أ.د.قيس حمزة الخفاجي : الفكر النقدي عند الدكتور علي جواد الطاهر في ضوء القراءة النسقية (14) (ملف/25)

إشارة :
من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تُعدّ هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات ووثائق وصور.

المبحث الثاني
نتاج مرحلة الإغناء (1968-1981)

في نهاية الستينيات نجد لقاء مع الطاهر، تحدث فيه عن واقع النقد عند الجيل الذي سبقه، قائلا:”لم نكن نرى شيئا منه.. وقد نقرأ – أو نسمع- سبا أو شتما أو مدحا ومبالغة في المدح. ولكننا- على أي حال- لم نشعر بوجود نقد عراقي. وظهر لي- فيما بعد- أنه يمكن أن يعد محمود أحمد السيد من رواد النقد الحديث. ولو تهيأ له من الاطلاع على أدب أجنبي والاستمرار على الكتابة لكان له في النقد شأن آخر”( ). وتعلم لغة أجنبية والاستمرارية مبدآ نبه الطاهر على أهميتها أكثر من مرة.
ومن نافلة القول أن نذكر أن الطاهر ذكر أن النقد يولد( )، وأكد “أنه لا بد من أن يولد الأدب المنتظر.. الأدب الكبير”( ). وهذه عناية بـ(تأرخة) الحركة النقدية واستشراف للآتي ولصفته أدبيا.
الاطلاع على الأدب الأجنبي يقرّبه منا ويقرّبنا منه في مسألة محددة تتجلى في قول الطاهر:”إننا نقرأ القصص الغربي وهو في حقيقته يمثل بيئة وهو محلي- إن شئت ولكن عمق القصاص ونفاذه إلى العناصر الإنسانية وراء القشور هو الذي قرّبه منا وقرّبنا منه- المهم: عمق الغوص، وحسن الاصطياد وحسن الأداء”( ). وهذا الاستدراك بـ(ولكن) يجعل قول الطاهر- هنا- عن بيئية الأدب، يتسق مع ما ذكره – وذكرناه- سابقا من تحدي الأدب الرائع حدود البيئات.
تلا ذلك اللقاء لقاء آخر انصب الحديث فيه على النقد والنقاد. ومن أهم المبادئ المطروحة فيه، أهمية تبلور الشخصية العربية في النقد، فعدم تبلورها هو السبب وراء افتقاد المدرسة النقدية( )، تلك الشخصية تشكلها “العقول النقدية الكبيرة التي تهز الأمة وتتبع من ضميرها”( )، أي التي تصل إلى حد(العبقرية)( ).
ومما له ارتباط بهذا المبدأ، قوله:”إن النقد- أكاديميا- هو خلاصة نضج عام، والمدرسة النقدية لا يمكن أن تأتي بمعزل عن تطور الحياة نفسها، وفي نظري، فإن تعثر النقد العربي يعود إلى تعثر الحياة نفسها”( )، إذ يبرز لنا مبدأ نقدي(ضخم) هو أهمية تطور الحياة المحيطة بالنقد والناقد. يقول نعيم اليافي عن هذا المبدأ:”النقد الأدبي جزء لا يتجزأ من نشاط الفكر العام أو الوضع الثقافي للمجتمع في هذا البلد أو ذاك، يتأثر به ويؤثر فيه سلبيا أو إيجابيا، وإذا ما أصاب الخلل أحدهما فلا بد أن يعكس عقابيله على آخرها”( ).
وقاد هذا المبدأ فكر الطاهر إلى الإعلان عن مبدأ نقدي يشير إلى “أنه لا بد من ضرورة اجتماعية حادّة تستدعي نشوء نوع أدبي”( )، وقد سبقه بقوله:(وفي نظري) إشارة إلى توصله الشخصي له.
ومن ذلك الحديث، ما دار على(المنهج) فكشف الطاهر عن(منهجه) و(مظاهر منهجه) قائلا:”إنك تريد أن تسأل بكل بساطة عن(المنهج) الذي اعتمدت عليه في كتاباتي(النقدية). في الحقيقة يوجد عندي نوعان من الكتابة النقدية: الأولى هي عبارة عن تسجيل الارتياح لقراءة أثر أدبي في مقالة دون طرح الأسباب والتعليلات وهذه أشبه ما تكون بالتحية لذلك الأثر منها إلى النقد الأدبي. وإني أرى هذا النوع من التوجه لا يقل عن غيره من الناحية النقدية، بسبب موقفه التنويهي، هذا إلى جانب أن الكتابة عن ذلك الأثر تأتي على شكل مقالة تقرأها لذاتها”( )، ومثل هذا النوع من التوجه ظهر عند طه حسين كذلك من قبل.
أما “النوع الثاني الذي هو عملية النقد الأدبي، بالمعنى المطلوب، فيتم كما يأتي: أنا أقرأ أكثر ما يصدر عربيا فإذا ارتحت للكتابة ووجدت فيه قوة وجدة صممت على الكتابة عنه، أعود إلى قراءته مرة ثانية ولكن بمنظور آخر ماسكا بيدي قلم رصاص أسجل فيه على الهامش وتحت الكلمات ما توحيه القراءة مستعملا الرموز (صح، خطأ، جيد، أصيل، لا أخلاقي، الخ… ) ملاحظا كذلك اللغة(سلامتها، فصاحتها، أغراضها، انسجامها مع الأشخاص الذين تلقى على ألسنتهم، تعبيرا عن شحناتها) ومركزا على ما تدل عليه القصة من تجربة خاصة عاناها الكاتب(هل التجربة ضيقة أو أنها تتسع لعالم أكبر، صلتها بالمجتمع العراقي والعربي، بناؤها الخ…) إضافة إلى ملاحظاتي للوضع النفسي”( ). ويضيف- مفصلا في كمّ منهجه وكيفه-:”ثم ألاحظ في أثناء القراءة إذا ما كان هناك أشياء تتكرر، إذ إن هذا التكرار يشير إلى صلتها بشخصية الكاتب، بفنه الذي يميزه، ثم أفضل غالبا قراءة ثالثة. والذي يحدث بعد ذلك أنني بعد القراءة الثانية-عادة- استجمع جو الكتاب وأتخيل خطة لما سأكتبه، ثم أمسك بالقلم وأبدأ مستعينا بهذه الإشارات، جامعا ما يتشابه من هذه الملاحظات في فقرات خاصة، فإذا اكتملت الكتابة أفضّل أن أعيد القراءة قبل تبييض ما كتبت إكمالا لنقص أو تصحيحا لخطأ”( ). ويمكننا(ترقيم) خطوات منهجه على النحو الآتي:
1- قراءة النص، فإذا حصل، 2- الارتياح والإعجاب، تلا ذلك 3- إعادة القراءة بمنظور آخر مع 4- مسك القلم الرصاص لتسجيل الملاحظات، ثم 5- استجماع جو النص وتخيل خطة المكتوب، ثم 6- المباشرة بالكتابة، ثم 7- إعادة القراءة مرة ثالثة إكمالا لنقص وتصحيحا لخطأ، ثم 8- التبييض.
ومن المبادئ التي طرحها في ذلك الحديث، عدم التحكم في منهج المؤلف أو في فكره( )، وأهمية “أن يكون الأثر الأدبي قويا في مستوى عال يؤهله لأن يحتل مكانة في مجتمعه أو في ما هو أوسع من ذلك”( ).
مثل هذا المستوى العالي يجعل مهمة الناقد تنصب على بيان المحاسن، والاشتغال بالتحليل، والكشف عن الحكم عموما، وبيان العيوب خصوصا( )، أي أن العناية تنصب- أولا- على المحاسن. وهذا تقدّم في الفكر النقدي عند الطاهر؛ ففي حين كان يصب عنايته عام 1958 على أهمية بيان نقاط الضعف في النص الأدبي، صبه عام 1970 على أهمية ارتقاء مستوى النص الأدبي إلى درجة تقل معها نقاط الضعف، وتكثر معها عناية الناقد بالمحاسن. وهذا التوجه يتضمن مبدأ نقديا هو أهمية العناية بالنصوص عالية الطبقة التي تنتمي إلى العالم المتمدن، وترك النصوص المملوءة بالعيوب والأغلاط؛ لأنها تشغل الناقد- إذا ما بيّن العيوب- عن أداء رسالته الحقة وهي بيان المحاسن( ).
هذا التطور في النظرة إلى محاسن النص الأدبي وعيوبه، تلاه إعراب عن مبدأ نقدي كانت مقالة(أنا ناقد مسرحي) قد وشت به، ولم نصرح به في أثناء تناولنا لها خشية الإبعاد؛ ذلك المبدأ هو: تجدد النقد أي أن نرى في النقد الجديد إضافة مهمة على النقد القديم من دون تعصب لأحدهما، ومن دون توسط ترقيعي بينهما( )؛ لأن “من شأن النقد الصحيح: التفتح والسعة والنفاذ والمرانة والاستفادة من التجارب”( ). فالإعجاب بأديب جديد، وبالنقد الذي يثيره أدبه، يكشف عن نواح في أديب قديم لم يكن ليسبر غورها الناقد القديم( ). والنقد الجديد- كما يراه- “لا يعني الهدم والنقض، إنما يعني الكشف والإضافة من أجل كيان أكمل وموقف أسلم”( ).
هذه الصفة(الجديدة) التي يصف بها النقد، لا تنطبق دلالتها على دلالتها عند كثيرين غيره، مما يعطيها خصوصية(طاهرية)، وهذا الموقف يعطي للطاهر خصوصية تميزه عن الذين يجعلون الحديث عما هو خارج الموجة السائدة، أمرا قديما يجب تجاوزه. وقد تنبه الطاهر على خصوصية موقفه هذا، فقال:”إن مسألة الجديد والقديم في النقد تعلمنا أن نكون أقوى من التغيرات الطارئة وأن نكون أنفذ إلى سر الخلود”( ). إنه – بهذا- في صميم الحداثة التي تصورها د. عبد الله الغذامي – بعد قراءة وتفحص وتأمل- “على أنها معادلة إبداعية بين الثابت والمتغير، أي بين الزماني والوقتي، فهي تسعى دوما إلى صقل الموروث، لتفرز الجوهري منه فترفعه إلى الزماني، بعد أن تزيح كل ما هو وقتي؛ لأنه متغير ومرحلي، وهو ضرورة ظرفية تزول بزوال ظرفها، وتصبح طورا يسهم في نمو الموروث، لكنه لا يكبّل الموروث أو يقيده. وفي مقابل هذا الوقتي المُزاح تأتي الحداثة لتقدم- مرحليا- معطيات تتفق مع علاقة المرحلة بالجوهري، فالحداثة- إذا- هي رؤية واعية لإقامة علاقات دائمة التجدد بين الظرف الإنساني، وبين الجوهري الموروث”( ).
وقد نظر الطاهر إلى الحداثة في الإبداع والنقد نظرة مشابهة لتلك النظرة، إن لم نقل نظرة أشمل وأعمق، ترى كل جديد زادا جديدا “يقوّيك على الرحلة في عالم الأدب ويعينك على العودة سالما معافى حاملا إلى قارئك صفحة أكثر نضجا وأبعد غورا”( ). وهذه الرؤية تتضمن مبدأ جديدا هو أهمية متابعة الجديد أدبا ونقدا.
ومتابعة الجديد نقدا لا تعني أن نقرأ أي كتاب يتحدث عن النقد، فلا بد لمن يتحدث في الموضوعات النقدية الغربية مثلا من “علم بأسسها، ومعرفة بمصادرها، وقرب من نصوصها، و[…] لغة أجنبية”( ). وهنا مبدأ نقدي هو: قراءة الكتاب الثقة مادة ومؤلّفا، الحجة الذي يمتاح من المنبع.
أشرنا- قبل قليل- إلى رغبة الطاهر في تضاؤل نقد العيوب، من خلال نقد النصوص عالية الطبقة، ونشير- هنا- إلى ما بدا له في هذا الجانب، وهو “أن مردّ نقد العيوب أمران: أمر في الناقد، وأمر في الأدب”( ). وقال موضحا:”قلت في الناقد ولا أقصد الناقد الناقد، وإنما الذي يتولى مهمة النقد نيابة لغياب الأصيل، أي فيمن لم يكن النقد أهم مكوناته، أي فيمن يطالب الأدب بما عنده هو وليس بما في الأدب نفسه، بما يحمل من كره أو حقد، أو يتزمت بقواعد وتقاليد، أو قصور عن بذل الجهد لبيان المحاسن… وشرحها وتفسيرها وتحليلها وإطالة الوقفة عندها عمقا، واستنباط مزاياها وخلالها”( ).
ومن المبادئ التي أكدها في بداية السبعينيات، أهمية الثناء على الجيد والتنويه بالمجيد، فقد قال:”من واجب الناقد أن يثني صراحة وهو يرى الرأي، ولمحا وهو يحلل ويفسر فمن شأنه أن يعطي الحق أهله، ينوّه بهم وينبه إليهم، فيهتدي الآخرون إلى المنبع ينهلون ويعلّون شاكرين حسن الهداية، ذاكرين طيب الدراية”( )، وأكد مسألة الثناء، بقوله:”الثناء واجب ولا يؤدى الواجب إلا في مكانه المخصص له، اللائق به”( ).
ونصح الأديب المجدّ بالاستمرار بشرط وجود الرصيد الذي يمدّ كل جديد بإبداع( )، ونصح الناقد بتمييز الجيد من الرديء “فألف باء الناقد أن يميز الجيد من الرديء، وألف باء هذا التمييز دلالته على فطرة صاحبه ومكتسبه”( )، ونصح(الناقد) الذي لا يميز بينهما بوجوب ألا يزجّ نفسه فيما ليس له( )؛ لأن “ثناء هذا الناقد مضرّ، خطر، تجب حربه. وإنك لا تحارب- في هذه الحالة- الثناء قدر ما تحارب الناقد، وإنك إذ تعلن هذه الحرب تشخّص الداء وتجتثّه من الجذر. فما صاحبك بناقد وما هو بنويقد”( ).
محاربة من لا يجيد النقد- إذا- مبدأ نقدي يجب تطبيقه، وكذلك يجب تطبيقه على من يمتلك مقومات الناقد عدا الموضوعية(على وفق مفهومها في فكر الطاهر)( ). وتلك المحاربة ظهرت في مقالة(شرط في المغنّي)؛ فمسألة الضرر في النقد المدّعى “على الغاية من الخطورة. وكل ما في أمرها أن خطرها الكبير لا يظهر لأول نظرة، ولا يقع لأول خطوة.. كما هو الخطر في طبيب يدّعي التخصص بالجراحة، فإذا زاولها أهلك مريضه حالا أو بعد قليل”( )، ويؤكد “أن الضرر في النقد المدّعى يسير تدريجا، بطيئا، ولكن عميقا، بعيدا. وفي هذا من المصيبة ما فيه حتى ليصعب رأب الصدع وجبر الكسر… وشفاء المرض”( )، ويكشف عن “أنه يفسد ذوق مجموعة لا تلبث أن تتسع فتصير بلدا، ويتسع البلد فيصير أمه”( ).
وهذا المبدأ النقدي القائم على محاربة مدّعي النقد، يتضمن مبدأ آخر أشير إليه من قبل، ولأهميته فقد سارع الطاهر إلى التصريح به:”ليس الناقد هو الذي ينقد فقط[…] فكثير من النقاد مثل كثير من المغنين ينقدون وهم لا يملكون الشرط الأول. ليس النقد الرأي- أي رأي- يقال، والحكم يطلق، والصفحات تسوّد. إنه أبعد من ذلك شأوا وأسمى رسالة، وإلا كان في العالم من النقاد عدد ما فيه من السكان[…] لا بد للنقد من موهبة خاصة به. أما كيف نرى هذه الموهبة لنحكم عليها، وكيف تعرب عن نفسها في أبسط وجوهها وأعقدها.. فذاك هو الشرط الأول للنقد.. ألا وهو- وقد عرفتموه: الذوق… الذوق السلم”( ).
هذا الذوق السليم- كما يرى مصطفى سويف- هو “الإطار الاستطيقي المنظِّم لإدراكنا للعمل الفني”( )، وقد تمثل عند الطاهر بـ(الصورة المثلى)، فقد كان- حينما يتناول عملا حديثا- “يحبذ(شيئا) هنا، ويتحمس له فيهتف من الأعماق مرحّبا.. ويرفض(شيئا) آخر فيه؛ لأنه لم يرضه على النحو الذي تتشكل فيه(الصورة المثلى) لعمل كهذا في ذهنه”( ). وهذا الإطار الذي نحصل عليه من الخبرات السابقة( )، يكون “قابلا للنمو بقدر ما هو أساس للثبات. وبقدر قابليته للنمو أو ميله للثبات يقال إننا بصدد شخصية مرنة أو شخصية جامدة”( ).
الفعل التذوقي- إذا- فعل منهجي من حيث إنه منظم؛ وتنظيم الأفكار- كما يؤكد عثمان عيسى شاهين- ملمح منهجي( )، فيقرن المنهج بالتنظيم؛ ويظهر هذا الاقتران بصورة أكثر في قوله:”إذا كان المنهج يعد الطريق الذي يتوصل بواسطته إلى نتيجة ما، فإنه يشار به كذلك إلى التنظيم، إلى فعل الروح المتطور، الذي تتبلور على ضوئه الأفكار والأحكام والبراهين المتباينة”( ).
الطاهر- على ذلك- شخصية ذات روح مرنة متطورة منهجية ترتكز على التذوق الذي لا يأتي عن فراغ؛ لـ”أن تذوقنا للأعمال الفنية ليس سوى تنظيم لإدراكنا لمثل هذه الأعمال داخل أطر(استطيقية) نحملها في مجالنا النفسي”( )، ولاسيما أن الطاهر درس النقد الفرنسي في القرن التاسع عشر؛ ذلك النقد الذي يقوم “على أساس أن التذوق هو الزاوية الرئيسية في التقييم النقدي”( ).
وقد رأى غالب هلسا أن المسألة الأساس في نقد العمل الأدبي هي القدرة على التذوق( )، وكانت نقطة الابتداء في النقد الذي يكتبه- كما يؤكد- هي التذوق( )، بل لقد أكد أن التذوق “هو العنصر الرئيسي في الإبداع النقدي”( ). ولكنه عدّد مزالق التذوق ومنها أنه ليس معطى ثابتا، بل دائم التحول والتغير، وأنه يتغير من شخص إلى آخر، وأنه قد يتحول إلى تعصب( ). ونرى أنها ليست مزالق بل إيجابيات؛ لأن تذوق الناقد ليس تذوق الصبي، وأنه الباقي في النفس لا المؤجج للنفس، وأنه جمرة الرماد لا عود الثقاب، ولأن التعصب إلى ما يراه حقا هو حق من حقوقه. ثم نسأل: ألم يعترف النقاد بتغير القراءة بتغير الناقد أو بتغير الزمان أو المكان أو الثقافة؟ الناقد يتنامى، وتناميه إضعاف لمهيمن، أو(مركزة) لمهمش، أو تثبيت لحال واقع.
ذكرنا في المبحث الثاني من الفصل الأول أنه “إذا كان الطاهر في هذه(الدار) قد فَقَدَ(صفة) الأديب فيه بسبب البحث والتعمق والاجتهاد في الدراسة، فإنه حتما لم يفقد حاسة(التذوق الجمالي)، وحاسة(النظر الدقيق في الأنماط الأدبية)، وحاسة أن يكون استشرافيا في اختيار الأجمل والأبهى في الأدب، وذا قدرة على تذوق الشعر الجميل والنثر الجميل والحكم الصحيح على الجميل، والسخرية المرة من الرديء، وكان يهيئ نفسه لأن يكون شيئا في المستقبل”( ). وهذا يعني أن ذوقه مدرّب مثلما كان الذوق عند محمد مندور مدرّبا( )، وليس ذوقا انفعاليا متسرّعا؛ لأن “مهمة الانفعالات تنتهي عند إثارة الفكر؛ وذلك لأن الانفعالات بطبيعتها متسرعة مندفعة لا تسمح لصاحبها أن ينظر إلى الأمور بتؤدة أو روية أو اتزان، وهي صفات تقع في صميم عملية التفكير؛ لأن الفكر نشاط ذهني ناقد أو فاحص ممحّص يستبعد القيام بعمل طائش. أي أن الفكر يتريث ويستقصي ويستلزم نشوء رجع مؤجل أو استجابة تبقى في الذهن إلى أن تستوفي شروطها الموضوعية الملازمة لتخرج إلى حيز الوجود على هيئة تصرف يقوم به الفرد. والتفكير، عكس الانفعالات، عملية ذهنية ديناميكية متدفقة صاعدة”( ).
على هذا لا يحدث التفكير “إلا إذا سبقه موقف انفعالي معين، ولكنه لا ينجز واجبه على الوجه الأتم إلا إذا تحرر من ذلك الموقف، ونظر إلى المسألة التي بين يديه نظرة صائبة مبنية على الملاحظة الدقيقة الواعية والاستنباط الصائب”( ).
لقد عُرفت تلك الصفات الواقعة في صميم عملية التفكير عن الطاهر وعُرف بها، مما يبعد نقده عن السمة الانفعالية.
الموهبة وتجليات الذوق السليم- إذا- مستلزم من مستلزمات الناقد؛ ذلك الذي قضى نقد أمثاله “على الشوائب، ونفى عنه الطفيليات.. وفضح العملة الزائفة”( ).
إنها مبادئ مهمة للوصول إلى مرحلة الرسالة الحقة للناقد- المشار إليها قبل قليل- التي نجدها مؤكّدة في قوله عن حال السير الوئيد لنقدنا العربي:”إن النقد يقوم – بالدرجة الأولى- على الأعمال الإنشائية، فلو كانت هذه الأعمال على وزن عال لنفخت فيه قوة، ولبعثته على القول… وليس صحيحا جدا أن نطالب النقد بمعالجة الآثار الوسط والرديئة؛ لأن الأصح من ذلك أن توجد له الآثار العالية ليجد ما يقول، أما الآثار الوسط والرديئة فتبعث على الخمول”( ).
وإذا ما ذكّر الطاهر بهذا المبدأ، فإنه يذكر دائما بمبدأ آخر هو أهمية الامتياح من المنبع. وقد عزا حال النقد تلك إلى عدم اتصالنا المباشر بالنقد الغربي قديمه وحديثه ومعاصره، قصورا باللغة، وكسلا، واعتمادا على ما يصل إلينا من عدد من البلدان العربية، مشوها محاطا بالادعاء والغرور، وتجاريا تنقل إلينا به الآداب الأردأ( ).
إننا هنا نجده قد ذكّر بأهمية تعلم لغة أجنبية، وبأهمية العلم العميق الواسع، وبأهمية محاربة الادعاء، وبفاعلية التعامل مع النصوص عالية الطبقة.
وما كان من نافلة القول في الصفحات السابقة أصبح ذكره- هنا- واجبا، فقد حدثت نكسة في مسيرة الأمل بولادة(النقد العراقي). ولتلك(النكسة) أسباب( ) تتمثل في عدم الالتزام بمبادئ نقدية كثيرة، منها: عدم الانصراف إلى النقد الأدبي. وهذا يعني غياب الجدية في الاتصال المباشر بالمنبع، وانقطاع رافد العلم العميق الواسع، وانقطاع مسيرة الكتابة النقدية، ومسيرة قراءة الآثار الخوالد( )، وتتمثل أيضا في تخلف المجتمع المحيط بالنقد والناقد( ).
على وفق ذلك علينا- إذا ما أردنا الارتفاع بمستوى النقد- محاربة(الناقد) الذي لا يميز بين الجيد والرديء، ومحاربة الناقد الذي لا يملك صفة(الموضوعية)( ). وهذه المحاربة تتضمن مبدأ نقديا آخر هو أهمية حمل الناقد رسالة حضارية؛ فمثل هذا الناقد “يذلل العقبات من حقد ورخص وجاهلية، ويترفع عن السقوط في الكسب الحرام، ويخشى نفسه كما يخشى نقد النقد، ويعمل على التطور مستمدا القوة من ذاته يوم يفت في عضده(الماحول)، ومتكئا على أخلاقه حين تتأزم الأخلاق، ومستعينا بحضارة ليست بعيدة إذ يعترضه التخلف”( ).
وتتجلى محاربة(الناقد) الذي ليس بناقد ولا نويقد، في مقالة(ناقد لا تقرأ له). فالطاهر يكشفه ويفضحه ويعرّي السياق الذي جعله على هذه الصورة( ). في هذه المقالة صبّ عنايته على النص، وعلى تأمل الناقد له، وعلى إدامة التأمل؛ وصب العناية هذا تمهيد لمبدأ نقدي مهم جدا تم الإعلان عنه في نهاية المقالة. وفي المقالة إشارة إلى أهمية التمييز في النظرة النقدية، والابتعاد عن الآراء الجاهزة، وإلى أهمية العناية بجمالية اللغة والابتعاد عن التواء التعبير وتعقيد المعنى، وإلى وجوب أن يكون لكلام الناقد صلة بالنص الأدبي المنقود( ). وفيها أيضا مبدأ آخر تجلى- هنا- بوضوح بعد أن ظهر في مقالة(كتاب لا تقرأه) ظهورا خافتا هو نصح القارئ وإرشاده( ) مظهرا معه مبدأ آخر هو احترام القارئ( ).
إن(ناقد لا تقرأ له) فياضة بالمبادئ النقدية، ففيها- علاوة على ما مر ذكره- مبدأ التخصص( )، ومبدأ قراءة النصوص التي انبثقت منها القواعد أو اعتمدتها النظريات( )، أي الجمع بين القاعدة أو القانون أو النظرية، والنصوص المعتمدة. لماذا؟ لـ”أن كتب نظرية النقد الأدبي كلها عوامل مساعدة ومواد ثقافية… لكنها تفقد قيمتها إذا اتخذت غاية، ولم يقمها المؤلف على نص، ولم يرجعها القارئ إلى المصدر”( ). ما معنى هذا؟ معناه في المبدأ الذي أجّلنا التصريح به – وأجّله الطاهر أيضا- وهو كون “النص أهم من النظرية، وإذا كان لا بد من النظرية فإن النص أولا.. والنقد الأدبي ثانيا”( ).
ومما يتوافق مع هذا التوجه قول علي شلش:”على الرغم من إدراكي أو وجوب إحاطتي بمختلف أو أهم الخبرات النقدية النظرية والتطبيقية إلا أنني أعتبر الخطوة الأولى للاستجابة النقدية نوعا من الاكتشافات أو الدهشة تماما مثل الخطوة الأولى للاستجابة الإبداعية، وهنا تسقط الخبرات النظرية والتطبيقية إلى خلفية الصورة عند استجابتي النقدية للنص، وأحاول أن أدخله مبرّأ من كل قيد أو حدّ نظري مدروس أو مكتسب”( ).
إنه- إذا- مبدأ النص أولا الذي شعر الطاهر بأهميته، فخصص له مقالة في منتصف عام 1972 عنوانها:(النص أولا)، وأكد فيها أنه “لا بد لمن يريد أن يكون ناقدا، أو أن يزاول عملية النقد، أو أن يتحدث في أمور من نظرية الأدب… أن يقرأ هذه النصوص[=الإبداعية الراقية] قديمها وحديثها.. شرقيها وغربيها، موضوعها ومترجمها.. لكي يتصل مباشرة بالمادة الأساس لعمله، ولكي يدرك أسرار الخلود في العمل الأدبي، ولكي يتسع أفقه، ويمتد نظره، ويحتد بصره، ويحسن اختياره، وتصدق نظريته”( ).
ولم يكتف بهذه الأسباب وإنما أضاف إليها، قائلا:”لا بد من قراءة هذه النصوص… ليفهم ما يقرأ في كتب النقد الأدبي من قواعد وقوانين وتعريفات وتشريعات، ونظرات ونظريات”( )، ثم يقول: الحال المؤسفة للنقد عندنا أدى إلى الوقوع في وهدتها- فيما أدى- “جهل بطبيعة الأشياء ينبع من جهل ببديهية في عالم النقد الأدبي وهي بديهية النص أولا “( ).
ومن فوائد قراءة النصوص التي اعتمد عليها ناقد سابق، فهم نتائجه جيدا، وليكون الناقد اللاحق على مستوى السابق، وعلى درجة يستطيع معها مناقشته، وتبيان خطئه من صوابه، فلعله سها عن أمر، أو بالغ في أمر، ولعل اللاحق “يزيد عليه، ويعدّل من شأنه – ومن يدري فقد يكتشف سمة جديدة، ويقف على ظاهرة لم يقف عليها سابق عليه”( ).
هذا المبدأ يتضمن مبدأين آخرين: الأول احترام الناقد نفسه، والثاني احترام الناقد الآخرين، وقد صرح الطاهر بذلك قائلا:”الناقد الحق يحترم نفسه، ويحترم الآخرين. وإلا استحال عمله(سفسطة) و(شعوذة)”( ). هذان الاحترامان يؤديان إلى الاهتمام بالزمن؛ فمن مبادئ النقد عند الطاهر ضرورة الانتباه إلى عمر الناقد، إذ “إن مسألة السنّ مهمة جدا في النقد الأدبي الحديث”( )؛ لأن ذلك مما يتطلبه التوسع في الاطلاع، والتراكم في الخبرات، والتفرد في الآراء.
ويطالعنا عام 1973 بصفات نقد النقد، أي بمبدأ نقدي يدور حول نقد النقد خلاصته “أن يصدر عن علم وأدب دون أن تمر بذهن المتصدي فكرة الردّ بأي ثمن، ودون تعمّل مأتاه خلاف سابق وثأر قديم وحقد دفين، ودون قصد إلى اهتبال فرصة للكتابة لكي يقول: إني كتبت وإني رددت”( ). وفي هذه الخلاصة نرى بجلاء صب العناية على مبدأ الاطلاع الواسع ومبدأ الموضوعية… وهذا الانتباه على نقد النقد جعل الطاهر يصرح بمبدأ آخر هو أهمية وجود نقد النقد، إذ “إن القعود عن نقد النقد مضر كالقعود عن النقد نفسه. وإذ ينفع النقد المنشئ فيبصّره بخير وشرّه، فإن نقد النقد ينفع القارئ ويقيه تكرار الخطأ( ). وهذا الكلام يتضمن مبدأ المعاصرة.
وهذا الفعل التبصيري لنقد النقد مهم عند الطاهر، ومهم عند د. عبد السلام المسدي الذي يقول:”إن نقد النقد يستنهضك إلى التبصّر بما يكمن وراء الظاهرة الأدبية ووراء العملية النقدية في نفس الوقت من متشابكات يتعاون كل من الأدب والنقد على إخفائها، فهو بذلك يستحثّك أن تهتك الحجب والأستار، فتنفذ بعين التبصّر وروح الاعتبار إلى حيث يغيب بصر الآخرين”( ).
وفي كلام للطاهر على المذاهب الأدبية، قال:”تمضي المذاهب وتخلّف حكمة ذات عدة جوانب: الأول: إنها تنشأ لظرف خاص بها. الثاني: تأتي قيمتها من العبقريات التي تستوعب كنه الظرف في عمقه الإنساني، وإلا فليس صعبا على أديب من الدرجة الثالثة أن يحقق في نتاجه الخصائص العامة للمذهب. الثالث: إذ تمضي المناسبة يبقى الأدب العميق بعدها بمقدار ما يتضمن من معان إنسانية. الرابع: على الإنسان أن يكون أكبر من الوقوف بوجه كل جديد لأنه جديد، وأكبر من أن يتعصب لكل جديد لأنه جديد”( ).
ثم إن القارئ عند الطاهر هو الأصل فيما يكتب وينشر. وهذه- كما يقول- بديهية، وإن القارئ حكَم له شأنه( ). وهذان مبدأن نقديان آخران.
الطاهر على أبواب عام 1974 ينتظر ميلاد الناقد، وينشر مقال يعنونها(على أبواب 1974)، يذكّر فيها بأهمية تعلم لغة أجنبية؛ لأنها وسيلة الامتياح من المنبع، ووسيلة العلم العميق الواسع، ويذكّر بأهمية محاربة الادعاء( ).
ينتصف عام 1974، ويذكّرنا الطاهر بمبدأ نقدي حضاري أكّده من قبل، هو كون “النقد الأدبي العربي في العصر الحديث ابن النقد الأدبي الغربي الحديث”( )، ويصرح بمبدأ آخر- لم يصرح به من قبل على حد علمنا- هو وجوب إلغاء البلاغة ووجوب “إذابتها في تضاعيف النقد الأدبي؛ لأنها جزء طبيعي منه”( )، ثم بدأ ينادي به بعد ذلك( ). وهذا المبدأ رأي شخصي، وإن كان له شبيه في الغرب؛ لأنه بناه- بفكره الحي ونظره الثاقب- على النقد والبلاغة وتاريخهما عند العرب، كما بنى حكمه بضيق مجال التطبيق عند العرب على تاريخ النقد عندهم حين تصدى لذكر مبدأ نقدي هو: “ليس النقد الأدبي تاريخا فقط، وليس قضايا ونظريات فقط، وإنما هو عمل وتطبيق”( ). وهذا التذكّر لقديم العرب، ووجود من يتعصب له لأنه قديم أو لأن المتعصب قاصر، أدى إلى أن يذكر الطاهر مبدأ نقديا هو: أهمية عدم التعصب للقديم( ).
ألحق المقالة التي اشتملت على هذه المبادئ في اليوم التالي بمقالة أخرى صرح فيها بـ”أن مشكلتنا- في أهم أسسها- ليست وجود النقد أو عدمه بقدر ما هي مشكلة وجود النقد المستند على الذوق”( )، لماذا؟ ربما يعود ذلك إلى “أن الذوق، مع تطوره وتبدله، يتضمن عنصرا مهما وخفيّا يجعل منه حكما صادقا في كثير من الأحوال والمواقف”( ).
وأضاف الطاهر مشيرا إلى تصوّر سيكون عام 1976- ولنتذكر أننا ما زلنا في متابعتنا في منتصف عام 1974- مبدأ نقديا ينادي به، ويجعله عنوانا لإحدى مقالاته؛ ذلك التصور هو أن النقد الأدبي- كما قيل عنه وما يقال- من مجاله الضيق-أو الصرف- يعني “معالجة المعاصرين للآثار المعاصرة تطبيقيا، وللآراء نظرية”( ). وهذا المبدأ- أي المعاصرة- أوحى لنا به الطاهر من قبل. وهذا التعريف يذكّرنا بمبدأ- ذكره قبل قليل- هو أهمية العناية بالجانب التطبيقي من النقد.
مثل ذلك التطبيق وجده عند محمود أحمد السيد الذي شكّل عرضه النظري أو العلمي للآراء والأحكام النقدية، في مقالة مكتملة، مقدمة صحيحة للنقد؛ وهذه المقدمة هيأته لأن يتبوأ ريادة النقد الحديث( )، وأشار الطاهر إلى مبدأ نقدي لم يمتلكه(السيد) ولو امتلكه لكان- في رأي الطاهر- أكثر من رائد، ألا وهو تعلم لغة أجنبية؛ إذ حرمه عدم امتلاكه لغة أجنبية من الامتياح من المنبع مباشرة. ولفت الانتباه إلى أنه ليس امتلاك اللغة وحده كافيا لينال الشخص مكانة في النقد، فقد امتلك أنور شاؤل لغة أجنبية، وإنما لا بد من مبدأ آخر هو الاستمرار والتواصل( ).
وانطلاقا من توجّه لمحمود أحمد السيد، أكد الطاهر مبدأ نقديا لم يصرّح به من قبل، نجده في قوله:”أجل ستصبح(العقيدة) أساسا في النقد الأدبي… ويصبح(الأدب للحياة) شعارا”( )، ويتأتى ذلك للناقد من رسوخ الفكرة في ذهنه، وهدوء أعصابه، وطول تأمله وممارسته، واستماعه لنصائح الهداة المجربين( ). وليست(العقيدة) عنصرا جديدا، وإنما عنصر قديم عند الغرب والعرب معا، سعى الطاهر إلى إبرازه دالا ومدلولا، عنصرا وأهمية.
ينال- بعد ذلك- محمود أحمد السيد فرصة أخرى في مقالات الطاهر، فقد كتب مقالة(تذكروا محمود أحمد السيد). ما يهمنا- هنا، في تلك المقالة- هو أهمية الوقوف عند الرواد في أثناء دراسة تتصدى للحديث تاريخيا ونقديا عن الجانب الذي أصبحوا فيه روادا( ). وهو مبدأ نقدي مهم.
ما زال عام 1974 يقدم لنا بغيتنا فيه، ففي حوار مع الطاهر في تشرين الثاني يؤكد أهمية وجود النقد العلمي الجاد( ). وهذا النوع من النقد بأوصافه نفسها مما مدحه نعيم اليافي، وسعى إليه( )، كما رأينا في نهاية الفصل الثاني. ويؤكد الطاهر- كذلك- أهمية رعاية الأديب موهبته وتغذيتها بالاطلاع وتوسيع التجربة، وبتعلّم لغة أجنبية، وبالانصراف إلى توجه الموهبة( )، ويشدد على “أن الدراسة الأكاديمية[…] لا يمكن أن تخرّج ناقدا، فالنقد اهتمام خارج الكلية، ومعرفة أوسع وأعمق كثيرا من مستوى الدراسة الاكاديمية”( ). والمعرفة الأوسع تستدعي الامتياح من المنبع الذي يعني، مع النقد، السفر إلى الخارج. والحرمان من تحقق هذا الامتياح حرم عبد الجبار عباس من أن يكون الناقد المنتظر. إنه- كما يقول الطاهر- ناقد أضعناه( ).
ذلك الامتياح يعني توافر مبدأ نقدي يشكّل جانبا مهما “في مؤهلات الناقد هو أهمية إتقانه لغة أجنبية، إذ[…] لا يمكن أن نتوقع ظهور الناقد المنتظر الذي لا يتقن لغة أجنبية. لا بد أن يقرأ الناقد الأدب باللغة التي كتب لها، لا يصبح الناقد ناقدا ما لم يقرأ الشعر والقصة بلغتها، والملحمة بلغتها”( ).
ويُختتم عام 1974 بحوار مع الطاهر عن نفسه وعن الآخرين، وفيه يقول “أسمح لنفسي بالقول: إنني أدرك الجيد وأستطيع أن أفرزه.. ولهذا كما تراني أفرز الجديد في أقدم القديم، حتى يذهب الظن بالبعض إلى أنني من أعرق الكلاسيكيين، أفرز الجيد في الجديد وأميزه. إنني أقرأ الكلاسيكيين والتراث كما أقرأ التجارب الطليعية الشابة… أشعر أنني أعطيت القديم الكثير من الطاقة، وأن آخرين كثيرين الآن يسدّون مسدّي، وأحاول الآن الاتجاه إلى الجديد.. إلى كل ما هو غربي يتّجه نحو الشرق”( ). وفي هذا القول تطبيق لمبادئ نقدية، منها: أهمية عدم التمييز بين القديم والجديد، فالمهم هو الجودة وفرزها، وأهمية الاطلاع على القديم والجديد، واستحسان تنويع مجال التطبيق في ضمن المدى المنصرف إليه. وهذا المبدأ الأخير مما لم نمر به واستحسان تنويع مجال التطبيق ضمن المدى المنصرف إليه. وهذا المبدأ الأخير مما لم نمرّ به- أو يمرّ بنا- من قبل، أو ربما كان مما لم ننتبه إلى وجوده وأهميته.
في ذلك الحوار عرّج على الموهبة، فأكد أنها:”لا تقاس بالحجم، وإنما تقدّر بما تعرب به عن نفسها من فن القول”( )، وأنها يمكن أن تغذّى بالمتابعة الجادّة، وبالاطلاع، وبالعلم بلغة أجنبية( ).
وإذا ما خلق وجود مقالة نقدية، أو رأي نقدي صحيح معروض عرضا جيدا، أملا بوجود الناقد، فإن ذلك الأمل يحتاج إلى تحقيق مبدأ مهم هو استمرار صاحب الرأي في الكتابة والمتابعة المتنوعة( ).
وذكّر بمبدأ الخصوصية، فـ”هناك، دون شك، مقاييس أصبحت عامة، مبتدئا بعمق التجربة، منتهيا بجمال الصورة، فإذا توافرت في عمل أدبي هذه(المقررات العامة) فرض هذا العمل نفسه. وليس من حقنا أن نزهد بهذه(المقررات العامة)؛ لأنها ثمرة تجربة إنسانية في تاريخنا الطويل، ولأننا نجد بين نتاجنا الحالي ما يمتلك قدرا صالحا من هذه(العوامل العامة) فيكون أدبا يجد جمهوره، ومن يلتقي على الاعتراف بجودته. كما نجد العكس.. ولكن ليس النقد هو الوقوف عند(المقررات العامة)؛ لأن لكل عمل أدبي طبيعته الخاصة، ولكل أديب مبدع شخصيته. ومن هنا فإن على الناقد أن يسبر غور هذا الأمر الخاص بفلان”( ).
ونرجح أن يعود تشديده على(المميزات) في النص عن غيره من النصوص الأدبية، إلى كون “كلمة نقد Criticism في اللغات الأوربية مشتقة كما هو معروف من الفعل اليوناني القديم(كرينو) Crino ومعناها يميّز أو يحدّد، وبذلك يكون معنى النقد الأصيل عند اللغات الأوربية هو التمييز والتحديد أي البحث عن الخصائص المميزة لكل عمل أدبي، وإيضاح نوع الخطوط التي يتكون منها نسيجها”( ).
ولذلك يقول الطاهر عن تناوله النص الإبداعي:”أنا لا أجيء إلى النص بمسائل مقررة.. قد تكون هذه المقررات السابقة متوفرة في النص، لكنها لا تجعل منه نصا عاليا.. النص هو الذي يفرض نفسه عليّ. النص الذي أمامي هو الذي يوجد لنفسه (القانون) الذي أتعامل به معه”( ) .

هوامش:

( ) ج. س؟ : 8.
( ) ظ: م.ن: 11.
( ) م.ن: 12.
( ) من حديث القصة والمسرحية: 154.
( ) ظ: ج. س؟ : 13.
( ) م.ن: 13.
( ) ظ: م.ن: 13.
( ) م.ن: 13.
( ) الأدب العربي وتحديات الحداثة- دراسة وشهادات: 100.
( ) ج. س؟ : 14.
( ) ج. س؟: 15.
( ) م.ن: 15.
( ) م.ن: 15.
( ) ظ: ج.س؟: 15.
( ) م.ن: 15.
( ) ظ: كلمات: 93.
( ) ظ: م.ن: 191-193، مقالة:(ليس نقد العيوب دليل صحة).
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي: 81-83، مقالة:(النقد إذ يتجدد).
( ) م.ن: 83.
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي: 83.
( ) م.ن: 83.
( ) م.ن: 83.
( ) تشريح النص، د. عبد الله الغذامي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1987: 10.
( ) وراء الأفق الأدبي: 83.
( ) وراء الأفق الأدبي: 85.
( ) كلمات: 192.
( ) م.ن: 192.
( ) وراء الأفق الأدبي: 47.
( ) م.ن: 47.
( ) ظ: م.ن: 15.
( ) وراء الأفق الأدبي: 48.
( ) ظ: م.ن: 48.
( ) م.ن: 48.
( ) ظ: م.ن: 48.
( ) م.ن: 89.
( ) م.ن: 89.
( ) م ن: 89.
( ) وراء الأفق الأدبي: 90-91
( ) الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة، د. مصطفى سويف، دار المعارف، مصر، ط3، 1969: 162.
( ) ج. س؟ : 37-38.
( ) ظ: الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة: 163.
( ) م.ن: 164.
( ) ظ: المنهج عند الفارابي، د. عثمان عيسى شاهين، منشورات وزارة الإعلام، العراق، 1975: 11، 12.
( ) م.ن: 21.
( ) الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة: 161.
( ) محمد مندور الناقد والمنهج، د. غالي شكري، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1981: 26.
( ) ظ: الأدب العربي وتحديات الحداثة- دراسة وشهادات: 130، وظ: 131، 133.
( ) ظ: م.ن: 133.
( ) م.ن: 134.
( ) ظ: م.ن: 134.
( ) موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين- ج19 -علي جواد الطاهر: 92.
( ) ظ: محمد مندور الناقد والمنهج: 42.
( ) اللغة والفكر: 154.
( ) م.ن: 154-155.
( ) وراء الأفق الأدبي: 90.
( ) ج. س؟ : 17.
( ) ظ: ج. س؟: 17.
( ) ظ: م.ن: 17.
( ) ظ: م.ن: 17.
( ) ظ: م.ن: 18
( ) ظ: م.ن : 18-19.
( ) م.ن: 19.
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي: 92-96.
( ) ظ: م.ن: 93.
( ) ظ: م.ن: 94 على سبيل المثال.
( ) ظ: م.ن: 95.
( ) ظ: م.ن: 92-95.
( ) ظ: م.ن: 95.
( ) م.ن: 96.
( ) م.ن: 96.
( ) الأدب العربي وتحديات الحداثة- دراسة وشهادات: 95.
( ) وراء الأفق الأدبي: 97.
( ) م.ن: 98.
( ) م.ن: 98.
( ) م.ن: 99.
( ) وراء الأفق الأدبي: 100.
( ) م.ن: 100.
( ) م.ن: 132.
( ) م.ن: 133.
( ) في آليات النقد الأدبي، د. عبد السلام المسدي، دار الجنوب، تونس، 1994: 12.
( ) ج. س؟ : 26-27، وظ: 33.
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي:34.
( ) ظ: كلمات: 100-101، وعن مثل هذا التذكير في العام نفسه، ظ: من حديث القصة والمسرحية: 205-206.
( ) وراء الأفق الأدبي: 259، وظ: 264.
( ) م.ن: 261.
( ) ظ: مثلا: منهج البحث في المثل السائر: 12.
( ) وراء الأفق الأدبي: 262.
( ) ظ: م.ن: 264.
( ) م.ن: 266-267.
( ) المعجم الأدبي، جبور عبد النور، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1979: 19.
( ) وراء الأفق الأدبي: 267.
( ) ظ: م.ن: 271.
( ) ظ: وراء الأفق الأدبي: 272.
( ) م.ن: 273.
( ) ظ: م.ن: 273.
( ) ظ: كلمات: 104.
( ) ظ: ج. س؟ : 35.
( ) ظ: الأدب العربي وتحديات الحداثة- دراسة وشهادات: 102.
( ) ظ: ج. س؟ : 35-36.
( ) ظ:ج. س؟: 36.
( ) ظ: م.ن: 36.
( ) م.ن: 36-37.
( ) م.ن: 39.
( ) ج. س؟ : 40.
( ) ظ: م.ن: 40، و43.
( ) ظ: م.ن: 40-41.
( ) م.ن: 41- 42.
( ) النقد والنقاد المعاصرون: 163.
( ) ج. سإلأى هنا؟ : 42.

شاهد أيضاً

ميرنا ريمون الشويري: عالم من دون حدود في رواية مخيم المواركة (ملف/37)

إشارة : طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي …

حمدي العطار: رحل رزاق ابراهيم “غوركي العراق” (ملف/3)

شكل رحيل الكاتب والشاعر والناقد “رزاق ابراهيم حسن” يوم الجمعة المصادف 7/9 /2018 خسارة كبرى …

عزيز لطيف: الوطن عند حسين مردان (ملف/10)

إشارة : في العراق، وعبر مجموعته الصادمة قصائد عارية-1949 ، أكمل الشاعر الكبير حسين مردان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *