الرئيسية » نصوص » هدية حسين : يوميات كندية.. رسالة ثانية الى عبد الستار ناصر

هدية حسين : يوميات كندية.. رسالة ثانية الى عبد الستار ناصر

يوميات كندية.. رسالة ثانية الى عبد الستار ناصر
هدية حسين
وأنت في فضائك الأرحب، لا شك في أنك تتذكر رسالتي الأولى، تلك التي أرسلتها لك بعد فترة وجيزة من غيابك، كانت سريعة ومنفعلة، ومرتبكة مثل ارتباك ليلتك الأخيرة، اليوم أجلس بهدوء، وأنظر لكل الأشياء التي مرت بيننا، للسعادات المسروقة على عجل، للمشاحنات العابرة، للبعد عن مسقط القلب،العراق، للترحال وعدم الاستقرار، وأتساءل: لماذا خرجنا من العراق؟ ولماذا لم نبق في عمّان، ولماذا جئنا الى كندا؟ هل كان علينا التريث؟ لماذا لم نتريث؟ أم أننا كنا نبحث عن قبر في أقصى العالم بعد أن ضاقت بنا الأمكنة؟
كل تلك التساؤلات، وغيرها كثير، حطت بالقرب مني وشاركتني جلستي شاسعة الحيرة بعد أن أخذوك مني وقالوا راجعي مستشفى سانت جوزيف بعد أربعة أيام؟ وكانت تلك ليلة المحنة التي لم يبارحني فيها السؤال:ماذا عليّ أن أفعل عندما أستلم النائم الذي لا يريد الاستيقاظ أبداً.
يمشي أمام عيني شريط حياتنا، في ليل آب الخانق بالرطوبة، يمشي على عجل في بعض المحطات، ويتوقف طويلاً عند أخرى، أسمعني وأسمعك حين أغضب منك وأقول: أنت لست الخطأ الذي لا يتكرر، بل أنت الأخطاء جميعها التي تتكرر، لا أتذكر الآن الأسباب التي قلت لك فيها هذا الكلام، لكنني أتذكر جيداً ملامح وجهك حين ابتسمت أمام غضبي وسألتني: هذا انا؟ قلت لك ومازال الغضب يتملكني: نعم هو أنت، الأخطاء جميعها، والخطايا أيضاً.. وما كان منك الا أن تقول من دون أن تفقد ابتسامتك: أنا لا أحب الصواب يا حبيبتي، وضحكتَ ضحكة مجلجلة.
وأنا بهدوء جلستي اليوم أفكر بالصواب الذي لم تكن تُحبه، وأتساءل:ماذا يعني الصواب إذا لم يمنحنا الحياة المستقرة، والأشياء التي نُحب ؟ ولا أدري إذا ما عاد الزمن الى الوراء بفعل معجزة ماذا سأفعل؟ ربما سأمزق ثوب الصواب لكي أرتكب الأخطاء جميعها والخطايا، فطيلة العمر الذي مضى مشيت موازاة نهر يخاف المغامرة ولا يرغب بتغييرمجراه، وكنت مثل الفرس التي وضعوا على عينيها غطاءاً لكي لا ترى إلا طريقاً واحداً في الحياة.
أشياء كثيرة تغيرت بعد رحيلك .. (سوبيز) السوق الذي نفضله على الأسواق الأخرى، رحل.. وحل محله سوق فريشكو.. و (زِلَر) ترك المكان، وجاء (تاركت) بديلاً عنه، ثم رحل هو الآخر وجاء من بعده (نوفرلز) وافتتح سوق ستارسكي الذي كنت تسألني من حين لآخر متى يُفتتح.. وأزيلت الحديقة الاصطناعية الصغيرة التي كنا نجلس فيها لنحتسي القهوة في مقهى تِم هورتنز، وأصبحت مكاناً مفتوحاً ليس فيه زرع ولا نافورة يرمون في حوضها قطع النقود ويتمنون، ربما لأنهم أدركوا أن الأمنيات مجرد خدعة كيما نستطيع تقبل مرارات الحياة.. وتغير الطقس كثيراً، صار أكثر جنوناً مما كان عليه، يجعلني لا أبارح الشقة لأيام طويلة، أقضيها بين القراءة والكتابة والذكريات، تلك التي تأتي من أقصى طفولتي وترمي إليّ كركرات طفلة كنتها، ومراهقة حالمة تعشق السينما وأغاني عبد الحليم حافظ كتميمة لحب لم يعمّر، وامرأة ناضجة تدرك أن الحب ليس مجرد كلام معسول، بل كلام معجون بالتجربة والمشاركة، إمرأة استوعبت أخطاءك ولم تستوعب رحيلك.
أشياء كثيرة تغيرت.. صديقتنا الرائعة رفقة دودين رحلت بعدك بشهر، هي الأخرى رحلت في بلد غريب (بروكسل) ومثلك فاجأها الموت، وبقيت ضحكتها المميزة ترن في أذني.. ورحل الكبير يوسف العاني بشباب روحه المفعمة بحب الفن والحياة، وسعد محمد رحيم خذله قلبه مثلك تماماً، وعاشق الجنون خضير ميري استرجع عقله واكتشف أن الحياة لا تستحق كل تلك المعارك، وأن الجنون رحمة، ولما لم يعد مجنوناً فقد رحل بصمت…هل التقيت بهم؟
وإذا كنت تسأل عني فإنني أطمْئِنك: كل شيء على مايرام، سوى أن قلبي لم يعد في مكانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *