الرئيسية » مقالات » مخطوطة آخر كتاب للراحل ناظم السعود: المدوّنة الحادية عشرة؛ اقباس من كتاباتي الصحفيّة (ملف/25)

مخطوطة آخر كتاب للراحل ناظم السعود: المدوّنة الحادية عشرة؛ اقباس من كتاباتي الصحفيّة (ملف/25)

ناظم السعود وقبلة مزدوجة من طفليه

“ريبورتاج مصوّر ” في رحاب المسيّب
النوريّون خارج ألنت!

كانت الفكرة تجمع بين الطرافة والجدّة والمتعة وقد أوجزها لي سلام محمد البناي في رسالة انترنيتية هكذا : لطالما تعايش النوريون في شبكة واحدة اقتصوها خيمة لهم من سماء افتراضية زرقاء فكانت ( الخيمة ) ملتقى لأقلامهم وموئلا لطشّ مكنوناتهم وتسريب آهاتهم وأشواقهم ،واصبحت محل استراحاتهم وموضع اشتباكاتهم اللاتنتهي! …فماذا يحصل لو أنهم فارقوا شبكتهم وأراحوا خيمتهم من لهوهم وجدهم وضوضائهم ولو لساعات ينفصلوا خلالها من افقهم الافتراضي لينضموا سويعات الى عالم الآخرين الواقعي؟!
وهكذا كان .. حشد من الاتصالات الهاتفية تطرق أبواب النوريين المتوزعين بين كربلاء والحلة وبغداد حيث اختيرت ( المسيّب ) محلا للّقاء ( وأظنه الأول من نوعه خارج المناسبات الثقافية ) وقد جاء اختيار المسيب لامتلاكها عاملين جوهريين : لأنها أولا ( حالة جغرافية ) وسط بين أقطاب جغرافية متباعدة ، وثانيهما لأنها محل سكنى للنوري الطيب والقلم الأنيق سلام كاظم فرج صاحب الدعوة لهذا اللقاء المضاد لعالم الافتراض والمكتظ بثنائي الجدل والدسم !!.
وقبل الموعد بيوم هاتفني النوري المحنّك صاحب الابتسامة الحانية حمودي الكناني مؤكدا الدعوة ( ابو اسعد موعدنا صباح غد الجمعة امام الكراج الموحد فحذار ان تنسى موعد النوريين !) وكان هذا إنذارا مبطّنا من اسم اجّله وأخشى من وعوده ووعيده ! ، وكان علي ان أتحّرر من التزاماتي اليومية مع صحيفتي ( العهد والشرق ) ووكالة أنباء الإعلام العراقية / واع وإذاعة كربلاء لاتفرّغ لرحلة مجهولة في مسيب معلومة!.

وفي الموعد والمكان المحددين اقتربت مني سيارة مترفة وهبط منها الكناني والبناي مرحبين وقد أصّر( وفي واية أخرى ألّح ) حمودي الكناني ان اجلس في المقدمة وقد أوجست خيفة من هذا الطلب لأنه في بلدي الحالي (طويريج) هناك قانون يوجب على من يجلس في ( الصدر ) ان يدفع الأجرة كاملة بينما كانت هناك (سنينة ) في بلدي السابق (الفضل / بغداد ) تشترط على من يجلس في المقدمة ان يتولى مهام فتح وإغلاق الأبواب والنوافذ في حالات التنزيل والتصعيد والاختناق ولا سيما أثناء المسيرة العسيرة لتشكيل الحكومة !لهذا كتمت طلب الكناني في نفسي حتى عودتنا بلا خسائر من الأفق المسيباوي .

وأثناء الرحلة علمت ان سائقنا هو نجل الكناني واسمه ( علاء ) له كتابات أدبية كما يهوى عالم الاتصالات والكاميرات وقد أفادتنا هواياته كثيرا في الجلسة النورانية ، وأثناء الرحلة من كربلاء الى المسيب افتقدت الوجهين النوريين علي الخباز وميثم ألعتابي ولم اعلم حتى اللحظة ( الأسباب الموجبة ) لعدم وجودهما معنا وقد يكون السبب ان الخباز والعنابي كانا يبحثان عن اللغز الذي حفّز شاعرنا العالمي يحيى السماوي على كتابة مقاله الناقد لمآرب وكواليس التعليقات في كوكب النور !.
وفي الطريق تبادل البناي والكناني رشقات غير موجهة من الآراء والسجالات التي يجدها السامع المحايد لا تعني أحدا او شيئا ولكنها للذي يجلس في المقدمة تفصح عن كل شئ كما تقصد الآحاد جميعا ، غير ان الخبر السعيد فعلا ان الكناني فاجئني شخصيا باتصاله الهاتفي بالناقد والصديق الحميم فائز الحداد الذي تبين انه الآن في بغداد وقد فرحت لأنه اخبرني انه سينظم الينا في وكر المسيب !،
وما ان وصلنا الى المكان المحدد ( امام مدرسة العهد الجديد ) حتى وجدنا ألنوري الجميل ( متولي شؤون الضيافات مابين السويد وحتى أطراف المسيب ) سلام كاظم فرج الذي أخذنا بجولة استطلاعية لتطمين القلوب من ان المنطقة أصبحت بشكل آخر مطمئن ( أمان وسلام ) لكننا ما ان خطونا باتجاه بيته حتى صادفنا تلا من القمامة يقيم بجانب مدرسة ( العهد الجديد ) فانبرى البناي متسائل : :
ما صلة القمامة ب ( العهد الجديد ) ؟! والأكيد انه أرادها ملاحظة عابرة ولكنه نطقها بطريقة أسمعت أهالي المسيب وضواحيهم ! أما انا فقد حذرت قلبي المجلوط من إظهار أي تعليق مسموع عن الصلة البنّائية المزعومة !.
حين دخلنا بيت مضيّفنا سلام كاظم الذي توضح لي عيانيا انه افتتح في بيته ومن دون ان يخبر احمد الصائغ او ثائرة شمعون مركزا عراقيا يمثل مؤسسة ( النور ) والبرهان انه جند أهل بيته من أولاد وزوجة ليكونوا كتابا ومحررين ومصورين وليطيروا يوميا على جناح النشر من مركز المسيب وحتى عاصمة السويد ، ثم ياتيك سؤال برنامج من يخسر البليون :هل سدّد آل فرج بدل الاشتراك واستلام الهويات وحقوق البث بين المسيب ومالمو ؟!.

كنا أول من حضر لهذا تكلمنا وتماحكنا لأكثر من ساعة قبل ان يهّل النوريون تباعا : فلاح الشابندر / صباح محسن الجاسم / إبراهيم الجنابي / فائز الحداد ، ولأن الشابندر كان متعبا فقد طلب ( وهناك من يقول انه أمر ) مضّيفنا سلام كاظم ان يأتيه فورا بأقداح الشاي السيلاني او القهوة التركية او البرازيلية ( نكاية بالعرب الذين طردوا الحداثة من بوابة الألفية الجديدة وانضمامهم لعصر المناطحة والمحاصصة !)، وفورا ايدّ المطالب المشروعة للشابندر كل من الكناني والبناي والسعود ظنا منهم ان هناك مشكلة في رأس الشابندر ويجب حلّها سلميّا بالمهدّئات وإلا ستهيمن على الجلسة فلسفة الحيص بيص!.
وفجأة سمعنا أطلاقات تنويرية وهتافات مدوية فبسملت وحوقلت وقلت لمن معي مهنئا ( لعل الحكومة خرجت أخيرا من بطن الحوت) لكن المضيًف الذي جند أولاده وأبناء عمومته لجمعة النور هتف بنا:
مرحى لكم فقد اقبلت قافلة النوريين من بغداد .. ونهضنا بشرين ومهللين وفتحنا الأذرع للقادمين : سعدي عبد الكريم / راضي ألمترفي / جمال الطالقاني .. ويا لهم من ثلاثي مرعب اذ أنهم ما ان استقروا في الجناح الشمالي حتى اخرجوا عدتهم النقدية وانهالوا بها صليا على باقي ولا سيما الجناح الجنوبي ( جناح فائز الحداد !) وأخذت أوشك على رفع عكازي مستسلما من هذه الصولة البغدادية العزوم لولا ان تداركهم ابراهيم الجنابي باطلاقات موجهة أصابت الجناح المقابل بالصمت المؤقت!
وقد وتّرني سؤال ذاتي : اين ( آل يعقوب ) .. يعقوب ومنى وفاطمة وكتمت السؤال لئلا يقول المعقبون ان وزير التجارة هدد بقطع المعونة الشتوية عن كل ما يذكّره بمسلسل يوسف الصديق(!)!،
وسط التراشق الحواري من طرف واحد لمحت سعدي عبد الكريم يعاتب الشاعر البناي لان الأخير لم يف بوعده له للقاء في كربلاء ، فأعلن البناي جهرا عن قبوله اية عقوبة ولكن عقوبة سعدي كانت عبارة عن لقاء مفتوح يهيئ له البناي بشكل مزامن لعقد الجلسة الأولى للحكومة الجديدة فقمنا بتهنئة البناي قائلين له:إبشر !.
وقبل ان تعلوا السحابات ويستعّر الوطيس بادر السعود بمحاولة تبريدية يائسة للموقف الساخن بان وجه سؤالا مباغتا لصديقه المعتق فائز الحداد ولم يعلم ان سؤاله سينكأ جرحا كاد يندمل في قلب الحداد: :
انا اعرف انك مقيم في العاصمة السورية منذ سنوات ولكنني أفاجأ بك في بغداد بل في المسيب الان فبماذا التعلل؟
اردتها فرصة لإبعاد الاحتدام المبكر ولم اعلم أنني أثير الأشجان في نفس الصديق الطيب فائز الحداد ، اذ وجدته يتنهد ويخرج مزنة لبدت في داخله منذ سنين:
حين صدر ديواني الشعري الأول جاءتني ثلة من جنود الأمريكان واعتقلوني لعدة أشهر بسبب مضمون الديوان وقد وجدت نسخة منه عند المحقق وأشار اليه أكثر من مرة وهو يحقق معي وما أن أفرجوا عني حتى قررت السفر بعد ان هجست ان في الجو غيم ملون ! وهكذا وصلت دمشق وبقيت طوال السنوات الأخيرة ولكنني كنت بحاجة لمبلغ هناك حتى استقر في سكن خاص ولهذا السبب عدت هذه الأيام لتدبير المبلغ الذي احتاجه، ولكنني اقول لكم أنني أتابع بلدي العراق بقلب دامع فيا ليته يعود لأعود !.
وهنا خشيت كثيرا من الكلام الرثائي للحداد لأنني سبق وان كتبت المقدمة لديوانه الأول المعنون ( قبعة الأفعى ) فتهيأ لي ان هناك مذكرة أمريكية صادرة بحق كاتب مقدمة الديوان المغضوب عليه!
ولكن الحداد قال ان الديوان المقصود لم يكن ( قبعة الأفعى ) بل ديوانا ثانيا لم يشأ أن يذكر اسمه
ووصلنا غوث النوريين للخروج من هذه ( المحزنة ) اذ هطل علينا تباعا سرب من نوريّي المسيب والإسكندرية يتقدمهم موسيقار الفرات العذب صباح محسن جاسم بكامرته واتصالاته وترجماته ومعه الشاعر والناقد ابراهيم الجنابي (رئيس منتدى الإسكندرية الأدبي) وقد ارتدى ومعه صباح محسن الجيل الثالث من دشداشة شاكر ، وبرز لنا أديب كنا نسمع به ولا نراه خارج الورق واعني الرجل الدمث توفيق حنون المعموري( شاعر وروائي ورئيس منتدى أدباء المسيب) فاذا أضفنا الى هذا السرب جماعة آل سلام كاظم :
القاصة سنيةّ عبد عون رشو والكاتب هشام سلام كاظم وعميدهم سلام لأدركنا أننا بتنا أقلية وسط كتلة المسيب -اسكندراني !.
لكنني عجبت ان صباح محسن جاسم حرص على ان يثير حوارا عن مفهوم الالتزام واين موقع الكاتب الملتزم في عصر القطب الواحد والعولمة او الأمركة ( لا فرق) ، وغير هذا المحور وجدت صباحا يلوذ بصمت داخلي كظوم ينوء وئيدا تحت لغز محير: من يلم أشتات أعضاء مجلس النواب المتوزعين بين القارات الست ويعيدهم طائعين الى الأوكار الخضر؟ وقد ظل طوال الجلسة مشغولا بإجابة لن تأتيه ابدا !.

وبدأ السجال

كنت اعلم ان أعاصير النقد آتية لا ريب فيها لان اغلب النوريين ملتزمين مثلي بمقولة سارتر الذائعة وهي ( المثقف ناقد بالضرورة ) ولهذا لم اتفاجا بأي مباغتة من سؤال سلام كاظم الذي أراد تسخين الجلسة من البداية : ما هو المشهد النقدي الان ؟ فوجدها الطرفان الشمالي ( جناح سعدي عبد الكريم ) والجنوبي
( جناح فائز الحداد ) فرصة سانحة لطرح ومبادلة مختلف مناهج النقد وأطرافه وأنماطه واستمتع الحاضرون بوجبة حوارية دسمة استباقا لوجبة الغداء فقد تنسمت أنوفهم بأطايب البنيوية والحداثة ومصيبة موت المؤلف وموت النص وموت المتلقي ! ومن جهته أعلن سعدي عبد الكريم على رؤوس الشهود عن بعض أدبياته الثورية: (( اية قراءة للنص هي خيانة للنص !)) وغلظ صوته وهو يردد (( كلنا انطباعيون)).

وكان دور حمودي الكناني بارزا في دس الأسئلة داخل علب التوابل منعا لهبوط النقاش فقد سال أولا فائز الحداد سؤالا يعد من نواقض الوضوء وهو : متى تكتب ؟! فأجابه الحداد إجابة تشبه رد عضو مجلس النواب على من يسأله : كم تستلم؟! فيأتي الجواب واحدا من الحداد والنائب : لا وقت محدد.. ولا شئ ثابت وكله حسب الاستفزاز !! ،عندها صوب الكناني عيونه الأربع الى راضي المترفي وعالجه بجنحة السؤال :وهل يصلح الشاعر ليكون ناقدا ؟ فاجابه المترفي واثقا :ان افضل ناقد للشعر هو الشاعر نفسه !، وكان الكناني عقب كل سؤال يطرحه يقول: أريد أن ارتاح! وشعرت كما لو ان أزميل الأسئلة يخزه فعلا .
وسرعان ما أعيدت كرة الأسئلة الى جناح سعدي الذي اهتبل الفرصة ومر سريعا على زمن بارت وقراءة النص وتفكيكه ليعلن خلاصة غير منقوصة : نحن نعيش ترفا نقديا ! وكان الى جانبي مضيفنا الكريم سلام كاظم ولحظت انه بات يتلوى من سخونة الأسئلة فخشي على بيته من النتائج وما كان منه إلا ان رمى سؤالا مزدوجا للسعود والحداد : هل لكل شاعر قاموس شعري ؟ فأجاب السعود ان الشاعر لو اجتهد وكون ذخيرة لغوية ومعلوماتية فالجواب نعم ، في حين قال الحداد انه يميل الى الأسلوب أكثر من القاموس .

محاور ثنائية

في الركن الغربي للجلسة ( جناح ابراهيم الجنابي ) نشبت ( وروي أنها نبشت ) حوارات حادة عن معنى الكتابة ولم نكتب وسوى ذلك من أسئلة دخلت الان في (البورد العربي) وكان اكثر المتصدين لها هو الناقد الجنابي الذي فتح الاثر والموروث والمعاصرة ليقول ان الكتابة تاتي بعد عملية وخز للمكنون في داخل الإنسان ، واثنى السعود على إجابة الجنابي وجاء بمثال مصدق للإجابة وكيف ان الروائية غادة السمان كتبت روايتها المعروفة ( بيروت 75 ) وهي تحت تأثير حقن المخدرات واعترفت بهذه الفعلة لحاجتها لاستفزاز اللاوعي وإخراج مكنونه
في حين ذكر الشاعر سلام البناي ان القصيدة لا تحتاج الى استحضارات خاصة لكي تكتب لأنها تأتي عفوية وبالصدفة!
وكرت الإجابات من الاجنحة كلها :

راضي المترفي : القصيدة تولد مرتين

الكناني : الشاعر شخصية مجنونة في لحظة معينة

الحداد : القصيدة تكتب بوعي ( وكأنه يرد على الكناني)

سلام كاظم : الكاتب لا يؤخذ بجريرة نصه

فلاح الشابندر : الحدث اكبر من الكل فهو يرى ما لا يراه الآخرون..

وهنا عاد حمودي لطرح سؤال اقضه وابعد عنه فنون الراحة:

متى يكتب الشاعر القصيدة ؟

فاجابه المترفي فورا :ان البيت الأول هو هبة السماء !.

وهنا أزف وقت وجبة الغداء وقد تصدرتها بضعة اسماك علمت من مصادر خاصة ان حمودي الكناني من هواة صيد الأسماك وله صولات وجولات في برك خاصة وعامة ضمن قواطع كربلاء وكانت الحصيلة هذه الوجبة الدسمة حين سكت الكلام .
انها لعمري صور ومواقف لا تنسى لحشد من النوريين الذين التقوا وتحاوروا لاول مرة خارج النت !.

المسيّب
06/10/2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *