وليد غالب : أساتذة الوهم لعلي بدر

أساتذة الوهم لعلي بدر
وليد غالب
أظن أن من يريد التعرف على “الواقع الثقافي السائد” في العراق خلال الستينيات والثمانينيات، عليه أن يقرأ روايتي علي بدر “بابا سارتر” و “أساتذة الوهم”.
***
رواية “أساتذة الوهم” تتحدث بمجملها عن “ضياع الهوية الثقافية” لثلاث شباب موهوبين ومحبين للشعر، بسبب الحرب التي كما يقول عنها الروائي “قضت على كل شيء عاشه هؤلاء الشباب، فتحولت الحياة إلى سجن، وتحولت إلى عذاب.. ص81”. الحرب التي مسختهم وحولتهم إلى مهمّشين “لم ينشرون شيئا من شعرهم.. ص15”.
هي أيضا رواية تتحدث عن جيل من الشعراء ضائع “الجيل الذي عاش في زمن الحرب غريبا تماما، عاش كما لو كان روحاً شاردة أُلقي بها من عالم آخر، وهذا هو سبب خياله المظلم، الخيال الذي دفعه إلى أخطار متعددة، وعبثاً حاول أن ينقذ نفسه بالشعر.. ص80”.
ولكن قد يخطر سؤال مفاده: ماذا لو لم يكن في العراق ديكتاتورية وحرب، هل سينتج هذا الأمر طبقة مثقفين أسوياء؟! هل نمتلك “هوية ثقافية” أساسا حتى نقول أنها ضاعت أو مُسخت؟ هذا السؤال يحتاج لباحث متخصص، یُقارن فيه نتاج الفن والأدب قبل ثورة تموز وبعدها. مع ملاحظة أن في بداية الستينات وما قبلها كان المثقفون – والشعراء منهم – قريبين جدا من الواقع السياسي، بينما في الثمانينات حصل انعزال وانطواء شبه تام لعامة الشعراء وأغلب الأدباء عن الخوض في السياسة، فتحول المثقف للانشغال “بنفسه فقط” في محاولة للنجاة من الدكتاتورية والحرب في زمن صدام حسين “كان صعود صدام حسين هو تقهقر بغداد من الناحية السياسية، لقد وصلت بغداد في ذلك الوقت إلى أقصى نقطة في القمع السياسي، وفي القهر، وفي الاستبداد، وفي نهاية الحياة السياسية.. ص 97”.
علي بدر وضح هذه الحالة – عزل المثقف العراقي لنفسه عن المجتمع – من خلال أبطال روايته منير وعيسى والراوي.
فمنير عزل نفسه لأن “لديه شعور بأنه لم يعد بحاجة إلى أن يتلقى عن الآخرين درسا أو تجربة.. ص35”.
أما عيسى، فوسط الحرب والقتال الدامي بين الجيش العراقي والإيراني وتساقط الجنود قتلى من الجبال كان “يقرأ بكتاب جنائن اصطناعية لشاعر فرنسي اسمه بودلير مات قبل قرن تقريبا.. ص 113”.
واضح أن علي بدر جعل بطلي الرواية “يختاران العزلة” عن ما يدور حولهما، في إشارة عن عزلة المثقف العراقي عن واقعه.

***
غلطة:
في صفحة 22 من الرواية يقول الراوي – وهو أحد أبطال الرواية – “تعرفت على منير في الجيش في الأشهر الأولى من خدمتي في الحرب، كان ذلك في الأشهر الاولى من عام 1986”.. وفي صفحة 28 يقول: “كنت قد تعرفت على عيسى قبل أن أتعرف إلى منير”.
لكن في صفحة 108 يقول “تعرفت على عيسى في الجيش في الأيام الأولى لخدمتي في فوج المغاوير التاسع عشر” ويضيف “كان وصولي في يوم من أيام ربيع 1987… كان عيسى الذي أصبح فيما بعد صديقي يجلس قبالي”. واضح جدا أن علي بدر أخطأ هنا، فالراوي تعرف على منير قبل أن يتعرف على عيسى.
***
ملاحظة:
علي بدر لم يترك للقارئ أي مجال للتفكير، فهو الذي كتب الألغاز وهو الذي حلّها بسرعة أيضا، لأوضح الأمور بمثال سينمائي، في فيلم أبوكاليبتو للمخرج المبدع ميل جبسون، يجعل جبسون، بطل الفيلم مصبوغا باللون الأزرق كعُرف للقبيلة المحتلة لتمييز أسراها، وعندما يهرب البطل من أسره نحو قريته ويصطدم بالأشجار، يبدأ اللون الأرزق يقل شيئا فشيئا – نتيجة اصطدامه بأوراق الشجر – حتى يصل إلى الشلال ويرمي نفسه نحو الأسفل. وبعد خروجه من الشلال نلاحظ عدم وجود أي صبغ أزرق على جسم البطل. جبسون هنا، يريد أن يقول أن البطل تم تحرره بشكل نهائي بدلالة زوال الصبغ الأزرق – لون الأسرى- من على جسده، مساحة التفكير هذه الخاصة بالمُشاهد، لم يتركها علي بدر في روايته أساتذة الوهم. تخيلوا ضياع المتعة لو أن بطل فيلم أبوكاليبتو يخرج في مشهد ويقول: كنت مصبوغا بالأزرق كدليل على الأسر، لكن عندما وصلت نحو قريتي مرورا بالغابة زال اللون وفي هذا إشارة إلى أني تحررت!
كمثال من الرواية، في صفحة 36 يتحدث الراوي عن صديقه منير “أثناء تعرفي إليه كان أو هكذا تظاهر، بأنه يعرف اللغة الروسية ويترجم منها، صحيح اكتشفت ولو بعد مقتله أن معرفته بالروسية كانت شحيحة جدا، وأن الشعر الذي كان يترجمه لنا في واقع الأمر كان ارتجالا”. علي بدر هنا، قتل عنصر مفاجأتنا بمعرفة منير للغة الروسية بشكل سريع جدا. كم كان جميلا لو أن الروائي صدمنا بعدم معرفة منير للروسية إلا بعد وفاته. أو في الثلث الأخير من الرواية.
أيضا في صفحة 29 يسرد الراوي شرحا عن “جماعة بهية” بطريقة تقتل عنصر المفاجأة التي قد تحدث في تتمة الرواية عندما يعود لسيرة هذه الجماعة السرية.
ما أريد أن أقوله في هذه “الملاحظة” هو أن الرواية لم تكن صادمة للقارئ، فكل شيء مكشوف وواضح ليس بسبب أن الرواية سهلة أبو بسيطة، بل بسبب علي بدر نفسه الذي وضّح كلّ شيء وقتل متعة التنبؤ والاستكشاف التي كان من الممكن أن تتوفر في “أساتذة الوهم” بشكل كبير.
***
على العموم.. الرواية تستعرض مشكلة الضياع الثقافي أو ضياع الهوية أو ربما التغرّب وتأثير الدكتاتورية والحرب، من خلال ثلاث شعراء – شخصيات رئيسة – هم عيسى ومنير والراوي، بالاضافة لمجموعتين سرّيتين من الشعراء هما “جماعة الساعة الخامسة” وأبرز شخصياتها الدكتور إبراهيم و”جماعة بهية” وأبرز شخصياتها سالم رواية وكاظم.
كل هؤلاء الشعراء الجنود في حرب الثمانينيات – لاحظوا أنهم جنود والجندي بالعادة مُسيّر – ينتهون نهايات مأساوية ويعدمون، باستثناء الراوي الذي ينجو من الموت؛ ومنير الذي يستشهد في آخر أيام الحرب العراقية الإيرانية عام 1988.
“الجماعتان قد انتهتا نهاية مأساوية، وربما أنا الوحيد الذي نجوت من الموت في العام 1987 العام الذي قُتل فيه جميع أصدقائي الشعراء.. ص32”.
***
المثقفون المترفون:
منير والدكتور إبراهيم والجندي سعيد وجماعة الساعة الخامسة؛ منير ابن لمهندس ووالدته امرأة روسية، منزل عائلته يميل نحو الفخامة والاستعراض “كانت صورة البيانو في المنزل ذات صفة استعراضية أكثر مما هي فنية، ذلك أننا لم نر أحدا يعزف عليه.. ص 20″، أيضا المكتبة الكبيرة في بيته كانت توحي أنها موضوعة للاستعراض فقط “إذ كانت على طول واجهة الصالة، وتقع في الواجهة. أي مواجهة الداخل للمنزل وهي أول ما يراه.. ص 27” كأنهم هنا يقولون للداخل: أُنظر.. لدينا مكتبة!
الذي يؤكد كلامي عن “استعراضية المكتبة” هو أن الروائي لم يجعل أي أحد من عائلة منير يستخدمها غيره، حتى أمه التي جلبت أغلب الكتب من روسيا كانت تتهكم وتقول لإبنها وأصدقائه المنهمكين في قراءة وكتابة الشعر : “كاستر.. أكلوا كاستر.. الكاستر زين للشعر.. ص 65”.. فالمكتبة هنا لم تنفع منير أو أصدقائه في شيء.
ببساطة لأن منير لم يكن يعرف اللغة الروسية أصلا. وكان يرتجل كلاما من عنده، حين يطلبون منه ترجمة دواوين الشعراء الروس.

فاصلة:
بيت الدكتور إبراهيم فخم أيضا كبيت منير، في منطقة الوزيرية التي يصفها الروائي “واحدة من أرقى أحياء بغداد.. ص26”.

***
“لم يكن منير عند تعرفي له شخصية سهلة أبدا، كان شخصا ذا وجه رؤيوي… له نظرة قوية كأنها ازدراء متعال… كان شخصا يخيل إليك أنه فوق الكل… يتوهم في نفسه أنه عانى كل التجارب.. تعمق في فكرة الموت.. لم يعد يدهشه أي شيء.. ص 35”.
من الواضح هنا أن منير وجماعته يمثلون فكر ما بعد الحداثة، الرافضين لكل الايديولوجيات السابقة، المنزعجين من العالم العبثي غير المهتم لهم، الذي كان لقاءه الأول بالراوي في الحرب بدعوة للتدخين “سيجارة.. تدخن.. قدم لي سيجارة.. ص22”. المؤمنين بالغيبيات وعالم الما وراء، المعتقدين أن الموت تحرر من كل أنواع السلطة. المتعاطين دراسات صعبة وتجريدية. هم بمعنى أدق نموذج للطبقة الثقافية البرجوازية التي ترى نفسها عارفة بكل شيء، كأنها استاذ يملي رؤاه على تلاميذ “حين أقدم له أي ورقة، يضع خطوطا بالحبر الأحمر تحت بعض الكلمات.. ص68”.

الراوي مع سعيد
نلحظ هذا الأمر أيضا – التكبر أو الانعزال الثقافي عن المجتمع – مع الجندي سعيد الذي هو جندي “غير عادي” في القوة الضاربة ومن جماعة الساعة الخامسة – الذي يسأله الراوي عن ديوان الدكتور إبراهيم “غير أنه صدمني بشدة فقد كان متكبرا ومتغطرسا بصورة ظاهرة. ونظر إلي باحتقار شديد”. أما حين يسأله عن معرفته بالدكتور إبراهيم فإن الجندي سعيد يجيب بغرور “طبعا صديقي.. قالها بكبرياء شديد.. ص41”.
طبقة المترفين الثقافية، الدكتور إبراهيم وجماعة الساعة الخامسة كانت لهم المواصفات نفسها التي يحملها منير – مع إنه أقل منهم تكبرا وغرورا وانعزالا – جميعهم انتهوا نهاية مأساوية. برغم اتخاذهم طريق العزلة الثقافية – وإن بطريقة برجوازية – عمدا، وابتعادهم عن السياسة وانشغالهم بعالم الما وراء وتأييدهم للحرب والموت.
***
غلطة ثانية:
في صفحة 17 يتحدث علي بدر عن والد منير “تزوج من امرأة روسية اسمها أولغا”.
في صفحة 65 “فجأة تدخل آغنس والدة منير”.
هل والدة منير هي أولغا أم آغنس؟!
***
المثقفون المسحوقين:
عيسى وسالم رواية وكاظم وجماعة بهية، عيسى إبن صاحبة البسطة صبرية والرجل العاطل عن العمل الخامل الكسول السكير “ارويد” أب وأم عاديين فقراء بلا أي ثقافة أو امتياز – في عائلة منير الأب يعمل ويعيل الاسرة، بالعكس من عائلة عيسى –
شقة عيسى” مكركبة بعضها على بعض، أكداس الكتب مرمية في كل مكان… القناني الفارغة تحت السرير… الملابس مرمية بصورة عشوائية… شقة تحمل كل التناقضات، تحمل في واقع الأمر كل الحقائق المتنافرة.. ص120″ هذه الشقة تمثل شخصية عيسى نفسه الذي يقول “من لا يعيش هذه الحقائق المتنافرة، من لا يعيش تناقض الأفكار في الشارع، فهو زائف حتما.. ص120”.

فاصلة
شقة سالم رواية، تشبه شقة عيسى، لكنها أكثر سوءا لدرجة مقرفة “رائحة الجواريب هي السائدة في الغرفة، أعقاب السجائر في كل مكان حتى على البطانيات.. ص 248”.

***
أما عيسى فهو الشخصية الغريبة، المنعزل عن العالم، الذي يقرأ بودلير أثناء معركة مرعبه بين جيشين، القارئ والمعجب بأغلب شعراء القرن التاسع عشر – المنتحرون بالذات – الذي يرتدي ملابس غريبة ومضحكة كأنه “طالع توا من صندوق سحري قادم توا من أوربا القرن التاسع عشر.. ص 143”.. الكاره لبيئته ولاسم أبيه لأن “ارويد” لا يليق بشاعر عالمي – كما يرى نفسه – الكاره لمجتمعه “حتى لو بايرون هنا في البتاوين حتى لو شيلي، لما كتب بيتا من الشعر واحدا.. هذه المدينة.. هؤلاء الناس لا يلهمونني أي شيء: شوارع موحلة، ومنازل لا تصلح إلا أن يرفع الكلب عليها قدمه ويبول.. ص142”.
المتعجل الذي يريد تعلم كل شيء بما فيها الروسية عن طريق “كتاب شائع اسمه كيف تتعلم الروسية في خمسة أيام من دون معلم.. ص 65”.
عيسى الموهوم والمهووس بالغرب “ما ناقصه أي شي ليكون غربي.. ص241”.
الجالد لذاته “كيف يمكنه أن يكون شاعرا عالميا وهو في بغداد، وهو لا يعدو أن يكون إبنا لسكير وام تبيع على البسطة، وفي غرفة مؤجرة في ضاحية فقيرة مثل الضاحية التي يقطن فيها، وفي مدينة مثل مدينة بغداد؟ كيف من الممكن أن يتحول من كائن محلي لكائن عالمي.. ص124”.

لقاء الروائي مع كاظم
“وقف كاظم وسط الحجرة بملابسه العتيقة، بحذائه الضخم ولونه الحائل، فقد علته طبقة سميكة من الغبار… بلحيته التي لم يحلقها منذ اسبوع… بعينيه المتعبتين من سكرة الأمس.. ص 250”. كاظم هنا هو مقابل الجندي سعيد في شخصيات علي بدر، لكنه لا يختلف عنه في شيء سوى في الفارق الاجتماعي.
“جلست أمامه متلعثما مثل تلميذ، قلت له: تكتب رواية؟… رمقني بنظرة لم أفهمها وذهب نحو الطاولة ليتناول غليون عيسى. فتح الكيس ودس فيه مقدارا من التبغ الرخيص وأخذ يدخن.. ص 251”.
طبقة المثقفين الفقراء عيسى وسالم رواية وكاظم وجماعة بهية، خير من يمّثلون حال أغلب مثقفي الطبقة المسحوقة في عراق الثمانينيات الذين اختاروا الانعزال عن المجتمع بوهم العالمية، وأن هذه المدن المحلية لا تستحقهم.
لكن نهايتهم كانت مشابهة لنهاية “شعراء الساعة الخامسة” حيث اعدمتهم السلطة جميعا.
***
غلطة ثالثة:
في صفحة 59 “يمسك منير كتابا، يرينا صورة مايكوفسكي، الشاعر الروسي الذي انتحر في العام 1920”.
والصحيح أن مايكوفسكي انتحر عام 1930.
***
توضيح
تناول علي بدر في هذه الرواية حال ثلاث طبقات من الشعراء في عراق الثمانينيات وهم:
الطبقة البرجوازية من خلال منير
الطبقة الوسطى من خلال الراوي
الطبقة الفقيرة من خلال عيسى
ويمكن ملاحظة انعكاس تأثير طبقاتهم الاجتماعية من خلال سلوكهم في هذا النص:
“كنا نعود من الجبهة راكضين إلى المقهى، لا لشيء إلا لنتحدث عن الشعر، كنت أصل من الجبهة في الصباح الباكر، سرعان ما أرتدي بنطلوني الجينز على عجل، كنزة صوفية ارتديها على قميص خفيف… كان عيسى يأتي بملابسه العسكرية… أما منير فانه يتأخر كان الأمر بالنسبة له يخضع لمراسيم، ملابس جديدة ومكوية. الذهاب إلى الحلاق.. ص 85”.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *