عبد الزهرة علي: الحقيقة

اكتشفت ان أهل الخاكي عندما يكونون اصحاب قرار يغيرون كثيرا من الحقائق التي يعرفها الناس. وعلينا ان ننتبه الى تلك الحقيقة وان لا ننساق الى رغباتهم وإلا يكون المصير ذاته الذي حملني اليه القدر. وها أنا جالس فوق مصطبة على قارعة الطريق استجدي العطف وكأني رجل مخبول ومتشرد.. طالما تمسكت بغير الحقيقة التي قذفها بوجهي ذو البدلة الخاكية ذات يوم.. إنها حكاية حقيقية وليست من نسج خيال قاص مثلي.. أنها حكاية قديمة غفت في ذاكرتي طويلاً وقد ايقظها هذا الرجل العجوز الذي يدوس على ظلي الممتد امامي.. هو نفسه ذلك الرجل الذي غير مجرى حياتي، وجعلني أرى الحقيقة التي لا يراها غيري، نعم.. ان الحقيقة التي اراها ليست بالضرورة ان تكون الحقيقة التي يراها الآخرون.. أسرد الحكاية من بدايتها.. بعد اسبوع من خروجي من السجن.. اذ كنت متهماً بكتابة قصة تنتهك حرمة السلطة وتحرض الناس على المطالبة بحقهم المسلوب، وبعد ان استرجعت قوتي، قررت ان أتجول في المدينة. ارى ناسها وحوانيتها، منتدياتها، مسارحها، سينماتها، طيورها، نساؤها. نهرها الذي تركت على رماله خطواتي الأولى.. فوجئت، لقد تغيرت المدينة ولم تعد تلك العروس المزينة بأكاليل الورد والاضواء.. اصبحت عجوزاً هرمة.. لكنها تحافظ على بقايا جمال مندثر.. رغم الظلام الذي يلفها والنفايات التي ملأت شوارعها..الا ان عبقاً اشمه يذكرني دوماً بحيويتها ويشدني اليه، أخطو مثل رجل ثمل وسط الصمت والظلام، وأنا افتش عن ذلك العبق الذي غمرني برائحة النهر والتراب المبلول.. أجوس الطرقات حذراً من سواقي المياه الآسنة، وعندما اخذني التعب والجوع اسندت ظهري الى عمود الكهرباء، كان المصباح المعلق في هامته مكسوراً وبقايا الزجاج ممسك بحوافه المعدنية تزحلقت على دكة العمود، جلست فوقها.. وارجعت ظهري يستند الى العمود.. أخذتني غفوة بعد ان غلبني النعاس وأنا التحف ذلك الصمت والظلام، كنت اتفزع من نومي كلما لسعتني قرصة برد، أو تجمع فوق وجهي الناموس، او جاءني نقيق الضفادع، المنتشر في البرك، او أز في اذني صفير صرصار مارق.. كنت أتقلب طوال الليل.. فكيف ينام الجائع التعبان؟! ..في غبش الفجر لم يخرج العمال كعادتهم، وبقيت الشوارع خالية، انتظرت شروق الشمس، حتى اكحل عيني بمنظر الطالبات وهن يحملن حقائبهن المدرسية، ويتهامسن بكلمات ممنوع البوح بها في البيوت، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.. وبقيت وحيداً أراقب الذباب الذي يتكاثر فوق اكوام القمامة المنتشرة في فم كل زقاق، ومنه يعلو طنين مفزع. ثمة سرب من طيور مهاجرة تعبر المدينة بهدوء وصمت الا من صفق أجنحتها بين الحين والآخر كأنها لا تريد ان توقظ النيام في البيوت، تمنيت ان تكون محطة استراحتها فوق رمال النهر، على شاطئه، ربما أحظى بذلك العبق الذي ابحث عنه، لكنها عبرت المدينة وغادرت ولم تخلف وراءها الا برازها المتطاير.. لقد سنَّ اهل الخاكي للناس، ان سعادتهم تكمن في صمتهم والمكوث نائمين في بيوتهم وان خرجوا فعليهم ان يخرجوا بوجوه واجمة. ويترقبوا ما سيحدث غداً، ان في ذلك سلامتهم، ونجاتهم، فأصبحت البيوت كالقبور صامتة، أخذني العجب لهؤلاء الناس الصامتين في بيوتهم، وتسائلت كيف ينام الجائعون..؟ وانا لم أنم ليلتي هذه.. جذبتني تلك البناية في طرف الشارع بتصميمها وشكل بنائها. وطابوقها الصغير، وأعمدتها الرخامية أوحت لي صورة قلعة تاريخية، ينبثق منها عطر قديم. لكن التصميم الحديث يفسد عليّ ما أتنشقه. دخلتها دون ان يمنعني احد. كانت البناية صامتة أيضاً، أخذتني قدماي اليها دون دراية مني، تجولت في ممرها المليء بالصور والشناشيل. درت حواليها مرات عديدة.. وعندما اردت الخروج وقف في بابها الخارجي رجل كبير جسيم، مفتول العضلات، إلا انه مصاب بقصر نظر فضيع، خمنت ذلك من نظارته الطبية السميكة جداً وهي تغطي عينيه.. استوقفني وسألني كيف دخلت الدار؟ اندهشت من كلمة الدار، فلم يكن في ذهني اني دخلت داراً وانما تصورت كل شيء إلا ان يكون داراً بمساحته وتصميم بنائه. وروعة هندسته، بعدها انحدرت إليه امرأة يلاحقها أربعة اطفال.. قالت المرأة للرجل الكبير وهو يرتدي بدلة خاكية. لقد دخل وبقي يدور حول البيت، يفتش في الجدران، وبين الفينة والأخرى يمد عنقه الى الأعلى كأنه.. يستنشق عطراً.. عندما رأيته أخبرتك بالتلفون.. رد عليها.. حسن ما فعلت.. التفت اليه فزعاً بعد ان وعيت الى فعلتي.. كلامها صحيح، أنا لم أفعل شيئاً. لقد دخلت البيت خاطئاً، فأنا كنت في جولة حرة، استنشق هواء المدينة بعد فترة سجني، وكنت أتابع الطيور واشم رحيق الازهار. وكنت مصمماً ان اصل النهر، الا ان البناية التي دخلتها جذبتني اليها وقد تصورتها متحفاً، او قصراً لأحد الملوك الغابرين.. أو أي شيء آخر، لا ان تكون داراً تسكنها عائلة بعينها. سحبني اليه بقوة ومد يده الى جيب سترتي وأخرج هويتي. كانت الهوية صادرة من أتحاد الأدباء وقد كتب اسمي بجانب صورتي وقد أعترفت باختصاصي الأدبي كوني قاصاً. بعد ان خرج الى الفضاء المنار بنور الشمس، جعل الهوية في وضع يساعده الى رؤية كتابتها تمهل في قراءتها ثم رماها في وجهي صارخاً.. أخرج أيها المخبول.. أخرج بسرعة بعد ان تراءت اليه بأنها صادرة من مستشفى الأمراض العقلية ومهنتي معتوه. هرولت فرحاً بسلامتي، وتلقفت الهوية وأنا أقبلها من كل جانب، لقد أنقذتني من ورطتي وقلت في نفسي الحمد لله ان الرجل يحترم الأدباء، وإلا كانت النتيجة لا يعلمها الا الله. لقد رأينا الحقيقة من جهتين مختلفتين، وكلانا سعيد بصحة رؤياه. هو نفسه الرجل الذي يدوس الان بقدميه ظلي الممتد أمامي حتى وان كانت ملابسه قد تغير زيها. كان كلانا ينظر الى الآخر ويرى غيره، وهو يرى رجلاً مخبولاً جالساً على قارعة الطريق.. وأنا أرى نفسي رجلاً ينتظر احلامه التي فرت الى مكان بعيد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.