عادل كامل : جواد سليم ـ في ذكراه (1961- 2016) (8) (ملف:29-30)

[8] قراءات ـ مقاربة مع النصب
سيبدو إجراء ً لا يخلو من التعسف لو أعدنا قراءة النصب، بدافع إجراء مقاربة بينه وبين المتلقي، وكأن دور (الكتابة) يتوقف عند حدود لا تتجاوز الوساطة، أو كما قال جواد سليم، بتندر، وهو يواجه صعوبات مع المشاهد (العادي) الذي لا يذهب ابعد من سطح العمل، إن كان منظرا ً للغروب، أو محض حياة جامدة. كالقول: لقد وضع الفنان الجندي كي يحطم قضبان السجن، ليذكرنا، بقول جواد عندما يرى المشاهد صورة لتفاحة فيخبره أو يكتب تحتها شرحا ً يقول: هذه تفاحة، أي ليست حصانا ً!

فإذا كان الفنان نفسه قد شعر بالمسافة بين عمل الفنان، والمتلقي، وأثرها في الرؤية الفنية، فإنها، بشكل أو آخر، ستؤثر في الفنان، في نفسيته، أو في أسلوبه.

ومازلت أتذكر، شخصيا ً، ما قاله احد المارة وهو يشاهد الجزء الأول، حاملة الشعلة، في ساحة التحرير، إنها تشبه (ضفدعا ً)! أو كائنا ً خرافيا ً، ولا تصوّر الثورة.

هذه الهمسة، وسواها، لم تغب عن آذان جواد سليم، لتعجل ـ ربما ـ مع النوبة القلبية، برحيله.

إذا ً ستكون أية محاولة في: الشرح، القراءة، الانطباع، التأمل، المقاربة، أو التأويل إسهاما ً للإضاءة، للخارج، وللحفر في الداخل، معا ً، بردم ـ الفجوات ـ ما بين النصب ـ النص الملحمي ـ وكل من تتجدد لديه رغبة التواصل، وديناميتها.

ومثل هذه التعددية في القراءات، هي الأخرى، لا تتحدث عن نص مركب، بطابعه الملحمي، وما خبأ في النصب ـ وأنا سأستخدم (دفن) في سياق قراءتي له ـ من بذور، وأفكار، فحسب، بل كي تنبت، لدى المتلقي، عند كل قراءة، مغزى ديمومة النصب، في مواجهة تحديات الزمن، وتحولات الذائقة، كعلاقة جدلية، وجمالية، بين الفنان والآخر.

جواد سليم بريشة الفنان الكبير فيصل لعيبي

فإذا كان النصب، كما يبدو للوهلة الأولى، نصا ً غير قابل للحذف ـ أو الإضافة، فان مهمات المتلقي ستشكل امتدادا ً لكل ما خبأه النصب، من رموز، ومعان، وحالات، وإشارات، وهواجس، هي في الغالب، عبر العلامات، والمعالجات التكنيكية، والتقنية عامة، تتضمن مشفراتها، اللاواعية، عبر مفهوم دينامية الفن عبر الأزمنة، والمتغيرات الحضارية.

فالتجدد، والتجديد، لن يضع فجوات بين النص الفني وعمليات القراءة ـ بتنوعها ـ بل يضاعفها، لكن ليس لصالح القطيعة ـ كالتي حصلت بين آخر الجداريات الكبرى في بابل وأشور، قبل ألفين وخمسمائة عام، وبين الشروع بإقامة النصب، عام 1959، قبل افتتاحه بعام ونصف ـ وإنما من اجل المفهوم ذاته لمغادرة (ديموزي) عالم الظلمات، السفلي، بأعياد الربيع، وهو تأويل لن يتقاطع مع سياق آليات الولادة ـ الثورة، بعد الكمون، أو الدفن.

وكي تكون لهذه القراءة، هنا، إسهاما ً شبيها ً بتسليط الضوء، من جهة، واستذكارا ً للقراءات السابقة، من جهة ثانية، وإعادة حفر في مكونات النصب ومخفياته، من جهة ثالثة، أجد لا مناص من عدم إغفال ذلك.

فيذكر الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، ان جوادا ً، بعد تكليفه بتصميم النصب، وفي غمرة نشوته، وجد: ” ان الأنظار تتجه إليه ليجسد الحلم الذي راوده لسنين طوال. لم يكن هناك أي تردد: لقد طلب إليه المسؤولون، بعد الثورة بأشهر قلائل، ان يصمم نصبا ً للثورة لكي يقام في ساحة التحرير ـ اكبر ساحات بغداد ـ وأعطي مطلق الحرية في التعبير ـ والحرية بالضبط هي ما كان يخشى ألا تجود به الدولة، وهي التي أصر عليها قبل كل شيء. لقد وجد نفسه ذات صباح يجابه موضوعه الكبير: له ان يصوغه في الشكل الذي يريد، بمطلق الحرية، وتنفق على تنفيذه الدولة” (1)

وإذ راح يفكر بالتفاصيل، ازدحمت في ذهنه مواضيعه الأثيرة لديه، والتي ستجعل منها دراما، أو ملحمة، تنطق بلسانه، كما تنطق بلسان الشعب. ويضيف الأستاذ جبرا ” وفي الوقت نفسه، كان عليه ان يبلور في شكل نهائي وحاسم نظرياته المتنامية حول الأسلوب العربي، العراقي، المعاصر, وهكذا كان عليه ان يوفق بين حاجة الدولة وحاجته، بين مطامح الجمهور ومطامحه، بين حسه ألزماني وحسه المكاني، بين فهمه للتاريخ وفهمه للمستقبل” (2)

ولكن جواد سليم لم يقدم للمسؤولين في بغداد ـ وهو في فلورنسا ـ أي تخطيط او مصغر للنصب، فيما عدا مصغر عريض الخطوط للقسم الأوسط منه، الذي يصور قفزة الجندي، و (الحرية) حاملة المشعل …، وهكذا كانت الثقة مطلقة بما سيصنع من نحت. ويذكر الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا (لا بد من القول ان رفعة الجادرجي، صديقه واحد المعجبين بفنه، كان له الدور الأهم في ذلك كله، إذ ْ كان احد كبار المسؤولين عن إقامة النصب” (3)

وسينجز الفنان ملحمته، في سنة ونصف، وهي مدة قصيرة جدا ً، فضلا ً عن الصعوبات التي عاناها الفنان، في انجاز النصب، بعد ان ضاع الجزء الأوسط منه ـ المفكر السياسي، الجندي، الحرية ـ ولذا فانه أعاد صنع هذا الجزء من جديد في استديو محمد غني حكمت بروما، أما الأجزاء الأخرى من المصغر فقد نحتها فيما بعد في فلورنسا.

مرض جواد سليم، ومكث ثلاثة أشهر في المصح، ثم عاد ليواصل عمله، ويتم انجازه ، ويأتي إلى بغداد، ليدخل المستشفى، مرة ثانية، وأخيرة، لتفجع بغداد برحيله، وكان في الـ 42 من عمره، بتاريخ(23 كانون الثاني 1961)، وسيزاح الستار عن نصب الحرية في: 16 تموز من العام نفسه.

هوامش:

1 ـ جواد سليم ونصب الحرية، مصدر سابق ص 75

2 ـ المصدر نفسه، ص 75

3 ـ المصدر نفسه، ص 78

شاهد أيضاً

سيدي قنصل بابل.. مأساة الرواية ورواية المأساة
عبد الكريم السامر
قاص ومترجم عراقي (ملف/3)

رواية (سيدي قنصل بابل) للكاتب العراقي الشاب نبيل نوري لكَزاز موحان من الروايات القليلة التي …

ياسين شامل: قراءة في “سيدي قُنصل بابل”1 للكاتب نبيل نوري لكزار موحان (ملف/2)

يقومُ السردُ في “سيدي قُنصل بابل” الذي لم يعطهِ الكاتبُ نبيل نوري تجنيساً، على سردِ …

الراوِيةُ الذي يكشفُ المسكوتُ عنه
قراءةٌ في قصّةِ قُصي الشيخ عسكر الطويلة الكورونا
أ. د. عبد الرضـا عليّ (ملف/19)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *