الرئيسية » نقد » ادب » حسين عجة : بروتكول الكارثة في رواية بطنها المأوى، للقاصة والروائية دُنى غالي

حسين عجة : بروتكول الكارثة في رواية بطنها المأوى، للقاصة والروائية دُنى غالي

بروتكول الكارثة في رواية
بطنها المأوى، للقاصة والروائية دُنى غالي
حسين عجة

من الصفحة الأولى، التي يمكن تسميتها، كما أظن، “مقدمة”، “مدخل”، “عتبة”، “بروتكول”، أو “نص خارج نص” الرواية، والتي لم تطلق عليها الكاتبة أي اسم، يجد القارىء نفسه أمام مجموعة من الألغاز، أو التحديات، التي لن يكون من المبالغة القول بأنها تكتنف كل الأشياء والكائنات، وبصورة خاصة لغز المكان، أو تداعيات أماكن اللقاء على شخصين، كما يبدو، وذلك يعني بأنها تشملُ، في ذات الوقت، أزمنة تلك الأماكن وخام نسيج العلاقة “الإنسانية” في تلك الأماكن والأزمنة..

تنصب أول تلك التساؤلات المحمومة، والتحديات، المصيرية على الرواية ذاتها، ليس على رواية “بطنها المأوى” وحسب، وإنما أيضاً على الرواية بصورة عامة، كنمط خاص من الكتابة، بما فيها تقنياتها التقليدية واشتراطاتها الإستلابية تقريباً: “يجب أن تسردَ عليهم قصّةٌ محبوكة”، ذلك هو مطلع العبارة الأولى من هذا النص الثري والصارخ، المتطرف بحساسيته؛ والذي يُذكرني شخصياً، ومن دون أية رغبة في عقد مقارنة ما بين هذا الصوت المُتفرد، صوت دُنى غالي، مع صوت آخر؛ يُذكرني بالنبرة المحتدمة والجذلة لفرجينيا وولف؛ لكن قبل أي شيء آخر، لمنْ يتم توجيه هذا النداء البريء في ظاهره، المُطلسم والحارق، في أعماق كينونته؟ للروائي نفسه؟ للقارىء؟ للنص “ككائن حيّ”؟

نحن لا نعرف الآن إزاء منْ أو لأجل منْ تحملُ تلك العبارة مهمة التوصية، لكننا نستطيع، على الأقل، أكمال قراءة مقطعها الأول: “وحذار أن ترتجل شيئاً. أكتبْ كل شيء على ورقة، احفظ كل شيء، اسمك إن كان منتحلاً، وكلّ الكلمات العامية التي تعود إلى المكان الذي أتيتَ منه، أو تدّعي أنه كان مسقط رأسك. عليك أن تقنع المُحقق أنكَ الأفضل لهذا الدور”.

أعتقد أن هذه العبارة-الحمل لم تُكتب بصياغتها هذه إلاّ لكي لا تُكرر الفضيحة نفسها كفضيحة، أو لأنها المدخل الوحيد ربما الذي يُمكننا من الولوج، عبر مؤشرات التجربة المُعاشة، في ثغرة صغيرة لعالم لا يتشكل إلاّ من خلال سلسلة فضائحة التي لا تنتهي. هناك العديد من الفضائح: فضيحة “الاسم المُنتحل”، في رأس القائمة؛ فضيحة “الكلمات العامية التي تعود إلى المكان الذي أتيت منه”!؛ فضيحة الكلمات وتزامنها أو التصاقها ثانية بالمكان، لنملأ الصفحة إذاً بعلامات التعجب، التي لم تبدأ بعد ولا نعرف أين تنتهي؛ فضيحة ادعاء المرء لولادته أو “مسقط رأسه” في ناحية أو ركن من الأرض، لم يعط له ولا لأسلافه، كما يبدو؛ وفي النهاية “أم الفضائح”، فضيحة كل فضحية، كيانها، حقيقتها، أو زيفها الأبدي؛ فضيحة المحقق الذي لا يعرف حتى الله من أين آتى، ولا الرواية الأكثر معاصرة؛ المحقق الذي لا أدري كيف سيكون بمقدورنا مواجهته، أو على الأقل التمتع بجرأة تقديمنا لأنفسنا له، أمامه أو من خلفه، لا لشيء إلا لكي يفحصنا: “عليكّ أن تُقنع المُحقق أنك الأفضل لهذا الدور”. الدور؟ أي دور؟ لا حاجة، كما يبدو، هنا لطرح الأسئلة، يكفينا الآن القول: تلك هي الكتابة. أو “بروتكول” الكارثة!. لكن، مرة أخرى، وقبل مغادرة هذا المقطع، ومن ثم الدخول إلى عوالم الأبداع المُنفلتة لرواية “بطنها المأوى”، إلاّ يحق لنا، للمرة الأخيرة، تأمل، للحظة واحدة، إشكالية المكان التوليدي لكل الأماكن هذا، الذي جئنا منه، وانطلاقاً منه نتوهم أو نعيش ما يمكن تسميته بخطوط “وجودنا”، إن كانت مبعثرة أو تتظاهر بلم وحدتها المضيعة؟

نترك هذا السؤال معلقاً وقتياً. لسبب بسيط: لم نرتوِ بعد من المياه العذبة والحلوة، ليست المالحة، لهذا المقطع. ومع ذلك، لا بدّ من مغادرته. لمَ؟ بحكم شراهة التمتع، بكل أشكالها وصفاتها، بقراءة المقطعين الباقيين، على مرآى ومسمع البشر كلهم، في قاراتهم الست!

“اللقاء بين مريم وعامر (إن كان هو اسمها الحقيقي) تم في مكان ثالث…”! (أنا من وضع علامة التعجب هذه). ما الذي يمكن قوله بعد؟ لا شيء، اللهم إلاّ لذة التحرش بالنص ذاته، ومس “كبريائه” بحذر ورهافة: كل شيء يجري وكأن هناك أسماء حقيقة وأخرى مزيفة، أو أسماء الهوية المحلية وأشباحها، ظلالها، وأنحرافاتها، لا سيما ضمن الأعمال “الأبداعية”، التي لا تكف هي الأخرى عن التحرش بما نسميه عن خطأ الواقع، وبالتالي تمسنا. لكن إذا ما أنتهينا، بعجالة سوقية، من إشكالية أو ورط الأسماء، هل يتمكن أحدهم ويقول لنا ما هو: المكان الثالث؟ قبل استقبالنا لرد “معرفي”، مهما كانت قيمته، عن تساؤل “المكان الثالث”، نحن من سيقول للراوية ولكل القراء ما يلي: يبدو، من الآن، أن ثمة من حساسية مفرطة، عصابية تقريباً، حيال تيه الأسماء، نفقها الطويل والمعتم، تواريخها وإمكانية تأويل تلك التواريخ، وكذلك تألق سطحها وضوء مداليله، الخاصة والعامة. اسمان اثنان حصرياً: بدلاً عن آدم وحواء الأزليين، ها أننا أمام مريم وعامر المعاصرين لنا، أو بالأحرى تضعنا روايات العشق الكبيرة، الكلاسيكية وحتى الأكثر حداثة، أمام “هاوية” اللقاء ومآلاته، الأكثر تألقاً والأشد عتمةً: مصير اللقاء ذاته. لكن غالب ما يتم الخلط ما بين المصير والقدر، بالرغم من أختلافهما الجوهري، ذلك لأن القدر لا يمكن أن يكون شيئاً آخراً سوى عُسف قوة غريبة، ميكانيكية تلاحق الأفراد بطريقة عشوائية واعتباطية، ولا تترك لهم أقل فرصة للتدخل من أجل المشاركة وإن كانت جزئية يصنعون عبرها وجودهم، بهذه الطريقة أو تلك. فيما يكون المصير، ومع تشابه الكثير من ملامحه مع القدر، إضافة نوعية لفعل الأفراد أنفسهم…

نثبت هذه الملاحظة: حساسية دُنى غالي إزاء اسماء الأشخاص وحتى أسماء العلم والأماكن محيرة! أكثر من ذلك: إرغامية وطاغية أيضاً: “إن كان هو اسمها الحقيقي”، هكذا يُعلق الكائن، حتى يتم اعدامه، انطلاقاً من اسمه العاري وحده. مع أنه ليس هناك من اسم عاري، ومُستهدف وحده ضمن عزلته الصميمية في العالم؛ كلا، كل اسم يسحب “من ورائه طوطم بمليون رجل”؛ يسحب من خلفه أو في داخله ليس تاريخه الشخصي، المحلي، العائلي، المهني وحسب، وإنما أيضاً كل موروث “الحياة”، “المجتمع”، “المراحل” الوجودية والأنثروبولجية التي أُلحقت به، إن كان ذلك عن طيب خاطر، أو رغم أنفه.

من جانب آخر، ومهما كانت عوائق التعرف على الكائنات مادية ملموسة، وليس مُتخيلة فقط، يمكن لكل واحد منا تصور إمكانية “مثيلة” لمريم ذاتها، التي كنا بالكاد قد سمعنا اسمها، مع عامر، بدأ من اللقاء الأول. لم لا يحق لمريم التمتع باسمين؟ ما هي فجيعة شخصنة الاسماء هذه؟ لا نعرف. من الأجدر، ظاهرياً على الأقل، الخوض في أمور أخرى. أية أمور؟ لمَ لا يخطر على بالنا التساؤل إذا ما كان اسم عامر، مثلاً، هو “اسمه الحقيقي”؟ هل أن مريم وحدها من يتمتع، وحتى قبل ظهورها على مسرح الأحداث، بالإزدوادجية المحتملة للهوية؟. ربما لا قيمة لذلك كله، لأن من يكتب الرواية هي امرأة، وبالتالي من هنا مصدر الإغفال او التغافل عن اسم الذكر! كلا، إجابة غير مُقنعة. على العكس من ذلك تماماً، نحن نعرف بأن الشعور لا وجود ولا قيمة له إلاّ عبر بنيته الغائية، أي أنه يستهدف شيء ما، كما يقول هوسرل مثلاً، أو التحليل النفسي! عدم مُسائلة عامر عن اسمه الحقيقي أو المُنتحل تعني لدنيا فعل إرادي، واعيٌ أو لا واعي، وقد يكون ذلك مقصودا،ً بمعنى تجنيبنا صدمة الكشف عن هويته، إذا ما عرفنا وتحققنا من عدم امتلاكه أو حصوله في يوم ما على هوية ما! لا من الدولة ولا من غير الدولة، ولا حتى على صعيد الحرفة، المهنة، الانتماء، الخ..! كذلك قد يكون الأمر محسوباً من أجل إخفاء شيء آخر، ما هو؟ لا ندري. لكن يمكننا تخمين الشيء التالي: ربما غياب كل معرفة لدى مريم ذاتها إن كان ذلك الشخص هو عامر ذاته! لنسمي هذا: ريبة وجودية، كشرخ أو فدع ما بين طرفي المعادلة القاتلة، ما بين “أن يكون ولا يكون”. هل أنتهينا من المكان الثالث؟ لا نغامر بقول ذلك؛ كل ما نرغب فيه يتلخص في عزمنا على مواصلة القراءة. هل يقع فعل كهذا ضمن الممكن، فيما يتعلق بهذا النص الذي يسبق رواية “بطنها المأوى”؟ لا أعتقد. ومع ذلك لنجازف في رؤية ما كُتبَ مباشرة بعد عبارة “المكان الثالث”؛ ها هي: “ذلك لأن هناك مكان أوّل، لم يلتقيا فيه، ولكنه كان النبع، الطفولة المشتركة، مع كل مناهل قصصها لاحقا”. ها أن إطلالة المكان الأول، المُبهم والمكتظ بالمخاطر، تنبثق أمام نظرنا بمنابعها وقصصها اللاحقة، كوشيعة “وجودية” تنطوي، شأنها شأن كل الوشائع والخيوط المُلتفة على نفسها، على ما يمكنه فتح الثغرة أو الهاوية بطريقة مُباغتة. لكن ذلك هو مناخ وحياة كل رواية. علينا إذاً التزحزج قليلاً، ذلك لأننا نفهم مباشرة بأن الأهمية غير موضوعة، هكذا مباشرة على المكان الثالث، ولا على المكان الثاني، لكنها ملومة برمتها في مفردة “هناك مكان أوّل”؛ مرة ثانية الأمر لا يتعلق بالدقة حتى في المكان الأول، ولكن بـ “الهناك” هذا! نستبق الأمور والكلمات، لكي نقول بأن هذا “الهناك” سيلعب دوراً كبيراً في تأطير كل شيء، ليس حوادث الرواية، إن كانت هناك من حوادث، وحسب، وإنما الأرواح، العواطف، ذبذبات وتقطعات القلب، وحتى أقل حرف أو صرخة من صرخات الكائن الذي يروي علينا ما يروي! ومن جديد ذات الدوامة، نفس زوبعة التساؤلات، أو النهشات: “ويعني أيضاً أن لقاء سابقاً قد تم بينهما في مكان ثانٍ، لم يُذكر جغرافياً، لكنه ابتلعهما، وصارت مساحة الروح أوسع. كان مسرحهما بسطوته، والجنة لأحدهما. لم يعرفا أن كان هو ما ربطهما معاً، أم تراه اللقاء ما يربطنا بالمكان”؟ لا أحد يرد على بلبلة الذهن والروح هذه. لنجرب بكلمة واحدة: لحظة اللقاء، الحبي خاصة، تُحدث ثغرة أو شقاً لا يمكن ردمه ليس في المكان الظاهري وحسب، وإنما في بنية ذلك المكان وتخلخل حتى لغته السائدة: اللقاء العشقي واقعة، ما يتخطى لهاث الحوادث اليومية ويقلب أقطاب توجهها المضبوطة وهماً. نبقى هناك، وما زلنا مع أعجوبة: “المكان الثالث هو غربة حسب، توبة ويأسٌ، تمثل بهبوط اضطراري، في لحظة قدرية قبل العودة إلى المكان الأوّل”.

وها نحن نلد ثانية مع “العود الأبدي”، أسطورة وواقع. هل وفينا “عتبة” الرواية، أو هدية الصدفة المحضة هذه حقها؟ ربما. ومع ذلك، لا بد من إضافة جملتين قصيرتين، يفرضان نفسهما علينا: ما هو البطن؟ ما هو المأوى؟ ما هذا العنوان المادي والروحي معاً، أو المادي والرمزي في ذات الوقت، أو المادي والسايكولوجي؟ نحن نعرف، عموماً، بأن البطن، ومهما كانت استخدامات المفردة لغوياً، هو الحواي، الذي يحتوي على أشياء أخرى غير غلافه فقط. ما الذي يحتويه أو يحويه هنا؟ المأوى! وهذا الأخير؟ على البطن. تلك هي وسمة العناوين، أو المصائر. أجل، المصائر، كقراءة بين السطور. العبارة الأخرى التي علينا إضافتها هي التالية: في قراءتنا لهذا العمل الإبداعي لم نجد، لقصورنا ربما، أي منهج جاهز يمكننا الاستعانة به، ولا أية نظرية جمالية حاضرة نطبقها على الرواية. سيكون شعاع، خط دليلنا، بوصلتنا في القراءة هو التالي: لا يشرع أي عمل روائي، إبداعي بصورة عامة، من شكل “مًعطى”، من وشاح حاضر، قالب تحت اليد لكي يحتوي مادة أو موضوع ما خلقه؛ على العكس تماماً من ذلك، كله ينطلق من غياب الشكل أولاً، ثم دراما البحث عن آثاره، تصورها، تخيلها، أو فبركتها، بالمعنى النبيل لهذه المفردة. لقول الأشياء بعجالة: في رواية دُنى غالي، لا شيء حاضر، لا شيء “معطى” سلفاً، المادة كما الشكل يبحثان عن نفسيهما، وحين يلتقيان يمزق الواحد الآخر، أو يمزق نفسه قبل تمزيقه الآخر. وبالرغم من ذلك، ها نحن جاهزين للدخول في مغامرة القراءة.

حسين عجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *