تابعنا على فيسبوك وتويتر

يوميات كندية .. ليلة وفاة عبد الستار ناصر
هدية حسين
ليس دقيقاً ذلك الخبر الذي نُشر عن وفاة عبد الستار ناصر، والذي تناقلته الصحف والمواقع بشكل مكثف، الشيء الصحيح فيه هو الوفاة فقط، أما المكان فلم يكن في أحد المشافي في تورونتو، ونحن لم نُقِم في هذه المدينة، لقد توفي في هاملتون وعلى فراشه الخاص، ولم يتصل بي أحد ليستوضح الأمر من خارج كندا كما ورد في الخبر.
لم تكن سنة 2013 رحيمة بعبد الستار منذ إطلالتها الأولى، اقتربت المسافة بين إغماءة وأخرى، وإسعاف وإسعاف، وكانت تلك الليلة لا تشبه الليالي التي سبقتها. إذ لم يكن عبد الستار يشكو من شيء يستدعي طلب الإسعاف، بل كان مرتاحاً ومرحاً، تناقشنا خلال النهار بقصصه الأخيرة، وذكّرته بفصلي روايته التي تركها منذ العام 2009 بعد أن أصيب بجلطة في الدماغ وترك الكتابة بعدها الى ما يقرب ثلاث سنين، وفي المساء بعد أن اقترب موعد نومه، أراد أن يشاهد فيلماً أجنبياً كانت تعرضه إحدى القنوات الأجنبية، وقال لي: روحي نامي .. لأنه يعلم بأنني أنتظر حتى يحين موعد نومه مهما كان الوقت متأخراً بسبب صحته التي أخذت بالتدهور، كانت تخذله قدماه فيسقط، أو يرتفع السكر الى درجات عالية فيغمى عليه، وأطلب الإسعاف لنقضي في المستشفى ليلة بكاملها.. قلتُ له: أمتأكد أنت؟ قال نعم، نامي واطمئني.
ومن الغرابة أنني رحت الى النوم خلال دقائق، فأنا مصابة بالأرق الدائم ولا أنام الا بعد ساعة أو ساعتين، ثم أصحو لساعة أخرى أو أكثر، لكن صوت عبد الستار وهو يناديني أيقظني فهرعت له، كان قد أطفأ التلفزيون، قال اسنديني، وبصعوبة استطاع الوقوف، وعندما أوصلته الى السرير قال: اطلبي الإسعاف، تركته جالساً على السرير ورجلاه على الأرض وأسرعت الى الصالة لأطلب الإسعاف، أخذ الأمر وقتاً قبل مجيئهم، لأنهم يوجهون أسئلة عديدة حول الحالة المرضية قبل أن يطلبوا العنوان، وعندما أغلقت السماعة وعدت الى عبد الستار وجدته ممدداً ومغمض العينين، وظننت أن الحالة تتعلق بارتفاع السكر مثلما يحدث له في كل مرة، كلمته فلم يرد، ولم يحرك يده كما كان يفعل، وجهه يقول ما يؤكد أن الأمر لم يعد مجرد إغماءة.. عندها اتصلت بالصديق حاتم عبد الهادي.
وصلت الإسعاف بعد عشر دقائق، كانت كل دقيقة منها تعادل دهراً، مسعِفان، امرأة ورجل، دخلا غرفة النوم، حملاه ومدداه على الأرض، أخرجت المرأة مقصاً صغيراً وقصت فانيلته، وضعا الجهاز ومتعلقاته وهما يوجهان لي بالتناوب بعض الأسئلة، ثم طلبا مني الخروج من الغرفة، رحتُ للصالة لدقائق وعدت الى الغرفة ثانية، كانا منهمكين بإنعاشه، ومرة أخرى طلبا مني الخروج.. ووصل حاتم عبد الهادي، دخل الغرفة بضعة دقائق، تحدث اليهم وعاد للصالة، واستمر الحال لأكثر من ساعة، ربما ساعة ونصف، بعدها خرجت المسعفة لتتحدث الى حاتم عبد الهادي وهو يجيد الانكليزية أفضل بكثير مني، لم أفهم الكثير مما قالت لكن جملتها الأخيرة ضربت بقوة على أذني وقلبي…. لقد مات.. لم أقل أي شيء، لقد هربت الكلمات، فقط وضعت كفيَ على فمي، فاقتربت مني واحتضنتني.
وبعد ما يقارب العشرين دقيقة حضرت طبيبة استدعتها المسعفة من المستشفى لتؤكد الوفاة، ثم من أجل كتابة التقرير وجهوا لي أسئلة كثيرة عن أمراضه، واطلعوا على الأدوية التي كان يتناولها، واتصل حاتم بالفنان التشكيلي عزيز الحسيني الذي جاء على عجل بصحبة أحد أصدقائه، ومر وقت طويل قبل أن يجيء ثلاثة رجال يرتدون زياً موحداً، بدلات سود وقمصان بيض، وأحدهم يدفع نقالة، وحملوه الى المستشفى.. كان الوقت يقترب من الثانية والنصف بعد منتصف الليل، عندما انتهى كل شيء، وكان عليّ كما أخبروني أن أستلم الجثمان بعد أربعة أيام.
انفض الجميع من حولي بعد كلمات المواساة، فبقيت وحدي، جالسة في الصالة أنظر الى ساعة الجدار، كأنني أكتشف تكاتها للمرة الأولى، زمن ينفلت ويتبعثر، مثل نسيج يتمزق وأنا أروفه بالذكريات، والذكريات كما يقول المثل الألماني هي الوطن الذي لا يُهجّر منه أحد.. حطت عليّ بحلوها ومرها، وملأت فراغات الليل، كانت تلك الليلة لا تشبه الليالي، وغير خاضعة للتوقيتات المعروفة، ولا يمكن وصفها بالكلمات، أقفز فيها من ذكرى الى ذكرى، ويخيل لي أن عبد الستار يخرج من غرفة النوم مبتسماً ليوقظني، لكنني لا أستيقظ الا على مشهد النقالة والرجال يأخذونه ويتركونني وحدي أترقب الصباح متى يطلع، لا أدري متى يطلع الصباح، كأن الشمس قررت الانسحاب الى الأبد.
ترى ماذا سيحدث بعد أربعة أيام؟


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"