غائمٌ صيفُك ..
بقلم : ظمياء ملكشاهي

غائمٌ صيفُك ..
بقلم : ظمياء ملكشاهي
يُمطرُني بألفِ تلاوةٍ تُقايضُني بالصحو. لمْ تزلْ تتعثّرُ قدمايَ كلّما سبقتني خطوةٌ ، أبتكرُ لها الدروبَ فتضيع…فما أضْيعَني فيكَ يا وقتي الآثمَ جدّاً كلعنةٍ قديمة، وأنتَ أيها الهلوكُ يا قلباً تعلّقَ بضفافِ الأشياءِ الراحلةِ ودمعاً ينتشي بالبكاءِ؛ كلّما حرّكت الريحُ أرجوحةَ الرحيلِ لكمْ تصرخُ بلا جدوى، حينما أنتعلُ خفَّ الساحرِ الذي أحرقَه الزنادقة، و بؤسي المطّاطي كنعلٍ مهترئ يتّخذُ مقاسَ هذا اليوم ويقذفني في أتونِ الإنتظارِ المقيتِ لأتربّصَ بالغيبِ الذي يتربّصُ بي، لكنني أضيّعُ صلاتي وافقدُ بوصلةَ أحلامي؛ فحنانيكِ يا دنياي المتلاعبة بي كبيدقٍ مُحاصَرٍ شيّعيني إلى مثواي؛ عسى أنْ تكفَّ أجنحةُ الفراشاتِ عنْ رفرفاتِها المجذومةِ، وأوقفي أنفاسي المتلاطمةَ كأمواجِ اليُتم في نشيدي العظيمِ؛ لعلّني أكتفي بطرشِكِ وبالخوارِ فلا شعرَ يهزُّ ذيلَ بقرتي الصفراءِ التي نحروها في ليلةٍ ليلاء …
هاهي معجزةٌ أخرى تشذُّ عن قاعدةِ الفهمِ وتلوذُ بنضوجٍ أبكمَ، بيدَ أنّي لنْ ازيحَ الصخورَ التي وضعها الربُّ في طريقِ مجدي لأرتطمَ بها؛ فيا ربّي ها أنا ذي أرتطمُ، أتهشّمُ مثلَ عويلٍ ذاوٍ، أترنّحُ من آلامي المبرّحةِ كملدوغٍ يحتضنُ أفعى! إلهي لا أحدَ سواكَ ينتشلُني منْ فِخاخِ الحياةِ ويُمسّدُ غبائي البكرَ بترّهات الشعرِ..
آيّها المعظّمُ بالخلودِ، لا أفقهُ هذا الوجعَ المتدفقَ في ذاكرتي، لكنّني ممتنةٌ جدّاً لبسمةٍ رسمتها على شفاهي ذاتَ يوم، ممتنةٌ لبُراقٍ أطاحَ بي منْ سمواتكَ السبعِ ، ممتنةٌ لعرجي يجزلُ لي نعمةَ المشي حتّى خاتمة الأكاذيبِ الكبرى، ممتنةٌ لكلّ الذينَ أفلتوا خيوطَ أرواحِهم منْ يدي، ممتنةٌ حتّى للشيطانِ خلفَ كواليسِ الفضيلةِ يفركُ كحلَ الشبقِ في عيوني المتورّمةِ كخارطةِ مدينةٍ مفقودة. أللهمَّ ألهمني الصحوَ لأجلوَ هذا الغمَّ المتفلطحَ كانفلاقٍ نووي في خاصرتي وأوقفَ ضجيجَ البحرِ والسفائن المنخورةِ في رأسي وهديلَ الحمام الذي يُزنّخُ يومي العادي، ثمّ أخبرني عنْ نصفِ الحمارِ الذي يتلبّسني ونصف الإله الذي يجذبني إلى حلّاجِك المحروقِ، فأيّةُ مضيعةٍ أنا يا ربّي؟!
ألوكُ عشبةَ الخلودِ قبلما تزدردُني كذبةُ هذياني ويلوكُني الحلمُ زبَداً؛ فحمداً لما منحتني منْ سقوفٍ تمطرني بألفِ سجّيل والحيطان المتأرجحة كسفينةِ نوح ، وقرى النمال التي تسكنني ناخرةً مساماتي، وهذا المُسمّى بـ (الرّجل) أبتكرُ له قامةً ممشوقةً وكتفاً قويّةً أنشرُ عليها كفني وأسدُّ به ثغراتِ الأوزون؛ لكي تتخذَ سمومُ السماءِ وجهةً أخرى غير رأسينا المحشوتين بقطنِ الحروفِ ناصعِ البياض كغيمةِ صيفٍ ماطرةٍ، شكراً لِما انتقيت لي منْ أقدارٍ مقشّرةٍ كاللوز شهيّة كمائدةٍ سماويّةٍ لا أشقى بإعدادِها، شكراً لوجعٍ يتقاسمُ أوصالي ليلَ نهار كبندولِ ساعةٍ سويسريةِ فاخرة…
فحنانيكَ يا ربّي لستُ أكفرُ بآلائك الباذخةِ و ما برحتُ أبجّلُ ذاكرتي الفولاذيّةِ المبهرة، حيثُ أتذكّرُ حتى روائحَ الأشياءِ التي تقبرُها قبل أنْ تنمو، رائحة أمّي وعطر أبي وبيتنا وشارعنا وشوارب الأوباش وأعضائهم التناسلية وكل خطاياي المليارية وكلّ شهقةٍ تحت المطر وذيل قطتي ونتانة شدق الوغد الأخير!

شاهد أيضاً

ليس الْحُزْنُ بِهَذَا السُّوءِ الذي أنت تَظُنُّ
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

في ساعة مُتَأَخِّرَةٍ من اللَّيْل يُطْرَقُ الْبَابُ بِقُوَّةٍ أَفْتَحُ فإذا هو جارنا الذي لم أره …

أكاذيب المساء
القاص /محمد رمضان الجبور

لِأَكْثَرِ مِنْ عَشْرِ سنوَاتٍ وَالْمَقْهَى هُوَ المَقَّهى، وَاللَّيْلُ هُوَ اللَّيْلُ، وَالْكُرَّاسِيُّ الْمُتَحَلِّقَةُ حَوْلَ الْمَنَاضِدِ الْمُهْتَرِئَةِ …

غانم عزيز العقيدي: أنا وفنجان قهوتي

في الصبح حين افيق وقد غادرت أحلامي إلا بك فالحلم أنت واليقظة أنت وأنا وفنجان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *