تابعنا على فيسبوك وتويتر

أعجوبة الناقد
موريس بلانشو
ترجمة: حسين عجة

لا شيء غريب، كما يبدو، في النقد. أو أن غرابته تبدو وكأنها بعيدة تماماً عن اللغز الذي نعثرُ عليه في الشعر، مثلاً. وإذا ما كنا نرغب، عند الضرورة، التسليم بأمر أنه يتمتع بغرابة بعينها، فستكون الجهل التام بكينونته، وبما يرغب فيه، وما يتوفق بتحقيقه، فيما ينطلق من كلّ ما يمكنه جعل العقل أكثر وضوحاً مع نفسه. إن تكون هناك عشرة طرق لفهم النقد، وأكثر من مئة ممارسة له، سيعرف المرء ذلك إذا ما فقدَ رغبته في الإندهاش منه. في كتابه “خطُ سير فرنسي” Itinéraire français (منشورات Pavois) يرغبُ رومان فرنانديز Ramon Fernandez، الذي يعتبر سانت بيف Sainte-Beuve نموذجاً للناقد، سؤاله عن سره ومن ثم يعثر على تحديدات له على النمط التالي: “إن ناقداً بسعة سانت بيف… يتمتع بوضعية ترجمة النظام الحياتي إلى نظام عقلي، عبر وساطة الذائقة والمتعة التي يحصلُ عليها”. لنعترف بذلك. سيكون ما هو جوهري فيه حينئذ، عمى سانت بيف كاملاً، إذا ما كان النقد يكمن في التمتع بمثل شهية التعرف هذه على الإبداع الحي، لكي يحوله ضمن منظومة أفكار والصور التي تجعله ملموساً، حيال الإبداع المُتحرك، أي ذلك الذي يصنعُ نفسه ويحتاج بالدقة للأعتراف به، كخلق حي بامتياز، أي إبداع معاصريه: لم يعترف سانت بيف لا ببودلير Baudelaire ولا ببلزاك Balzac ولا بستندال Stendal –لكي لا نتحدث إلاّ عن الرومانسيين–، ثمة من شذوذ هنا يمكن للمرء تفسيره ببساطة بالميل إلى اللاعدالة injustice أو خيبات الحظ العاطفية، لكنه قد يرتبط أيضاً بأعجوبة متخفية بطريقة أكبر. “إذا ما كان سانت بيف، يقول فرنانديز، ناقداً عظيماً، بالرغم من أحقاده، وعلى الرغم منه تقريباً، فذلك لأنه يمتلك سر النقد بيده دون شك”. قد يحتاج هذا الحكم إلى تكملة من هذا القبيل: إذا كان سانت بيف، ناقد عظيم، قد تغافل لهذه الدرجة عن المهمة الجوهرية للنقد والتي تكمن في عدم تسمية بودلير بـ “الشاذ”، ورواية “قلعة شارتريز” Chartreuse بـ “عمل رجل منطقي يُتعب نفسه بالربط ما بين المُتناقضات”، فذلك لأن النقد يتمتع بسر أكثر سرية مما نرغب التسليم به.

موريس بلانشو

قبل جان بولهان Jean Paulhan، لم يلتفت أحد لذلك قطعاً. لكن “أزهار تارب” Fleures de Tarbes (التي صدرت منذ وقت قريب عن دار نشر Confluence) والمُتضمنة على مقالة عن فنيون Fénéon، حددت لنا، في الحقيقة، كيفية فهم أن النقد تحركه غرابة تظل أكثر بعداً من غرابة الشعر والرواية عنا. أولاً، ليس من المؤكد بأن النقد موجود. فحتى القرن التاسع عشر، الذي اطلق على نفسه تسمية عصر النقد، وحتى القرن العشرين، الذي صنعَ كتابه الكبار من فنهم طريقة للتأمل النقدي حيال الفن، لم يتمكن من التعرف، بصورة يقينية، على الإنسان الذي قد يعثر على النقد، كملارميه Mallarmé أو رامبو Rimbaud إزاء ما يمثله الشعر. لماذا؟ يمكننا القول بأننا لا نعرف أي شيء عنه. هل لأن العقول التي تستولي على الأعمال لكي تحكم عليها، مختلفة تماماً في ما بينها؟ أو غريبة بعضها عن البعض الآخر؟ أو أنها شديدة الإطمئنان ضمن عدم تيقنها، أو لأنها لا تتمتع إلاً بقليل من الصرامة في موقفها؟ هل لأنها ستنتهي بخداع نفسها؟ هذه النقطة لا يعوزها الوضوح، كما تجعل ظرف الناقد عسيرا للغاية: لا يمكن القول أبداً عن شاعر ما (ولا البرهنة) بأنه خدع نفسه؛ غير أن سانت بيف يمكنه ذلك؛ فهو ناتج عن فئة الخطأ catégorie de l’erreur ؛ ويحمل في ذاته البراهين على إمكانية الشك بأنه يرغب حقاً أن يكون ما هو عليه. بعد مئة عام، لم يكتشف جان بولهان سوى رجلاً واحداً قادر على تفضيل وتمييز جيد Gide أولاً، ثم بروست Proust، فاليري Valéry، وكلوديل Claudel على كل من رامبو، ملارميه، لوتريامون، وجارلس كروز Charles Cros. ومع ذلك، كان هذا الناقد النادر، والوحيد حتى، أي فلكس فنيون Félix Fénéon يزدري تقريباً لقب كاتب، وكأن الطبيعة الحقيقية للنقد كانت ترغمه على جعل نفسه لا مرئياً se faire invisible، يتخفى، ولا يكون à n’être pas.

يميل المرء في غالب الأحوال باتجاه رؤية الأدب كتضحية sacrifice. “نضحي بالخيرات التي نسرف فيها”. على سبيل المثال، تتم التضحية بالحمل agneau من أجل التموية على الأستخدام المُسرفِ –إن كان تجارياً أو غذائياً—الذي نقوم به بالنسبة لكلّ القطيع؛ كما نرغب بتدمير محدود للواقع الذي نتمتع به بطريقة محدودة، لكن الفعل الطقوسي يرفعهُ إلى أعلى ثمن. يبدو الأدب وخاصة الشعر وكأنه تضحية باللغة: أنها أو تمنحُ نفسها قصدية أن تكون تضحية، تحطيم للخطاب؛ كما ترغبُ في القضاء على الكلمات المُستخدمة عملياً وجعلها عديمة النفع. في الأدب، اللغة هي الضحية، وأمل الكاتب، على غرار إيمان المُضحي، يكمن في أن تكون اللحظة التي يتم فيها تدمير الشيء، الشيء المقدس –كلام، أو حيوان—هي ذات اللحظة التي يمكنه فيها أن يصبح مقدساً ثانية، ما تلاشى يكتسب قيمة مُتطرفة، ويكسر الخصوصيات التي حددته، ويرسم السيادة المطلقة la souveraineté absolue. من هنا ربما الموقف الغامض الذي يندهش منه المرء لدى الكتاب. أنهم يواصلون الحياة الصعبة للكلمات التي ينذرونها للدمار، وبالرغم من هذه المحرقة cet holocauste، يفكرون بأنهم يعيدون ثانية للكلمات قيمة لا تُقدر بثمن، كما يبدو عليهم وكأنه ليس لديهم سوى نية واحدة: القضاء على اللغة ولا يهدفون إلاّ باتجاه الحصول على نتيجة واحدة: إعادة الطبيعة الحقيقية للكلمات، ومنحها حق الوجود. من فوق محطبة التضحية، لا يعني أستبدال أسحاق Isaac بالكبش الحق في العيش الممنوح ثانية للإنسان، الذي غامر أو قدم حياته وحسب، وإنما أيضاً تجسيد مُسبق للحمل الذي سيكون الله Dieu، كما يكشف عن أن فعل التضحية قد حولَ الضحية وولدَ، في مكان الفرد العادي، المُقدس le sacré.

ما هو الناقد؟ شاعر، لكنه يقترب من الشعر عبر لا وجوده هو non-être، بمعنى أنه لا يرغب في أن يكون شاعراً، أو روائياً يَشتركُ في سر الخلق secret de la création الروائي ويقول بالرغم من ذلك كلا للرواية. هل يمكن أن يكون الأختصاصي الذي يرفض الأختصاص بنوع بعينه، ذلك الذي يعرف انطلاقاً من المسرح وحتى المقالة، حاكم وفي ذات الوقت الأشياء كلها؟ لقد قيلّ ذلك وربما كانت نقطة الخطأ تكمن في هذا. ذلك لأن الناقد الحقيقي، الشاعر سلفاً من دون أن يكون شاعراً، الروائي الذي لا يصنع رواية، ومع ذلك لديه طموح في أن يكون اللاإختصاصية non-spécialité التي هي الناقد. من داخل الشعر ومن خارجة أيضاً، يرغب في أن يظل خارج النقد أيضاً وممارسته، إذا كان ذلك ممكناً، عبر الصمت، أو بطريقة تجعله يشعر بصورة خاصة وهو يكتب بأنه لا يكتب. لنعترف بأن الطموح يائساً. كذلك ليس من المحرم الحكم عليه باعتباره مُكتظاً بالمعنى. وإذا ما كان الكاتب، اليقظ حيال مخاطر الكتابة، هو المضحي الذي يحتج على الأسراف بالكلمات العملية عبر تكريسه للكلمات من أجل تدمير يكون بمثابة كشف révélation، وإذا ما كان الشاعر لا يكف حتى يتم التشهير به كشاعر، وإذا ما كان يعترف أولاً من داخله بأنه مشبوه به، وليس لديه سوى القلق والخشية من الضمانة التي يقدمها له الأستعمال السهل والمتألق للكلمات، سيكون من المدهش كفاية أن يكون الناقد هو الشخص الوحيد الذي تمكن من أن يكون أديباً بهدوء كامل ويدرك تماماً كيف عليه أن يخترق مجال الآداب كلها بلا خجل من ما يقوم به ورغبته الدائمة بموت صغير. نحن نرى بوضوح كيف أن النقد الذي لا يحتج ضد نفسه يجلب الأحتقار نحوه، لكنه يُمارس بهدوء سلطة وقحة وعبثية. في الماض، كانت تتم التضحية، في الأعياد الشعبية، بدمية الملك أو الزعماء لكي يتم شراء، بالنسبة لتضحية مثالية على الأقل (دموية أحياناً) الأسراف الذي تمثله أية سيادة. أن النقد المألوف هو سيد يفلت من الذبح، لأنه يدعي بأنه يمارس سلطة لا يُضحي بها ويريد أن يكون سيداً لمملكة يتمتع بها من دون أي خطر. كذلك ليس هناك أبداً ما هو أكثر بؤساً من هذه السيادة، لأنها لم ترفض أبداً أن تكون شيء ما، مع أنها قريبة تماماً من أن تكون لاشيء.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “أعجوبة الناقد
موريس بلانشو
ترجمة: حسين عجة”

  1. إشبيليا الجبوري يقول :

    الاستاذ د. حسين سرمك المحترم
    آعضاء فريق عمل الموقع المحترمون

    ومنه إلى/ مترجم المقال المحترم
    اما بعد٬
    ما جاء به النص٬ ترجمة٬ هو ليس “بمكثف” أو “عصي” عن مواقف وكتابات معبرة عن آراء (بلانشو)٬ بل هي إساءة له..
    النص المترجم (مع احترامي لجهد المترجم٬ وحسن نيته)٬ النص امامي الان٬ هو انقضاض وتشويه على ما اراد (بلانشو) بحثه.

    وعليه؛
    ما جاء اعلاه؛
    ـ اما ترجمة لظاهر النص٬ وهنا٬ سخط حقيقي لعمق المعنى٬ او شطب وإلغاء. وهذا من أضحية الترجمة حيال وقوعها في انفعال احتفالي بالفوضى عن فهم النص. آو٬
    ـ جاء مستبدالا بقرين مصادر المعنى لنصوص (بلانشو) بأخرى. وهنا يكمن “السخط الأكبر” في الضحية البديلة للاشياء أو الابدال بأبحاثه٬ لغرض تمرير أو لصق جميع “التهم به” واقتصاصه٬ ويصبح علينا الاعتراف بجميع المحن عليه لتحملها٬ وإضافة دناسة إنتاج الوعي التقدي٬ لأمتصاص غضب المؤلفين نصوصهم٬ كي يصبح النص او النص المضاد مقدسا.

    لذا٬ فسخط الترجمة الاكبر٬ هو لمن يمارس ترجمة اروع النصوص وأنظمها (قداسة/دناسة)٬ ولايستطيع فهم الإجابة عليه بالمعنى٬ لكي يقربه.

    دمتم.
    إشبيليا ـ جنيف

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"