حسين سرمك حسن: رسالة في محاسن الخيانة (الحلقة الثانية)*

* تحليل رواية ” المسافة ” للمبدع الكبير الراحل “يوسف الصائغ”

أمّا (هو) فيضع محنته بصورة أكثر عمقاً حين يخاطب المتفرجين قائلاً: «أنتم لا تزيدون عن متفرجين، تعجبكم البطولة وتستثيركم الخيانة بالقوة نفسها كأنّهما تجريان على مسرحية. الفرق أنكم حين تخرجون من المسرحية تتركون الأبطال والخونة يموتون كلّ على طريقته. وكلّ منكم حين يأوي إلى بيته يأخذ إلى الحائط نموذجاً من بطل يزين به جدار البيت.. وينطوي في أعماقه على خائن يخافه ويحقد عليه. (بقوّة) لهذا فأنتم غير جديرين بالحكم عليّ.. ومع ذلك فالمسرحية بحاجة إلى متفرجين.. انظروا وصفقوا وابصقوا.. ذلكم هو دوركم.. إنكم غير جديرين».
إنّ من مشكلات الجمهور الخطيرة – حسب تحليل (هو) – هو أنه (يُسقط) دوافعه الخيانيّة المكبوتة على الأنموذج الخياني المشخّص ليدينه ويدين تلك الدوافع ويتخفف من الشعور بالذنب الذي يؤرق ضميره ويُقلق سلام عالمه الداخلي. إنّ المتفرجين لا يمكن أن يفلحوا في (فهم) دواقع (هو) إلاّ إذا كانوا (موضوعيين) و(محايدين) في تقييم موقفه، وهذا مستحيل لأنّ الضمير الفردي بالنسب لهم كأفراد قد (ذاب) في موجات الضمير الجمعي المُزبدة والهائجة وتوحّدت في حكم إدانة مسبق واحد لا يمكن هزّ أركانه. وعبثاً يحاول (هو) أن يضعهم جميعاً أمام امتحانه، وأن يهزّ هذه الثقة الزائفة التي تملأ أصواتهم، وعبثاً يطلب منهم أن يعيشوا تجربته المريرة: «نحن غير متساويين الآن. أنتم قضاتي، وأنا المحكوم عليه بينكم مقدّماً. لا مناص من ذلك. إنما يبدو لي أن القاضي العادل يجدر به أن يساوي محكومه في التجربة (بصوت مرتفع) أيّها الناس هل أنتم واثقون أنكم لو خضتم تجربتي.. وعاينتم عذابي وضعفي.. وقوّتي لكنتم مؤهلين للخروج من كل ذلك بالبطولة؟ ها؟ أجيبوني» وتساؤل (هو) الأخير يعكس – في الواقع ورغم ظاهره التشكيكي – يقيناً داخلياً معذّباً. فلأن اللاّشعور هو – وبطبيعة عمله – مرتع لتعايش المتناقضات وأنها لا تتصارع إلا عند عتبة الشعور – أي في (منطقة) قبل الشعور – حيث يلحّ الواقع على تحويل الدافع إلى موقف، فإنّ دوافع الخيانة والبطولة تحيا في اللاشعور كمزدوج/ كمركب تمور فيه شحنتا الطرفين بالقوة نفسها، وحتى عندما تتسيّد شحنة البطولة والإقدام وتتصدر المشهد السلوكي للفرد بفعل الإيمان العقائدي والتربية النضالية و(ممارسة) الدور البطولي كما يرد في الأدب السياسي فإن توهج هذه الشحنة وقوتها يعود في جانب كبـير منـه إلى ضغط شحنة الخيانة اللائبة التي تشكل بطانة الوجه الاقتحامي. ولهذا يشعر هؤلاء – من نمط (هو) – وبشكل خاص إذا كانوا مبدعين غاصوا في ظلمات النفس البشرية – من أمثال «يوسف الصائغ» مثلاً – إنّ ما يفصل بين البطولة والخيانة هي خيط رفيع أو شعرة وقتية، وهو يدرك ذلك الحدّ المادي في ذهنه كمفهوم يقابل الفاصل الهلامي بين الاثنين في لاشعوره وهو فاصل متحرك ودينامي وعصي على الإمساك والتحديد مثل أذرع حيوان «الأميبا» الكاذبة:
«أنا: هراء. إنك تضع البطولة في مستوى الخيانة.
هو: (وكأنما يتحدث إلى نفسه) شعرة واحدة تفصل بينهما. لحظة… هكذا كالفرق بين الساعة الثانية عشرة والثانية عشرة ودقيقة واحدة». وهذه (الدقيقة الواحدة) هي محاولة لتجسيد ضآلة الفارق (مادّياً) حيث لا وجود لمثل هذه الفاصلة في لا شعور الفرد المُستهدف/هو، فهناك يكون النقيضان في حركة تبادلية وجدلية دائمة. وسيتبع هذه العلاقة الجدلية أن النقيضين يكونان – بالنسبة للاشعور – بالأهمية نفسها عند خط الشروع حيث يحكم اللاّشعور برغباته وغرائزه حسب «مبدأ اللذة» في حين يحكم الشعور وفق موروثه القيمي وما ينهي عنه الضمير الاجتماعي أو يباركه وذلك حسب «مبدأ الواقع». في الأول يكون الهدف هو حصول (الأنا) على اللذة من خلال تجنب الألم – وأحياناً من خلال استقباله كما هو الحال في الحالات المازوخية – عن أي طريق، أمّا في الثاني فالهدف هو أن يلجم (الأنا الاعلى/الضمير) جماح (الهو/ مستودع الغرائز) حتى لو عانى (الأنا) من القيود ومن التضحيات الجسمية في (كبت) شهواته وتسخير إرادته للآخرين وإذابة وجوده في وجود الجماعة/الحزب/الحركة..إلخ. ولكن هذا لا يعني أبداً أنّ صاحب الموقف البطولي سيكون بنيانه الشخصي وإرادته مسبوكة من معدن الصمود الفولاذي، مثلما لا يعني هذا أنّ صاحب الموقف الخياني سيكون بنيانه الشخصي وإرادته مجبولان من تراب الانخذال المدنّس. الإنسان يولد/كائن غريزي أناني وبالتالي خياني. (الشجاعة هي الخوف المقهور)، ويولد الإنسان رعديداً خائفاً ثم (يكتسب) الشجاعة وروح المواجهة؛ إنّ الخوف غريزة لكن الشجاعة تدريب. وحسب (هو) – ومن ورائه «الصائغ» – فإن الخيانة غريزة لكن الولاء تدريب، وكلّما اشتد عضد وعود مهارات البطولة كلّما اشتد ضغط وفحيح دفعات الخيانة، وفي لحظات معينة – مثل التي سيواجهها (هو) – قد تكون الطاقة المطلوبة لكبت/أو قمع دفعات الأخيرة أكبر وأشدّ قسوة من تبني الأولى:
«هو: (وكأنما يتحدث إلى نفسه) لن يكون خائناً إلاّ بطل. وكلّما ازدادت طاقته على البطولة كان تعرّضه للسقوط أشدّ. لهذا فالعلاقة بينهما وطيدة كعلاقة الموت بالحياة.. وأنا أبحث عن الفاصل بين هذين الحدّين.. أبحث عن بطل يحكم عليّ بالموت. لن يفهمني سوى البطل».
ولهذا نجد أنّ الكثير ممّن ينحدرون إلى سفح الخيانة هم ينحدرون – كما تظهر ذلك الوقائع التاريخية – من قمم البطولة. في أغلب الأحوال يكون تاريخ من يوصم بالتخاذل تاريخاً مشرّفاً وناصعاً، لم نسمع عن خائن ” عظيم ” – في أي وقت – لم يكن بطلا عظيما من قبل . الخيانة لا تلفت انتباهنا إذا صدرت عن شخص مُهمل في الخطوط الخلفية من الحركات السياسية أو الجيوش مثلاً. وإلاّ لكان التاريخ مازال يناقش حتى هذا اليوم أسماء ملايين الجنود الروس الذين سلّموا أنفسهم دون قتال للألمان في الحرب العالمية الثانية فخانوا الشرف العسكري وعهودهم الوطنية، ولكننا حتى هذا اليوم – وعلى سبيل المثال لا الحصر – نناقش – وبالاسم – موقف القائد العسكري الفرنسي «فيشي» الذي تعامل مع النازيين بعد احتلالهم (باريس) واختلف الكثيرون حوله لأنه لم يكن سهلاً أو رعديداً بل كان صاحب سجل مشرّف وأوسمة تشهد لشجاعته ولروحه الاقتحامية، والشيء نفسه يقال – مثلاً أيضاً – عن خيانة «ابن خلدون» الذي فتح للتتري (تيمور لنك) أبواب قلعة دمشق الأمر الذي تسبب في حرقها وذبح أبنائها، وقد وصل «ابن خلدون» هذا الدرك بعد مسيرة علمية وفكرية مشرّفة ومناصب خطيرة تولاّها في المغرب وفي مصر وعلاقات مع حكام ودسائس حاكها أو راح ضحيتها وسجون تعذب فيها.

– مداخلة:
[بالنسبة للمبدع «يوسف الصائغ» فقد اتهمه بعض رفاقه السابقين بـ«الخيانة» بعد أن قدّم (براءته) من التنظيم السياسي الذين كانوا ينتمون إليه. وصل «يوسف» إلى هذا المنحدر بعد سبع سنوات من السجن والتعذيب الجسدي والنفسي والإساءة إلى كرامته في سجن «نقرة السلمان» وفي «سجن الحلّة» وغيرهما. يقول «يوسف»: بعد أن خرجت من السجن جاءت أمّي لتقودني كالطفل فقد نسيت المشي. وقد أكدّ «يوسف» أيضاً أنّ القيادات التي تصدّت لقيادة التنظيم (هربت) أو (هاجرت) أو (سافرت) إلى الخارج وتركت الشباب يناضلون وكان من بينهم فتاة جريئة أحبّها «يوسف». ذات يوم كان له موعد معها، وكان الموعد في الساعة الثامنة من يوم ثلاثاء – انتظر «يوسف» ولم تأتِ حبيبته، كما أنها لم تعد إلى أهلها (واختفت) حتى هذا اليوم(5).. وما زال «يوسف» ينتظر(6)]. يقول (هو) مخاطباً الجمهور الصاخب: «لا يخاف البطل في المعركة.. لأنّه لن يكون لديه وقت للخوف.. إنه يمتلئ مثل الأطفال باللعبة، ويصبح حتى الموت سهلاً. هكذا: تقتلني أو أقتلك.. وأنا لم أكن خائفـاً، ولا متردداً، ولا ضعيفاً، كنت صافياً مثل طفل.. نقياً مقتنعاً مثل قدّيس». وهذه الحقيقة – حقيقة الانسجام مع النفس في الموقف/المصيدة – هي أمر صادم لعقلية القارئ واشتراطاته النفسيّة المعتادة. من دون هذا الانسجام لا يمكن للفرد الممتحن اتخاذ قراره بخلع جلده الفكري والنضالي وعرض لحم روحه الممزّق. لكن ينبغي التأكيد على حقيقة مصاحبة لهذا الأمر وهي أنّ هذا الانسجام مكلف بل مدّمر لأنّه سوف يكشف أمام أعين الملأ سرّانية الذات ويفضح بطانتها المُستنكرة والملعونة. هي السكين المحزّزة التي تمزّق أحشاء الروح في ذهابها وإيابها.. لكن الإياب الذي يدلق المحتويات بكل بريقها وعفونتها إلى الخارج أمام الأنظار الراصدة هو الأكثر إيلاماً. والكارثة – بالنسبة لـ(هو) – تتمثل في أنّ ذهاب سكّين المحنة المحزّزة كان من نمط طعنات البطولة المباركة في حين كان إيابها من نمط تمزّقات الخيانة المقيتة. لم يأتِ (هو) إلى ظلال الخيانة مرفها منعّماً كي ينفض يديه من تراب النضال المقدّس ليمرّغ نفسه في وحل الانخذال المدنّس. لقد أجبر على (الاختيار) وهو على الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، ولا شيء يساوي الخيانة ثمناً إلاّ الموت.
يقول (هو): «.. عندما أرادوا قتلي. لما أسندوني إلى الجدار.. كنت خائفاً. وكنت أوشك أن أتوسّل. الموت شيء لا يُحتل. والحياة جميلة.. جميلة. لن يدرك ذلك إلاّ شخص مقدم على الموت. إن إحساساً كهذا يمكن أن يدفع المرء إلى شتى أنواع الخيانات.. حينما خُيّرت بين الخيانة والموت جاء صوت وهتف في أعماقي – افعلها أيها الغبي.. أليس ظلماً أن تكون ميتاً في الوقت الذي يمتلئ فيه العالم بالحمير.. والحشرات.. والنمل.. تصوّر، ستموت، وكل هذه المخلوقات ستكون مؤهلة لأن تعيش لا يحاصرها خيار البطولة والخيانة.. (ضحك).. تضحكون؟ أنتم لم تمارسوا بشاعة التجربة.. الخيانة صعبة.. قبيحة.. هذا صحيح.. ولكنني وجدت الموت أقبح وأصعب منها.. ما حيلتي؟ لن يصدقوني.
أنا: لماذا؟
هو: لأنّ الخيانة تكون أحياناً كالموت صعوبة، بل لعل الموت يبدو حينذاك أهون (يقاطع نفسه ويخاطب الناس) اسمعوا نحن صنعنا الخيانة (يصرخ) لولاكم لما كان ثمّة خيانة أو بطولة (ينكفئ على نفسه ويبدو كأنه يبكي)…».
(الخيار) هو مستوى جديد من مستويات العذاب التي يتقلّب على أسنّتها (هو). الخيار بين البطولة والخيانة هو مصدر مخيف من مصادر شقاء الروح الإنسانية، الخيار معضلة والمعضلة هنا تنهك العقل البشري وتستنـزف الذات لأنّها ليست معضلة رياضية تُحسب بشكل بارد ومحايد، إنها معضلة وجود تمزّقه سكين الاختيار المحزّزة في ذهابها وإيابها، وإذا كان المختصون قد تعارفوا على وصف الإنسان بأوصاف ترفعه مراتب فوق مرتبة الحيوان بالقول إنّ الإنسان هو «حيوان ناطق» و«حيوان اجتماعي» و«حيوان يفكّر».. إلخ فهل نستطيع إضافة تعريف جديد – حسب أطروحات (هو) ومن خلفه «الصائغ» – مفاده أنّ الإنسان «حيوان خياني»/ «حيوان يمكن أن يخون»! وإنّ هذه الإمكانية التي يصارع الإنسان كي يكبتها أو يقمعها هي من مصادر شقائه العقلية الدائمة لأنها تمثل (الاختيار المحرّم). وهذه الطبيعة المتضادة: اختيار + تحريم كفيلة بتمزيق كيان أي حيوان بشرط أن (يفكّر) في  هذه الإمكانية. إنّ الجلاد حين يضع هذه المفاضلة/ الاختيار الجحيمي بين الخيانة والموت فإنه – في حقيقة خفايا الأشياء – يضع الخيانة بمستوى الموت وهي ستكون مساوية للبطولة عندما يرسم المناضل معادلته الخفية تحت مقصلة الجلاد وفي موازاة معادلة الجلاد وهي الخيانة أو البطولة أي – باستعاضة رياضية – البطولة أو الموت وبإحلال علامة التساوي بين أطراف هذه المعادلات سيتم تشكيل معادلة غير مقررة وبالتالي غير مقبولة من قبل الجمهور الحاكم – للخائن:
معادلة الجلادّ = الخيانة أو الموت أي الخيانة = الموت.
معادلة المناضل = البطولة أو الموت أي البطولة = الموت.
معادلة الخائن = الخيانة/الحياة أو الموت أي الخيانة = الحياة = الموت.
وعليه فإن الاستعاضة الرياضية بالعوامل سيوصلنا إلى معادلة جديدة صادمة هي: البطولة = الموت = الحياة = الخيانة!! ويمكن للقارئ أن يضيف ما يشاء من عدد علامات الاستفهام وسيكون محقاً في ذلك. لكن لنستمع لـ«هو» الذي يحاول رفع علامات الاستفهام بتأويله وقائع التجربة من داخل مرارتها: «(صوت) الممثل للسان الجمهور بعد أن يعلن أمامه أنّه قد راهن على انهيار رفيقه المناضل السجين – القتيل لاحقاً – بدوافع عدّة من بينها الحقد: وأفكارك؟
هو: يسقط الفكر – لم تكن الأفكار يوماً محردة بهذا الشكل الذي تدعونني إليه. إنّ فكري هو حاجتي. أمّا حين تجرّد القضية، حين تعزلها عن عواطفي، مخاوفي، غضبي، أحزاني…حينذاك.. كنت أوضح لك الأمر؟ انظر تستطيع أن تدرك أنّ واحداً زائداً واحداً يساويان اثنين. ولكن هذا لا يمكن أن يؤثر على عواطفك وألمك و… أحقادك. أن تدرك جدارة الحقيقة المجردة وتقارنها بما أنت فيه من معاناة وتشعر بالعزلة عنها لأنها لم تملك حين معاناتك أن تكسبك إلى صفّها فتنحاز إليها أكثر من انحيازك لتجربتك (بيأس) أنا مرتبك جداً.. ليس من السهل إيضاح ذلك. لقد ظل سؤالك يعذبني وحين بدأوا معي.. وأحسست بأول بوادر انهياري جاء السؤال نفسه وسكن عذابي..
– وأفكارك؟
– ماذا؟
– تتخلى عنها؟
– أبداً، لسبب بسيط لأنّها لا تصلح للتغيّر بسهولة.
– ولكنك حين تتعاون.. ألا تحسّ بأنك إنما تتعاون ضد أفكارك؟
– هذا صحيح (بعد برهة) إنّما مهما تعاونت فإنني لن أستطيع ولن تملك أيةّ قوة أن تبدّل من حقيقة أنّ واحداً زائداً واحدا يساويان اثنين – إن كانت صحيحة.. فما قيمة تعاوني؟
– القيمة أمام نفسك أيها الجبان.. إنك حين تتعاون تفقد كرامتك.
– أنت على حق، ولكن المشكلة.. آه لو يمكنك أن تقدّر هذا.. المشكلة أنّ كرامتي لا تبدو لي أغلى من حياتي.. وددت من كل قلبي لو أحسّ بعكس هذا.. لو كانت كذلك لاحتملت الموت ولكان الموت اختياراً سهلاً.
– في هذا تحريف فاضح .. فأنت بهذا تجرّد الذين ماتوا عن قيمة بطولتهم..
– أبداً.. كل ما أطمئن إليه الآن.. هو أن الأبطال أصبحوا أبطالاً لأنهم وجدوا الموت أسهل.. ألا ترى؟ يرى البطل الموت أهون عنده من الخيانة.. يرى كرامته أغلى.. يرى حقائقه مرتبطة بألمه.. فيختار..
-إذن فليس في البطولة ما يجعلها تزدهي المرء.
– إنّها قيمة اجتماعية، ومن هنا تأتي فرصتها الأخيرة.
– بل إنها لقيمة نفسية.. وفردية بحتة…
– لا بأس.. قل  إنها قيمة نفسية أيضاً.. ولكنها لا تعدل العدم الذي تقود إليه.. إنك حين تغدو بطلاً ستكون ميتاً.. ملغياً تماماً.. لن تحسّ شيئاً من مجدك.. كلّ ما تعد به نفسك سيكون بالنسبة إليك حلماً سريعاً ثم ينتهي.. ليس ثمة بطولة للموتى…».
بالنسبة لـ(هو) فإنّ قاعدة عمله في صياغة معادلته هي أن الموتى لا يشمّون زهور البطولة التي تُلقى على قبورهم/ ليس ثمة بطولة للموتى ولكن هناك خيانة للأحياء، خيانة تساوي حياة لا يعدلها موت مطلقاً، وفي هذا – بالنسبة لمنطق (هو) – درجة من العقلانية. أمّا بالنسبة للمناضل – ومن خلفه الجمهور – فإنّه يبني معادلته على أساس أنّ الموتى من الأبطال يشمّون زهور البطولة التي تُنثر على قبورهم وأنّ بطولتهم تساوي موتاً لا تعدله حياة مطلقاً، وفي هذا – بالنسبة لـ(هو) – درجة كبيرة من الجنون. يقول (هو) مخاطباً (صوتاً) آخر من الجمهور يرى أنّ الأبطال هم من يجدون الموت سهلاً: «لا أدري.. اسمع يا سيّدي.. في القوانين ثمة نوع من الجريمة يُعدّ أخف على مرتكبيها لنقص المسؤولية.. لا تغضب.. يلوح لي أحياناً أنّ الذين قبلوا الموت لم يكونوا بكامل مسؤوليتهم.. بالضبط كمن يرتكب القتل في ساعة هياج. أريد أن أقول: إنّ الذين تذكرهم ربّما، لم يحسّوا ساعة موتهم عمق الذّلة في الموت.. ألا يمكن ذلك؟ وإلا (بوحشية) فلماذا ماتوا… أريد أن أقتنع بالطريقة التي يمكن للإنسان فيها أن يقبل الموت.. يختاره دون أن يكون منتحراً بشكل ما.. ومع هذا فالانتحار يبدو بحاجة إلى شجاعة من نوع ما.. ينتحر اليائس والمجنون.. وليس ثمة حيوان ينتحر.. ألا ترون؟ إنك لن تكون بكامل إنسانيتك حين تختار الموت.. ثمة شيء مضاف  إليك.. أو مطروح منك.. ثم كيف يمكن الفرار من حقيقة أنّ الحياة تُعاش مرّة واحدة.. فرصة واحدة.. (بحزم) لهذا رفضت الموت.. لا أريد أن أموت..». إنّ البطل – بالنسبة لـ(هو) – هو الشخص القادر على تجاوز الحافة التي يصبح بعدها الموت أسهل من الخيانة، وفي حساباته أنّ هذا من نمط المحاكمات الجنونية لأنّ الموت هو أصعب (فعل) في الوجود في كل الأحوال مادام هو – أي الموت – ختام كل شيء وهو الحافة التي ينتهي بعدها صاحب الفعل – خائناً كان أم بطلاً – ويتبع ذلك عدم القدرة على نسبة الفعل – خيانة كان أم بطولة – إلى مصدره، وسنكون كمن يحكم على سلوك معلّق في الهواء ولا علّة له وفق المفاهيم الفلسفيّة، أي أننا سنقوم بإصدار حكم على نتيجة في الحياة الإنسانية مفصولة عن مسبّبها الإنسان وهو أمر لا يستقيم لأنه لا يُحسب رياضياً على قاعدة واحد زائداً واحداً يساوي اثنين، ففي أي وقت ينضاف فيه الذاتي إلى الموضوعي – الأحزان إلى الفكرة، الانفعال إلى المنطق والآلام إلى الأحكام – تختل كل الحسابات العلمية الباردة. فمن الناحية الفلسفية يرى (هو) أنّ الإنسان هو كيان يمتد في الحياة فقط، فإذا مات فإنه سيتحول إلى كيان مادي – أو لا مادي – آخر لا يصحّ أن نصفه بصفة الإنسان، وعليه – ووفق ما يرى (هو) – إنّ الإنسان الذي يختار الموت لن يكون بكامل إنسانيته.. ثمة شيء مضاف إليه.. أو شيء مطروح منه.. قد نستطيع القول – نحن المتفرجين ذوي الأعصاب الهادئة – أن نضيف إليه شيئاً – وبالتأكيد ليس من الزاوية التي ينظر إليها (هو) – فيصبح الناتج: بطلاً أو نطرح منه شيئاً  فيصبح الناتج: خائناً. ونستطيع إيجاد تخريج فكري أو (فلسفي) مقابل للأمر. إنّ المحنة – من جديد – تتمثل في تقييم تجربة من خارجها، وتحديداً – وهذا هو الأكثر خطورة – من خارج وعائها اللاشعوري الذي نضجت فيه، المصيبة – من وجهة نظر (هو) – تتمثل – في جانبها الأكبر في من منحوا صلاحية التقويم وإصدار الأحكام. ها هو يتوسل برفيقه – القتيل – الذي تعهد بإهارته أمام جلادي السلطة. «هؤلاء الآلاف الذين يجرؤن على اتهامي واحتقاري، ألا يثيرون قرفك؟ انظر.. إنهم ينتظرونك أنت أيضاً لتموت، فيتكرموا بالتصفيق لك من كل عواطف الخوف والضعف في نفوسهم.. أو لتضعف فيحتقروك.. حتى احتقارهم سهل.. احتقار لا طاقة له على المعاناة.. إنه احتقار يومي كما يمارسون تغسيل أيديهم.. هؤلاء يا صاحبي من بينهم تراه أجدر مني باحترامك؟ وأنت بالضبط تدري كل ما فعلته.. عشرات.. عشرات السنين.. والآن، إنهم يريدون ببساطة إلغاء كل ذلك والحكم عليّ بأنني جبان.. وخائن.. وتافه.. وحقير.. (إلى الناس) لستم أحسن مني.. حين كنتم في بيوتكم.. تنامون مع زوجاتكم وتتناولون إفطاركم.. وتقرأون الصحف.. أنا كنت أناضل سنوات.. سنوات طويلة.. لم يحمل أحد منكم صليبي.. أيّها القضاة: منْ بينكم أحسن منيّ؟». وهنا يلقي (هو) نفسه في شراك مصيدة مخيفة، فهذا المناضل الذي تحملّ مرارات النضال وأهواله سنوات طويلة حاملاً صليب معاناته وحده يتحول الآن – وبشكل فاجع – من مناضل إلى خائن، ثم – وهذا هو الأدهى والأكثر إثارة للفزع في نفوس الجمهور – إلى جلاّد يتعهد لمعتقليه بأن يعمل بكل قدراته إلى دفع رفيقه المناضل ومسؤوله الحزبي السابق في درب الخيانة الأسود، هذا الرفيق الصامد الذي ألقي به معه في زنزانة واحدة. يستذكر (هو) عدداً من وقائع تاريخه الشخصي تعكس وحدته واستلابه ولكنها لا تكفي لتفسير سقوطه. فهو يتذكر يوم مات أبوه وطرده عمّه، ويوم خذلته الفتاة التي أحبّها ويوم اعتقاله وساعة قال بوضاعة كما يقول:
«- أفعل ما تريدون.
– تخون؟
– أجل.
– قلها.
– ماذا أقول؟
– قل أخون..».
ولم يكتفِ – فقط – بقول كلمة (أخون)، وإنما تعهد لجلاديه بأن يكون جلاداً لرفيقه المناضل ويحوّله إلى خائن ومتعاون خلال خمسة أيام، خمسة أيام فقط رافعاً شعاره/معادلته كجلاد الآن: الخيانة أو الموت والتي رأينا أنها لا تختلف – بالنسبة له عن معادلة الخيانة التي عاش تفاصيلها الحية وعن معادلة البطولة التي اعتقد قناعة أو كآلية دفاعية نفسية – إنها تلوب في أحشاء المعادلتين السابقتين، لأنه يرى أنك لابدّ أن تكون بطلاً كي تخون وأنك لا تخون إلاّ إذا كانت لديك قضية!!.
«هو: إنهم يريدونني أن أحملك على التعاون. أدري بأنك تأنف أن تتحدث إليّ وأنت محق.. لقد خنت.. إنما لقد خنت نفسي قبل كل هذا.. وها أنت ترى.. آه لو تعلم أي عذاب أعاني.. (يهمس) أتدري؟ إنهم بعد خمسة أيام إن لم أنجح في حملك على التعاون معهم سيقتلونني؟.». ومن هنا يبدأ صراع ملتهب ومرعب مع الذات والآخر ومع الزمن. وبدءاً كان الاختيار مثيراً للاستغراب، فقد اختار (هو) رفيقه/الرجل الشامخ الذي جاء من بين الجمهور ليحلّ محل (القتيل)، وفي هذا حركة رمزية هامة تكشف أنّ أيّاً منّا يمكن أن يلعب دور البطل لكن لا يُسمح لأي منا بأن يلعب دور الخائن، لكن بإمكاننا إدانة هذا الدور بقوّة وقسوة. ولن ندرك الصورة الكلية لهذه الحركة إلاّ إذا وضعنا مقابلها حركة تحوّلات – أو استحالات وهذا الوصف أدق وأكثر اتفاقاً مع نوايا «الصائغ»  – (أدوار) (هو) وانتقالاته من دور البطل إلى دور الخائن ثم الجلاّد ثم عودته في النهاية إلى نقطة بداية مركّبة ستكون لنا وقفة هامة معها.
وقفة اعتراضية هامة:
قبل أن يتم إلقاء القبض على (هو) حيث خان قضيته وتعاون مع الجلاّدين وتعهد لهم بإسقاط رفيقه الذي سيعتقل لاحقاً – تعرض لمطاردة رهيبة قتل خلالها شخص برصاص الأعداء المطاردين. شاهد (هو) هذا الشخص وهو يتخبط ووجهه على الأرض ثم جاء أحد الجلاّدين ودحرج الجثة وصرخ ضاحكاً:
– آه.. لقد تبوّل على نفسه.
وقد أحدثت هذه الواقعة انفعالات عميقة وعاصفة في أعماق (هو) كان محورها هاجس استولى عليه مفاده خوفه من أن يتبوّل على نفسه، وهو ما يعلنه في أكثر من موضع في الرواية:
هو: «لقد كان ممكناً أن أكون بطلاً لو قتلوني.. بطلاً بالرغم مني (يضحك بمرارة) وكنت واثقاً من أنني لو فعلوا لما تبوّلت على نفسي.. وحتى لو فعلت.. ماذا بهم؟ إنكم لن تبلغوا من السخف درجة أن تحاسبوا بطلاً على ضعف مثانته».
ومن الأمور المثيرة للانتباه والريبة في الوقت نفسه، هو أنّ تحليل سيرة المبدع «يوسف الصائغ» في كتابه: «الاعتراف الأخير لمالك بن الرّيب» يكشف حقيقة صادمة هي أنّ «يوسف» كان يخاف من فضيحة التبوّل على نفسه منذ سنوات طفولته المبكرة. فعلى سبيل المثال؛ نجده يتحدث عن انفعالاته وهو يقف أمام الأخت الراهبة «ماري لويز» في (الآزيل) بالفرنسية و(المنفى) بالعربية – حيث استولت على مشاعره كطفل صغير حاجة لعينة ومفاجئة للتبوّل أمام الأخت، ووسط الأطفال، كان يرفع يده الصغيرة وصوته مستنجداً بصراحة وبوضوح أنه يريد أن يبول. وكان يردّد نداءه الحزين لحظة بعد أخرى ولكن صوته كان يضيع بين زعيق الأطفال. كان الطفل يحسّ حاجته تتضاعف ويخجل من ضعفه ويجهد في أن تسمعه الراهبة. في النهاية استسلم كما يستسلم البشر المعذبون لحاجتهم وضعف أجسادهم وكان عليه أن ينتظر الاكتشاف الذي سيداهمه بعد انتهاء الصلاة والعقاب الحنون الذي سيكلفه التلّذذ بمهانته أمام أربعين طفلاً لم يصدف أن حاصرتهم الحاجة وهم يردّدون الصلاة كما حاصرته»، وستعود هذه الحاجة المهينة والباعثة على الأسف وتتكّرر في مواقف مختلفة، ففي الفصل الحادي عشر من «الاعتراف الأخير» والذي حمل عنوان: «موت القطّة» يصف الشاعر الرعب الذي اجتاح جسده الصغير وهو يرى القطّة الأليفة بالعصافير السود التي تبقّع جسدها وهي تتدلى مشدودة من عنقها إلى الحبل الذي ربطته في عنقها زوجة أخيه القاسية ويعمّم ردّ فعله الشخصي ويقول: «ران على الأطفال صمت أصفر.. فهم شاحبون في قمصانهم يقاومون حاجة شديدة إلى التبول». ولسنا بحاجة إلى كثير ذكاء لنكتشف بعد هذه الخدعة (الإسقاطية) الصغيرة التي حاول «يوسف» الصغير إيقاعنا في حبائلها الواهنة حين حاول إيهامنا بأنّ صغار البيت كانت تجتاحهم حاجة شديدة إلى التبوّل وهم يشاهدون القطّة المشنوقة، فبعد أسطر قليلة يسلمنا «يوسف» مصدر هذه الحاجة المسقطة المعمّمة على الآخرين حيث يعترف قائلاً: «ظلّت أمّي تبكي في حين أخذتني الحولاء (يقصد خالته) من يدي وأدخلتني إلى الغرفة وأجلستني جانبها بصمت ثقيل ورويداً رويداً بدأت حاجتي للتبوّل تتخلى عني. كان الصراخ والمواء يأتي من الفناء.. أي بأس وأي نضال؟». لقد تولاّه خوف ممزِّق مردّه إلى أنه: «بدا لي، أنّ هذا الذي يفعلونه بالقطّة يمكن لسبب مشابه أن يفعلوه بي». وهو بهذا التصوّر المرعب يضع ذاته موضع مشروع (فداء) أو (تضحية) يُدفع من الداخل نحو تهديد من الخارج بات لسبب (باطن) و(مُستتر) يوجّه مخلبه المميت نحو رقبته من بين أهله جميعاً. ومن الغريب والمؤلم أنّ صغيراً في هذه السن يقف – كما وقف أمام الأخت «ماري لويز» هدفاً لقصاص غير متوازن وغير مبرّر، وعلى يد من؟ على يد (الكنّة) زوجة أخيه «ذات اللهاث الوهمي الذي يتخذ إيقاعاً شهوانياً مثيراً». فهذه (الكنّة) «تستطيع إذا أشارت أن تشد الحبل في عنقي وسأكون وحيداً معلّقاً في الفراغ ولن يكون ثمة من يستطيع إنقاذي: أمّي ولا عمتي». إن إحساساً بـ(الانكشاف) المؤلم يسيطر عليه بصورة تجعل النوايا الغائرة طافية ومعلومة: «قررت في نفسي أن أخفي خوفي العظيم، فقد كنت أحدس أنّها هذه العروس – ما أن تكتشفه حتى تروح تفكر بأنها يمكن حقاً أن تفعل ذلك.. وستبقى عند ذاك تذكرني، بأنني لست أكثر من قطّة». هؤلاء الذين يركبهم شعور ممض بالذنب يحيون – باستمرار – تحت ضغط القلق من (الانكشاف) من ناحية، والحاجة للتكفير من ناحية ثانية. وقد يكون هذا الشعور بكون الذات مشروع «فداء» تكفيري بسبب آثامها (الشيطانية الصغيرة) المختزنة، هو الذي جعل «يوسف» – عندما كبر هذا الشعور وتسيّد – ينخرط في دروب (النضال) السياسي في عملية (تكفير) ذات نتائج ظاهرة في فعلها الإيجابي المربك المعزّز بنرجسية فائضة. ويوصل الإحساس بالإثم والشعور بالقابلية للانكشاف إلى وقوع الفرد تحت تهديد دائم يتمثل في إحساسه بأنه سوف (يُفلت) أمراً ما، وأنه سوف يفقد سيطرته على ما (يختزنه)، وأنه من الممكن أن (يلّوث) نفسه   في أي وقت، وإذا وضعنا في حسابنا واحدة من أطروحات التحليل النفسي المركزية والمتمثلة في مرونة القواعد التي تحكم فعل النفس البشرية، هذه المرونة التي تجعل السبب الواحد موصلاً لأكثر من نتيجة، وتعيّن النتيجة الواحدة بأكثر من سبب، فإن بإمكاننا أن نتوقع من هؤلاء الأشخاص أكثر من مسار سلوكي مستقبلاً؛ فقد ينموّن – وبقوة – آليات دفاعية مضادة – أو دروع طبع وقائية حسب «آنا فرويد» – في غاية الصلابة ترشحهم للعب أدوار البطولة في أكثر اللحظات النضالية حلكة ، وقد (يفلتون) صمامات إراداتهم وضوابطها فيظهرون أشد درجات الخيانة خسّة وتدميراً لحركاتهم السيّاسية، كما أنهم من الممكن أن يتحوّلوا إلى جلاّدين ماهرين بشراسة تفوق شراسة الجلاّد التقليدي وهم في هذه (الاستحالة) و(التمظهر) يشتركون – وبغرابة – مع احتمال التشكّل الأول –  الـدور البطـولي – في قواسم الآليات النفسيّة مثلما يشتركون مع احتمال التمظهر الثاني – الدور الخياني – في جذور العوامل الضاغطة الحاكمة. ويعبر (هو) عن هذه الكيميائية النفسية الفريدة وقد أصبح جلاّداً رهيباً لرفيقه/القتيل/الشامخ بعد أن خان قضيته هو الذي كان بطلاً في الدفاع عنها بدمه:
«هـو: أيّهـا الحـرّاس، (إلى القتيل) والآن اعذرني.. فسأجرّب شيئاً جديداً (ينحني عليه) استيقظ، افتح عينيك يا صاحبي.. وقل هل جرّبت أن تحتمل الماء المغلي؟ (يبتسم بمرارة) لستُ جلاداً مرهف الخيال.. ها أنا أعيد بعض ما خبرته أثناء تجربتي.. وسترى.. سأسلق قدميك.. آخرون رأيت أقدامهم تشوى.. شممت منها رائحة الشواء.. رائحة بشعة توشك أن تدفع وحدها إلى الانهيار.. (أيها الحراس) أتدري يا صاحبي؟ حتى الجلاّد له عذابه. إنه يعاني قلقاً، ورفضاً داخلياً، ليس من السهل تجاوزه. إنه يخاف العذاب الذي يستعمله… يتصوره، ويفكر دائماً في الإقلاع عن دوره.. في كل لحظة يخيل للجلاد أنه موشك أن ينهار، ولكنه يبقى يمارس العذاب والتعذيب أو يتحول إلى شخص مجنون.. لابدّ للجلاد أن يكون مجنوناً.. لابدّ للبطل أن يكون مجنوناً.. هؤلاء جميعاً أناس غير عاديين حتى الخونة…».
وها هو (هو) يوغل في لعب دور الجلاّد مع (البطل) وفق ستراتيجية نفسية دقيقة برع فيها لأنه (هو) (كان) هذا البطل سابقاً، أنّه (يعرف) الثغرات التي يلج منها بذكاء ويعتقد أنّ نقاط ضعفه التي طوّحت به عن عرش البطولة إلى حضيض الخيانة هي نفسها التي ستطيح برفيقه، ولهذا فليس عجباً ولا غريباً أن يختار (هو) – في أول تجربه له وفق دوره الجديد المركّب – بطلاً هو مسؤوله الشجاع السابق، لم تردعه هالة البطولة الأخاذة التي تحيط برفيقه من أن يدخل مضمار التجربة/ الرهان في أن يُسقط رفيقه خلال خمسة أيام وهنا مكمن خطورة المناضلين السابقين الذين يتحوّلون إلى جلاّدين، سيتمنون – الآن – أن ينهار العالم كلّه ، وتجتاحه كراهية فظيعة لكلّ ما يبدو متماسكاً، سيمتلكه هوس جامح لإهارة رفاقه المتميزين/الرموز:-
«هو: (يمد يدله للقتيل عبر الصورة ويصافحه، وحين ينتهي تتخذ الصورة وضعاً جديداً.. القتيل يواجه الناس ويبتسم بسعة) وكنت أدرك دائما أنه أجدر مني.. ولهذا كنت أطمح إليه.. وأحبه كأنني أحبّ طموحي.. وأخافه بشكل غامض أغلّفه بالتحدّي (….) «باختصار.. ألقي القبض علي.. انهرتُ وتعاونت أمّا هو.. فهرب.. وظلّوا يسألونني عنه.. لقد كانوا يخافونه.. حتى لقد حسدته.. ولذلك اعتبرته قضيتي. كان السؤال هكذا: إذا اصطادوه.. أفيخون أم لا؟».
إنّ الجلاد الخائن/ الحالي والبطل السابق يمتلأ بالتحدّي حين يُدعى للعب دور بطولة في خيانته، إنه يصبح حاقداً جداً وكأنه إذا ما نجح إنما يبرهن على أن الكون كله ساقط في الخيانة. ولكن و(هو) يتقدم نحو رفيقه ليعرض عليه الخيار/الجحيم لم يكن الأمر بالنسبة له يسيراً، كان يتمزّق ويتحطم من الداخل، كان مرتبكاً، فالخائن لا يمكن أن يخون تماماً، إن جزءاً منه يبقى – حسب «هو» – دائماً متمرداً، وهذا بعض عقابه، فقد كان إزاء رفيقه الشامخ اثنين: واحد يُعذب والآخر يتعذب وحين ألقي القبض على الشامخ «انقسمت تواً إلى اثنين: أنا فرح/ أنا حزين، أنا منتصر/ أنا مخذول، سيحون/ لن يخون». لقد تهيّب (هو) الاقتراب منه كمن يقترب من ماضٍ ابتعد عنه، لقد أصابه الرعب لأنه كان يعتقد أن وجهه الحقيقي يكمن وراء ملامح رفيقه المدماة، كان يوشك على البكاء بالرغم منه.. محنته الفظيعة هي كيف يبدأ معه؛ كيف يعرض عليه خيار الخيانة. لقد اختار أنموذجاً أبوياً مقتدراً طالما تماهى معه واقتدى به رغم جمرة الحسد التي تستعر تحت رماد الإعجاب، هذا التضاد هو الذي سيجعله جلاداً مدمراً بالنسبة لرفيقه مثلما جعله معجباً به من قبل، هذا الإعجاب والاقتداء مازال قائماً وبقوّة في مرحلة لقائهما الأولية في الزنزانة، فرغم عرض الخيانة الذي طرحه أمامه نجد (هو) يحذّر (القتيل) من الضعف ويدعوه للصمود لأنّ (الخيانة عذاب لا يُحتمل)، ويذكره بأيام صداقتهما السابقة لأنه مازال الشخص نفسه الذي أحبّه الشامخ وعرفه ولا يُعقل أن يتغيّر ويصبح إنساناً آخر فجأة: إنّه يطلب منه ويلحف في الطلب نفسه الذي قدّمه إلى الجمهور من قبل وهو أن يحكم على رفيقه من الداخل – من داخل التجربة – فهو يخشى الحكم الصادر من الخارج لأنّ في ذلك القسوة الكاملة. ولكي يتم (الفهم من الداخل) يحاول (هو) التأكد من أنه – هو والشامخ – كائنان بشريان وليسا إلهين متعاليين حيث يعترف له الشامخ – بعد إلحاح شديد وتوسلات – إنه – مثله – شعر بالخوف المنغّص الذي يأكل القلب حين اعتقلوه وألقوا به إلى السجن. والمشكلة أن الجمهور يضحك حين يسع مثل هذا السؤال  يوجّه إلى (بطل). يقول (هو) لرفيقه بعد أن سمع ردّه الإيجابي: «رائع، لقد عرفت دائماً أنك ستفهمني، وكنت واثقاً أنك لا يمكن أن تكون قاسياً مثلهم ومكابراً.. وإنك مثلي الآن تخاف.. ولكن انتظر.. ليس دائماً.. المشكلة أن الإنسان حين يهرب.. أو يقتل يصبح وقته.. كل وقته خوفاً يجب أن ينتصر عليه.. أنت الآن لم تنتصر على خوفك بعد.. أوه.. لا تغضب».
ينتقل (هو) إلى مرحلة أكثر تقدماً في مشروعه لاستعادة الثقة المفقودة فيعرض على الشامخ أن يضمّد جراحه فيرفض الأخير، ثم يطرح أمامه خطّة خطيرة وهو أن يهربا سوّية فيبصق الشامخ في وجهه: «.. لو أحسن استغلال ضعفي لدخلت التجربة بحماسة.. لم أمسح بصقته عن وجهي.. تركتها تسيل متشفياً بنفسي وبذلتي.. وغضبي.. وفي الوقت نفسه حاولت أن أجعله يندم.. كان خوفي من أن أفشل يزيد من شدة انفعالي فأزداد بكاءً». لقد سلّمه الجلادون مفتاح الزنزانة ومسدساً فصار من اليسير عليهما أن يهربا، وعندما يرفض الشامخ هذا العرض يتنازل (هو) بصورة غريبة ويطلب

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.