الدكتور زهير ياسين شليبه*: قراءة في رواية “مسامرات جسر بزيبز” للروائي العراقي شاكر الأنباري 1
أليغوريا النضال ضد قوى الظلام!

الدكتور زهير ياسين شليبه*
قراءة في رواية “مسامرات جسر بزيبز” للروائي العراقي شاكر الأنباري 1
أليغوريا النضال ضد قوى الظلام!

هرونوتوب/ زمكان جسر بزيبز
“مسامرات جسر بزيبز” هي السردية الثامنة للروائي العراقي المعروف شاكر الأنباري المكرسة لهروب آلاف المواطنين العراقيين عبر جسر بزيبز من هجوم مقاتلي الدولة الإسلامية أو “الوحوش” كما يسميهم الكاتب. هذا الجسر الصغير على الفرات هو الوحيد الذي يربط بين الأنبار وبغداد أصبح شاهداً على مآسي العراقيين النازحين من غرب العراق إلى بغداد عام 2016، لكنهم أضطروا للوقوف في طوابير إنتظار طويلة للحصول على موافقة السلطات للدخول إلى عاصمتهم وهم يعانون من التعب وبالذات كبار السن والأطفال والنساء.
وأصبح “جسر بزيبز” الصغير مشهوراً في العالم بفضل المحطات التلفزيونية التي نقلت مشاهد نزوح آلاف العائلات العراقية هربا من تنظيم الدولة الإسلامي ووحشيته. هذه التراجيديا الكارثية العراقية بامتياز، التي لم يكن العراقيون بالذات يصدقون ما تراه أعينهم لفظاعتها، يسردها لنا هذه المرة الروائي والصحفي العراقي شاكر الأنباري المعروف بتكريس كل قصصه القصيرة ورواياته السابقة لبلده العراق، الذي ولد وترعرع فيه وأضطر لمغادرته لكنه لم يستوطن بلداً آخر من المنفى وبقيت روحه متعلقة به وذاكرته حية ينهل منها أعماله الأدبية. ولد شاكر الأنباري في محافظته الأنبار وقضى فيها طفولته وصباه وشبابه وعرفها بحلوها ومرّها وكتب عنها سرديته الحالية واصفا “مسراتها وأحزانها بأسلوب سلس وشائق وواقعي لأنه يعرف عما يكتب و “من ذاق عرف”!
ويصبح “جسر بزيبز” تجسيداً لعلاقات الزمكان (الهرونوتوب) التي تظهر من خلال وصف حياة القرية لقرن من الزمان. ويكاد أن يكون هذا العمل من الروايات العراقية النادرة التي تناولت أحداث اليوم حيث صدرت عام 2017 اي بعد عام من بدء العمليات العسكرية ضد المتطرفين الدواعش.
تتكون هذه السردية من مجموعة قصص تراجيدية، لكنها ذات ماض جميل، تذكرنا بالروايات الإطارية القديمة تُحكى على لسان الراوي البطل المحبط، الذي يحمل هموم قريته الأنبارية والعراق كله على كتفيه، متجسدة في هرونوتوب جسر بزيبز.
يقول الراوي في آخر سطور مذكراته “هذه المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي جسر بزيبز. لم أسمع به سابقا على الإطلاق…” ص 201، “اليوم وأنا أتذكر تلك الدقائق القصيرة …. التي كنت اودع .. قريتنا…ومدينتنا… جسر بزيبز نحو العاصمة..أصبحت متعتي الوحيدة هي استعادة تلك الحياة، لكنني أشعر بالغضب، والحزن، وأنا أصبها على الورق للأجيال القادمة، كي لا يكرروا الأخطاء التي وقعنا فيها، إلا أن ما يحز في نفسي أني فقدت الأمل تماماً…” ص 206
ليس للمقارنة، إنما لابد لي هنا من الإشارة إلى رواية “النخلة والجيران” لغائب طعمة فرمان، التي يقول فيها أحد أبطالها عندما يرى جنديا بريطانيا يتبول على الجسر: “بغداد صايرة مراحيض مال إنجليز” (2)، بينما يصبح جسر بزيبز هرونوتوباً تتعرض فيه المصائر العراقية لأبشع صنوف الذل والهوان، تنقلها المحطات الفضائية في مختلف دول العالم، كما يشير إلى ذلك الراوي. ونفس الأمر يحدث في رواية “نينا بتروفنا” للكاتب العراقي حسب الشيخ جعفر، حيث يقول بطلها “أسمعُ بيانات ثورة الرابع عشر من تموز… بدأ العنف الدموي الذي لم ينته إلى اليوم بين القوى النيرة والقوى الظلامية”. (3)
“نتحول اليوم إلى فيلم سينمائي عالمي، فيلم تشاهده البشرية كلها،…نصبح ممثلين مهمين،…نتدافع على الجسر الضيق الممتد على نهر، باتجاه العاصمة مثل ضفادع،… يعرضوننا كفيلم مشوق على السي أن أن …وعلى كل… الفضائيات…الوحوش كانوا هم المنتجين،…مصطفى يقطن في مدينة زوجته،… وماهر وأسرته…مدينة السليمانية، وأنا أقطن في ظل هذه القلعة…وأخي أحمد مع أمي… في إحدى مناطق العاصمة”. ص 157
ورغم بشاعة الصورة إلا أن الجسر في “مسامرات بزيبز” يتحول إلى رمز الخلاص، ولكن ايضا مناسبة للتفكير بمستقبل العراق من خلال مصائر شخصياتها الهاربة من المسلسل الدموي: الراوي وزوجته نادية، مصطفى الذي يلقي اللوم على المحتل، وماهر ابن خالته، أحمد وأمه، كلهم يحملون معهم تاريخ القرية وناستولجيا الحنين الى الماضي والطفولة.
يصبح جسر بزيبز ذروة الهرونوتوبات العراقية الدامية، التي تمتد إلى قرن من الزمان يصورها الكاتب من خلال ذكريات الراوي وحكايات جدّه عن القرية التي ولد وعاش فيها.
يقول الراوي “ما إن غادرنا جسر طارق متجهين نحو المدينة حتى دخلنا في جحيم حقيقي منذ جدي حميد، بل منذ جده وأولاده، عيث وحامض وعبيد وملحم وبالي، الذين استوطنوا ضفاف النهر قبل مائة سنة …”. ص194
هل نحن أمام سرديات عن مائة عام من تحول هذه القرى العراقية من العزلة إلى مدينة “عصرية”، ثم تتهاوى وتغرق في الدماء على يد عصابات التخلف، كما فعل غابرييل ماركيز، لكن بعيدا عن الفنطازيا، لأن حقائقنا العراقية المأساوية “وحدها تتحدث عن نفسها” كما كان مكسيم غوركي يقول عندما استلهم الواقع الروسي في رواياته.
وهذا هو ما قام به في حقيقة الأمر الروائي العراقي شاكر الأنباري، حيث قدم لنا في قصصه الأولى وأعماله الروائية معارفَه الدقيقةَ عن بيئته ومناطق طفولته وصباه بلغة روائية تتميز بالإنسيابية وتبتعد عن التكلف باستثناء بعض الحالات. وهذا ما لاحظته على قصصه الأولى عندما كتبت عنه قبل عقدين من الزمن. (4)
يقول الراوي في تمهيد نهاية “مسامراته” لتاريخ قريته “ثلاث قرى تتقاسم مخيلتي في هذه اللحظة،… قرية الطين، قرية الحجر، قرية التكنولوجيا، حين دخل الموبايل…”. ص 123
إنه هرونوتوب هذه القرية، يبدأ من مكان نزوح الراوي في أربيل ليس بعيدا عن قلعتها، وينتهي فيها رغم حلم العودة إلى الديار، وتصبح هذه المدينة وكأنها أليغوريا “تضامن” العراقيين كبشر أينما كانوا عندما يتعرض مصيرهم للخطر.
من أربيل يكتب الراوي مذكراته عن حالة الناستولجيا مدفئاً بها عظامه رغم أنه لا “يقر” بذلك، حيث يعود إلى طفولته وصباه وشبابه في قريته وهروبه إلى سوريا عبر الحدود ليس بدون مساعدة عمه، والحلم بالعودة إلى الجذور، الذي يراود زوجته نادية باستمرار.
“على مقربة من قلعة أربيل التاريخية، وما إن أبتدأ بالتدوين،…مانالنا من عناء ورعب … أتوهج مثل جمرة، أشتعل، كما لو كنت تنورا،… وقد وضعتُ الحياةَ خلفي. الماضي لن يعود. لا ارغب في رسم شمس … كي أتدفأ بها”. ص 48
تتعرض قريته الواقعة في الصحراء على الجهة الأخرى من الفرات إلى هجمة “الوحوش” الملثمين الذين يمتهنون القتل وكأننا هنا أمام أليغوريا الظلام والدمار، وتصبح الجثة المرمية في العراء رمزا لهذه القسوة، وتجسد المقبرة زمكان الصراع بين الماضي الجميل رغم صعابه والحاضرالمليء بالعنف.
ذكرتني هذه الهرونوتوبات برواية “حياة ثقيلة” المهمة لزميله ومجايله الروائي العراقي سلام إبراهيم، حيث إستخدم كلا الروائيين طريقة “عودة البطل” ومن خلالها تبدأ التراجيديا السردية المليئة بتقاطعات زمكانية عراقية بامتياز.
يوزع الكاتب أفكاره على أبطاله في تداخل زمكاناتهم من خلال تنقلاتهم المكانية وسرد ذكرياتهم وحكاياتهم عن زمانهم المتغير، وحاضرهم الكارثي وماضيهم “الجميل”، وهو هنا لا يترك ذكرى تهمه دون أن يستخدمها ضمن المغزى الفني لعمله، يقول الراوي عن جده “كان جدي يردد… صرنا نشتري الباذنجان والرقي،… من المدينة، ونُلبسُ نساءنا الملابس الداخلية، ونشرب الأدوية بدلا من قراءة التعاويذ…”. ص38 ونقرأ على لسان الجد في مكان آخر من الرواية عن نباح غير طبيعي للكلاب “إنه ضبع، تطارده الكلاب. ما الذي ورطك، أيها الضبع بين جيش من الكلاب؟ كيف تجرؤ … إنه ضبع طردته الكلاب…” ص 45، وهي بالتأكيد كلمات تنم عن حكمة شعبية لها علاقة بأحداث الرواية ومنظومتها الأليغورية.
ونقرأ في الرواية عن تطورات القرية الزمكانية “جلب عمي …راديو نوع فيليبس، يشتغل على بطارية…أهم مؤشر على المرحلة الجديدة،… جدي يستمع إلى المغنين الريفيين القادمين من جنوب بعيد… نتلمس لهجته المختلفة قليلا عن لهجتنا”. ص70 يصور الكاتب كيف يسخرون من الجدة العجوز مياسة لأنها تتصور أن المذيعين يجلسون في الراديو! “ضحك جدي مستخفا بعقلها الساذج…”. ص 74 ويصبح “معمل الزجاج القريب من الجسر،… ودولاب الهوى… كما لو كان شاهدا على عصر جديد،…” ص 52
أما حكايات لافي الحرامي وأدواره المسرحية الساخرة ذات الغرابة والعجائب، تذكرنا بسخرية الكاتب الروسي الراحل فاسيلي شوكشين، الذي تناول الريف و الكاتب الإيطالي فرانسو رابليه في خماسيته “حياة غارغانتوا وبانتاغرول”، الذي قال الكتابة عن الضحك افضل من الدموع لأن الضحك سمة الإنسان.
تجسد هذه الحكايات الساخرة زمكاناً ريفياً من واقع القرى النائية المليئة بالأجواء الهزلية وبخاصة في الأعراس، أنظر ص108، “فالإنسان وحده من يعرف الضحك” كما يقول أرسطو مما جعل الرواية تتميز بشعبية ساحرة أكثر تماساً مع الواقع.
الراوي:
من هو البطل في هذه الرواية الجديدة للكاتب العراقي شاكر الأنباري، التي تناولت جرائم المتطرفين “الدواعش” في العراق؟ هل هو الراوي لوحده ؟ أم العم رشيد ونادية وبشير وماهر ومصطفى؟ و حتى “الوحوش” الكبار والصغار؟ أم إنه العراق الدامي من خلال سيرة حياة هذه المصائر العراقية المعذبة وتاريخ قرية أنبارية تأسست منذ قرن من الزمان على الفرات في الصحراء، لا تختلف معاناتها وأفراحها وأحزانها كثيرا عن أغلب مناطق هذا البلد الحزين.
لكنه الراوي، هو الذي يمسك بخيوط سردياته عن أبطال ذكرياته من مكان “اقامته الآمن” ص 14، أربيل حيث يتجول فيها ويصف أماكنها مبددا حزنه وألمه على الأحداث التي مر بها في حياته، يقول ” لكن المهمة التي تركها لي كانت مهمة ثقيلة، مهمة أن أكون شاهداً على هذا الزمن الذي جفاه، ورحل. سأكون شاهدا على جسر طارق، وشارع الملعب، والمدينة السياحية، وجسر بزيبز، وقصر الرئيس…”. ص 189
وهو عراقي، “لاجىء”، مقيم في سوريا، يعود منها إلى قريته مباشرة بعد السقوط، حيث يستقبله أخوه بشير وزوجته، كان حزيناً قبل عودته إلى بلده بعد سقوط الطاغية، “علاقتي مع ريم قد انتهت، وانني مهزوم، ومشرد وغريب، ومقطوع من شجرة، وما لي سوى أن أبدأ حياتي من الصفر، في مكان ما … المفاجأة التي لم اتوقعها أن بشير استقبلني مع زوجته خولة في سيارته الستيشن الحمراء…”. ص 179
لا يذكر الكاتب إسم الراوي البطل ولا حتى أوصافه الخارجية، لأنه منغمر ومنهمك برواية الأحداث، لكنه يقدم نفسه لصديقته السورية ريم ويعرف القارىء باسمه ” أنا سلام من العراق الشقيق،…”. ص 165
وهل هي صدفة أم أليغوريا أن يكون إسم الراوي “سلام”، شاب مسالمٌ يُرغَم على الهرب من بلاده والعودة إليها والإقتران بأرملة أخيه نادية، نسخة طبق الأصل لحبيبته السورية ريم، التي تركته وحيدا في غربته.
ويقارن الراوي فيما بعد بين ريم وزوجته الحالية نادية “وجدت نادية تشبه ريم تماماً، فآمن أن الحياة تحتوي على مفاجآت غير مفهومة. وحين أقارن اليوم بين زوجتي نادية وريم التي أحببتها لثلاث سنين … أجد أن تشابه الأشكال لا يعني تشابه الشخصيات. نادية لا تمتلك توهج الأنثى الذي كانت تمتلكه ريم…”. ص 179
يالها من “مفاجأة” كما يقول الراوي، لكنها ليست صدفة تلقائية بل تفصيل مهم للنمذجة الأليغورية، لم تأت عبثا وبدون تدخل “هندسي” من قبل الكاتب. وقد يكون من المناسب هنا أن نشير إلى أن المقارنة هنا طبعا شبه مستحيلة بين العشيقة السورية ريم وأرملة شقيقه، الكسيرة، الحزينة التي أصبحت زوجته الحالية بحكم التقاليد والعادات البائدة ليس إلا.
وكما يبدو في بنية الرواية فإن الزواج من أرملة أخيه، له أيضا أهمية كبيرة في زيادة الضغط الإجتماعي والنفسي على البطلين “زواجي من نادية غيّرَ حياتي، بشكل جذري، إذ انتقلت بعد ليلة الزواج، الزواج الكئيب، وكان الأكثر حضورا هو أخي بشير،…”. ص 159
ولهذا ليس صدفة أن يمهد الروائي لبنية حزينة حتمية، حيث يبدأ الراوي قائلا عن نادية في الفصل السابع بجملة واضحة الدلالات “أفيق في الليل وأسمع نواحَها ” ص 115، أما الفصل الأخير، الحادي عشر فيبدأه “في الصباح أخبرتني نادية، كالعادة، بحلم آخر من أحلامها…..أوضحت لنادية أن الحلم تعبير عن شوقك للرجوع إلى القرية، ورغم أنني لا ارى علامة على ذلك، لكنني أظل في شوق مثلك…”. ص 193
تتسم ذكريات الراوي بالحزن والفرح نسبيا كما هو الحال في “المسرات والأوجاع” لفؤاد التكرلي، لكنها لا تخلو من الوصف الرومانسي للحنين الى تلك الأزمنة القديمة حيث الطفولة والصبا والشباب، عندما كانت المدينة تنعم بتطور بطيء، لكنه أكثر أمانا من فترة الاحتلال الأميركي. (5)
يقول الراوي”الجنرال ديفيد بترايوس. يتصدر المجلس، يجلس بكامل قيافته العسكرية. كنت اجلس مثل جذر شجرة غير مرئي، ممتلئاً بقناعة أن حياتنا لن تعود إلى سابق عهدها،… كنت خائفاً في تلك اللحظة، وأنا أتفرس بوجه ذلك الجنرال،… أما اليوم فيمكنني ان اخاطبه على الورق بحرية مطلقة: ياجنرال بترايوس، أنا مشتاق إلى عتبة البيت، إلى حنفيش الماء، وثغاء الخرفان…ورائحة الطين…” ص 58 “ياجنرال بترايوس، كنت تجلس في المضافة، وحذاؤك يحدق بوقاحة في وجوهنا… وتقرر مصائرنا وخلفك مئات الدبابات…”. ص 59
نادية: أليغوريا نداء العودة
لايمكن الكتابة عن بطل هذه الرواية المؤثرة في الصميم بدون نادية، فهي الشخصية الوحيدة التي يبدأ الكاتب روايته وينتهي بها، رغم أنها لا تعبر عن معاناتها بنفسها، بل من خلال الراوي، لكن “قِسمَتَها” كأرملة شابة تضطرها التقاليد للعيش مع عَمِّ طفليها كزوج لم تختره بنفسها، أمرٌ مُتممٌ لكل اللوحة الكارثية العراقية ومهمٌ في بنية الرواية.” أقيم في بيتي وسط مدينة أربيل،… مع زوجتي نادية، أرملة المرحوم بشير…” ص 7 ، و” في الصباح أخبرتني نادية، كالعادة، بحلم…تعبر جسر بزيبز،… نحو المدينة… ص 193، ويختم الرواية قائلاً ” كل ما أعرفه أنني أقطن في هذه الشقة مع زوجتي وابنيها، في هذه المدينة الغريبة، منذ شهور، أصبحت متعتي الوحيدة هي استعادة تلك الحياة، لكنني أشعر بالغضب، والحزن، وأنا أصبها على الورق للأجيال القادمة‘ كي لايكرروا الأخطاء التي وقعنا فيها،…”. ص 206
نادية هي أيضا ليست شخصية نسائية عادية فقد حملت على كتفيها المصاعب واصبحت أمام تحديات أكبر بكثير من طاقتها، وهي ايضا ذات أسرار إجتماعية “خطيرة” تخص شرف والدتها، تعود إلى نشأتها في بيت أبيها سليمان، الذي كان رشيد كثيرالتردد عليه وأصر فيما بعد أن يزوجها لإبن أخيه القتيل بشير ثم لأخيه الراوي العائد من غربته.
نقرأ في ذكريات الراوي معاناة من نوع آخر من خلال تلميحات عن علاقة رشيد بوالدة نادية وأوجه شبه كثيرة بينه والأخيرة, هل هي من صلب العم؟ هكذا تقول الإشاعات، ويؤكدها الراوي في ذكرياته “لِمَ أعود إلى تلك السنوات الغامضة من حياتي،…” ص 151، “أبدأ بمقارنة ملامح نادية إبنتها مع ملامح عمي” ص 186، وكان العم رشيد متعلقا بها “يعاملها مثل إبنة له، يقف معها على التنور”. ص 187 ولا بد من القول هنا إن علاقة العم مع أم نادية يجب أن ينظر إليه أيضاً كصفة أخرى تعبر عن قوته الأليغورية.
ولم تكن “مهمة” ترتيب زواج الراوي من نادية أن تتمَّ بسهولة لولا إصرار العم رشيد، وهل في هذا الأمر نظرة أليغورية تتجسد أيضا في إسمها، نادية وكأنها تنادي البطل لإنقاذها من مصيرها المأساوي هي وإبنتها مريم وولدها علي، ومساعدتها في العودة إلى ديارها. أرادنا الكاتب أن نسلط الضوء عليها، وإلا لم هذ “النبش” في أصلها؟ ياترى هل سيكرس الكاتب عملا آخر لمصير هذه المخلوقة المعذبة نادية وهي تعود إلى مرابعها وماذا سيكون مصير طفليها وموقفهما من ماكنة الحداثة الغربية التي قتلت والدهما بشير؟ هذا السؤال هو ما سيجيبنا عليه في المستقبل الروائي شاكر الأنباري، هل سيكرس عمله القادم لسلام ونادية؟
العم رشيد: أليغوريا الرشد ورجولة البطل
بلا شك أن العم رشيد يجسد أليغوريا الماضي الجميل وهو يأخذ المساحة الأوسع في هذه الذكريات، يذكرنا بالزيني بركات للروائي الراحل جمال الغيطاني، الذي يمثل نضج البطل ورجولته، فيه ملامح من أبطال مائة عام من العزلة لماركيز، لكننا هنا أمام سرد حقائق تراجيدية عراقية إلتقطها الكاتب من أحداث وطنه العراق.
ويمكن أيضا ملاحظة أهمية رشيد من خلال البنية الروائية حيث يُعد العم معماراً هاما فيها، بسبب حضوره المكثف في كل الفصول تقريبا، لكن أهمها الفصل الثالث “هذا هو عمي الذي تركنا جثته في المقبرة دون دفن. يقترب القصف من القرية ويتهيأ الجميع للفرار،…” ص 47، وفي الفصل الرابع “خالتي سميعة أحبت عمي منذ الصغر،… ” ص 65، والفصل الخامس “بعد ذلك الاجتماع الشهير مع الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس…وتكلم فيه عمي… وضع إسم عمي رشيد في قائمة التصفية والقتل…” ص 85، والفصل السادس “أتذكر اليوم مثالاً واحداً، جَسّدَ فيه عمي غرابته وشذوذه الملحوظ من قبل الجميع” ص 101، وفي الفصل العاشر “منذ نشأته وهو مدلل. تقول جدتي مياسة عنه، …”. ص 181
ولايمكن الحديث عن الراوي بدون عمه رشيد، فهو موجود دائماً وأبداً في الماضي والحاضر والمستقبل، حتى بعد وفاته، لأنه مكوّن ضمن النظام السردي الأليغوري ولهذا ليس صدفة أن يغيبَ أب الراوي عن الأحداث لأن ولاء الأخير ليس له رغم إرتباطه البايولوجي به. ولهذا يقول الراوي عن عمه في تمهيد خاتمة الرواية “عددته مع نفسي مثل بطل شعبي…”. ص 184
يؤكدُ الراوي أليغوريةَ العم وقدسيته من خلال إعادة تفسيره أو فلسفتة لمصيره المشؤوم “جثته في العراء… حكمة سرية،… كان يخشى العتمة… ويعشق الفضاء والنور والطبيعة” ص 184، أو يقول “نهاية حياة عمي هي نهاية لحياة قريتنا…” ص 12، ويستمر يعاني من الكاثارسيس (تطهير الذات) “جثة عمي … هل تلتهمه الحيوانات” ص..63، ويتحدث باستمرار عنه كونه شخصية “أسطورية عملاقة”، يتذكر محطات حياته وبطولاته وشجاعته، وحاضره وماضيه بعد قتله. “العم أسس الصحوات” ص 50، عمي الذي أعرفه منذ خمسين سنة تعملق حتى احتل أفق قرية، تستلقي على ضفاف النهر، هو من كانت يداه نخيلاً،… الإنقضاض على الحرس القومي…في أبي نؤاس حين كان يحتسي البيرة على الضفاف ويردد في الجلسة السرية … سنتخلص من الصنم” ص 55، ويسرد تفاصيل عرس عمه وكأنه حدث هام في كل القرية، “لسنوات عديدة، لاحقة، ظل عرس عمي حديث القرية” ص 83، ونفس الأمر بالنسبة لتشجير المقبرة، ص 102، وذهابه إلى السينما مع شباب العائلة. أنظر ص 103
ونلاحظ أيضاً تأكيد أليغورية العَم وتنويريته من خلال وصف مفصل آخر عن موقفه من السينما ص 153، وأخيرا ليس صدفة أن يكون هو بالذات الذي يُهَرّبُ الراوي إلى سوريا من جلاوزة العراق إنقاذا له من الإعتقال، وليس والده. ص 169، ولهذا يعاني الراوي من الكاثارسيس، أنظر ص 124، ولابد من تكريس كل هذه الصفحات لهذه الشخصية البطولية الإيجابية، وبالذات الفصل العاشر كله تقريبا كما أسلفنا. ص 181،
“عمي موضوع شائق ومؤثر لكتابة القصائد، وربما القصص، والسبب في ظني ارتباطه في القرية ارتباطا وثيقاً، ارتبط بطفولتنا نحن،… -أيضاً- لم يذكر شيئا عن محاوراته مع الجنرال بترايوس بعد الإحتلال، والأسرار التي تبادلها مع الشيوخ والوجهاء أيام تأسيس الصحوات،…” ص 185
يقول العم لإبن أخيه أحمد، خطيب الجامع الذي وقف ضد البيرة الإسلامية بسبب انتشارها بين النساء “أتمنى أن لا تغازل الوحوش بخطبك، هذه البيرة محللة في السعودية وإيران ومصر… يا أخي تكلموا عن تبليط الشوارع، عن مشكلة الكهرباء، عن الرشوة المتفشية….لاتضعوا عيونكم على ما ترتديه النساء، أو يشربه الرجال…” ص 188
ماهر: إسم على مسمى
الأبطال الآخرون لهم أيضا دور في “بوليفونيا” الرواية فقد يعوضون عن إنتفاء النبرات اللغوية أو المحكية، واللهجات كما نرى ذلك في ذكريات الراوي عن إبن خالته المثقف ماهر، فهو كما يبدو أيضا إسم على مسمى، ماهر في عدة مجالات رغم الصرع الذي يعاني منه مذ صغره، خبير ببيئته، هو بالذات الذي يُحدّث الراوي عن إذلال العراقيين في زمن الحصار، ودخول الأميركان وكأنه يبرر أسباب العنف العراقي “حين رأيت الدبابات الأميركية وهي تتجول في الشوارع… ص 111، لكنه يحمّل النظام السابق مسؤولية ما حدث فيقول له عن نفسه “هل تصدق ذلك؟ مهندس مدني، ويعمل وزاناً للبشر؟ هذا ما أوصلنا إليه رئيسُنا”. ص 175
يقول الراوي عنه “أصبح ماهر مرجعا لنا نحن أقرانه في معرفة أنواع السعد في الحقول، والكلمات التي حين نرددها تطرد الأفاعي عنا،… وأنواع النخيل في بساتيننا. وبرع في صنع الأفخاخ التي نصيد بها البلابل، وأبا شميّغ، وأبا الحناء، والفاختات، والعصافير… ولايخاف الزنابير…ويعرف أسماء النباتات في الحقول كالحويرلة، والحمقاء، والنقل، والكعوب، والطوش، والسليل. حتى سمته أمه وهي خالتي طليعة، بالولد المعجزة”. ص 69
أما أخوه الثاني مصطفى فهو صوت آخر، محظوظ ومدلل في طفولته، حيث تبناه عمه فاضل وعاش في عز ونعيم، غبطه أخوته عليها، وكان قد تعود التكسب من قصائد مدح للرئيس السابق ص 120، واليوم متذمر من إحتلال “أحفاد كولومبوس” ومن كل شيء يحصل في البلد، لكنه على أية حال في وضع أفضل من الآخرين، حيث يقيم في مكان أكثر أمانا جنوب العراق مع أهل زوجته. ولهذا لا يمكن المرور مر الكرام أمام هذه الشخصيات المهمة في المنظومة الأ ليغورية: الراوي سلام، نادية، رشيد، ماهر، مصطفى ولابد أن الروائي فكر كثيرا قبل أن يختار أسماءها ذات الدلالات الأليغورية المجازية والإستعارية.
بنية الرواية
تعتمد رواية شاكر الأنباري الأخيرة على طريقة عودة البطل إلى الديار، وأسلوب الذكريات المتوزعة على عدة فصول تمثل أصواتا متعددة تقترب من البوليفونيا نسبيا، لأن الشخصيات هنا لا تتحدث عن أنفسها بألسنتها، بل يتم كل ذلك عن طريق الراوي، الذي يمثل صورة الكاتب هنا، ويلعب دورا مهما في تشكيل بنية الرواية بطريقة إنسيابية غير معقدة أقرب إلى السيرة الذاتية.
وعلى الرغم من أن اخبار الموت أصبحت عادية في بانوراما العنف العراقية، إلا أن الكاتب يصورمقتل العم رشيد وكأنه مفصل مهم في تاريخ القرية، تتأسس عليه بنية الرواية “…هيأت نفسي للمغادرة…” ص 11
أحد عشر فصل يشكل كل واحد منها عمودا هاما من اعمدة الرواية، وكل فصل يبدأ بجملة تعكس معناه ومحتواه المكرس له كما سبق وأن أسلفنا بخصوص رشيد ونادية.
الفصل الأول يبدأ ب”أقيم في بيتي وسط مدينة أربيل،” ص7، والثاني ب”استيقظت صباحاً، وأنا اتأمل في ذلك الحلم…عمي رشيد” ص25، والثالث “هذا هو عمي..” ص 47، والرابع “خالتي سميعة” ص 65، والخامس “بعد الإجتماع مع الجنرال الأميركي بترايوس” ص 85، والسادس” أتذكر اليوم مثالا واحدا جّسّدَ عمي فيه غرابته” ص 101، والسابع “أفيق من النوم وأسمع نواحها” ص 115، والثامن “جدتي مياسة” ص 135، والتاسع “زواجي من نادية غيّر حياتي” ص 159، والعاشر “منذ نشأته وهو مدلل” 179، والفصل الحادي عشر والأخير “أخبرتني نادية بحلم آخر… تعبر جسر بزيبز… نحو المدينة…شاهدت بشير مبتسم … يشير لنا بالإسراع” ص 193، وتتحقق بهذه البشارة من قبل الراحل بشير النهاية السعيدة للمنظومة الأليغورية المفترضة، فتلبي نادية نداءَه مسرعةً إليه، إلا أن ذلك حلما ليس إلا!
في المنظومات الأليغورية التقليدية القديمة: (لقاء- صراع وفراق وأهوال- نهاية سعيدة)، غالبا ما تكون النهاية سعيدة في الصراع بين الشر والخير، لكن الأنباري يكتب لنا رواية عراقية من واقع عراقي معاصر لا مكان فيه للنهاية السعيدة على النمط القديم، حيث إنه زمن عراقي بامتياز تتكالب فيه الكلاب على الضبع، كما يقول جد الراوي ” ما الذي ورطك، أيها الضبع بين جيش من الكلاب؟…”. ص 45
ولابد من الإشارة هنا بشكل عام إلى أهمية اللغة السلسة والإنسيابية والمتدفقة في بنية النوع الروائي، الذي ينفر من التقريرية والمباشرة وإسقاطات أفكار الكاتب على شخصياتها بحيث تظهر على مستوى واحد، وتكرار نفس المفردة في الجملة الواحدة (تاوتالوجي Tautology) والإنشاء والإنطباعات السطحية وتكرارها، وهي كما يبدو مهمة عسيرة أمام الكتاب العرب بسبب تعقيدات اللغة العربية الفصيحة والمحكية وتنوع لهجاتها، لكنها ليست مستحيلة ويمكن أن تتحقق بالعمل الجاد وإعادة الصياغات والتحرير اللغوي المتأني. الرواية العراقية بحاجة اليوم اكثر من اي وقت مضى لتجاوز المستويات اللغوية السابقة لتتجه نحو الأصالة والإبداع والإستقلالية والتنوع والإنطلاق بعيدا عن التكلف والإفتعال، بحيث تصبح في قمة النتاجات العربية من حيث المستوى الفني، وأعتقد أن “مسامرات جسر بزيبز” مثال جيد على ذلك. وأنا أقول ذلك اليوم رغبة في تحقيق الجودة والتفوق وتحقيق أعلى مستوى من الحرفية العالية في إنتاج السرد العراقي، لأن فرصة تَحوّل التراكم الروائي العراقي الكمي إلى فني متوفرة في هذه الأوقات أكثر من اي زمن مضى في تاريخ الأدب العراقي بسبب “الحرية” وسهولة الطباعة والنشر وجرأة المؤلفين في تناول مختلف الموضوعات.
وصف الأماكن
تتجسد الناستولجيا في وصف الأماكن التي مروا بها، وهو أمر عهدناه في سرديات الأنباري منذ قصصه الأولى ورواياته الأخرى وبالذات روايته الرائعة “أنا ونامق سبنسر”. يصف الراوي المكان “حدثني جدي بقصص عن هجراتهم نحو الصحراء، أيام ما كانوا غير مستقرين، ينوسون بين البداوة والفلاحة، كيف يقضون الشتاءات في الصحراء مع غنمهم وجمالهم وحميرهم،…حيث أسس جده حامض وأولاده اللبنة الأولى للقرية. بيوت طين ابتكروها على عجل حسب مخططات متوارثة، تمتد في الجينات آلاف السنين، الطاقات الصغيرة في الجدران، الأبواب الخشب، السقوف المصنوعة من خشب الصفصاف، أو الحور…”. ص 49
ويصور أربيل “المكان الآمن” ويحلم بالبقاء فيها، ويقول فيما بعد معبرا عن ناستولجيا الحنين إلى سحر الشرق مختزلا ذلك في السوق” كنت أجلس أمام القلعة، وأتأمل في تاريخها وبنائها،… النافورات الموضوعة في الساحة ص 56، … في السوق الكبير،.. أتأمل بالمعروضات من السلع والوجوه التي تجول في الأزقة الضيقة،… فأحسب نفسي اسير في سوق، لمدينة عاشت قبل مئات السنين، حلب، أو أصفهان، أو تبريز أو سمرقند، أو بغداد قبل أن يغزوها المغول أنواع البهارات تتوزع في صناديق، و سلال ويفغم ضوعها الأنوف، سلال من الحلقوم التركي والإيراني… حوار يسقط في أذني من رجلين يتكلمان اللغة العربية قادمين من الموصل أو الرمادي أو النجف أو بغداد، تنط مثل جرادة ذكرى من ذكريات الماضي … أنغمر ساعات في الكتابة”. ص 57
يصور الكاتب الحاضر ليعود إلى الماضي، من زمكان أربيل إلى أماكن الإعتصامات قبل سقوط المدن الغربية بيد الوحوش الصغار عام 2014 “تتكون المدرسة من ست صفوف، كلها مبنية من الطين،.. مراحيض قديمة ذات باب خشبي متهالك. مراحيض المدرسة هي الوحيدة في القرية”. ص21
ويلقي الراوي نظرة على الطريق الدولي السريع الذي بنته الشركة اليابانية ويصبح مغلقا بيد الوحوش الملثمين، شاهدا على مقولة “الإنسان اثمن راس مال”، وأن تطور البشر أهم من البنايات والشوارع. هذه هي قصة العراقيين كلهم، يسردها الكاتب على لسان بطله الراوي في مسامراته التي هي في الحقيقة عن العراق كله. ينتقل الروائي بكامرته إلى بساتين النخيل في قريتهم والقرى الأخرى ويذكر أسماء الناس المتشابهة في كل العراق، بستان حمادي، ص 32، والمعلم خوشابا، ص 32، ويعود بذكرياته إلى نصف قرن مقدما للقارىء موزائيك عراقي جميل يناضل دائما وأبدا ضد قوى الظلام.
——
*أستاذ جامعي عراقي مقيم في الدنمرك

هوامش
1- شاكر الأنباري. مسامرات جسر بزيبز، منشورات المتوسط ، 2017
2- غائب طعمة فرمان. النخلة والجيران، الطبعة الأولى 1966 بغداد، ص 162
وأنظر أيضاً كتابنا:
د. زهير شليبه. غائب طعمة فرمان. دراسة مقارنة في الرواية العراقية. بيروت 1996، دار الكنوز الأدبية، ص 123
3- حسب الشيخ جعفر. نينا بتروفنا، بغداد، دار المدى، 2014
4- أنظر مقالنا: د. زهير شليبه قراءة نقدية في بعض مجموعات القصص العراقية القصيرة. القدس العربي، أدب وفن، العدد 2561، 2-3 أغسطس 1997
5- فؤاد التكرلي. المسرات والأوجاع، دمشق، دار المدى، 1998

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *