جمعة اللامي : من القصة الى الرواية
حوار: أديب كمال الدين (ملف/25)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير القاص والروائي المجدّد “جمعة اللامي”، الذي طبع بصمته السردية الفريدة على الخارطة السردية العربية من خلال منجزه السردي الفذّ. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء كافة للمساهمة في هذا الملف، بما يتوفر لديهم من دراسات ومقالات ووثائق وصور وغيرها، بما يُثري الملف ويُغنيه. تحية للمبدع الكبير جمعة اللامي. 

جمعة اللامي : من القصة الى الرواية
حوار أديب كمال الدين
تشكل تجربة القاص جمعة اللامي ضمن تجارب جيله نموذجاً بداعياً خاصاً ، فتجربته التي بدأت بالقصة والكتابات المختلفة ، وامتدت الى الرواية تعبر عن ( مرحلة ) خاصة في تاريخ الأدب العراقي الحديث ، وهي مرحلة لم تدرس دراسة دقيقة متكاملة …..

هنا ضمن حوارنا مع اللامي ، نتعرف على بعض خصائص تجربته ، وتفاصيلها .

 س) من بعد مجاميعك القصصية الثلاث : من قتل حكمت الشامي 1975 ، اليشن 1978 ، الثلاثيات 1978 ، اتجهت نحو الرواية فكتبت ، أو نشرت ، المقامة اللامية ، في جزئها الأول : أحمد عبد الله تكون لمسافة كتابة الرواية من بعد القصة القصيرة سمة تطورية ام انك انتقلت الى الرواية من أجل الوعاء الأكبر والأشمل ؟

ليست مجاميعي القصصية الثلاث تجارب من أجل كتابة رواية … على الرغم انها انضجت عندي فكرة كتابة روائية . فالمجاميع الثلاث ذات سمات تفصيلية خاصة وان التقت جميعها في فكرة تأكيد الحرية والدفاع عن العدالة ، لكن الذي أعرفه جيداً من ناحية الوعي في الأقل ، انني كنت أكتب – وما أزال – عن الطبيعة المراقبة ، هذه الطبيعة التي تعبر عن نفسها بصيغ متنوعة ، لدى كثيرين من كتاب وشعراء العراق . وقبل عامين ابتدأت كتابة رواية من أربعة أجزاء سميتها ” المقامة اللامية ” أما جزؤها الأول : أحمد عبد الله ( لاحظ : محمد عبد الله ) فقد نشرت هذا العام في مجلة ” الثقافة الجديدة ” المغربية ، وهي في عمومها أقصد الرواية ، إعادة صياغة لمدينة عراقية سميتها مدينة ” الم – لام ” عاشت انشقاقا حقيقيا في الآراء والأفكار والمؤسسات والناس ، وشهدت القتل والعذاب . كما شهدت الرجال والنساء الذين يستعدون لان ضحوا بأنفسهم من أجل ” الم ” جديدة ومتطورة.

هذه الفكرة كما ترى ، لا تسميها قصة قصيرة ، أو رواية تقليدية ، اننا نحتاج الى عمل من نوع جديد ، من طراز تلك الأعمال التي تتجاسر وتذكر بحقيقة الشعوب والصراعات الاجتماعية . وذكر الحقيقة كما هي ، ثم الا تعتقد ان الطبيعة العراقية تستحق مثل هذا الجهد .

س) ذكرت واكثرت من مصطلح ” الطبيعة العراقية ” فماذا يعني هذا الاصطلاح ؟

انها حقيقتنا كشعب ذي امتداد عميق في التاريخ ، هذا الامتداد الذي شهد الحضارات والانتكاسات وسيطرة الاجنبي في الماضي القديم … كما شهد الصراع العنيف في القرن العشرين ، وهو الامتداد ذاته الذي شهد في بعض تفاصيله قمع المفكرين ودعاة الحق والحرية .

وكما ترى ، فإن هذه ” الطبيعة العراقية ” هي تناول للشخصية العراقية من عدة أوجه وآمل ان يتاح لي الوقت الكافي لانجاز روايتي الجديدة ” صراع القوة ” التي تعبر عن هذه ” الحقيقة العراقية ” في سنوات ما بعد الخمسينات .

س) اذا ما أردنا أن نبدي ملاحظات نقدية أساسية في مجاميعك القصصية الثلاث ، فيمكن القول ان خطاً تطوريا واضحاً يربطها بحيث كانت الأولى ( من قتل حكمت الشامي ) تعاني من نقاط ضعف متعددة خصوصاً على صعيد الشكل ، أما الثانية ( اليشن ) فقد تجازوت تلك النقاط باتجاه التماسك ، وجاءت الثلاثيات ، أنضج ما كتبت …

نعم . هناك خط تطوري يجمع كل أعمالي . أنا معك في هذا . ولو دققت جيداً في قصص المجاميع الثلاث لوجدت التعبير عن هذا الخط يظهر في أنماط مختلفة ، بل ان الشخصيات في كل المجاميع تنمو وتنضج بهدوء ، حتى ان بعضها يبدو وكأنه وصل الى التكامل ، وهذا ما أشير اليه في كتابات عديدة ، في العراق او خارجه .

لكن وبخصوص ملاحظاتك عن من قتل حكمت الشامي لا بد من القول انها بقيت معطلة عن النشر لمدة ست سنوات : لقد كتبت المجموعة ما بين عام 65 الى عام 75 ومع ذلك عندما ظهرت الى الاسواق قوبلت بثناء كبير ، وقد اعتبرها أحد الاصدقاء المغاربة أهم ما طبع في ذلك العام على صعيد القصص العربي ، كما أثنى عليها الناقد اللبناني محمد دكروب إضافة الى كتابة خاصة عن بعض قصصها حررها الشاعر عصام محفوظ .

ان ” من قتل حكمت الشامي ” كانت ايماءة حقيقة للتعرف على وظيفة وطبيعة الشكل في القصة العراقية ولست جازماً في أن ادلي بايضاحات تفصيلية اذا كان البعض يتحدث عن ” من قتل حكمت الشامي ” دون ان يقرأ المجموعة ، اريد ان اذكر لك المسألة التالية : لقد كتب أحد النقاد العراقيين عن المجموعة بأنها علامة من علامات التجديد في القصة العراقية لكنه لم يقرأ إلا قصة واحدة منها ، كما أسر لي بذلك ذات يوم ، كما ان البعض قد افترض وجود خصومة مع هذه المجموعة لنوايا غير ثقافية أصلاً.

س) الثلاثيات ، مجموعة القصص القصيرة الطويلة تكاد ان تكون … وارجو ان لا أكون مخطئاً او مقالية – رواية …. ما هو تعليقك ؟

تستطيع ان تعتبرها محملا من هذا القبيل بعدة لوحات . تشترك في مناقشة هم واحد ، كذلك من الممكن القول بهذه الصيغة عن ” اليشن ” غير ان الأمر يكون غير مفهوم كلية من الناحية التكنيكية اذا اعتبرنا المجموعة رواية .

س) كيف؟

تجارب الشخصيات مختلفة ، لكن الهم المحوري لها واحد ، هناك تشابه كبير بين ما يريده محمد المهدي في الثلاثية الرابعة ، ان هم جميع شخصيات الثلاثيات هو الحرية . كما ان هناك تجربة مشتركة بين هذه القصص الاربع الا وهو الثراث والمعاصرة .

س) شخوصك أناس يبحثون ليس عن الحرية والحقيقة فقط ، بل يبحثون عن حياة نظيفة ، منتهى النظافة ، مليئة بالهواء النقي .

لقد كان هذا الوضع ماثلاً أمامي منذ سنوات طويلة : عمال السفن ، عمال الطابوق ، الفلاحون عند الدجلة او في البوادي . كما كان هذا الوضع ماثلاً في ذاكرتي من خلال حكايات الأجداد التي سمعتها من أناس لهم صلة رحم خاصة بي ، لقد روى لي ” والدي كيف قتل فلاح شاب ليلة عرسه لكي يكون جسده مادة لاصقة يقام عليها جسر صغير يعزل مياه الاقطاعي عن أراضي الفلاحين . كما رأت بعيني كيف ان فلاحاً يظل مديناً طول حياته للاقطاعي وهو لا يعرف عن الامر شيئاً ..

 س) ما ذكرته يمكن اعتباره مصدرا اساسيا عن مصادر قصصك : المصدر الطفولي ، ولكنني أود الاستماع الى رأيك بخصوص أبطال قصصك الذين يعيشون ويموتون ضمن محن عميقة ، ويختلفون – ولربما يكون هذا الأمر هو السبب الأول في اختلاف قصصك عما يكتب – عن ” الابطال ” الآخرين بحجم العذاب والرؤية؟

أبطال قصصي أناس أخلاقييون ، وأحيانا يبدون وكأنهم مستلون من واقع غير أرضي ، ولكنهم واقعييون حتى نخاع العظم ، وامتيازهم الأول والأخير أنهم يعرضون للعنف وقبول الموت ، الموت بكل أشكاله المعنوية النبيلة والمادية الصعبة ، أي أنهم أخلاقييون في أوضاع غير أخلاقية تماماً .

ان بين أبطالي وبين العذاب تصادقاً من ذلك النمط الذي يجعل الألم مصفاة نحو فحص الحياة الانسانية الصحيحة والتوجه نحو أكثر الاختيارات قساوة .

ان بعضاً من النقاد يعتبرون هذه الشخصيات غير متفائلة ، كما ان بعضاً من المثقفين العراقيين ، أقاموا بينهم وبين قصصي عداوة على أساس من افتراضات لا أفهمها ، ربما لان قصصي تذكر بكل شيء ولا تغلق البتر لأجل مؤقت

مجلة / الف باء
يغداد : 1978 .

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *