جابر خليفة جابر: أصوات النص القصصي وسماته

” إن الكتاب هم شهود العالم ‘ لا موظفوه “،البير كامو

تتحرك كيميائية القص العراقي في مسارها إلى القرن الحادي والعشرين فارضة تراكيب جديدة للقص

وأشكالا أكثر جدة ‘ تفرضها بنى ومتونا رافضة ‘ تزيح الحاضر او الماضي المستهلك فنيا والمرفوض بأشكاله وأنساغه وشفراته وتصبغ المشهد القصصي بابعاد مغايرة وألوان سرد مبكرة ‘ تفعل ذاك لتقول شهادتها هي لا غيرها من شهادات موظفي القص المستهلكين .

تتحرك هذه الاشكال – باقلام شابة غالبا – الى القرن الشاب ‘ متجهة الى الامام البكر ‘ الى المجهول القصصي المثير لفضول الابداع ‘ تتحرك ساحلة خلفها ( او حاملة معها ) كما كبيرا وتراكما مما ازيح من اشكال السرد الذابلة من كثرة التداول او شبه الميتة !
وبمعنى مركز : ان الوعي القصصي المختلف كحاضر متحفز للجديد،
والرؤيا المتقدمة كقادم قصصي وشيك الولادة . يسحبان ( معهما او خلفهما ) الذاكرة القصصية المكررة ‘ لا ليقلداها ‘ بل لتحقيق منجزها ( منجز الوعي المختلف والرؤيا المتقدمة ) على ارض جديدة خضراء ‘ اعلى زمنا من المجال الراكد المطمئن والمبرر للمنجز السردي المحتضر مكانا والمكرر حد التخمة والاستهلاك الفج .
ومع هذه الحركة القصصية الرافضة والمتقدمة ‘ ليس مطلوبا ممن هو غير مؤهل لمسايرة فعالياتها وفروضها الجديدة شكلا ومضامين ‘ ليس مطلوبا منه ان يخلي الطريق للنص القادم ‘ لانه قام بالاخلاء فعلا باتخاذه قصا مستهلكا وسردا مكررا جعله – يجرجر مانسخه الى ركن معتم وذابل في بستان القص العراقي ‘ ولا يطلب منه ذلك ( اخلاء الطريق ) لان القص الجديد قد اجترح طريقا اخر مغايرا وممتعا غير طريق القص التقليدي الممل .
ان للنص القصصي طريقا في السرد مجترحا وجديدا ‘ اذ لم يعد القص الان او لم تعد القصة القصيرة تمثالا من الكرستال بديع الصنعة ‘ يريح نظر القارئ ويرفهه ‘ ويناغي اشارات الكسل والسهولة لذائقته السهلة والكسول أصلا ‘ وانما غدا – القص او القصة – شظايا ريشية متطايرة من زجاج شفاف ينشرها النص على مساحة الخطاب السردي ويراد من القارئ الذي يقع تردده ضمن مجال الارسال ‘ الذي شكلت حساسيته الفنية والفكرية لاستقبال شفرات ذلك النص ‘ القارئ الخاص ‘ يراد منه ان يكون مؤلفا اخر للنص ‘ ان يلملم هذه الشظايا ويشكل منها كما يشاء ‘ لا تمثالا بديعا ‘ بل انموذجا حيا يتنفس من رئة الواقع ويجسد حرارته وحيويته ‘ انموذجا يبسط الجمال بما يرسمه من واقع فني وما يشيعه من متعة وبهاء ‘ وكم هو ممتع لو انه – القارئ – لون شظايا القص بدم اصابعه الحار الطري ..!
واثر القارئ هذا على النص – صبغة دمه، حرارته وبصماته – هو صوت اخر من اصوات النص القصصي او سمة من سماته ‘ أي ان روح القارئ تتجلى مع قراءته ‘ وتاريخه يتفاعل مع دقائق النص ويتجلى ايضا .
ومع هذا الانقلاب القصصي – نصا وقراءة – على الكاتب القاص ‘ وهو يودع القرن العشرين بظلاله وظلامه خارجا من عتمة الماضي الى اضواء الحاضر وجماليته ‘ عليه ان لا يتشبث بدكتاتورية اسلافه او اساتذته ،عليه ان يخلع رداء التسلط ولا يقيد قارئه بصوت واحد او محدد ‘ مستعل او مستفرد عبر رسمه لحبكة سرد شديدة الوطء وقوية القبضة ‘ يفرضها عليه وتلزمه – تلزم القارئ – بخط محدد ضيق وتحد من شطحات خياله وقوة تفاعله . وهذه سمة من سمات النص القصصي الجديد ‘ يضاف اليها ما على القارئ امتلاكه ‘ من ارادة التحرر وذائقة التفاعل لفك اسر شفرات النص وتحريررسائله .
هذا الصوت جعل القاص الجديد المختلف يزيح حبكته الى الخلف وينشرها على خلفية النص ويشتتها مع المشاهد الامامية ‘ يقدمها صورا متفرقات وشظايا غير محددة الاشكال ‘ وعبر انعكاساتها السردية وانكسارات شفراتها ‘ يرسم مع قرائه بانطلاقات لاحدود لها ‘ يرسم حبكات عديدة بعدد الحالات التي سيقرأ فيها .
وبفعله القصصي هذا – يحرر القراءة – يحقق اقترابها اكثر من الحرية ‘ الحرية انجازا والحرية قراءة .
ان الخلق الفني ليس فعلا تحريضيا مباشرا او تعبويا ‘ ولا يصلح له ان يكون موجها ‘ هو فعل تشكيل لذائقة الجمال الرافضة للقباحة ‘ او هو رد فعل عال ومتسام ومقاوم لضغوط هائلة ‘ خارجية اولا ثم ذاتية . رد فعل واستقبال مدرك وواع لما يحيط وما وراء ما يحيط من غيب وامتدادات مجهولة ‘ تلك المقاومة وهذه الاستقبالات تشكل حركة المبدع وارسالاته باعتباره بؤرة جذب لامة يتركز في قلبها كل مايعتري الجماعة البشرية او المحيط الانساني الحاضن للقاص‘من شحنات الم واشعاعات امال .
فما يولده المبدع ( برهانا فلسفيا او قانونا علميا او نظرية او نقره ازميل او ضربة بفرشاة رسم او نغمة او خطأ او نصا جديدا )
هو رد فعل لاستيعاب ضغط الفعل الخارجي وانعكاساته الذاتية،رد فعل يعادل الضغط او يحد او يخفف في غالب حالاته من سطوته على الجمال الانساني وجبروته.
الخلق الفني اذا هو فعل احتكاك وتفاعل مع المؤثرالضاغط تنجزه صفوة عالية التحسس، وبانجازها المؤثرهذا تخفف او تحد من تعميق فعله في جسد الجماعة وجوهرها الانساني، الفعل الفني هنا ينشر الجمال كستار واق ويدرأ محاولات تشويهه واصابته، يمنع مواصلة الاختراق لجسد المحيط الانساني ويحول دون اصابة القلب ، جوهر الحياة الفعال..
هكذا يفعل الابداع الحقيقي،اما التراكم الاستنساخي التقليدي للابداع،الذي يتخذ صفة الفن ظاهرا وهو خارج عن انتمائه الجماعي، بعيد عن الحاضن الانساني منقطع او ضعيف الصلة بجذوره.مثل هذا المنجز الاستنساخي مهما بدا فنيا ومهما شيد من عمائر في الشكل ومتاهات في الالفاظ فهو لا يقلل من اثر الاختراق والتشويه للجمال، بل يعمقه ويساعد عليه،يؤدي دور المكروب الملوث للجرح فيكمل عمل الخنجر ومهمة الرصاصة وينجز ما لم ينجز من اساءة للفن الحقيقي والابداع الاصيل.
ومؤدى هذا انه ليس ابداعا وليس فنيا ‘ بل صنعة مستعارة ومستنسخة من تجارب الاخرين او مسروقة ‘ وليس تقليدا حتى ‘ هذا المنجز المسخ المروج لقيم الظلام والقباحة والتراجع ‘ ما ولى منها وما بقي وما اتى ‘ هو عملية تواطؤ ‘ تقاس قيمتها السلبية الكارثية على الفن والابداع الانساني بمقدار مساحيق التجميل ‘ او الاضواء المروجة لها ‘ وبمقدار رفضها والعزوف عن قراءتها من قبل الجسد الاجتماعي المستلم للابداع .
إذن ‘ أكثر أصوات النص القصصي وضوحا هو إنتماؤه لجذوره ‘ لمجتمعه ‘ للواقع الحي الفعال لمحيطه الانساني ومجاله الطبيعي وامتداداته التاريخية ، الانتماء هو الصوت الاول للنص القصصي الجديد .
ان الجماعة الانسانية بهويتها الاخلاقية والجمالية ، وبألوانها ومجالاتها الاوسع ( الطبيعة والكون وما ورائهما ) لها طيفها الخاص ، فائق التميز ، الذي يعمل بإستشعار عال لانتخاب او لاصطفاء الفرد الخاص او السفير ( القاص هنا او المبدع عموما ) وهذا الاصطفاء الجماعي للمبدع هو صوت اخر من اصوات النص القصصي ، ومن خلاله عبر او ارحام التوليد الانسانية للجمال وللاخلاق ، يتشكل القاص الجديد صوتا للجماعة وعاكسا واعيا لاستشعاراتها هي وليس غيرها وهي التي تضعه عبر حضانتها له في منطقة التماس والتفاعل مع الاخر الانساني ومع الكون بقواه الغامضة المؤثرة ولايتحقق الاصطفاء اعتباطا ، انما التركيب والتشكل الذاتي للفرد المبدع هو ما يوجب انتخابه او اختياره لارسال الشفرات عبره ، عبر مصفاته او مخيلته المبدعة ، لا اختيار هنا للفرد المبدع ، ليس الخلق الفني اختيارا لان الجبر الاجتماعي او ان التفويض والاختيارالاجتماعي يأمر والذات المبدعة تنفذ ، مع توافر جو التحرر والانطلاق والتخيل ضمن الية الجبر وحدوده التي تبدو مع هذا لا متناهية .
ومعنى هذا ان المبدع انما يبدع بالواسطة ، هو مصفاة جمالية لتشكيل الاشارات وتكثيفها وترميزها وبثها ، اما خلقها وانتاجها الاولي فمصدره الحاضن الانساني، المجتمع الفعال هو خالق الابداع ، والمبدع فنانه ..
هذه الحرية المؤطرة على امتدادها او هذا التأطير المتسع للحرية هو من سمات النص القصصي وأصواته .
ان القاص الحي الجديد لا يسعه الا ان يكون بإبداعه معبرا بفعالية عن الحلم الانساني للجماعة المرتبط بها ، جذورا أو حضانة ، لغة وتاريخا وما هو أوسع .
وان النص القصصي ان لم يكن حلما للجماعة ، رسالة ، ألما ، آمالا ، ان لم يكن كذلك فهو لايخرج عن كونه تقليدا او تكرارا مستهلكا او مسخا .
لايسع النص القصصي الجديد الا ان يكون حلما ، لان الحلم يحمل دائما ملامح الاصالة والجدة والابتكار ، وفي هذا كله ينطلق من الذاكرة / التاريخ ، وجوهرها ان النص / الحلم هو سمة اخرى للنص القصصي ، إذ من غير الممكن ان تجد حلما يشبه حلما اخر بمستوى النسخ والتطابق ، الحلم متجدد دائما وكذلك ينبغي على النص القصصي ان يكون .
الاشكال القصصية المتكررة هي لغة الاساتذة ( كبار كتاب القصة ) وسلطتهم الموجهه لنسخهم المصورة طبق الاصل ، والمسيرة لتلاميذهم النجباء ، وهي اقرب الى الجماد باعتمادها على المكرر والمألوف ، وبخضوعها لاشتراطات الكسل والذائقة السكونية ، بينما يتحقق الابداع بالنمو الفني ، بالتعدد ، بإضافة منجز جديد الى ما أنجز ، وهذا لن يكون الا بالخروج على الاستاذ ، ولا يعني الخروج من رحم الاساتذة رفضهم او القطيعة معهم ، بل يعني الانطلاق منهم ، مما انجزوه ومما حققوه واجتراح شكل او اشكال جديدة للقص المختلف ، النابع من الحاضر ، وبهذا يغدو تصوير للجسد الحي للقصة العراقية وهو ينمو ويتغير دائما على الضد من اتجاه جاذبية الارض .
ان الخروج على سلطة الاساتذة والتحرر من ارحامهم هو من سمات النص القصصي ايضا .
للنص القصصي ثمة اصوات او سمات غير ما ورد ، ليس اولها القارئ باعتباره المؤلف الحقيقي للنص او المعيد لانتاجه بذائقته وانتماءاته ، وعيا ولغة وتاريخا ، وليس اخرها ، انما هو الاهم ، فهو الجاذب للنص ، والمكتوب له او من اجله ، إذ لا حياة لنص ما من دون قارئ يعيد تشكيله وانجازه ، لا حياة له وان كثر الكتبة وتراكمت النصوص ، لان القارئ – كما الكاتب – ناتج عن عملية الاصطفاء ذاتها التي انجبت الكاتب ، ومؤطر بالجبرية الجماعية ذاتها ومتمتع بالحرية الاوسع ذاتها ..
ان الابداع المتحرك المتجدد عملية التقاط لما يبثه المحيط الانساني وغيره من اشارات غامضة وواضحة في ان واحد ، وبلورتها من قبل الابداع ، ومن جهة اخرى للمعادلة الابداعية ، ويتحقق فعل القراءة بالتقاط واستلام خفايا هذه الاشارات وشفراتها من قبل القارئ / المتلقي .
هذه الاصوات النصية او السمات وغيرها مما هو اوضح او اخفى تعني ان مجال الابداع بمستواه الاوسع آت باولوية من الذاكرة او اللاوعي – . بعيدا عن التموضع الفرويدي او الـ ( يونغي ) للمصطلح – ثم ينمو عبر مستوى محدود بالوعي ويتخلق مقطرا كخلاصات ترسم المسار التاريخي ، تلونه بعطرها والوانها ، وتفرض بنى متجددة متحركة الى امام ، تنطلق من الذاكرة وأطرها الى الحرية و آفاقها .
ومن حدود الاسترجاع وانطلاقات الافق يصبغ الحاضر لوحاته ومشاهده بعينين ، اولاهما الى الشمس تشير والاخرى الى الارض تنجذب وعلى حد قول رولان بارت ” ان الكتابة حل وسط بين الحرية والذكرى ”
القص المتجدد ، إذن ، ليس نصا منفلتا ، اذا كان المفهوم الدلالي للانفلات يوازي الاتجاه بالذات ، كائنا او نصا الى اقصى تخوم الحرية ، وربما الجنون ، وليس هو قصا بيانيا مشبع بالامانة العلمية او الواقعية بل هو القص الممتد اصوله الى اعماق المجتمع / الارض والمتسامية فروعه الى مشارف الرؤيا وكشوف الوعي .
من البياني الى الرؤيوي ، مرورا بوعي دقائق الحاضر وواقعيته ، هذا هو مجال القص الجديد ..
وليس ثمة جيل قصصي اقدر على انجازه من جيل ..
أتى او خرج من حربين تعاقبتا (*)
ومر وعاش حصارين تزامنا
ولم يزل طي رياح التغيير تحركه اعاصيرها وتتحرك – هي – ببوصلاته .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كتبت قبل الحرب الثالثة و الأخيرة

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.