حميد المختار: مرآة حسن متعب الليلة

رحلة في ذاكرة السردية العراقية 
بعد انقطاع طويل عن الكتابة والتواصل وحين كان غارقاً في مقبرته الملونة وهو زمن طويل كان خلاله حسن متعب يعد العدة للعودة من جديد، وحين نضجت ذخيرته وتاججت ثانية وبعد مغادرته المفاجئة لبغداد هو وعائلته ليستقر في القاهرة هناك تفجرت لديه كل مخبوءاته الابداعية وانتجت بعد هذا الانقطاع الطويل رواية (شجرة المر) التي صدرت في القاهرة والتي ستصدر طبعتها الثانية عن دار الشؤون الثقافية  ثم تبعها بمجموعة (مراة ليلية) القصصية في القاهرة ايضاً، في تلك المقبرة اي(مختبر السعدون للصورة السريعة) حيث كان يعمل وهو محترف للتصوير منذ نهاية الثمانينيات هذا المختبر الذي زحف على كل مساحاته الابداعية واحتلها تماماً فلم يعد قادراً على التفرغ قليلاً للكتابة او القراءة وكثيراً ما كنت ازوره هناك واحاول معه محاولات مريرة على العودة الى الكتابة سيما وان لديه مجموعة قصص جاهزة للنشر لكنه في كل مرة يعدني بانه سيعمل على تجهيزها ودفعها للنشر ثم يحنث بالوعد وكنت وما ازال مصراً على ان ثمة الكثير من الاشياء في جعبة هذا الرجل الذي لا يبوح بها بسهولة حتى لاقرب اصدقائه ، اخترت حسن متعب في مجموعتنا الاولى (اصوات عالية) وهي مجموعة قصص مشتركة كان معنا بها شوقي كريم وعلي حميد وعبد الستار البيضاني وكان ما كان ممن لست اذكره من احداث ومقالات وردود افعال في الوسط الثقافي حتى حققت مكانة مهمة في مطلع الثمانينيات ، لم يكن حسن متعب مرغوباً في تلك المجموعة على اعتبار انه لم يكن يلتقي في الوسط الثقافي وكان عسكرياً في جبهات القتال ايام الحرب العراقية الايرانية اما انا فقد كنت مصراً على ان يكون حسن معنا في المجموعة لا لسواد عينيه بل لجودة قصصه التي اخرست المعترضين عليها فيما بعد ، هذه المجموعة رسخت اقدامنا في ارضية صلبة تمكنا منها ان ننطلق كل الى فضائه فاصدرت انا روايتي (النزلاء) واصدر حسن روايته (كولينا) حينذاك ايقن الجميع بقدرة حسن على الكتابة والتواصل وحين قررنا اصدار الكتاب الثاني من (اصوات عالية) فكرت ان اكتب عن كل واحد منا مقدمة استهلالية لقصصه وكان لحسن متعب حصة الاسد في ديباجة الهبت كلماتي واعطته ما يستحق من الثناء الجميل لقصاص استطاع ان يخرج من اتون الحروب كلماته الساخنة ويطبعها على ثلوج الشمال ونسائمه واناسه ونسائه فكتب عن معشوقته الكردية التي كانت باكورة علاقاته الانسانية حتى انها اصبحت شخصية رئيسية في رواية (كولينا)، هذه المرة وبعد كل تلك السنين يعود حسن الى الكتابة مندغما باجواء القاهرة الثقافية ، ليصدر الرواية والمجموعة القصصية وكنت متحمساً وما زلت لان يطبع هذا العملان في بلده العراق رغم موقف حسن السياسي ازاء مايحدث في العراق بعد سقوط نظام صدام، فهو مع سقوط النظام لكنه ليس مع ما يجري الان في العهد الديمقراطي الجديد وبالتاكيد فهو ضد الاحتلال الامريكي وهذا باعتقادي موقف كل مثقف عراقي وطني يحب بلده، لكن حسن حاله حال المبدعين العراقيين الذين يقطنون الدول العربية لابد وان يتساوق مع توجهات ذاك البلد السياسية حول قضية العراق ولهذا فانا اعذر الاصدقاء الذين يتعرضون الى ضغوط ما حتى يكونوا ضمن التوجهات الاعلامية للبلدان التي اوتهم، وعليه فقد حملت رواية (شجر المر) وجهة النظر هذه وكان يعتقد وما زال انها غير صالحة للنشر في بغداد لكنني قلت واقول له اننا يمكننا ان ننشرها حتى لو كانت تحمل وجهة نظرها الخاصة، سيما وان البلد اليوم تجاوز الرقيب الامني والفكري تماماً سواءً اذا اراد ان يطبعها على حسابه الخاص، او في المؤسسات الحكومية رغم المعايير والاليات التي تسير في تلك المؤسسات لهذا فقد نصحته ان ينشر مجموعة (مراة ليلية) في دار الشؤون الثقافية التابعة لوزارة الثقافة بعد موافقتها على طباعة روايته ( شجر المر ) والتي ستصدر قريباً عن هذه الدار الحكومية .
اما مجموعة ( مرأة ليلية ) فقد احتوت على قسمين من القصص القسم الاول احتوى على القصص التي كتبها حسن في الثمانينيات في كوردستان العراق وهي ست قصص كتبها ابان الحرب العراقية الايرانية والقسم الثاني القصص التي كتبها وهو في منفاه الاختياري في القاهرة وكمبالا، ما يهمني هنا في هذه المجموعة هو الحديث عن قصص القسم الثاني، اي تلك التي كتبها خارج العراق لان قصص القسم الاول معروفة لدي ولدى الاصدقاء المقربين من حسن وكان هو قد نشرها مع رفاق دربه في مسيرة السرد العراقي الثمانيني وهو ليس بجديد على المتابع للسردية العراقية . لكن المهم في اعتقادي هنا هو القصص التي جاءت باجواء بعيدة كل البعد عن محلياته المعروفة في قصصه السابقة وروايته (كولينا) هذه القصص وهي (ليلة في روك) و(اماندا) و( وهاراكيري رمياً بالرصاص) هذه القصص الثلاث شكلت لدى حسن انتقالة كبيرة في عوالمه القصصية ومناخاته بل واعطت صورة اخرى عن امكانياته السردية ولغته التي صارت طيعة وبسيطة ويمكن لاي قارئ مهما كان مستواه الثقافي ان يقرأها حتى النهاية، انه السهل الممتع هذا ما اعتقده اذا لأترك الحديث عن قصته(هاراكيري رمياً بالرصاص) لانها تخصني بالدرجة الاولى فانا البطل الثاني فيها بعد الراوي الذي يتحدث عن صديقه القادم من العراق الى القاهرة، فربما سافرد موضوعاً خاصاً بها أسرد به رحلتي الى القاهرة ولقائي بصديقي حسن متعب … اما القصتان الاخريان (ليلة في رول) و (اماندا) فهما افريقيتان بامتياز بل وقد استطاع القاص ان يتوغل في عوالم المرأة الافريقية سواء الغانية في البار او (اماندا) تلك التي تدخل في مسابقة اجمل مؤخرة، من خلال هذين الثيمتين يسافر حسن في اعماق النساء الفقيرات اللواتي بعن كل شيء لاجل رغيف الخبز ، ربما تتشابه الحال بمعنى ما في مستويات الفقر العراقي والافريقي، لكن ذاكرة حسن ظلت متوقدة حتى انها اضاءت ظلمات الليل الافريقي، وهي بالتالي تجربة جديدة بالتاكيد وفكرة هائلة ان تجرب الكتابة عن اشياء لم ترها او تعشها في حياتك السابقة وهو اختبار صعب لتحدي الكتابة عن حياة الشعوب والبلدان ، ما يهمني في هذا الموضوع ان امكانيات حسن متعب في هذه القصص متطورة ومغايرة لتجربته السابقة بالمرة، فهو هنا يكتب بنص هادئ ووقور وثمة حرفته تتضح بين الاسطر حتى انك لو محوت اسم حسن متعب عن قصة (اماندا) او (ليلة في رول) ووضعت عليها اسم كاتب افريقي لما ميزها احد ولاعتبرها قصصاً مترجمة من الادب الافريقي المعاصر وهنا تكمن اللعبة الجديدة التي دخلها حسن متعب وانا اشد على يديه وادعوه ايضاً ان يتوقف عن الايغال كثيراً في مسارب هذه التجربة واعتقد انه سيعود الى مناخاته القديمة ولكن بلغته الجديدة التي كتب فيها هذه القصص، هذه القصص ينبغي ان تفرد لها صفحات للكتابة عنها وتحليلها، وربما في مقال قادم سافرد لها موضوعاً خاصاً فضلاً عن قصته (هاراكيري رمياً بالرصاص) التي ساكتب عنها نصاً سردياً موازياً ربما يكون مكملاً لها من وجهة نظر القص، واخيراً لا يسعني الا ان اتمنى لصديقي حسن متعب الموفقية والنجاح وهو يخوض تجاربه السردية الجديدة…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.