كريم القاسم : الجِناس في نظمِ ماهر الأمين إضاءة نقدية على قصيدة (قيد الجراح)

الجِناس في نظمِ ماهر الأمين
إضاءة نقدية على قصيدة (قيد الجراح)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النص الشعري ان لم يتضمن ولو جزء من البلاغة لصار نوعاً من الجمود ، لان اللغة العربية ليست لغة مغلقة او متقوقعة على ذاتها ، انما هي عالم كبير واسع المساحات ومترامي الاطراف تُساعد المؤلف والناظم على الإتيان بكل ما هو جميل وجديد وبليغ وخاصة إذا إمتلك هذا المؤلف أدوات التنقيب الصحيحة ، ليكتشف مايعينه على صياغة نصّه بأسلوب مميز يستطيع التغلغل والنفوذ الى ذهن المتلقي او الناقد ، وكلاهما يبحث عن ضالته .
لذلك عندما يستطيع المؤلف أوالشاعر من استخدام هذه الوسائل بشكل مُتَّـزِن من غير تكلّف أو إبتذال معتمداً على أساليب اللغة العربية في تركيب الجمل وإبراز معاني الالفاظ ببيانٍ وبديع ، في هذه الحالة نقول إنه تمكَّن من صنع نصاً ادبياً مثيراً طازجاً لذيذاً متبّل بنكهة البلاغة لجذب الذائقة السليمة ، وإيصال القصد والهدف الى فهم المتلقي . وهذه الأساليب هي التي ندعوها بالاساليب البلاغية .
ــ وكعادتي في تقديم المقالات النقدية أودُّ تقديم النص قبل التحليل والنقد ، ليتسنى للقاريء الاطلاع على ما سنستعرضه .
ــ فيمايلي النص الكامل لقصيدة الشاعر ماهر الأمين :
 في حُبِّ العراق :
قيد الجراح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكليكما الحرْفُ الــــــــــذي أنّقْتُهُ … والحــــــرفُ مادام الكرامُ مُؤنَّقُ
جُرْحي هناك وذاك جرحي جائِشٌ … يا ذا العـــراقُ وكلُّ جُرحٍ مُقْلِقُ
جرحان قـــــــد صدَقا فقولا واحدٌ … ما انفكَ جـرحٌ يستغيثُ ويزعقُ
ما انفك ودٌ فــــــــي الفؤاد ومثلهُ  … عند اللــــــــــذَين إليهما أتحرّقُ
شــــــــوقا فما مثل العراق وأهلهِ … بيتُ القصيــــــــد وشاعرٌ متألقُ
هن الفــــرائدُ قد دُعِيْنَ إلى الفتَى … يُغْرَى بهـــــــــنّ ويُستلذُ ويُرْهَقُ
بإزاء دجلة والفـــــــــرات تلفُّتي … من قال :إنــــي لا أهيمُ وأعشقُ؟
فَلَكــَــــــــــمْ أرِقْتُ تشوفا وتلهفا  … وحملتُ بين أضالعــي ما يُؤرِقُ
وسكبْتُ من حرّ الدموعِ ولم أزل … قلبٌ يـرفّ ودمـعـــــةٌ تَـتـدفَـــقُ
(غازي)* وقد صاغ الحروف قصيدة … (والقاسميُّ)* الألمعــيُّ الأشْدَقُ
مَحّضتُماني النّصح يا ابنَي ماجدٍ … فالعهد أنّـــــــــي بعد ذلك أصْدُقُ
أعطيته للأكـــــــــرَمَيْنِ وموثقا … والدين أحْفظ ُ للكـــــــــرامِ وأوْثَقُ
والمرء فــي حل إذا قصرت به … أسبابه عمــــــــــــــا يُراد ويُلحقُ
إنّي التمستُ عَبُـــوْقَها مستنشقا … وظننت أنّـــــــــــي دونها مشتنشقُ
وحلَمت أنــّــي في بلاط ملوكها … أتلـــــــو القصيدَ فتشرئِبُ الأعْنُقُ
فلئن أطعتُ من الجوانحِ ما دعتْ … فأنا المُطيــــــــعُ وقائل ومُصّدقُ
ولئن بكيتُ فدون ما يُبكـــــي لهُ  …  حُلَـلُ الثناءِ وواثـــــق ٌمُسْتــَوْثِقُ
وفـخـارنـا أبـدا بهِ إذ نلتقــــــي  … قيد الجـــــــــراحِ وليس فينا مُعتقُ
يا صاحبـــــــيّ ِوأنتما أبدا بهِ    …  وأنا البعيـــــــــــدُ بناظريّ أُحَدِّقُ
فَزِعًا مِنَ الأحْـداثِ جَلّ مُصَابُها  … وتـنـازعٌ بـالـنّـفـسِ لا يـتـرفـــقُ
هل فرّقته قبائــــــــــــــلٌ وعشائرٌ … أم بُثَ فيهــم فتنة فـتـفـرقـــوا ؟!
أنكرتُ قولة صادق يمشـــي بها  …   إن ّالدماءَ بكـــلِ رَبْـعٍ تـهــرقُ
كبرى الحوادث لو تريث ذو الحجى … فعساهُ يعرفُ ما جناهُ الأحمقُ!!!
يا صاحبيَّ وكلنا فــــــــــي مَشْرقٍ  … وأذلنا في المشرقينِ المشــــرقُ
وكأنها تلك العـــــــــــروبةُ مِحْنَةٌ   … إذ مـــا نُحِبُّ مُلَـــــــوِّعٌ ومُمَزِّقُ
يَمّمْتُ نحوكَ يا عـراقُ بِبُرْدَتِي     …  ونظمتُ فيك قصيدةً لا تُرْهِـقُ
لكما السّلامُ صويحبــــــيَّ برَبْعِه ِ  … وسلامُ مـِــــنْ مِصْرَ العروبةِ أعبقُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* غازي : المعنيُّ : الأستاذ غازي أحمد أبوطبيخ- أديب كبيروشاعر عراقي معاصر.
* القاسمي : المعنيُّ : الأستاذ كريم القاسم – أديب كبير وناقـد عراقي معاصر.
……………………………………………………………………..
ــ امامنا هذا النص الشعري الذي قوامه (27) بيتا من نظم الشاعر العربي المصري (ماهر الأمين) ماجستير قانون ، والقانون لم يكن بعيداً عن اللغة ومحسناتها البديعية وبلاغتها ، لكن مَلَكَة النظم والتأليف هي التي تقود صاحبها الى صنعة الشعر . لذلك نجد شاعرنا قد استوعب الحالين ، لاسيما إنه نشأ في بيت قد احتضن النظم والقريض الأصيل ، فوالده الأستاذ (محمد أمين عبدالنافع) رحمه الله تعالى ـ أحد شعراء معجم (البابطين) لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين ، والذي كان يتّبع العروض الخليلي ، ويحرص على استخدام البديع وخاصة التصريع في مستهل قصائده ــ وليس التصريع بالأمر اليسير ــ إذاً لابد لهذا القلم أن يلد قلماً ماهراً ملتزماً ذكياً كـ (ماهر الأمين) .
ــ رغم ان النص يحمل اكثر من محطة نقدية لوفرة الاشراقات البلاغية فيه . الا ان المتفحص الدقيق سيجد اسلوباً بلاغياً قد اصطبغت به القصيدة ، وهذا الأسلوب هو التجنيس او الجِناس ، وهو علم يتفرع من البديع الذي هو احد اقسام البلاغة العربية ، وهو عند علماء البديع (اتفاق الكلمتين في كلِّ الحروف أو أكثرها مع اختلاف المعنى) وهنالك تعاريف أخرى لكنها تنضوي كلها تقريبا تحت هذا التعريف . وقد استخدمه العرب بكثرة في الشعر ، فهو يكسبه جمالا وحسنا يعود على المعنى للتمكن من ذهن وتلقي السامع .
والجِناس له الأثر البالغ في رُقيّ النص الادبي وارتقائه ، فهو قادح وفاتق لقريحة الناظم نحو الابداع ، ولذلك اهتم الكتاب الاقدمون بهذا الشأن حتى تسابق فيه المتسابقون ، وابدع فيه الناظمون والناثرون .
لذا سنطل بإضاءة كاشفة على (الجِناس) الذي استطاع الشاعر ان يوظفه في قصيدته هذه مستعرضين بعض الأمثلة التي تقدم فائدة نقدية للمتلقي وللقاريء الكريم .
ــ النص الماثل امامنا قدَّمهُ الشاعر في (حب العراق) يتصدره عنوان (قيد الجراح) وهذا التقديم والعنوان لهما دلالة أخلاقية وطنية ودلالة أخلاقية أدبية في نفس الشاعر ، فالخلق الادبي ظهرَ جلياً مشرقاً في إهداءه لزميليه ، بسبب تأصّل العلاقة وقوة ترابطها ، كونه قلماً ملتزماً له بصمته الواضحة في النسج الشعري ، ويلتقط المعلومة والفائدة بحذافيرها ليطوعها في نصوصه ، كي يرتقي بها الى عالم الابداع والابتكار وهذا ديدنه .
لذا نجده قد ابتدأ النص بهذا البيت الشعري :
”  لكليكما الحرْفُ الــــــــــذي أنّـقْـتُهُ … والحــــــرفُ مادام الكرامُ مُؤنَّقُ ”
ــ في هذا البيت برز الاهداء واضحاً ، وقد أشار اليه بـ (لكليكما) ، وطرَّزَ البيت بالجناس البليغِ . وعندما ينتهي القاريء من قرائته لهذا البيت الشعري سيتوقف المتلقي إجباراً لمراجعة لفظي ( أنَّـقتَهُ ، مُؤنَّـقُ ) ، وهذا التوقف هو نوع من الشعور بجمال البلاغة وزهوها . حيث إن هذا الأسلوب في رسم الصورة الشعرية التي تحمل كلمتين (فعل واسم) هو احد أنواع الجناس ، مع حسن اختيار الشاعر لهذين اللفظين الرشيقين الفصيحين .
ــ ويبدو واضحاً بأن الشاعر إستخدم حرف الروي القاف (ق) وهو من حروف الجهر ومن حروف الاستعلاء والتفخيم ، ويعتني الشعراء بهكذا قافية لغاية في النفس او لمصاحبة هدف القصيدة 
ــ وكعادته ماهر الأمين يجيد نسج المطلع ، بل ويوليه اهتماما بالغا تقيّداً بمقولة اهل الصَنعة : الشاعر هو مَن أجادَ المطلع والمقطع ، فيأتي ببيتٍ ثان :
” جُرْحي هناك وذاك جرحي جائِشٌ … يا ذا العـــراقُ وكلُّ جُرحٍ مُقْلِقُ ”
وبما ان النص مُهدى الى شخصين يسكنان العراق ويكن لهما حباً واحتراماً ، فلابد ان يأتي بألفاظ تليق بالمقام والمقال ، فنسجَ بيتا بألفاظ رشيقة رخيمة فصيحة مُبتعدا عن كل لفظ لا يناسب الهدف والفكرة ، حتى كرر (الجرح) ثلاث مرات وبجناس جميل ، فجاء النسج محملاً بالإهداء والمحبة وتقاسم هموم وجراحات الوطن . وبهذا صنع مدخلا ذكياً الى الشروع باستعراض الفكرة في مقطعٍ بهيّ .
ثم يوضح هذا الاهداء بالتصريح المباشر في البيت الشعري العاشر من قصيدته :

” (غازي ) وقد صاغ الحروف قصيدة.. (والقاسمـيُّ) الألمعـيُّ الأشْدَقُ ”

ــ الذي يتمعَّن في قراءة القصيدة سيجد الشاعر قد حَمَّلها بجماليات اللفظ والموسيقى ، حتى يجد القاريء الجيد بأن الالفاظ تتراقص امامه بخفة ورشاقة مما تزيل الجمود عن النص ، وتمنع الملل من التغلغل الى ذاته ، بل وتجعل النص برمته كتلة متحركة ، وخاصة عندما يكون الجناس ليس حكراً على بيت شعري او بيتين او ثلاثة ، وموزَّعاً في اركان النص واقطاره بعيداً عن التكلف الذي لو كان حاضراً لكان اكتشافه في غاية اليسر والسهولة ، لكن حرفية (ماهر الأمين) والتزامه الدرسي والادبي جعله لا يحيد عن بصمته الخبيرة الذكية .
وعند مطالعتنا للنص نجد التوافق اللفظي حاضرا مع الجِناس ، بل وحتى مع المعاني ، مما أضاف تلك المسحة البلاغية الجميلة على النص . فمثلا عندما نقرأ هذه الابيات الثلاث  :

” إنّي التمستُ عَبُـــوْقَها مستنشقا … وظننت أنّـــــــــــي دونها مشتنشقُ
وحلَمت أنــّــي في بلاط ملوكها … أتلـــــــو القصيدَ فتشرئِبُ الأعْنُقُ
فلئن أطعتُ من الجوانحِ ما دعتْ … فأنا المُطيــــــــعُ وقائل ومُصّدقُ ”

نلاحظ في البيت الأول قد وقع الجناس في إلاسمين (مستنشقاً ، مستنشقُ ) ، ثم يتلوه بيتا شعرياً خالٍ من الجناس ، ثم ينسج ثالثاً فيه جناسٍ مغاير من فعل واسم (أطعتُ ، المطيعُ) وهذا الجناس يختلف عن الأول ، حيث استطاع ان يستعرض ويصنع توليفة نغمية تجذب الذائقة ، متولدة من الاختلاف والتباين في الجناس وانتقاله بين الابيات الشعرية  .
والمُجَّنِس يلجأ عادة الى هذا النوع من البلاغة لجذب الذائقة ، لكن عليه ان يستخدمها بذكاء . فمثلاً نجد المتلقي يبدأ بقراءة ومتابعة النص ، واذا به يجد لفظأ مُستحدثا يُغاير ما سبقهُ من نظم ونسج ،  فيروق له ويبعد عنه الملل والسأم ، وهذا اللفظ المغايرالذي استحدثه الشاعر هو الجناس ، ولو كان الناظم مسترسلاً بنفس نسجه وبنفس النول لكانت الحصيلة هي الاستطراد والتطويل الباعث على الانقباض والضجر. ولان الشاعر اذا نشر نصّاًما فإنه يصبح مُلك العام ، إذاً لابد له من مراعات الاذواق لشـدِّ انتباهها وجذبها .
ــ الشاعر ماهر الأمين استطاع ان يختار في نظمه اللفظ الصحيح ، ويضعه في مكانه المناسب ليستقيم به معنى الجملة ، وعند استخدامه لبديع الالفاظ وفصيحها لبيان وتوضيح المعاني يكون بذلك قد قدَّم لنا أُنموذجاً لا يخلو من مسحةٍ بلاغيةٍ رصينة .
فلنتابع نسج ماهر الأمين في هذا الشأن :

” إنّي التمستُ عَبُـــوْقَها مستنشقا… وظننت أنّـــــــــــي دونها مشتنشقُ ”

ــ نجد في هذا البيت الشعري قد استخدم الشاعر لفظة (عبوقها) والعبق هو الرائحة الطيبة ، ولذلك ردفها باللفظ ( مستنشقا) والاستنشاق هو ادخال الهواء الى الرئتين عن طريق الانف للشم والتلذذ بالرائحة ، وحَسَناً فعل الشاعر ، فلو استخدم لفظة (الشم) بدل (الاستنشاق) لضاعت البلاغة ، لأن الشم يستعمل احياناً لأختبار النكهة والعطر ، اما الاستنشاق فهو قمة الاطمئنان والترف للتمتع بالرائحة الزكية ، ثم جعل مِن هذا الاسم جناساً مع اسم آخر (مُستنشقُ) . وهنا تكمن روعة النظم في توظيف اللفظ المناسب في الجناس لإفادة المعنى ، لأن لافضيلة للجناس إلّا بمناصرة وإفادة المعنى .
ــ ان الجناس يعتبر حِليَة لفظية فاعلة في الإيقاع . فهو يشكل الموسيقى الخارجية للنص عندما يرافق الوزن والقافية . لذلك اشتغل الشاعر على هذا النهج ـ فهو لا يجعل نصيحة او معلومة بليغة خلف ظهره ـ فوظَّف هذا الجناس ليجعله رديفاً للوزن والقافية ، لذلك نجد جناس الكلمة التي يختتم بها البيت الشعري مرادفا للوزن والقافية ، كما في الكلمات التالية الموزعة في عدة ابيات شعرية منها :
(أرقتُ ، يؤرِق) و (موثقاً ، اوثقُ) ، و (فرّقته ، فتفرقوا ) وغيره من الجناس المتناثر بين ارجاء القصيدة :

” فَلَكــَــــــــــمْ أرِقْتُ تشوفا وتلهفا  … وحملتُ بين أضالعــي ما يُؤرِقُ ”
” أعطيته للأكـــــــــرَمَيْنِ وموثقا … والدين أحْفظ ُ للكـــــــــرامِ وأوْثَقُ ”
” هل فرّقته قبائــــــــــــــلٌ وعشائرٌ … أم بُثَ فيهــم فتنة فـتـفـرقـــوا  ”

ــ ولايكتفي شاعرنا بجعل الجناس مرادفاً للقافية من أجل أن يخلق جرسا موسيقيا جاذبا ، بل طرز بعض الابيات بتوليفة جناس جميلة وبالفاظ رهيفة منمقة مأنوسة تحتل حيزاً وسط النسج والنظم كما في البيت التالي :

” فلئن أطعتُ من الجوانحِ ما دعتْ …فأنا المُطيــــــــعُ وقائل ومُصّدقُ ”
” كبرى الحوادث لو تريث ذو الحجى … فعساهُ يعرفُ ما جناهُ الأحمقُ”

حيث وقع الجناس في البيت الأول ( أطعتُ ، المطيعُ) وفي البيت الثاني ( عساهُ ، جناهُ ) وهذان الجناسان قد تخللا النسج ولم يردفان القافية .
ــ ثم ينسج ابياتاً تُحسب له حقاً ، فهي تحمل جناسين في البيت الشعري الواحد ، مع الاحتفاظ بمرافقة الجناس للقافية وهذا من أروع النظم الذي يتنبَّه اليه النقاد ويتسابق اليه اهل الشعر  ، فمثلاً :

” أعطيته للأكـــــــــرَمَيْنِ وموثقا… والدين أحْفظ ُ للكـــــــــرامِ وأوْثَقُ ”

فقد جاء بـ (الاكرمين ، للكرام) وهو جناس ، و(موثقاً ، أوثقُ) وهو جناس آخر .
ــ ويختم الشاعر قصيدته ببيت رائع يحتوي على جناسٍ ايضاً :

” لكما السّلامُ صويحبــــــيَّ برَبْعِه ِ  … وسلامُ مـِــــنْ مِصْرَ العروبةِ أعبقُ ”

حيث جاء بلفظة (السلامُ ) في الشطر الأول وتعني التحية ، و(سلامُ ) في الشطر الثاني وتعني الأمان ، وقد اقتبس الشاعر هذا اللفظ من ألآية الكريمة : } ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ{ الحجرـ 46، وقد وقع الجناس بين اللفظتين . وفي ختام الشاعر ببيت يحوي جناساً ، فهو يعي هذا القصد ، ليقول بأنه قد جاء بنصٍ احتوى بلاغة والجناس احد ادواته التي استخدمها فيه .
ــ وبعد هذا العرض لابد ان نستعرض علامات التقييم لهذا النص الادبي :
•    ان نظم الشعر هو نظم كلام ، وهذا الكلام لايمكن الارتقاء به ان لم يضع المؤلف ادواته بين يديه ليرتقي بالنص الى مرتبة البلاغة ، والشاعر (ماهرالأمين) قد جهزَّ ادواته مسبقاً لصبغ قصيدته بانواع الجناس رغم وجود عناصر بلاغية أخرى ، وهذا ما كان جلياً واضحاً في نظمه .
•    الجِناس في النص لم يحضر بتكلّف أو لغرض الاستعراض ، بل جاء في مواضعه البلاغية والنسجية الصحيحة والدقيقة ، والتي طرزتْ النص في اكثر من حيز لجذب المتلقي .
•    الجناس يهتم بجرس الكلمة وكيفية تأليف حروفها بحيث ينسجم هذا التأليف ليشكل نطقاً جاذبا ، وهذا قد أشرق في أكثر من محطة وأكثر من بيت شعري في القصيدة.
•    الشاعر ماهر الامين لايأتي بنصوصٍ متماثلة او متشابهة تفرض الملل ، بل نجده يُحسن التفكير في بلورة الهدف لينظم نصَّا جديداً يحمل عناصر البلاغة والابداع
كالنص الماثل امامنا .
•    النص من النظم الجيد ، والذي يحمل جناسا متنوعا وصوراً شعرية جميلة وبليغة ، وهذا ما دعانا الى نقده وبيان محطات جودته .
احترامي وتقديري .
……………………………………………………..

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *