الرئيسية » نصوص » شعر » د. عاطف الدرابسة‎ : أنا .. لم أعدْ أنا‎

د. عاطف الدرابسة‎ : أنا .. لم أعدْ أنا‎

أنا .. لم أعدْ أنا‎
د.عاطف الدرابسة‎

قلتُ لها :
لم أعُد أنا
أنا ..
منذُ أن تركتُ وجهي عالقاً على سطح المرآة ..
أسيرُ في الشّوارع الضّيقة بلا وجهٍ ..
اتأمّلُ في بيوت الطّين القديمة ..
وأسألُ نفسي عن ذاك الزّمن القديم ..
حينَ كنتُ أستفيقُ على وقعِ ابتسامتكِ ..
أو صمتِ عطركِ ..
أو رائحةِ الخبزِ التي تتسلّلُ إلى فراشي من ذلك التنّور ..

أنا لستُ أنا ..
لم أعُد أُجيدُ الكتابة ..
لم أعُد أُجيدُ العبادة ..
ولم أعُد قادراً على سماعِ همسكِ ..
أو الإحساسِ بلمسكِ ..
ودفءِ جسمكِ ..
كلّما حاولتُ أن أحتفلَ بعيدِ حُبّنا ..
يأتيني العيدُ بثوبٍ أسودَ ..
كَليلٍ عاصفٍ ..
وأُغنيةٍ بلا أفكار ..

آنَ لليليَ أن يستريح ..
قبلَ أن تحترقَ النّهايات ..
فالمُدنُ الفاسدةُ تدورُ حولي ..
كما تدورُ الكواكبُ في السّماء ..
وتتموّجُ كالأفاعي حولَ قدمي ..
كلُّ المُدنِ التي تُحاصرنا يا سيدتي ..
بلا ضمير ..

ما أقسى هذا العيد ..
يُعيدُ إليَّ الذّكريات باردةً ..
أو مُشوّهةً ..
لا صورةً فيها ولا صدى.. .

أنا لستُ أنا ..
فجذوري التي حسبتُ ذاتَ يومٍ أنّها نقيّة تعفّنت ..
فالثّمارُ يا حبيبتي فاسدة ..
والأغصانُ قابلةً للكسرِ مثلَ بلادي ..

أنا لستُ أنا ..
ظلّي لا يُشبهُني ..
وبلادي تُشبهُ ظلّي ..

أنا لستُ أنا ..
هذا الزّمنُ غيرُ الزّمنِ ..
أبحثُ عن الزّمنِ الغائبِ في كومةِ الضّياء ..
فيهربُ منّي خائفاً ..
مذعوراً كالأطفال ..

أنا لستُ أنا ..
لقدَ عادَ الملحُ للتُراب ..
والماء كسرَ صمتَ الحجرِ بالماء ..
وأنا هناك .. ّ
على حواف السّهولِ المُهملة ..
أُحاربُ الصّحراءَ بيدينِ مبتورتينِ وعُكّازتين ..
وصوتٌ يأتيني من آخرِ الذّاكرة ..
يسألني :
هل تستطيعُ أن تواجهَ الحقيقة ؟
أنتَ ماضٍ بلا مُستقبلٍ ..
وخريفٌ بلا شتاء ..
فارغٌ من المعاني والأفكار ..
ذاهلٌ ..
شاردٌ ..
عقيم ..
ساكنٌ تسألَ اللهَ الرّيحَ ..
أن تحملَ إليكَ الحُريةَ ..
ولكنّكَ نسيت ..
فأنتَ لستَ بقادرٍ أن تتنفّسها ..
فكلُّ الرئاتِ حولكَ مُعطّلة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *