طلال حسن : موطن الجليد (قصص للأطفال) (2)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

الفقمة

صعدت الفقمة بحذر من فتحة التنفس ، وهي إحدى الفتحات التي أقامتها في هذه المنطقة الرقيقة من الجليد ، الذي يغطي البحر .
وألقت نظرة سريعة حولها ، وشعرت بشيء من الاطمئنان ، فالمكان خال ٍ ، تدفئه شمس تشرين الأول ، التي راحت فترة شروقها تقصر يوماً بعد يوم ، وستختفي تماماً ، مع بداية الشتاء القطبي الطويل .
وخرجت الفقمة من الفتحة ، وسارت ببطء وبشيء من الصعوبة ، فوق الجليد المتصلب ، ومرة أخرى تلفتت حولها ، لا صياد من الاسكيمو هنا ، ولا دب قطبي ، فتمددت على الجليد ، تحت أشعة الشمس التي مازالت دافئة ، وأغمضت عينيها .
وظلت منتبهة ، فهي لا تريد أن تغفو ، رغم شعورها بالتعب ، فعدواها خارج البحر ، الاسكيمو والدب القطبي لا أثر لهما ، لكن من يدري ، فقد يظهر أيّ منهما فجأة ، و ..
وفتحت عينيها ، صحيح إنها لم تسمع شيئاً ، لكنها أحست باقتراب الخطر ، أهو الاسكيمو أم .. ؟
وهبّت من مكانها مذعورة ، إنه الدب القطبيّ ، رأته من بعيد يعدو نحوها ، وعلى الفور أسرعت وألقت نفسها في البحر ، عن طريق فتحة التنفس ، ومضت تشق طريقها إلى الأعماق .
وتباطأت حين عرفت أن الدب لم يلحق بها ، وتوقفت متلفتة ، فالأعماق لا تقل خطورة عن سطح البحر المتجمد ، صحيح أنه لا يوجد هنا اسكيمو أو دب قطبي ، لكن هناك القرش ، وهناك أيضاً الحوت القاتل ، ثم إنها بحاجة إلى الهواء الطلق ، فهي ليست سمكة لتتنفس الهواء المذاب في الماء .
وعلى الفور ، راحت تشق الماء ، صاعدة من أعماق البحر ، تبحث عن فتحة تنفس ، تطل منها على الهواء الطلق ، ولمحت ضوء الشمس ، يتسلل من فتحة قريبة ، فتوقفت حذرة على مقربة منها ، قد يكون الدب القطبيّ يتربص بها هنا ، وربما لن تفلت منه هذه المرة .
وقليلاً قليلاً ارتفعت نحو فوهة الفتحة ، وبدل الدب القطبي ، كان يتربص بها اسكيمو عجوز ، وعلى الفور ، رفع رمحه ، وأطلقه نحوها ، لكن وربما لأنه عجوز ، أو لأنها تراجعت بسرعة في الوقت المناسب ، أخطأها الرمح ، وشق الماء على مقربة منها .
وغاصت في البحر ، مبتعدة عن الخطر ، وقد صممت هذه المرة ، أن لا تخرج إلى السطح المتجمد ، إلا إذا تأكدت من خلوه من عدويها القاتلين ، الاسكيمو والدب القطبيّ

الحوت القاتل : ويُسمى جرامبس ، يرتاد البحار والمحيطات جميعها ، وهو
من أشرس أنواع الحيتان في العالم ، يبلغ متوسط طوله ” 25
” قدماً ، ويصل وزنه إلى ” 15 ” طناً .

12 / 1 / 2015

الثعلب الأزرق

منذ الصباح ، انطلق الثعلب الأزرق العجوز ، بحثاً عما يأكله ، وقبل أن يخرج ، صاحت به زوجته العجوز : كلْ جيداً ، فالطعام توفر في كل مكان .
ومضى الثعلب الأزرق العجوز مبتعداً ، دون أن يردّ عليها ، فهو يعرف ، كما تعرف زوجته ، بأن الطعام صار متوفراً ، بفضل مجيء الربيع ، وعودة الطيور المهاجرة إلى أماكن تعشيشها ، لكن ما عليها أن تعرفه ، أنه لم يعد ذلك الثعلب الفتيّ ، الذي قلما تفلت منه فريسة ، مهما كان نوعها .
وتوقف كاتماً أنفاسه اللاهثة ، فقد لمح على البعد أرنباً ، يكاد فراؤه الأبيض ، يحاكي لون الثلج ، الذي يقف وسطه ، وقبل أن ينطلق إليه لاقتناصه ، كما كان يفعل في الماضي ، أحسّ به الأرنب ، وبوثبتين كبيرتين أو ثلاث ، كان الأرنب الأبيض قد اختفى ، وكأنه ذاب في الثلج الأبيض .
وارتفعت قهقهة ساخرة من مكان قريب ، إنه الغراب الأسود ، وهو السواد الوحيد في هذا العالم الأبيض ، لم يلتفت الثعلب الأزرق العجوز إليه ، ومضى مبتعداً ، وسمع الغراب الأسود يصيح : فات أوانك ، أيها الأزرق العجوز .
وهزّ الثعلب الأزرق العجوز رأسه ، ربما كان هذا الأسود المشؤوم على حق ، لكن الشتاء ولى ، ولن يعدم الآن ما يأكله ، فالمكان يزخر بالحياة .
وارتفع في الجو رفيف أجنحة ، فرفع الثعلب الأزرق العجوز رأسه ، وخفق قلبه فرحاً ، فها هي موجة جديدة من الطيور المهاجر ، تحلق عالياً ، وستمتلىء الأعشاش بالبيض والطيور الصغيرة ، فهل أكثر ، وأفضل من هذا الطعام ؟
وتوقف مذعوراً ، فقد كان يسير في منخفض ، يسيل فيه أكثر من مجرى ماء ، إنه السيل ، وعلى الفور ، أطلق سيقانه للريح ، ولاذ بمكان مرتفع ، وتوقف لاهثاً ينظر إلى مياه الفيضان تغمر المنخفض ، وتجتاح كلّ ما تصادفه في طريقها ، وتجرفه معها بعيداً .
آه إنه الربيع ، وشمسه الدافئة ، التي تذيب الثلوج ، مكونة مجار ٍ مائية ، سرعان ما تتوسع ، لتصبح أنهاراً تتدفق فيها المياه ، منحدرة بسرعة نحو البحر .
وكما فرّ الثعلب الأزرق العجوز من مياه الفيضان ، فرت من بيوتها جموع اللمنج ، التي تشبه الجرذان ، وتجمعت فوق الصخور ، طلباً للسلامة ، وتمنى الثعلب الأزرق العجوز لو يصل إليها ، ولكن هيهات ، فمياه الفيضان تفصل بينهما .
لكن اللمنج ، التي نجت من الفيضان ، كما نجت من الثعلب الأزرق العجوز ، لم تنجُ من الصقر ، الذي انقض كالسهم من الفضاء ، واختطف واحداً منها ، ومضى به إلى عشه .
واستدار الثعلب الأزرق العجوز ، ومضى مبتعداً والجوع ينهش أمعاءه ، وتراءت له زوجته العجوز تصيح به : كلْ جيداً ، فالطعام متوفر في كل مكان .
آه من هذه الزرقاء العجوز ، التي لم تعد تنفع لأي شيء ، ومن بعيد تناهى إليه صوت الدب القطبي ، وخفق قلبه فرحاً ، فها هو يحصل على طعام وفير سيشبعه ويزيد ، فقد رأى الدب قبل ساعات يصطاد فقمة كبيرة ، ولابد أنه ترك بعضها بعد أن أكل حتى شبع ، فاستدار ، ومضى مسرعاً نحو مصدر صوت .. الدب القطبي .

الثعلب الأزرق : في المنطقة المتجمدة الشمالية نوعان من الثعالب ، الأول
هو الثعلب الأزرق ، وإن كان لون فرائه ليس أزرق ،
والثعلب الأصفر المبرقش ، والذي يصبح ناصع البياض في
الشتاء .

6 / 1 / 2015

أرنوب يفكر

على خلاف إخوته وأخواته ، نشأ أرنوب ، ميالاً للهدوء والعزلة والصمت ، وقد لاحظت أمه ذلك ، ولم ترتح للأمر ، فقد ذكرها هذا بنفسها ، عندما كانت أرينبة صغيرة ، في عمر أرنوب تقريباً ، فتعرضت لذلك إلى الكثير من الصعاب والمخاطر والأذى .
وذات يوم ، جلست الأرنبة ـ الأم إلى أرنوب ، وقالت له : بنيّ ، أراك وحيداً ، منعزلاً ، هيا انهض والعب مع اخوتك وأخواتك .
فردّ أرنوب قائلاً : أنا مرتاح هكذا ، يا ماما .
وأخذته الأرنبة ـ الأم بين ذراعيها ، وقالت : إنني أمك ، يا عزيزي ، فاخبرني بما تعاني .
ولاذ أرنوب بالصمت لحظة ، ثم قال : لا أعاني من شيء ، يا ماما ، إنني أفكر .
وحاولت الأرنبة ـ الأم أن تكتم ابتسامتها ، فهي نفسها كانت ” تفكر ” عندما كانت في عمره ، وقالت : هذا أمر جيد ، يا بنيّ .
ونظر أرنوب إليها ، وقال بصوت حزين : الحياة هنا ، في هذه الأصقاع المتجمدة ، ليست مريحة ، فالأحياء فيها هنا يفترس أحدهم الآخر .
وحدقت الأرنبة ـ الأم فيه مذهولة ، فتابع أرنوب قائلاً : الثعلب يطارد الأرنب ويفترسه ، والذئب يطارد الأرنب والثعلب ويفترسهما ، والدب القطبي يطارد الأرنب والثعلب والذئب و ..
وصمت أرنوب متنهداً ، ثم قال بعد قليل : ليتني سمكة في أعماق البحر .
فقالت الأرنبة ـ الأم : السمكة في البحر ليست أفضل حالاً منا ، فالسمكة تطاردها الفقمة وتفترسها ، والفقمة والسمكة يطاردهما القرش ويفترسهما ، والحوت القاتل يطارد القرش والفقمة والسمكة ، و ..
وصمتت الأرنبة ـ الأم ، حين لاحظت الحزن يغزو ملامح صغيرها أرنوب ، فضمته إلى صدرها ، وقالت : هكذا كنت أفكر أنا أيضاً ، عندما كنت في عمرك ، لكني كبرت ، وأخذت أتأمل ما حولي من الأحياء حيوانات ونباتات وحتى جماد ، فرأيت الحياة والجمال والخير ، وعرفت ما يجري ، فالأرض وكذلك البحار ، زاخرة بالحياة والأحياء ، وتراهم في كل مكان ، مثل إخوتك وأخواتك ، يلهون ويمرحون ، ويسعون لالتقاط قوتهم ومتعهم ، التي لا تحصى ولا تعد .
ومع الأيام زايل الأرنبة ـ الأم الهم والقلق ، قد رأت أرنوب ينمو شيئاً فشيئاً ، وشيئاً فشيئاً راح يندمج مع إخوته وأخواته ، فيلهو معهم ، ومعهم يتسابق من أجل التقاط قوته ، ومتعه التي لا تعد ولا تحصى .

7 / 1 / 2015

مطلوب حياً أو ميتاً

منذ أيام ، ورجل من الاسكيمو ، متمرس في الصيد ، يجوب الأصقاع المتجمدة ، حاملاً بندقيته ، يبحث عن الذئب ذي اللون الفاتح ، وقد صمم على إلقاء القبض عليه حياً أو ميتاً .
وفي ذات الوقت ، وخلال الأيام نفسها ، كان الذئب ذو اللون الفاتح ، يجدّ في البحث عن الثعلب الأزرق ، وقد صمم أن يقبض عليه حياً أو ميتاً .
وفي مكان منعزل ، من تلك الأصقاع المتجمدة ، حيث تتواجد الأرانب والثعالب الزرقاء والبيضاء ، التقى الرجل بصياد مسلح ببندقية حديثة ، فتوقف على مقربة منه ، وقال : إنني أبحث عن الذئب المجرم ، ذي اللون الفاتح ، هل رأيته ؟
فردّ الصياد ، وهو يلوّح ببندقيته : إنني أبحث عنه أيضاً ، ولو رأيته لما كان حياً الآن .
وتلفت الرجل حوله ، وقال : هذا اللعين ، لقد اختطف أحبّ جرو عندي ، وهرب به بعيداً .
وقال الصياد : فخاخي هنا ، ولم يترك لي فيها أرنباً أو ثعلباً ، من أي نوع كان .
وسار مبتعداً ، وهو يقول : سأتتبع أثره ، وأقتله ، حيثما كان في هذه الأصقاع المتجمدة .
ولحق به رجل الاسكيمو ، وقال : انتظر ، لنترافق معاً ، فعدونا واحد ، الذئب ذو اللون الفاتح .
وفي ذات الوقت ، كان الذئب ذو اللون الفاتح يهرول وسط تلك الأصقاع المتجمدة ، باحثاً عن الثعلب الأزرق ، مصمماً عل العثور عليه ، مهما كلف الأمر ، فلابدّ أن هذا اللعين ، هو الذي وشى به عند رجل الاسكيمو وكذلك عند الصياد ، صاحب الفخاخ .
ورأى الذئب ذو اللون الفاتح ، قطيعاً من ثيران المسك ، يرعى في البعيد ، وما إن لمحته الثيران ، حتى شرعت قرونها الثقيلة ، وراحت تراقبه حذرة ، لتتهيأ له ، إذا فكر في الاقتراب منها ، أو حاول مهاجمة صغير من صغارها .
ومضى الذئب ذو اللون الفاتح مهرولاً ، دون أن يلتفت إليها ، بل إنه أيضاً لم يلتفت لا إلى غزال الرنة ، الذي شاهده من بعيد ، ولا إلى الأرانب البيضاء ، التي كانت في متناول أنيابه ومخالبه لو شاء .
ولاحت دبة ، ذات فرو ناصع البياض ، تسير على الجليد ، وخلفها يسير صغيراها ، وخفق قلب الذئب بشيء من الفرح ، فالثعلب الأزرق قد يكون في الجوار ، فهو يتبع الدبة أحياناً ، طمعاً في بقايا ما تفترسه .
وصاح أحد الصغيرين ، حين وقع نظره على الذئب : ماما ، الذئب .
وتوقفت الدبة ـ الأم ، ثم نظرت إلى الذئب ، وصاحت : ابتعد وإلا مزقتك .
وتراجع الذئب ذو اللون الفاتح ، فهو يعرف أن الدبة لا تتهاون فيما يتهدد صغيريها ، وأن ضربة واحدة من كفها الثقيلة ، المسلحة بمخالب قوية وحادة ، يمكن أن تورده مورد الهلاك ، فاستدار وأطلق سيقانه للريح .
وطوال هذه الأيام ، لم يعثر رجل الاسكيمو ، ولا الصياد صاحب الفخاخ ، على الذئب ذي اللون الفاتح ، ومن جهة أخرى لم يعثر الذئب ذو اللون الفاتح على الثعلب الأزرق ، لكن أحداً منهم لم يتملكه اليأس ، فكل منهم يبحث عن بغيته ، ويريد القبض عليها ، حية أو ميتة .

6 / 1 / 2015

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد ابراهيم الدسوقي : الغولة التى لم أتمناها .

قزم صغير ، طوله قدمين ، وسيم جدا ، بالمقارنة بصغار الوحوش ، قزمنا كان …

| نبيل عودة : الشاعرة عايدة خطيب تتألق بشعرها للأطفال .

في السنوات الأخيرة ألاحظ أن المرأة تأخذ حيزا يتزايد باستمرار في المشهد الأدبي العربي داخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *