ في طلبي المقدَّم إلى الدار قسم التاريخ، ولكن العمادة  وجَّهتني إلى قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، لأنَّ درجتي في امتحان البكلوريا بالإنجليزية كانت عالية نسبياً، ووزارة المعارف (التربية) في حاجة إلى مدرِّسين للغة الإنجليزية في ثانوياتها.
كان جميع أساتذة القسم من البريطانيين الذين يعلَّموننا الأصعب  في اللغة الإنجليزية. ومما زاد من الصعوبة في نظري أنَّ طالباً في السنة الثالثة في هذا القسم اسمه أنيس زكي حسن (1937 ـ ؟) قد ترجم إلى العربية  في ذلك العام كتابيْن بريطانيَّين  أثارا ضجَّة عالمية في الأدب والفلسفة هما: “اللامنتمي” للفيلسوف الأديب كولن ولسون (2013ـ1931)، و”مغامرات الأفكار “ لعالم الرياضيات الفيلسوف الفريد نورث وايتهد (1861 ـ 1947)، وصدرت ترجمتهما عن دار الآداب في بيروت لصاحبها  سهيل إدريس (1925 ـ 2008) رئيس تحرير مجلة “ الآداب “ الشهيرة، وكانت أشهرَ دارِ نشرٍ أدبية في العالم العربي؛ في حين أنني كنتُ أواجه صعوبة في فهم رواية  “ جين أير” للروائية البريطانية شارلوت برونتي (1816ـ 1855)  التي كنّا ندرسها.
وبعد ذلك ترجم أنيس زكي حسن كتابيْن أخريْن لكولن ولسن، هما “ سقوط ا لحضارة” و “ المعقول واللامقعول في الأدب الحديث”، وكتباً كثيرة أخرى فلسفية وأدبية لغيره. وازددتُ إعجاباً به عندما اطَّلعتُ على بعض قصصه القصيرة التي كان ينشرها في مجلة “ النفط” التي يشرف على تحريرها الأديب الفلسطيني العراقي جبرا إبراهيم جبرا ( ولد في بيت لحم ، فلسطين 1920 ـ توفي في بغداد العراق 1994)  .
في خلال تلك السنة الدراسية، صدر قانون جامعة بغداد الذي جمع الكليات والمعاهد العليا في جامعة واحدة، وفي السنة التالية تغيّر اسم دار المعلَّمين العالية إلى كلّية التربية وضُمَّت إلى جامعة بغداد.
في سنة 1958 وقع انقلاب عسكري في العراق “ ثورة 14 تموز”  قضى على الملكية وأقام نظاماً جمهورياً بزعامة الزعيم (العميد) عبد الكريم قاسم.  وفي سنة 1959 تأسَّست وكالة الأنباء العراقية. ومن الطبيعي أن يختار المسؤولون أنيس زكي حسن رئيساً لقسم الترجمة في الوكالة الجديدة.
ولما كانت الوكالة في حاجة إلى مترجمين، فقد قرَّر أنيس زكي حسن أن يُجري لمن يرغب من طلابِ قسمِ اللغة الإنجليزية في كلّيته اختباراً في الترجمة، يختار في ضوءِ نتائجه بعض المترجمين للوكالة. تقدَّم  كثيرٌ من الطلاب كنتُ من بينهم، ونجح منا ثلاثة في الاختبار: أنا وزميلان، سرعان ما ترك  أحدهما العمل.
كان عليّ أن أعمل في الوكالة التي تقع بمحلَّة الصالحية في بغداد ساعتيْن في اليوم. وكان رئيس قسم الأخبار رجلاً عراقيّاً مسيحياً طيباً اسمه غالب صخرية، فوضع ساعات عملي في المساء والليل، لأتفرغ للدراسة في كلّيتي في النهار. وكان واجبي أن أترجم عدداً من الأخبار التي  يختارها مسؤولٌ مما يصل من أخبارٍ من الوكالات الأخرى عن طريق جهاز البرق الطابع (تلبرنتر)، أو مما ينقله  قسم الإنصات على الإذاعات في الوكالة؛ وأُعدّ منها نشرةَ أخبارٍ تُنقل مطبوعةً على ورقةٍ إلى إذاعة بغداد القريبة منا لتُذاع على رأس الساعة المزدوجة العدد.
 وكان يعمل في قسم الإنصات  أثناء ساعات عملي أحد زملائي في الكلّية المدعو  محمد سعيد الصحاف (  1940 ـ     ) الذي أصبح سفيرا ووزيرا عدَّة مرّات أثناء حكم  صدام حسين، وكان وزيراً للإعلام عندما غزا  الأمريكان العراق واحتلوه سنة 2003، فكان يدلي بتصريحاتٍ يوميّة تقريباً عن تلك الحرب، وعُرِف عنه أنه يستهزئ بالقوات العسكرية الأمريكية ويشتمهم ويُسمّيهم “ العلوج”. وكانت كلمة (العلج) تُطلق على الأسير من مسيحيي إسبانيا والبرتغال لدى مسلمي الغرب الإسلامي خلال  الحروب البرية أو حروب القراصنة  في القرون الوسطى . وعندما احتل الأمريكان بغداد، سلَّمَ الصحاف  نفسه لهم، فأطلقوا سراحه رأساً ونُقل بطائرةٍ خاصَّةٍ إلى الإمارات!
في أحد الأيام قدَّمتُ نشرة الأخبار التي أعددتُها في وكالة الأنباء العراقية للأستاذ غالب صخرية للتأشير عليها قبل إرسالها إلى الإذاعة. ألقى نظرة عليها وقال:
ـ لا يوجد فيها خبر عن الثورة الجزائرية؟
وكان قد كرَّر تعليماته لنا أن لا تخلو نشرةٌ من أخبار الثورة الجزائرية، لتبقى حيَّة في نفوس المستمعين.
فقُلت له:
ـ لم يصلني أيُّ خبر عنها من التلبرنتر ولا من قسم الإنصات.
رفع عصا وهو جالس، ووضعها اعتباطاً على خارطةٍ مكبَّرة للجزائر خلفه، وقال :
ـ أقرأ المدينة أو المنطقة التي وقعت عليها العصا.
نظرتُ الى الخارطة وقلت:
ـ باتنة في الأوراس.
قال: أكتب “شنت قوات جبهة التحرير الجزائرية البطلة هجوماً مباغتاً هذه الليلة على قوات الأستعمار الفرنسي في منطقة باتنة الواقعة في قلب جبال الأوراس الشماء، وكبَّدتها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، واستشهد ثلاثةٌ من المجاهدين الجزائريّين، (ولا تحسبنَّ الذين قُتِلوا أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يُرزَقون) صدق الله العظيم.”
كتبتُ ما أملاه عليّ، ورفعتُ رأسي وشبح ابتسامة على شفتيَّ، وقلت:
ـ ألم تخبرنا ـ أستاذ ـ في فترة التدريب بأنَّنا يجب أن ننقل الخبر بأمانةٍ دون أن نعلّق عليه، لأننا لسنا معلِّقين سياسيِّين، بل صحفيِّين.
قال مع إشارة من يده توحي بانتهاء الحديث:
ـ إنها الجزائر يا ولدي.
بعد سنوات أصابني الحنين إلى أيام الشباب ، وحاولت أن أتصل بأنيس زكي حسن، ولكني لم أعثر له على أي أثر سوى كتبه الرائعة التي خلفها. لقد اختفى من العراق، اختفى من العالم، اختفى من الوجود؛ وأخشى ما أخشاه أن الأنقلابيِّين اقترفوا تصفيته خلال أحد انقلاباتهم المتلاحقة في الستينيّات.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    ومن الصراحة ما رفع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *