الدكتور زهير ياسين شليبه : قراءة في رواية “نينا بتروفنا” للشاعر والروائي العراقي حسب الشيخ جعفر** (ملف/30)

إشارة :
في عيد ميلاده الثالث والسبعين ، يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف احتفاء بالمنجز الإبداعي الفذّ للشاعر الكبير “حسب الشيخ جعفر” وإجلالاً لمسيرته الإبداعية الرائعة . وتدعو أسرة الموقع جميع الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف بما لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تتعلق بمسيرة مبدعنا الكبير . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية انطلاقاُ من حقيقة أن لا زمان يحدّ الإبداع . تحية لشاعرنا الكبير حسب الشيخ جعفر .

الدكتور زهير ياسين شليبه*
قراءة في رواية “نينا بتروفنا” للشاعر والروائي العراقي حسب الشيخ جعفر**
أسمعُ بيانات ثورة الرابع عشر من تموز… بدأ العنف الدموي الذي لم ينته إلى اليوم بين القوى النيرة والقوى الظلامية
شغف الرواية
كانت بالنسبة لي متعة شخصية بالذات أن اقرأ رواية “نينا بتروفنا” للشاعر والروائي حسب الشيخ جعفر، (394 صفحة) المكرسة ظاهريا للعلاقات “الغرامية” بين روسيات و”ذكر” عراقي قادم من أعماق الجنوب يعمل مترجماً في موسكو، لكنها تطرح تساؤلات مصيرية كثيرة، وسيكون لها أهمية خاصة في السرد العراقي.
هذه السردية واقعية غير تقليدية، تركز بالذات على سلوك الإنسان الخاص غير العادي في حياته اليومية ووجوده وأزمته العميقة ومشاعره الداخلية في البحث عن الأنا والهوية، إنه بطل العصر والزمان مغرم ولهان لكن بدون معاناة “ليرمانتوفية” ظاهرة كثيرا في تجلياته، يقارن نفسَه بالشاعر بايرون، “ماذا يتبقى من (ساعات فراغ) بايرون لنينا بتروفنا”. حسب الشيخ جعفر. نينا بتروفنا. مَن أيقظ الحسناء النائمة؟ بغداد، دار المدى 2014، ص 249
إنها رواية مفعمة بالشغف Passionبمتع الحياة العاطفية والثقافية والحماسة الشديدة لها Pathos ، فالبطل مغرم ولهان بنينا بتروفنا وربيبتها وغيرهما من النساء الجميلات، لكنه منتمٍ للثقافة والتراث الإنسانيين شغوف بهما، ينهل منهما يوميا مستشهداً بالمفكرين الغربيين والشرقيين. ويبرر الكاتب حجم هذه الرواية، “لماذا أكتب هذا، لماذا الإطالة؟ أليس التلخيص هو الأجدى؟… سألتْ سيدةٌ الكونتَ تولستوي: ألم يكن بمقدورك تلخيص روايتك؟ إنها طويلة، فلم يمكنني أن أقرأها. قال الكونت: صدقيني ياسيدتي .. هذا أقل تلخيص استطعت التوصل إليه” ص 251.
من المعلوم أن ليو تولستوي أعاد صياغة روايته “الحرب والسلام” إحدى عشرة مرة وفي روايات أخرى ست عشرة مرة.
تدور أحداث رواية “نينا بتروفنا” في عاصمة مهمة، درس فيها آلاف الشباب من كل العالم، بينهم العديد من العراقيين، إلا انهم ليسوا بالضرورة تجولوا فيها وجابوا شوارعها مفتونين بها وبفتياتها كثيرا كما هو الحال عند الراوي، الذي تنقّل في أغلب أماكن موسكو وارتادَ مطاعمها ومقاهيها الشهيرة منذ الستينات. إنها حالة من التشرد والتجوال وحركة دائبة ومتواصلة ومستمرة تكاد أن تكون يومية في مدينة هائلة مثل موسكو، تحتاج الى الوقت والطاقة والإمكانية المادية، فهي إذن ذات أبعاد ودلالات رمزية وأليغوريا Aligori البحث عن شيء مفقود.
لكن عمَّ يبحث البطل في تنقلاته المكوكية الزمكانية المستمرة مكوناً “هرونوتوبات” Chronotopeخاصة به؟ هل يبحث عن شغفه وحريته او عالمه الخاص به؟ هل هي تعويض عن ناستولجيا الحضارة السومرية وجنوب العراق الذي قدم أو “هربَ” منه؟ أم هي البحث عن الذات والأصالة ومقاومة شعور التهميش، الآفة التي تفترس المبدعين في الغربة، “لابد من أنني (أجنبي) عاثر الطالع…في هذه المدينة الهائلة”. ص155
وعندما تقول له نينا بتروفنا في نهاية الرواية “إن لك عالمين: الريف والمدينة” يصحح لها مؤكدا “بل القرية وموسكو” ص 367، ويردد “أعيتنا المواعيد، أنا الغريب، وأوكاري المناطيد…” ص 215، أو أنه هروب أو “تهرب” من علاقة متأزمة مع ماضٍ قاسٍ اجتماعيا وسياسياً. تسأله صديقته الروسية فيما اذا كان هناك سيارات في قريتهم فيجيبها “لا وجود لها في أريافنا الجنوبية، ص 157.. أبي رجل دين..”. ص 158، أم أنه مجرد إشباع الغرائز وتعويض عن الحرمان، كما حدثته فيما بعد، صديقتُه الشابةُ ناديا عن أول لقاء لها بالطلبة الأجانب قبل أن تتعرف إليه، “ما أحلى الجلوس معك في المقهى .. بين الأنظار المستغربة!… ملأى بالمتوحدين … المقهى الصغير في الطابق الأرضي من فندق موسكو.. ما أكثر الطلبة الأجانب الوحيدين هناك! … أخذوا يفترسوننا بنظراتهم الكاسرة، الجائعة افتراساً. من غير أن يجرؤ أحد منهم على الدنو منا. فانهزمنا لا خوفا منهم بل سخرية. يلوح لي أنني رأيتك جالساً بينهم”. ص96، ونقرأ في الرواية” في ريفنا… كنت أرى اللقالق … أما الطيور المهاجرة الأخرى القادمة من سيبيريا … لم أرها إلا جثثا مقطوعة الأعناق تباع …” ص 365، ويقول ” كنت أذهب صباحا مرتجفا برداً، في ثوبي الهزيل إلى مدرسة القرية…كتبي ممزقة …ويوقفني المعلم …كأول تلميذ فاشل..” ص 166…وفصلت من الثانوية بعد (تزعمي) تظاهرة طلابية ثورية … لم يبق من أحد يقود التظاهرة غيري وطالب كردي منفي من السليمانية إلى العمارة ….فإذا بي أسمع بيانات ثورة الرابع عشر من تموز… بدأ العنف الدموي الذي لم ينته إلى اليوم بين القوى النيرة والقوى الظلامية”. ص 168
قد يكون هذا هو سبب “قطيعته” مع “مواطنيه ورموز” الوطن كما لاحظتْ صديقتُه نينا بتروفنا، التي “تقرعه” كما تقوم الأم بذلك مع طفلها ” لماذا أنت (متعال) على (رهطك) و (متناء) عنهم؟” فييجيبها “لا صاحب لي بينهم .. إلا واحد أو إثنين” ص303، لكنه يحب “النخيل والبتولا” قبل الأشجار الأخرى. ص 182، وتعترف نينا بتروفنا في مكان آخر من الرواية بأنه مشرد فتقول له ” أنت أصبتني بعدوى التشرد والسكر …”. ص 328
حتى عمله كمترجم ليس بلا متاعب نفسية واحباطات ” و(طفقت) أترجم. هي رواية من (القصص الروتيني) تصطنع من الإنجازات الصناعية ملهما لها. وما عليّ أنا أترجم وأنا أعمل كأي (مستأجر)..” ص 179 ويتحدث ايضا عن رفض عرض مسرحيات سارتر في موسكو لمجرد أنه إنتقد النظام السوفييتي. ص 202
أم إن كل هذه الأسباب نتيجة حتمية لهذا الإحباط والتشرد وكأنه صرخة من أجل طلب المساعدة بحثا عن الإنتماء في هذا الزحام!
ورغم إن هناك موقفا أخلاقياً سلبياً من هؤلاء الأجانب المنشغلين دوما بالعلاقات المتعددة مع النساء، ومع ذلك أعتقد أن القارىء يقرأها بشغف لأنها ليست إيروتيكية مبتذلة، ولقدرة الكاتب الكبيرة على إدارة الحوارات. أنا بالذات قرأتها مستمتعا محاولا تذكرهذه المدينة العريقة مكانا تلو الآخر.
اللغة: “نينا بتروفنا كوكب درّي لا يُلمس بل تلتهب الأصابع قبل أن تلمسه..” ص 389
حسب الشيخ جعفر شاعر عَلَم معروف ومترجم قبل أن يكون روائيا، يتميز بإسلوبه الخاص وطريقته في التعامل مع اللغة واختيار المفردات بحذر مما أثر كثيرا على أسلوب روايته “نينا بتروفنا” التي نحن بصددها في هذا المقال.
واللغة هنا عامل شد مهم بالنسبة للقارىء، لأنها رصينة وغنية بالأفكار ومتقنة ومحكمة وبعيدة عن الإنشاء، والصنعة المفتعلة والإنطباعات السطحية، والتقريرية، وهنا شغلتني بمحاولة ترجمة حواراتها الى اللغة الروسية لأنها بالأصل دارت مع مواطنين روس، وتحولت القراءة إلى نوع من التفاعل بيني وبين الراوي.
لغة فيها مفردات مترجمة بشكل حرفي ودقيق من الروسية قد لا تتناسب مع الحوارات العربية المتداولة بين الناس العاديين، مثل “لنمتطِ المركبة” ص 123، “لا تتساخ يا صاح” ص 128، “لا اتصال ولا انفصال” ص 129، اعتقد بالروسية (ني أتفيتا ني بريفيتا) لا جواب ولا تحية، او لا جواب ولا خطاب، “لا تتفاصح” ص147 “لا تتفكه” ص 155، ” أنا وحيدة… متشوقة وشائقة” ص 121، “تنتظر أضيافاً” ص 223، “منحة سخية” ص 164، “قل متعالمة” ص 183، “أباق بالشذى” ص 218 ، “عكاز عزوبته” ص 188، “لا أريد منك وشلاً” ص323، “اصطراع” ص 96، “جثوم الليل” ص101، “المخدع” ص 113، “لاتكن متخاشناً” ص 123، وأمثلة أخرى كثيرة تعكس رغبة الكاتب في التجريب والبحث عن الدقة وحث القارىء على التفكير بها. ليست اللغة هنا أمرا مفتعلا أو متكلفاً، بل لها علاقة بموقف البطل من الحياة، وتأكيد على أليغوريته في البحث والتأني.
بل إن الراوي يشير في حواره مع نينا بتروفنا، إلى مشكلة الترجمة من الروسية الى اللغات الأخرى “روسياً أنتم لا تقولون: شيطان يأخذك. كما يترجم عنكم العالم أجمع بل تقولون حرفيا: شيطان خذ أنت…” فتنصحه “فترجمها أنت كما تقولها”، يرد عليها “سأتهم بالخراقة اللغوية”. ص 181
وهذا ما يؤكد اهتمام الروائي بإختيار المفردة في مشغله الأدبي بشكل خاص، لاسيما وأنه درس أساليب الكتابة الإبداعية في معهد غوركي، التي يمكن ملاحظتها بسهولة في هذه الرواية. أسوق هنا كمثال على ذلك عدم وجود Taoutology اي تكرار المفردة في الجملة الواحدة إلا ما ندر، والتي تعاني منها الكثير من الروايات العربية. قد يكون هذا بسبب طبيعة اللغة العربية والفرق الشاسع بين المحكية والفصيحة.
وييدو حرصه اللغوي واضحا في ترجمته لمفردة “سكن عام”، فيستخدم الكاتب عدة مصطلحات مثل “المنزل الطلابي الجماعي” ص 17 أو المنزل الجماعي الطلابي” ص 193، و القسم الداخلي، لكنه ينتهي باستخدام المفردة الروسية كما هي في الأصل “أوبشيشيت”. ص279
أما كلمة “داتجا” تُلفظ بالجيم العراقية (جنينة، بيت ريفي، خارج المدينة، صيفي، ز. ش) فإنه يفضل أن يستخدمها كما هي بالروسية، و”يتحايل سردياً” كي يشرح معناها في حواره مع صديقته نينا بتروفنا. ص 367، ويقول “البريوزكا” ص 173 وهي إسم محلات السوق الحرة المعروفة في الاتحاد السوفييتي السابق، ومعناها شجرة الباتولا.
يبحث البطل هنا عن تحديات لإشباع رغباته الثقافية من خلال الدايالوجيا/ الحوارية عن الأدب الإنساني، لهذا فإن الكاتب يبين أن صديقة الراوي الشابة المهندسة ناديا تتقن الإنجليزية “فقد علمتها نينا بتروفنا هذه اللغة منذ صغرها. وهي تجيدها إجادة تامةً”. ص 239
وتقرأ ناديا النتاجات العربية، التي يحب الراوي أن يناقشها معها، مترجَمَةً إلى الإنجليزية إذا لم تكن متوفرة بالروسية. “ساعيركِ روايته عودة الروح” تسأله: ” مترجمة الى الانجليزية؟” فيجيبها “لدي ترجمتها الروسية” ص 77
ثم يقترح عليها قراءة (البخلاء) ص 239، بل إنها تناقشه فيما بعد في أمور اصعب “إسمع. صاحبنا.. صاحب (البخلاء) ما اسمه؟ دعني اتذكر. هو الجاحظ فيما أظن. ما الذي أقعده عن كتابة الرواية أو القصة القصيرة مثلاً؟ لماذا اكتفاؤهم بالحكاية الصغيرة المليحة أو الخبر السار… حكايات إيسوب…ليست قصصا قصيرة…”. ص 293
وفي مكان آخر من الرواية فوجىء البطل بأنَ إيرينا صديقةَ لوسا (لووسا)، التي يتعرف إليها، مُستعربةٌ، بل يمكنها أن تُعينَه في الترجمة من الروسية إلى العربية! ص 382
هل هو تعبيرعن الشوق والحنين الثقافي والرغبة في التزود به، لكن ليس مع “رهطه” كما عبرت “أمه” وخليلته نينا بتروفنا بل مع الآخر!
وقد يتعين على القارىء في بعض الأحيان، أن يبذل المزيد من التركيز لفهم الحوارات بسبب انتقالات الأحداث السريعة، يقول الراوي لجارته لوسا: “وداعا لراحة الكرى كما يقول المغربي”، فترد عليه ” بل قال، فيما أظن، وداعا للألوية والأشرعة. وكما قلتَ أنتَ: أشرعتي، الليلة مرتفعة حتى الضحى”. ص 148 ويقول في مكان آخر من الرواية “– قبل أن يستيقظ (المغاربة) … لاتعكسي الحقائق. أنت (المغربية) البليغة. ص 239 ؟ ونفس الأمر في “إسخَ بمنحة على لحية المشجب البيضاء النحيلة الآن” ص 265، و”… لأمتلأت الشقة دخان شك!”. ص 136
ولا أعتقد أني ابالغ إذا ما قلت إن رواية ” نينا بتروفنا” من الروايات العراقية الأكثر جدية وأهمية من حيث إدارة الحوارات وحماسة أو ما يسمى (Pathos باثَس) السرد المتواصل والديناميكي المكرس لفكرة معينة أراد أن يقدمها لنا الكاتب ليس بأسلوب الروايات الواقعية كما قلت سابقا، بل على طريقة المزج بين (دايالوجيا) دوستويفسكي وأساليب فوكنر وجويس. ولهذا فإن النقاد المولعين بالطرق البنيوية وتحليل الخطاب الروائي إلى أنواع قد يجدون ضالتهم في البحث هنا عن تداخل نصوص متنوعة أو “تناصات” وميتاسرديات. وتصبح اللغة هجيناً من الرومانسية لتعكس حالة الوجد والهيام والإحباط والإنتقالات السريعة تعبيرا عن الكاثارسيس (جلد الذات) ونهاية حالات التشرد، بالذات في الصفحات الأخيرة. ” لا اريد أن أتزوج إلا نينا بتروفنا. ولا أحب إلا نينا بتروفنا. ومن المعتوه، كما قلت أنا مراراً، الذي يتخلى عن إمرأة مثل نينا بتروفنا؟”. ص 387 “…
إلا أن نينا بتروفنا كوكب درّي لا يلمس بل تلتهب الأصابع قبل أن تلمسه..”. ص 389
الأسلوب: أليغوريا العذرية وحنان الأم المفقود في طفولة قاسية!
تنطبق مقولة “الأسلوب هو الرجل” على حسب الشيخ جعفر، فهو شخصية اصيلة ذات خصائص معينة تميزه عن الكتاب الآخرين، مثل جذوره الريفية العميقة وإنتقاله للدراسة في موسكو دراسة إبداعية وأكاديمية وإنشغاله بالأدب وبالذات الشعر وتمعنه في اختيار المفردات، والإبتعاد عن السياسة المباشرة.
يختلف هذا العمل عن الروايات العراقية السابقة من حيث التقنية و الولع في تناول الفكر فهي “متحررة” من المونولوجات والتقريرية والأيديولوجيا، والبطل الإيجابي وحتى مفهوم الرواية باعتبارها “رحلة إلى العصر” مكرسة لكشف الواقع.
يقول الراوي عن مخطوطته الروائية” عندما تسأله حبيبته البطلة نينا بتروفنا “والناس؟ ألا تتحدث فيها عن الناس؟” فيجيبها “أحيانا أتحدث. … وأحيانا لا. لا أريد لها نهاية”. ص 308
قد تكون قراءة الراوي لأعمال مثل “الصخب والعنف” لفوكنر و”أوليسيس” لجويس رغم أنه اعتبرها “أقل شأناً من (الحرب والسلم) ” ص 294، ونتاجات سارتر وهمنغواي، الذي يوصي بدق الخشب خشية من الحسد وفقدان نعمة الراحة، دلالةً على رغبة الكاتب، وهو الخبير بأنواع الرواية لأوروبية، في خلق نتاج سردي بعيداً عن الأساليب الواقعية القديمة متجها نحو السلوك الوجودي للإنسان.
أعتقد أن الروائي حسب الشيخ جعفر “تأثر” بديالوجيا “المصروع” دوستويفسكي وأهمل بوليفونياه، مبتعداً في لغته عن “الكونت” تولستوي كما يسميهما الراوي، إلا أنه متأثر بهما فكرياً، لكن لماذا لا تتعدد الأصوات هنا ؟ هل لأنها تدور باللغة الروسية مع اناس محدودي العدد، غير متنوعين في انتماءاتهم الإجتماعية، متعلمين يهتمون بالثقافة والأدب ويتواصلون بلغة روسية بلا لهجات مختلفة ومتنوعة، قد لا يتناسب مع نظيرتها العربية ذات المستويات المتعددة كالعامية والمحكية والفصيحة؟
“كان الحفل مكتملا… بدأ الرقص وكنت وأندريه في حوار (معمق) عن (السر الفني) في اختفاء الطبيعة الروسية الشيقة الحافلة من روايات دوستويفسكي، بينما هي في المركز من اهتمام تولستوي..”. ص 8
ويبدو أن حكمه هذا سيكون له أهمية في مسار الرواية ومغزاها.
يمكن ملاحظة ذلك في الحوارات الكثيرة التي تشكل أغلب صفحات الرواية، لكنها ليست ملاسنات ومناكفات بل ملاطفات ومطارحات و”مفاصحات” ومغازلات وأحاديث جميلة عن الأدب تفوق مستوى الأبطال في بعض المرات رغم تبريرات الراوي، بحيث تبدو وكأنها اصواته يوزعها عليهم على دفعات.
يقول الراوي لجارته المهندسة ليوسا “لم أدر أنك متتبعة عالمة” بعد أن علقت قائلة عن الشاعر بايرون “لم يتعقل بايرون كما أعلم. بل مات بالحمى غريبا شريدا. ص147
وهو كما يبدو تبرير الكاتب لتناغم الأصوات وعدم تنافرها او تنوعها وتعددها كما هو عند دستويفسكي.
قد يبدو للقارىء أن أبطال الرواية لا همَّ لهم غير احتساء كوكتيل “البونش” الذي أعتبره أليغوريا خاصة من نوعها تعبر عن حالة إلتقاط الأنفاس والإسترخاء بعد الحرب واعادة البناء والستالينة في الخمسينات والستينات. يقول الراوي “أوصينا على شمبانيا (ومثلجات) وهي أكلة روسية باذخة، قد لا تجد لها نظيرا في العالم كله …”. ص95
وأشير هنا إلى أن كوكتيل البونتشPunch هندي الأصل، خليط من الشمبانيا وعصير الفواكه بالمثلجات وبعض التوابل، انتشر في أوروبا عن طريق بريطانيا، التي اخذتها من مستعمرتها الهند في القرن السابع عشر.
ولا يعني أن البطل لا يعاني من الكاثارسيس Katharsis(تأنيب الضمير أو جلد الذات)، لكنها تأخذ أشكالا مختلفة غير الشائعة، وما ممارساته السلوكية الغريبة و”تضييع” وقته هنا وهناك وكأنه ينتقم من نفسه إلا تعبيرا عن حالة السأم التي يعاني منها كما اشرنا سابقا.
يعبر هرونوتوب الرواية هنا عن الحالة الوجودية والنزوع نحو رغبات الإنسان كالتجوال في أماكن العاصمة: مثل سينما بروغريس قرب مترو الجامعة، فندق متروبول ص 164، شارع غوركي ص 174، مكتبة االآداب الأجنبية ص216 ، التي يقول عنها (ملجأي ومنزواي) ص89، مقهى البونش ص 216، وجنوب العراق نسبيا حيث ولد وترعرع وقرأ كتبه الأولى في المكتبة العامة والمدرسة وشارك في المظاهرات وتعرض للتوقيف.
أما وصف طبيعة العلاقات بين الأجنبي والروسيات في الستينات لها أيضا أهمية خاصة قد تفيد عند مقارنتها بفترة التسعينات وبعدها حيث تكونت صورة نمطية سلبية عن الشرقأوسطيين والمسلمين منهم بالذات. هل الأجنبي آنذاك مرغوب به في موسكو لأنه طالب علم وفكر وثقافة في بلد غير استعماري وليس لاجئا ولا عاملا مغتربا، أو لشكله الأسمر المغري أم بسبب إمكانياته المادية، وبالذات في هذه الحالة حيث يغدق الراوي عليهن بالهدايا الثمينة.
هل هي إدانة للنظام السوفييتي، الذي كان يعاني من ندرة السلع الكمالية؟ أم وصف لتقبل الأوروبيين الشرقيين والغربيين للأجانب في الستينات قبل أن تتكون الصورة النمطية السلبية عنهم؟
وتسلط الرواية أيضاً الضوء على أزمة شخصية الرجل الروسي في السبعينات، الغارق في الإدمان وتمزق العائلة الروسية، ناديا تطلق زوجها، ليوسا في طريقها الى ذلك، صديقتها تخون زوجها مع الراوي. أما البطلة الطبيبة الجميلة الخلوقة نينا بتروفنا فقد حافظت على عذريتها لتكون للراوي المترجم العراقي رغم أنه بعمر ربيبتها ناديا، مفضلة إياه على روسي سكير!
هل نحن أمام أليغوريا تعبر عن مغزى الرواية؟ هل هو البحث عن رجولة البطل ونضجه، لاسيما وأنها لاتريد الزواج رسميا منه بل تريده لربيبتها ناديا؟ لكن الرياح تجري بما لا تشتهي الطبيبة الحالمة نينا بتروفنا، فتفقد الأثنين الحبيب وإبنتها الربيبة في حادث سير وبهذا تكون النهاية غير سعيدة كما تعودنا في روايات الحب التقليدية.
الأبطال: عراقيٌ يُحبُ “النخيل والبتولا” قبل كل الأشجار!
تتميز رواية “نينا بتروفنا” للروائي العراقي حسب الشيخ جعفر بِقِلّة عدد شخصياتها، وكلها روسية باستثناء البطل، معظمها من النساء. البطل الرئيس راوي السردية و”مدير” الحوارات والنقاشات والعلاقات، شاب عراقي يعاني من العشق والوجد والولع بالأدب، يعمل مترجماً في موسكو، لم يقدم الكاتب لا إسمه ولا أي وصف خارجي أو داخلي بمونولوجات كلاسيكية إلا قليلا.
فهل الراوي صورة الكاتب، أم شخصية مركبة يمثل مواطني الدول النامية القادمين للدراسة مجانا في الإتحاد السوفييتي، على عكس بطل “موسم الهجرة إلى الشمال” للكاتب السوداني الطيب صالح، حيث إنه يدرس في الدولة الإستعمارية بريطانيا، ولا يحب البقاء فيها مفضلا العودة إلى قريته السودانية، يأخذ ولا يعطي إذا ما استثنينا الجانب “العاطفي” يأخذ من “مستعمريه العلم والجنس” ويمارس العنف مع النساء. ممكن مقارنته من حيث العنف مع بطل “قلب الظلمات” لجوزيف كونراد، أو حتى “مرتفعات وذرنج” لإميلي برونتي.
أما بطل “نينا بتروفنا” فإنه إنسانٌ “مُأنسَنٌ” بالقيم الرفيعة، مسالمٌ يعطي ولا يأخذ غيرالحنين والإنتماء والطمئنينة، فالحب أو”الجنس” كان متاحا بدون هذه العطايا الكثيرة، إنه شخص شغوف ومليء، مثقف، مهتم بالتراث الإنساني العربي والأدب العالمي وملم به وبالذات الروسي، وله مواقف من الترجمة مهنته التي يكسب رزقه منها، وسخي بدون مقابل، قد يكون لدرجة السذاجة، هل هو بسبب شعوره برد الجميل، أم ضعف شخصيته وسطحيته أم إحباطه الضمني غير المعلن عنه دائما؟
“كنت أترجم وأترجم طرداً للسأم” ص 59، وهو غني بكل شيء بالنسبة إلى أهل البلد الأصليين، إضافة إلى ثقافته ومشاعره وعاطفته الشرقية يغدق عليهم بالهدايا باستمرار، “اخترت في السوق الحرة ما يليق بهن من هدايا…”. ص 136
حتى إن ليوسا رفضت مرةً هداياه الغالية من السوق الحرة، التي تبيع سلعها بالعملة الصعبة، قائلةً ممازحةً “لاتزدني فضائح”ص141، وهو ما يعبر عنه الكاتب في مكان آخر من الرواية، “مذ دخلت ناديا ببدلتها الأجنبية الأنيقة، وفتيات المقهى ينظرن إليها وإليّ بين الحين والآخر وهي ترى. قربت وجهها من أذني هامسةً: إنهن يتشوقن إليّ”. ص 228
وهو لا يعاني من النفور وغير مرفوض من قبل أهل البلد، بل يبحث عن الإستقرار عندهم، ويريد الزواج من نسائهن بأي ثمن وبدون استعدادات أو مقدمات كما هو واضح في علاقته مع ليزا صديقة جارته ليوسا ” ليزا.. هل يمكنني أن أتزوجك؟” ص 20، وناديا، التي “أجلت” زواجها منه ثلاثة او أربعة أعوام. بيد إنه يصر على الزواج منها خوفاً من ان تكون حاملا منه ” لن تجهضي. سنتزوج غداً… غداً نتزوج”. ص 286
لكن علاقته بنينا بتروفنا أمر آخر، إنها أليغوريا العذرية وحنان الأم المفقود في طفولته القاسية، فهي التي تقترح عليه الزواج من ناديا، “لماذا لا تتزوج ناديا؟ … إنها ربيبتي ليست بنتي” ص 82، وهو في النهاية تبرير غير مقنع اجتماعيا إن أردنا التدقيق في طبيعة بناء “الحتوته” على الطريقة الكلاسيكية، لكنها رغبة الكاتب في تجسيد هذه الأليغوريا، إضافة إلى العودة إلى الجذور.
نقرأ في الرواية مونولوج غير تقليدي “أنت لا تحب إلاها. إلا نينا بتروفنا أيها الدونجواني الشقي. لماذا اللقاء بناديا وغير ناديا؟ أهو مرض؟ مرض فينوسي؟ أهي الرغبة بتعدد الزوجات؟ …”. ص 180
وتتابع ناديا ” تقول جدتي: أنا حائرة بينكما وبينه لماذا لا يتزوج إحدى المرأتين فتستقر الرياح؟ يخيل لي إنه حائر بينكما … وتقول نينا بتروفنا: إنه في مثل عمر إبني. حرضي ناديا لتتزوجه”. ص 181
وأخيرا فإن الراوي يمعن في وصف قوة نينا بتروفنا وحمايتها له كأم ” كانت نينا بتروفنا أثبت مني قدماً، ونحن مسرعان إلى المخزن، في مهب من الرياح والثلوج المتسارعة المتشابكة.. فهي عذراء الثلوج الروسية وزوابعها. ولم تترك ذراعي لحظة خوفاً عليّ من أن أقع أو أزلق…” ص207، وهو ما يفسر بقاء المذكرات / مخطوطة الرواية عندها بعد وفاته مع ناديا في حادث سيارة.
ولهذا فإن الراوي يبرر إلحاحه على الزواج من ناديا عندما تماحكه الأخيرة ساخرةً منه بأنه لا يحب نينا بتروفنا “كدتَ تنساها البارحة ” ص291، فيبرر “كنتُ خائفا أن تؤذي نفسَكِ” ص291، وأنظر التبريرات الأخرى. ص292
يقول الراوي لصديقته المميزة نينا بتروفنا ومنذ ليلتهما الأولى مكتشفا عذريتها “إسمعي رجاءً.. وأنا جاد. صادق فيما أقول، هل يمكنني أن أتزوجك؟ من فضلك” فتجيبه “مابك؟ أنت في عمر إبني… أنا زوجتك. ألم تتزوجني الليلة؟ ماذا ستقول أسرتي وصواحبي؟ … سيقولون إني أوقعت بك اثرةً واحتيالاً” ص 27، فيعلق قائلاً ” ما أنا إلا فتى أجنبي لا يملك غير راتبه، فأين الإيقاع هنا؟” ص 27، وكأنه لا يعلم أن الهبات أو “المنح” كما يسميها، التي يوزعها على النساء كانت تكفي كَرِشى لمسؤولين كبار لحل مشاكل كبيرة يواجهها الناس في حياتهم اليومية آنئذ. حتى إن صديقته ناديا بدأت “تستغله”، “شاكستُ رئيسة القسم…ووعدتها بزجاجة ويسكي وسآخذ الزجاجة منك، وسمحت لي بالخروج مبكرا” ص59، على عكس نينا بتروفنا، التي تنصحه بالإقتصاد والتوفير وعدم شراء الهدايا.
زميله الصحفي أندريه، غارق في الإدمان والعشيقات وحياة اللهو دون أن نقرأ سردا عن حياته لكن هذا هو استنتاجنا، نفس الشيء يقال عن زوج جارته ليوسا.
نساء الرواية عاطفيات حنونات ينشدن الإسترخاء والإستمتاع بالحياة كرد فعل لفترة ما بعد الحرب التي عاشتها امهاتهن: ناديا وليوسا وصديقتها ليزا والجارة الجديدة، والبنت المستعربة، والنادلات الشابات الكثيرات اللاتي لم نتعرف لا على اسمائهن ولا أوصافهن الخارجية.
بطلة الرواية نينا بتروفنا، كانت في ريعان شبابها أثناء الحرب الوطنية العظمى كما كانت تسمى في الاتحاد السوفييتي، لكنها لا هي ولا والدتها لم تتحدثا عن تلك الفترة القاسية، مما يدلل على رغبة الكاتب بذلك. وهذا يطرح تساؤلات عليها.
من هو الشخص الذي يقف خلف صاحب المخطوطة او المذكرات؟ إنه الراوي، ولكن من هذا ؟ إنه صورة الكاتب وليس الكاتب بحد ذاته. هذا يحتاج الى نقاش معمق آخر قد نعود إليه في مناسبة أخرى.
يقول الراوي “أوقعت نفسي حقاً أو أوقعتني المقادير على منزلق خطير! فتباً وتباً لي… قد أخادع نفسي وأقنعها، أحيانا أنني (متزوج) من إمرأتين، لكن أمن السهل عليّ مخادعة إمرأة حسناء محبة ووفية لي؟ أأنا مخادع؟ هل أنا غشاش؟ …ما الحل؟ وأين راحة البال؟ هل (لمست) نينا بتروفنا شيئا ما وغضت الطرف …”. ص70
وهو أمر لم تخفه عنه ناديا عندما قالت له ” ستشم نينا بتروفنا رائحتي في فراشك”. ص 45، وتعبر عن حالها بشكل أوضح قبل نهاية الرواية “…لماذا لا أنام الليل كله هنا؟…أأنا فتاة شارع؟ أأنا ممن يبعن أجسادهن بقبضة روبلات؟… من طوّحَ بي؟ من (عهرني)؟ أين مني خجلي وعفتي؟….”. ص 314
ويسخر من نفسه قائلاً “التقى الأجنبي الغر سيدةً، وغادةً غضة، فاحتار بينهما، سأل المحير بين العيد والعيد”. ص82
وهل يمكن إخفاء مثل هذه الأمور في الحياة السوفييتية بخاصة إذا كان الرجل أجنبيا؟ فالبطل “زير نساء” لا يترك واحدة إلا واصاب منها ما يريد، علاقاته بهن مفتوحة وواضحة في المجتمع حيث الناس يتناقلونها، لاسيما أن حبيبته طبيبة جراحة معروفة، ولهذا تحذره ناديا مبررة ممانعتها تقبيله “قد يمر أحد الجيران، إنهم يعرفون أنك فتى نينا بتروفنا”. ص68 وتقول له ايضا ” أنا ربيبتها المدللة … إنها تعرف. هي ذكية جداً …”. ص78
أجل، نينا بتروفنا تجسد أليغوريا السمو والأخلاق العالية والبهاء والجلال والذكاء والجمال والحنان، إنها حبيبته وخليلته وأمه وروحه، التي لايمكن للراوي التخلي عنها أو الإنفصال عنها، إنها تنتقل في مخيلته من شقته الموسكوفيه إلى قريته في جنوب العراق حيث “الديكة تتصايح، … تصحو (نينا بتروفنا) لتخبز العجين” ص 289، وأنه بالتأكيد سينتحر إن لم يمت في حادث سيارة، إن أجبر على الزواج من ناديا !
——
* د. زهير ياسين شليبه. أستاذ جامعي عراقي مقيم في الدنمرك
** حسب الشيخ جعفر. نينا بتروفنا. مَن أيقظ الحسناء النائمة؟ بغداد، دار المدى 2014

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *