الرئيسية » نصوص » مي مظفّر : ذاكرة المكان – البيت

مي مظفّر : ذاكرة المكان – البيت

ذاكرة المكان – البيت
الظلام كثيف. تعبر رائحة زهر البرتقال من فتحة الشباك الموارب، تتفقد أثرها فتلاحق دوران العطر القادم من الحديقة. حوض جف، وسواقٍ تشقق طينها عطشا، لكن العطر حيّ يستغفل الجيران ويتسلل مستبيحا حرمات الدور متوغلا في الغرف المغلقة، ليتمدد داخل الصدور العطشانة.
تهمس البيوت أسرارها. لكل بيت صوت لا يشبه صوت جاره. للبيت العتيق صوت يستبيح السكون إلى حد ما: هسيس يكشف عن كينونة المكان؛ أصوات مثل حفيف نسائم تلامس العنق والجبين خصلات الشعر. صوت يوحي بالتأوه أحيانا، ربما بالحسرة. هل يتذكر البيتُ أهلَه؟ هل يتفجع على أحبابه؟ ضوء خافت وستائر مسدلة. تتكتم الدور غير أن لحنا أسيانا ينبعث من مسام الجداران يفضحها؛ صوت مثل أقدام الملائكة يلامس أكتاف الساكنين تحت خيمة الليل. مهلا.. الصوت يتسلل والدور تغرق في بحران تكتمها، وحوار كنثيث المطر تتناقله أشجار النارنج.
_____
ظلام كثيف، سماء مريبة ونجوم متناثرة تبدو قريبة، قريبة جدا حتى تكاد تُلمس؛ سواد في سواد، الرجال والنساء والشوارع؛ لون عتيق يتناسل من رحم الزمان. هكذا تبدو السماء للراقدين على أسطح الدور في صيف بغداد. السكون يغلّف المكان وثمة أسرار في الكشف عنها مغامرة. الطريق الصاعد يفضي إلى فضاء لا نهاية فيه. وماذا بعد الفضاء؟ هل بإمكاننا أن نتخطى مساحة الأرض؟ وهل تفر من تحت أقدامنا الأرض لنتدحرج في فضاء مجهول، نسقط في لا مكان، تتمزق أجسادنا، نغدو طعما للعقبان؟ سؤال طالما حيّرني في طفولتي عندما كنا نلوذ بسطح الدار في ليالي الصيف القائظ، وأرى نفسي محاطة بالفضاء الساحر.
سقط طائر من عشّ لم يتسع له. ارتطم بحافة الشباك، التوى عنفه ثم ابتلعته الظلمة.
نقيق الضفادع لا ينقطع، يتصادى مع أصوات الذاكرة التي تتردد في فضاء صور ضبابية تحلّق بلا جناح، أو ترتقي سلّما خشبيا تصعد .. تصعد. هو ذا وجه النهار.
ماذا يفعل ابن الجيران فوق سطح داره في الظهيرة الساخنة؟ يبحث عن صيد، عن طائر عطش، أو عن..؟ لعله يصطاد الصدفة.
البيت ما يبات فيه، والبيات هو الاستكانة ليلا. هو الستر والتستر من وحشة الظلام ومن برودة تندس في العظام. حينئذ تصبح الحيطان رفقة وأذرعا حانية تبعث الطمأنينة. البيت سجن وانعتاق، لمٌّ للشمل ووحدة وجودية قاسية. هو طمأنينة مثلما هو رعب؛ حلم جميل وكابوس مفزع؛ أمن وتهديد، ذلك هو البيت الذي حين يضيع تظل الأرض ترتجف تحت أقدامنا.
داخل البيت غرف، وداخل الغرف مخادع ومخابئ؛ أسرار تغور في مسام الجدر والبلاط وصدور نساء معذبات، وأطفال يدارون خوفهم من الظلام وما يخفيه من قصص الجن والأشباح والموتى الدائرة ذكراهم على الألسنة في أحاديث المساء. مع الليل أيضا ينتشي الحلم ويطوف الخيال باحثا عن مخابئ كنوز وعطايا لا تطال إلا باقتحام مجاهل الذاكرة.
يتراكم الظلام في الخارج، وتتسرب العتمة إلى الداخل. أنفاس ثقيلة تنتشي بحلول هذه اللحظة الفاصلة ما بين النهار والليل. يفرغ الشارع، يهرع الأطفال إلى الداخل. البرد في الشتاء يفرض وطأته، ولا ملاذ إلا البيت حيث تنغلق الأبواب وتنام الجدران على أسرارها: ستائر مسدلة، وأضواء خافتة، وصمت يغلّف الآجر والأسيجة. صمت يبدو أبديا.
لصرير الباب عندما يخمد كل صوت، وقع مفزع يهدد قلوب الصغار المليئة بالرهبة. يا لخيالاتهم التي تبصر في الحجر عيونا متربصة، وفي خيط الغروب دم امرأة ذُبحت للتو.
دار قربَ دار وبينهما جدار. ممر وحديقة بنخلتين مثمرتين، وأشجار نارنج وياسمين أحمر. من شباك مفتوح تتسلل الروائح العطرة ومعها تتسلل أصوات الجيران بكل ما تحمله من نشاز أو تناغم؛ رسول يكسر حاجز الإحساس بالوحدة. الليل يبعث أصواته الخفية حيث لا إيقاع منتظم غير إيقاع الطبيعة.
ينام الحمام على أفاريز الدور ودكك الشبابيك. يكفيه هذا الشريط الآجري البارز وفيه يتلمس طريقه إلى المكمن الذي ائتلف .. البيت.
مي مظفّر

تعليق واحد

  1. باهرة محمد عبد اللطيف

    نص رائع لجماليات المكان وذاكرته باسلوب الشاعرة والقاصة والناقدة والمترجمة مي مظفر المتدفق شعرية صافية. أحييها بإعجاب وأرجو أن تواصل النشر لتمتعنا بنصوصها الجميلة المتفردة بعد طول احتجاب.

    باهرة عبد اللطيف/ أسبانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *