فليحة حسن: شوارعنا وتكريس الحزن

وأنت تتجول في الشوارع  الرئيسية أو الفرعية  من مدن العراق على حد سواء تصادفك ظاهرة غريبة استحدثت بعد عام  ألفين وثلاثة هذه الظاهرة متمثلة بتعليق صور الراحلين فيها، 
 فلا يكاد يخلو عمود في شارع من صورة قد تم تعليقها فيه  حتى باتت  تترأى  للسائرين وكأنها  شواهد قبور،
 فقبل هذا العام كان أهالي  الشهداء والموتى يكتفون بتعليق يافطات سود تخط عليها أسماء الراحلين  وتواريخ رحيلهم وأيام إقامة مراسيم العزاء عليهم  ،وكثيراً ما ترفع هذه اليافطات السود بعد مرور عشرة أيام أو قد تزيد  تلك المدة الى الأربعين يوماً ،
لكن الذي يحدث هذه الأيام إن الناس لم يكتفوا بتعليق تلك اليافطات كشواهد ودلائل على الحزن، بل سعوا الى تكريس الحزن بإبقاء صور الموتى معلقة في الشوارع وكلما تآكلت تلك الصور بسبب عوامل البيئة من أمطار أو حرارة أو برد أو عواصف سعوا بكل جهد ادخروه الى تجديدها واضعين تحتها عبارات من مثل الشهيد السعيد والشهيد البطل أو كتابة بعض المقطعات الشعرية التي ترثي ذلك الفقيد وتتغنى بمواقفه ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه الى أن  وضعت تلك الصور في مداخل دوائر الدولة والسيطرات وساحات لعب كرة القدم  وحتى المتنزهات والحدائق العامة ، 
ولكم أن تتصوروا حال الداخل الى  تلك الأماكن بعد ملاقاته لصورة  ميت أو أكثر وأين ومتى سينسى حزنه والأخير يزاحمه حتى على أماكن الراحة والاستجمام ؛ 
فمن الجميل أن نحترم ذكرى من رحلوا ونكن لهم الود ، ولكن أليس من الأجمل أن نعيش نحن أيضاً حياة تحمل قليلاً من الفرح بدل أن نكرس حياتنا لذرف دموع الحزن الدائم  والتأوه على الراحلين ؟؛
ومتى نكتفي من تكرار الحزن والسعي الى المحافظة عليه وكأنه ارثنا الوحيد دوناً عن الشعوب الأخرى ؟؛
وِلمَ دوماً نعتني به وكأنه طفل رضيع لابد من رعايته كي يتواصل في النمو؟
وإذا كنا قد مللنا الحروب وتناسلها وسيل الدماء التي مازالت تنزُّ منها ، فلمَ نخنق أنفسنا بدوائر السواد ونكحل عيوننا كل يوم بملامح الموتى ؟؛
وإذا كان الله قد حبانا بنعمة نسيان الحزن من اجل استمرار الحياة وتواصلها فلماذا  نسعى لمخالفة تلك النعمة بالعمل على تذكيرنا به خصوصا وإننا ميت يودع ميت ليس أكثر؟؛
فالسائر في شوارع مدننا ينتابه شعور إن الأحياء يعتنون بموتاهم أكثر مما يعتنون بأبنائهم ،
إلا يجدر بنا مثلا أن نعلق في شوارعنا  صور زهور جميلة ووجوه أطفال مبتسمة  ترنو لمستقبل سعيد ؟
ومتى نتصالح مع حياتنا ونحن نسعى بخطى حثيثة الى إنهائها متخذين من الحزن طريقا لذلك  
أيها الموتى  سلاماً
لتحفروا ذكراكم في قلوبنا ولتتركوا شوارعنا تتزين بملامح الفرح من اجل القادمين

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.