حسين سرمك حسن: رسالة في محاسن الخيانة*

*تحليل رواية ” المسافة ” للمبدع الراحل ” يوسف الصائغ ”
  «الخائن لمرّة واحدة، خائن لكلّ المرّات»
                                  – قول مأثور –
«إنّي لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده
إن خان معنى أن يكون
فكيف يمكن أن يكون؟»
                             «بدر شاكر السيّاب»
«لقد خنت، ولن يفهم الخائن إلاّ بطل»
                                بطل رواية «المسافة»

«… كلاّ، لكّني أؤمن به، وأعلم أنكم سوف تفشلون. إنّ هناك شيئاً في العالم لا أعرفه، روح ما، أو مبدأ ما، لن يكون بوسعكم أن تقهروه أبداً».
– هل تؤمن بالله يا «ونستون»؟
– كلاّ.
– إذن، أيّ شيء هو هذا المبدأ الذي سيهزمنا؟
– لا أعلم، إنّه روح الإنسان.
– وهل تعتبر نفسك إنساناً؟
– نعم.
– إذا كنت، أنت، إنساناً يا «ونستون»، فأنت الإنسان الأخير. إنّ نوعك منقرض، ونحن الوارثون. هل تدرك أنك «وحيد»؟ إنّك خارج التاريخ، إنّك غير موجود!.
تبدل أسلوبه؛ وقال على نحو أكثر خشونة:
– وأنت تعتبر نفسك أسمى، أخلاقياً، منّا ، بأكاذيبنا ووحشيتنا؟
….
….
– أنت الرجل  الأخير – قال «أوبرين» – إنك حامي الروح الإنسانية، سترى نفسك الآن على حقيقتها، اخلع ملابسك.
فتح «ونستون» كابح السلك الذي يمسك أجزاء ردائه السروالي إلى بعضها، تحت الرداء السروالي كانت هناك أسمال بالية قذرة صفراء، هي بقايا لملابس داخلية. رأى، وهو يلقيها إلى الأرض أنّ هناك مرآة ذات ثلاثة جوانـب، عند نهاية الغرفة، اقترب منها، ثم توقف فجأة! وانفجر في بكاء لا إرادي.
قال «أوبرين»: «انظر إلى الحالة التي أنت فيها. انظر إلى السخام القذر الذي يكسو جسمك. انظر إلى القذارة التي بين أصابع قدميك. انظر إلى تلك القرحة المتقيحة، المثيرة للاشمئزاز، على ساقك. هل تعلم أنك نتن، مثل معزة؟ لكنك ربّمـا لم تعـد تلاحظ ذلك. انظر إلى هزالك، هل ترى؟ إنّ بإمكاني أن ألاقي إبهامي وسبابتي حول زندك، وأستطيع أن أقصم رقبتك مثل جزرة، هل تعلم أنك فقدت خمسة وعشرين كيلوغراماً منذ أن وقعت في قبضتنا؟ حتى شعرك أصبح يتساقط في خصل.. أنظر». نتف شعراً من رأس «ونستون» وقدّم خصلة منه إليه. «افتح فمك، لم يتبقَ لديك سوى أحد عشر سناً، كم كان لديك عندما أُحضرت إلينا؟ وحتى هذه القلة المتبقية لديك تتساقط هي الأخرى، انظر هنا». أمسك بأحد الأسنان الأمامية المتبقية لونستون ، بين إبهامه القوي وسبّابته. سرت وخزة ألم عبر فك «ونستون» ثم انتزع السن المتقلقل من مكانه وقذفه عبر الزنزانة، ثم قال: «إنك تتفسخ، إنك تنهار إلى قطع، ما أنت؟ كيس من القذارة؟ والآن استدر وانظر إلى المرآة، ثانية. هل ترى ذلك الشيء الذي أمامك؟ إنّه الإنسان الأخير، تلك هي الإنسانية، إذا كنت إنساناً.. والآن ارتدِ ملابسك ثانية… لقد ضربناك وسحقناك….. إنك ترى ما عليه جسمك، أمّا عقلك فهو في حال لا تختلف. إنني لا أعتقد أنّ لك، الآن، الكثير من الكبرياء. لقد رُكلت وجُلدت وأُهنت.. وصرخت من الألم.. وتمرغت في دمّك وقيئك على الأرض، ونشجت طالباً الرحمة. لقد خنت كل شخص وكل شيء»(1). لقد فشل «ونستون سمث» – بطل رواية «جورج أورويل» الذائعة الصيت (1984) – في مقاومة التعذيب، وكان هذا الفشل صارخاً وكاملاً. وتحاصر المخاوف القارئ الذي يحتفظ بالأمل في أنّ «ونستون سمث» سيكون قادراً على المقاومة على الرغم من كلّ الصعوبات. ولكن لا خلاص للقارئ ولونستون سمث على حدّ سواء. إنّ «سمث» هو «الإنسان الأخير» كما يخبرنا بذلك «أورويل» بلغة «نيتشوية» فريدة. ومثلما تحطّمت المثقلة الزجاجية الوردية ساعة اعتقاله، فإنّ اللحم الوردي للإنسان قابل للتمزّق أيضاً مهما كان متحصّناً بالأفكار والنظريات. لا توجد أيّ حماية في النظريات. الأفكار مثل الزجاج، من الصعب رؤيتها، ولكن من السهولة أن تتحطم بالعنف. لكن هل هناك إمكانية لقراءة مختلفة. كلنا عرضة لنسيان الضراوة والنجاح الذي قاوم به «سمث» دكتاتورية «أوقيانيا». نحن ننسى ذلك لأنّ «سمث»، في النهاية، خان كلّ شيء. ولكن إذا وضعنا في اعتبارنا الفرص الضئيلة التي أُتيحت له لتطوير شخصيتـه، وكيف نُظمت الدولة والمجتمع ضدّه، سنرى أنّ من المدهش أن «سمث» قاوم بالضراوة التي أظهرها، وينبغي أن يذكرنا هذا بالفرصة الضئيلة التي قد يحتاجها الإنسان للمقاومة وكيف أنّ سنوات عديدة قد يعيشها في مجتمع هو سجن فعلي. لكن هذه القراءة تفرض سؤالاً إضافياً: ما هي المصادر المتميّزة للقيم التي يقاوم بها الفرد؟ مـا هي هذه المبادئ؟ في هذه النقطة لم يكن «أورويل» قد قدّم لنا وصفاً أفضل للخيانة أكثر منه للمقاومة، كان «أورويل» محقّاً حين حدّد كيف يتشكّل التعذيب بما يمكن أن نسميّه «الخيانات الصغيرة أو الاعتيادية»، خيانات مثل (الخيانات العظيمة) هو الذي يجعل حياة الناجي من التعذيب صعبة ومعقدة جداً. فبمجرد تحطّم جزئيات الثقة هذه، لا يصبح، فقط، من الصعب إعادة تركيبها، ولكن يصبح من الصعب أيضاً، تعويضها بشيء آخر. في النهاية ينتج التعذيب أجساماً ممزّقة فقط، وهذا هو كل ما يفعله. لسوء الحظ، فإن «أورويل» قد قتّم بصيرته الدقيقة في طبيعة الخيانات الصغيرة/ الاعتيادية بما يمكن أن نسميّه بـ«الخيانات العظيمة/الكبرى» أي المحاولات التي يخون فيها الفرد قضية حقيقة، لقد قدم «أورويل» قراءة مركّبة لواقعه التاريخي آنذاك مثل التعذيب الذي شاهده في المحاكمات «الستالينية» الاستعراضية، وروايته هي وصف للتعذيب كما هو. وفي هذا الإطار فإنّ الرواية مضللّة: فبينما تكون الخيانات الاعتيادية حتمية، وفي الحقيقة حتمية بشكل مخيف، فإنّ الخيانات الكبرى ليست كذلك، فالكثير من السجناء لا يخونون قضاياهم العظمى برغم أنهم يعانون كثيراً من الخيانات الاعتيادية، وتزوّدنا مراكز التعذيب الحديثة بمدى أنموذجي عن الطرق التي يشكل بها الأفراد أنفسهم بوجه عجزهم وعذابهم اللاّ محدود، طرق تُقرأ وتُحاكى بشكل واسع في وقتنا الراهن من قبل السجناء السياسيين، وفي الواقع فإنّ مدى الأشكال الممكنة لمقاومة  التعذيب هو أوسع بكثير ممّا تخيّله «أورويل»(2). لقد طرحت هذا التمهيد الطويل نسبياً حول رواية (1948) «لجورج أورديل» وهي واحدة من أهم الروايات العالمية التي تتناول موضوعة التعذيب والخيانة كمدخل ضروري لفهم الرواية العراقية الوحيدة التي تتناول موضوعة التعذيب والخيانة، وهي رواية «المسافة»(3) للمبدع العراقي «يوسف الصائغ» الذي يتحدث عن الظروف التي أنضجت ولادة روايته هذه قائلاً: «وظلّ «سلمان» – وهو مسؤوله الحزبي الأول الذي قرأ عليه ورقة ترشيحه لعضوية الحزب ثم (خان) الحزب وأعلن براءته منه على شاشة التلفزيون – أنموذجي الذي أباهي بعلاقتي به كلّما تفحصت أسراري وتبينت أسباب حماستي وثباتي، ثم جاء وقت أغمضت فيه عينيّ، ثم فتحتهما.. فإذا بي في زنزانة أرى من خلالها دخان الملحمة، وعاد الصوت من جديد:
«إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون..
أيخون إنسان بلاده
إنْ خان معنى أن يكون.. فكيف يمكن أن يكون؟».
وتلك قصّة أخرى، ريثما تنضج رواية «المسافة» في تجربتي، لكي يسهل التمييز – عند ذاك – بين البطل والخائن، لأن «المسافة» لن تلبث أن تقترح أنه ما من بطل مطلق ولا خائن مطلق. ففي ظرف اصطادته الرواية وخلال لحظات متراكمة سيتحول البطل إلى خائن والخائن بطلاً.. وبقيت وحدي في زنزانتي، ما من أحد حاول أن يفهم عذابي وارتباك عيني، وحاجتي إلى الفهم والتفهم من جديد، ولهذا وحين التقيت «سلمان» بعد عشرات السنين وكان غبار الأحداث قد انزاح عن الذاكرة لم أجرؤ على أن أسأله: لماذا؟ ولا هو وجد حاجة لأن يفتح لي أبواب معاناته التي امتدت عشر سنوات في زنزانة الإعدام ينتظر الموت…»(4).
… وهنا – في رواية «المسافة» – وفي حياته عموماً، يتصدّى «يوسف الصائغ» لمعالجة محنة معقدة وشائكة، وذات نهايات فاجعة عادة، من محن الوجود البشري، محنة عاش مرارتها واكتوى بألسنة جحيمها هو نفسه، ثم حاول صياغتهـا إبـداعاً ملتهباً بالتساؤلات ومشتعلاً بعلامات الاستفهام الصادمة. محنة أثارت وقت صدورها كرواية – المسافة – متلبسة – حتماً – بإسقاطات وتداعيات وإيحاءات تجربة المؤلف نفسه في موقفه المدّمر من معضلة الولاء والبطولة والخيانة، زوبعة من المجادلات والاعتراضات الحامية. وأعتقد أنّ قراءتنا النقدية التحليلية هذه، والتي تنطلق من أسس وزوايا نظر منهجية مغايرة للنقودات السابقة – سوف تثير قدراً من الاختلاف، وهو اختلاف مطلوب مهما كان منطقه ودرجة حدّته، فبالاختلاف الخلاّق تنمو العملية الإبداعية وتزدهر، في حين أنّها تركد وتأسن وتختنق وتموت في أجواء التسليم المذعِن واللاّ اهتماتم العاجز. لقد وُصفت رواية «المسافة» من قبل بعض النقّاد، ومن قبل مبدعها نفسه، بأنّها من نوع «المسرواية» – المسرح + الرواية – أي أنها مزجت تقنيات الفن المسرحي بفنون السرد الروائي مع رجحان كفّة الأول. ولكن علينا أن لا نغفل حقيقة أنّ الكاتب قد استثمر أيضاً معطيات وأٍساليب الفن السينمائي من خلال توجيه حركة عين الكاميرا ومساقط الإضاءة و(الفلاش بك) وغيرهـا، وقد خلت الرواية – أو المسرواية – من أسماء الشخوص المحدّدة وحلّت محلّها الضمائر المجرّدة فكانت ساحتها مجالاً لفعل (الأنا) و (هو) و(القتيل) و(الرجل الشامخ) بصورة أساسيّة. وحتى الأشخاص الثانويين كانوا من دون أسماء مثل: الرجل ألف، المرأة، صوت.. إلخ، وسنرى أهمية ذلك في مسار تحليل وقائع الرواية. يستهل الكاتب روايته بمشهد مسرحي يقف فيه (أنا) أمام جمهور صاخب ضاج وغير منضبط ويحاول عبثاً إيصال صوته إلى أسماعهم:
أنا: أصغوا إليّ رجاءً (ضجيج) يجب أن تسمعوني (الصوت ضائع تماماً) أيّها السادة هدوءاً.. رجاءً.. اسمعوا. إنّ القضية (الضجيج على حاله) القضية أيها الإخوان (لا جدوى) ألا تسكتون؟ (انتظر قليلاً. ثم أخرج مسدساً من جيبي، لا أحد يعيرني اهتماماً) والآن.. والآن.. (أوجّه المسدس على الحاضرين وأطلق ثلاث إطلاقات.. مع صوت آخر إطلاقة تبدأ الموسيقى عالية، ويضاء المكان جميعه بشكل حاد ومفاجئ، ويبدو الحاضرون مطوّقين برجال مدّججين بالسلاح. يسود الصمت. لا شيء سوى الموسيقى التي تأخذ بالخفوت تدريجياً، لتتنازل لصوت سيّارة إسعاف ما يلبث أن يرتفع بشكل رهيب. ثم ينقطع فجأة، وتُسمع أبواب وهي تفتح، ويدخل عدد من رجال الإسعاف، يلتقطون ثلاثة قتلى، ثم يخرجون بهم على نقالات.. تُغلق الأبواب.. لحظة).
أنا: (بهدوء) كان لابدّ من هذا ليسود النظام. (تُطفأ جميع الأضواء، ويسود ظلام تام.. صمت..)……….
أنا: (أنا الشيء الوحيد الذي يمكن رؤيته بسبب من شعاع يسقط على وجهي من مكان مبهم…) والآن.. إليكم القضية… انتبهوا.. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. (يُضاء المكان بأسره.. يبدو «هو» الآن وسط المشهد، واقفاً باستقامة وعند قدميه يُرى «القتيل» مقتولاً.. تعلو همهمة من الحشد إذ يبدو أن بعض الحاضرين قد تعرّف عليه..).
أنا: لابدّ أنكم تعرفونه..
أصوات: أجل إنه هو/… من هو؟/القاتل../أخبرونا من يكون../أعدموه…/ولكن من هو؟../الجبان…
ومن هنا تنطلق مسيرة أحداث هذه الرواية الشائكة واللاهثة. لا توجد فرصة لالتقاط الأنفاس. هذا اللّهاث والتعقيد الذي صمّمه الكاتب بدراية وأجّجه صخب الجمهور المنفلت وحماسته سيجعل القارئ – بل وحتى الناقد- لا يضع في مركز انتباهته التحليلية أو الفاحصة حجم الجريمة التي قام بها (أنا) في مفتتح وقائع الرواية، فقد قام بقتل ثلاثة من الحاضرين ثم طوّقهم برجال مدجّجين بالسلاح مبّرراً جريمته بأنه «كان لابدّ من هذا ليسود النظام»، وهو تبرير واهٍ ومنافٍ للمنطق ومجافٍ لأية ضرورة. وقد تمّ نقل القتلى الثلاثة بهدوء عاد بعده الجمهور إلى الصخب والضجيج. كيف سيستطيع مثل هذا الجمهور، الذي يتغاضى عن جريمة خطيرة جدّاً – قتل ثلاثة منه بعذرٍ غير مشروع – أن يكون حكماً هادئاً ومنطقياً في الجريمة التي ستكون محور أحداث الرواية ألا وهي جريمة قتل (هو) لـ(القتيل)؟ منذ اللحظة الأولى يختلف الحاضرون حول وقت وقوع الجريمة: «لقد مضى عليها سنوات طويلة.. عشرون سنة.. أيّة عشرين؟ لقد حدث هذا قبل سنة فقط.. حدث البارحة.. حدث غداً.. بل سيحدث الآن..».. وما هذا الاختلاف في ظاهره إلاّ تعبير عن هشاشة الذاكرة الجمعية للجمهور، وقابليتها للتحريف والتأثّر، ولكنه – أي الاختلاف – في معناه العميق تعبير عن شمولية هذه الجريمة الوجودية وعدم تحدّدها بزمان معيّن ولا بمكان محدد بعد أن قدم لنا الكاتب مسرحاً مجرّداً يتجاوز الأطر المكانية الضيّقة ليوحي إلينا بأنّ هذه الجريمة يمكن أن تتعدّى أيّ ساحة محلّية. فما هي الجريمة التي لا يستطيع التاريخ البشري رسم حدود لها في الزمان والمكان؟ إنّها الجريمة الأصلية اللائبة في أحشاء كلّ منّا، والتي تتربص غيلان دوافعها الفرص لتولغ في دم ضحاياها. إنّها الجريمة الذي يمثل مقترفها تهديداً لكلّ منا لأنه قد يوقظ شياطيننا السادرة تحت ظلال شجرّة العدوان ، المجرم الذي جرؤ على (التنفيذ) قبلنا معلناً قيامة الموت كأنموذج مغوي ومارق. إنّ خطورة إبليس تكمن في جانب كبير منها في أنّه قد يمثل الحافز والطليعة التي ستثير أبالستنا الكامنة لتصطف خلفه، ولذلك تحلّ عليه اللعنات ونتعوّذ من شرّه في كل وقت. ومجرم «المسافة» وإبليسها هو «هو» الذي تحلّ عليه اللعنات الآن من قبل الجمهور: «نذل.. إنسان بلا قيم.. جبان…». وها هو الجمهور يدعوه – وبنفاد صبر – لأن يتكلم ويشرح لهم تفاصيل جريمته، في حين يرى هو أنّ كل ما جرى كان وهماً ويبدأ بـ(استعادة) الوقائع التي أوصلته إلى الجريمة. وإذا كانت الجريمة من الممكن أن «تُمسرح» فإن الطريق الموصل إليها – بصراعاته وعوائقه وعلاقاته – يجب أن (يُسرد) حتى لو كان ذلك على خشبة المسرح، وهو ما بدأ به «هو» من اللحظة التي حوصر فيها هو و(باء) وزوجته وطلب منهم مسؤولهم – الرجل (ألف) أن ينسحبوا تحت جنح الظلام. ومنذ تلك اللحظة المبكّرة كان يقين (هو) مهتّزاً وشاعراً بالخسارة قبل وقوعها الفعلي :
الرجل ألف: اسلكوا الزقاق.. الحصار هناك ما يزال ضعيفاً. وستحميكم الظلمة..
هو: إذن… لم يعد ثّمة أمل؟
لقد شعر منذ الآن أنه كان مخدوعاً وفقد كلّ طاقة على الغضب والخوف والحزن، ولم يتبقَ له سوى طريق واحدة للخلاص هو: الهرب. وها هو ينطلق بقوة يتبعه (باء) وزوجته. انطلق وخلفه الزوجة أولاً في حين تخلّف زوجها قليلاً «فقد اختار الخوف» كما يقول. كان «باء» مهدّماً تماماً في حين كان «هو» يشعر بلذة ممزوجة بالخطر وهي من أشدّ أنواع الملذّات وقعاً في النفس. كان يخوض «مغامرة في وجه الفشل، تعادله وتنقذه من السكون… والخوف». وبعض جنود السواتر الأمامية في جبهات القتال ينطلقون – في أوقات انتظار هجمات العدو – نحو الأراضي الحرام حيث حقول الألغام.. هؤلاء يميتهم (انتظار) الموت أكثر من الموت نفسه. وتحت جنح الظلام وإطلاقات المدفع الرشاش يركض وهو يقود المرأة من يدها في حين ظلّ زوجها في الجانب الآخر:-
«أخذتها من يدها.. وركضنا داخل زقاق جديد.. كان الهرب حقيقياً.. وكان لذيذاً.. وكانت هي بجانبي وظل الجو ينذر بالمطر..». إنها تركيبة نفسية فريدة تلك التي يحملها «هو» و(يتمتع) بها. هذه التركيبة هي التي حكمت (اختياره) السياسي وأفعاله (النضالية) وليس العكس كما قد يتصوّر الكثيرون، الذين يعتقدون أن الأشخاص (يختارون) الأفكار والأيديولوجيات والتنظيمات السياسيّة من خلال المحاكمة الشعورية فقط. في أي (اختيار) سياسي هناك ما هو مخفي ومستتر ممّا تتحكم به دوافع (اللاّشعور). وهذه الدوافع تكون في غاية الخطورة إذا لم يُمسك بها منذ بداية مسيرة (المناضل)، فهي قد توصله – ومعه الكثير من رفاقه الذين (يؤمنون) به إذا كان قيادياً – إلى مآزق مدمّرة ومميتة تمزّق المشروع السياسي شرّ ممزق. ومن ناحية أخرى فإن عدم فهم الجمهور المراقب – أو القاعدة الجماهيرية بالمفهوم السياسي – لدور وأهمية تلك العوامل اللاّشعورية سيصيبها بالصدمات من ناحية لأنّها سترفع المناضل (الإنسان) إلى مستوى الآلهة في حين أنّه كيان هشّ تتصارع فيه عوامل الخير والشر والتضحية والأنانية…إلخ وسيجعلها تطلق أحكاماً مثالية متعالية فيها الكثير من التحامل والظلم على (حالات) بشرية أرضيّة من ناحية أخرى، وهذا هو الـ(هو) البشري يقع – الآن – تحت طائلة تلك النظرة النمطية للجمهور الناقم والذي يريد الآن – وسريعاً – معرفة كيف قتل رفيقه (القتيل/المناضل) – معرفة الخيانة الكبرى – في حين يصرّ (هو) على أن يمنحوه وقتاً وصبراً لـ (يسرد) أمامهم ملابسات وأفخاخ الطريق التي أوصلته إلى ما يسمّونه – هم وليس (هو) – خيانة عظمى، وهذه الطريق هي مسار تراكمات (الخيانات الصغيرة) التي كانت أولها (الخيانة) التي واجهها كمفارقة بين تركيبتة النفسية الفريدة القلقة، نافدة الصبر، المزاجية، وبين جماعة مرجعيّة تبحث عن التنظيم والضبط و(الثبات). يقول: «شعرت لأول مرّة باليقظة. وبدا أنني كنت مخدوعاً، وفقدت كل طاقة على الغضب والخوف والحزن.. شيء واحد تبقى: الهرب.. كان الهرب معقولاً ومبّرراً.. وجاءت مسؤولية (باء) وزوجته فأعطتني المزيد من الهرب. أصبحت مهرّب بضاعة خطرة.. مغامرة في وجه الفشل، تعادله، وتنقذني، من السكون.. والخوف..». وكثيراً ما يُصاب المنتمون إلى الحركات السياسيّة من نمط شخصية (هو) بالخيبة وهم يكتشفون أنّ ضوابط العمل في هذه الحركات تقف بالضد من أمزجتهم وعتباتهم الاستثارية وتوقعاتهم التي رسموها قبل انتمائهم إلى هذه الحركات. إنّ (هو) حين يهرب فإنه لا يعبّر عن جبن أو خَوَر إرادة، فلو كان كذلك لما تحمل مسؤولية (قيادة) (باء) وزوجته في عمليّة الهرب والانطلاق بهما تحت وابل من الرصاص، ثم الانطلاق بالزوجة – بعد أن تخلّف زوجها الخائف – إلى أحد البيوت التي قفز فوق سور حديقته وفتح بابه من الداخل ليختبئا هناك، ثم غادرها فجراً وانطلق وحيداً لتواجهه مجموعة مسلّحة: «قبض عليّ الخوف وامتلأ فمي بنبضي.. عبرتُ.. كان ثمة أربعة، وكانوا مسلّحين بطريقة صبيانية»- عبرها بعد التفتيش والتأكّد من هوّيته. كان (هو) يوغل في الهرب لأنّ «العالم كلّه يصلح مكاناً للهرب.. كلّه وليس أيّما مكانٍ معين منه»، والإيغال (في) الهرب – وليس الخلاص (بـ) الهرب- هو الهدف المؤسّس في لا شعوره، وهي مصلحة لا يستطيع الشعور (حسابها) منطقياً، وهو ما يقع فيه الجمهور عادة، على الرغم من أنّ للجمهور (مصلحة) لاشعورية تسهم في تشكيل الموقف المُعلن. يقول (هو) وهو منطلق مع زوجة (باء) في الظلام: «وظلّ صوت الرصاص بعيداً وقريباً. كان يقابل الهرب، وكان الهرب في وجوهنا . تضيق الدنيا فيتأزم، وتزداد لذّته المحرّمة». وهذه اللّذة المحرّمة – مركب الأمان والخطر، المقدّس والمدنّس، الحياة والموت – هي العامل الحاكم في توجيه اختيارات وسلوك (هو). تحت المطر الغزير، ولا مكان يلجآن إليه إلاّ الفسحة الضيقة أمام الباب الداخلي للبيت الذي التجأ إليه…» كان المطر يبعث على اليأس.. وأبرقت السماء، فلمح وجهها. بدا له أنه يراها في فيلم. شعرها أسود مبلّل بالماء. خصلات منه تلتصق على جبينها. وخُيل إليه أن في نظراتها شيئاً أسطورياً، كأنه يراها في حلم». كانت المرأة ترتعد، منحها سترته وبدأ بتدليك ظهرها المبلّل بحميّة.. ومن بعيد كان يصل صوت الرصاص.. و«كنّا على درجة واحدة من الصدق.. وكان ثمّة مبرر وضرورة لكل شيء.. حتى المطر والبرد والريح.. ساعة تعدل الحياة والخيبة واليأس.. قميصها مبلل.. شعرها.. عيناها.. وكان صوتها في أذني.. وكان على شفتي.. وكان على منابت شعري.
– آه.
– إه.
كنّا بدائيين.. ولم يكن ثمة مطر.. ولا خوف.. ولا ريح.. كلانا الآن ساقط على الراحة.. واقع.. وغير مصدِّق لدرجة جدّ متناقضة..». هكذا تمتزج دوافع النماء والخراب تحت مظّلة العدم فتثمر توتراً وفاكهة سوداء. الجمهور يصرخ: «نذل.. إنسان جبان. بلا قيم، و(هو) يردّ (بصوت آلي): «بخصوص القيم، في تلك الساعات كانت القيم مُفرّغة من معناها تماماً… كانت مُطلقة وإنسانية إلى أبعد الحدود». وخير ما يكشف الفارق بين تركيبة (هو) النفسيّة وبين تركيبة المرأة/ الزوجة التي كانت بصحبته في تلك المحنة هو أنّه في الوقت الذي كانت تشتاق فيه إلى أن يكون لها طفل في غرفة هادئة. يبكي فتقوم وترضعه وتتذكر قمصان زوجها التي أرسلتها إلى المكوى…إلخ فإنه لا يتردد في إعلان اشتياقه إلى سيكارة!!. كلاهما يُمتحنان لكن أحدهما يفكر بما يفتقده الآن من مكّملات دوره وحياته الاجتماعية، في حين ينكر الآخر برغبة مُحبطة من رغباته.. واحد يفكر بعقله الاجتماعي والآخر يفكر بغريزة جائعة، وكلاهما مهدّدان ويرزحان تحت مطارق الخطر، لكنّها التقيا أخيراً – بإخلاص كما يقول (هو) – تحت ظلال شجرة اللّذة، فلماذا يسلّط الجمهور نقمته على (هو) ويصمه بالخيانة والنذالة دون المرأة/ زوجة (باء)؟ ولأن صلة الفرد الطفلية المبكّرة بأمّه وأبيه هي المعيار التي تقاس عليه صلاة الفرد الراشد اللاحقة بكل الجماعات المرجعيّة، فإنّ من الصعب أن نصنّف – كما يفعل بعض علماء النفس – تلك الجماعات إلى نماذج أمومية خالصة وأخرى أبوية خالصة – نماذج حامية أو نماذج خاصية – الصحيح هو أنّ في كل تجمع أو تشكيل أمومي حامي هناك نسبة – تقل أو تكبر حسب تجارب الابن المبكّرة والمكبوت فيها بشكل خاص – من الأنموذج الأبوي بوجهيه: الحامي أو الخاصي، والعكس صحيح بدرجة أقل لأنّ الطغيان الذكوري يحجّم فعل الرحم الأمومي إلى حدّ كبير وقد لا يترعرع في ظلاله السوداء سوى الوجه الالتهامي – الميدوزي – للأنموذج الأمومي/ الأنثوي بشكل عام. والشخصيات التي من نوع شخصية (هو) غالباً ما تلتحق بركب الحركات السياسية باحثة عن أنموذج وجهه الداخلي وجه أمومي حام رحيم معطاء ووجهه الخارجي وجه أبوي خاصٍ لـ(الآخر) المهدِّد. وبمجرد أن قال مسؤوله – الرجل (ألف): اسلكوا الزقاق.. ستحميكم الظلمة. يمكنكم الانسحاب، سأله (هو) فوراً: إذن، لم يعد ثمة أمل، ثم بدأ يفكر عند النافذة: شعرت لأول مرّة باليقظة، وبدا أنني كنت مخدوعاً وفقدت كلّ طاقة على الغضب والخوف والحزن. لقد استيقظ من حلم باذخ طفا به محلقاً في سماء الفردوس الأمومي والهناءة الرحيمة، وانهار – مرّة واحدة – البناء الحامي بانهيار الأنموذج الذي رسمه في  أعماقه مقتدراً وعزيزاً بتداعي مسؤوله/ الأب. كانت هذه أولى الخيانات (الصغيرة) لقد لفظه الرحم الدافئ إلى الخارج حيث البرد والمطر والجوع والرصاص، ولم يبق أمامه من منفذ سوى الهرب. وفي المحطة الأولى – البيت الذي يعرفه والذي تسلّق سور حديقته – واجه (خيانة) صغيرة أخرى حين وجد الباب الداخلي مقفلاً فاضطر للبقاء في الفسحة التي أمام الباب يسوطه البرد والخوف، وأمضى ليلته مع زوجة (باء) وقد استولى عليه هاجس قوي من الشعور بالخسارة وبلغ به الأمر حدّ أنه كان يفكر أن يخرج من مخبأه ويسلم نفسه: «قلت في داخلي، أخرج الآن وأسلّم نفسي.. ومشت قشعريرة في جسدي..».. «..ومرّة أخرى أردت أن أقول لها: تعالي نخرج لنسلم أنفسنا»، وحتى في المشهد السينمائي الذي صمّمه الروائي لمناظر عدد من النوافذ المتتابعة في المدينة:
«نافذة (1): شباب يجلسون إلى مذياع.
نافذة (2): …
نافذة (7): مظلمة.
نافذة غرفتي: سريري وسرير أخي فارغان، بدلتي الرمادية معلقة عند الباب يبدو كمّ السترة مثل يد مشنوق».
والوصف الأخير: (.. يد مشنوق) يفرضه التوقع السلبي الذي أسّسه القلق المشتعل في أعماق (هو). هذا القلق الممض الذي تفاعل مع البناء النفسي والعتبة العصبية الباحثة عن الاستثارة من ناحية والتي لا تتحمل الانتظار والتوقّع مصحوباً بالإفراط في الاستثارة من ناحية أخرى هو الذي جعله يقوم بخيانة (تمهيديّة) (صغيرة) عندما ترك المرأة نائمة وخرج: «كانت هي نائمة من الراحة والخوف والتعب.. كان المطر قد كفّ عن السقوط تركتها وخرجت»، وهذا ما يقوله علناً أمام الجمهور، أمّا مع نفسه فإنه يقول: «كنت خائفاً من الإحساس بالحاجة إليها، وبانتهاء، هربي، وبرغبتي الملّحة في الاستسلام منها بالذات، عندما يطلع الفجر.. ويبدأ الخوف..». ويعيد تكرار هذه الموقف المزدوج مع (أنا) فهناك تبرير معلن وآخر مستتر:
«أنا: لماذا تركتها؟
هو: لم تعد بحاجة إلي، أصبح وجودي معها خطراً عليها.
(في نفسه): كنت أخاف من أن نلتقي صباحاً».
وهذه (خيانة) (صغيرة) أخرى، لكنها هنا خيانة الذات؛ وخيانة الذات هي المفتاح الأول والأساسي لخيانة (الآخر) – قضية كانت أم حزباً أم شخصاً – والمشكلة هو أنه – نفسه – مزدوج في تقييمه لما يتهمه به الجمهور من موقف خياني: «وأنت اللحظة تجرّب التفكير: إن كانت هذه خيانتك الأصلية، وتنقسم على نفسك:
– خائن..
– لا.. ليست القضية بهذا الوضوح».
والضبابية العقلية التي تلفّ المفاهيم وتجعلها غائمة وعصيّة على التحديد تعود إلى (التضاد العاطفي) الداخلي تجاه الموقف الذي يتبعها والذي يُطلب من الفرد تحديد قناعاته منه. وهذا التصارع تجاه فعل قام به (هو) – ترك المرأة نائمة – الخروج من البيت فجراً – يعني أنّ ما يعدّه الجمهور (خيانة) لم يكن أمرا قاطعاً وواضح المعالم بالنسبة له – أي لـ(هو) – فخوفه من أن تلتقي عيناه يعيني المرأة/ زوجة (باء) التي ذابت معه بإخلاص هو (هروب) آخر، لكنه – بالنسبة له – حلّ يتطلب (إرادة) لاتخاذ هذا القرار وتنفيذه، وعليه فهو (موقف) يستلزم تحشيد قوى نفسية لا ينبغي التفريط بطاقتها. فـ«حتى الاستسلام بدا تلك اللحظات بحاجة إلى قوّة» كما يقول (هو)، وخاطئ من يظن – وفق حسابات «يوسف الصائغ» أنّ الخيانة لا تحتاج إلى إرادة وقوّة، وإنّ الاستسلام هو موقف سلبي يتدحرج فيه الفرد على سفح أملس ناعم ليستقر أخيراً في أحضان الخيانة (الدافئة).. الخيانة – في جانب من حسابات (الصائغ) التي يعبّر عنها سلوكاً وفكراً (هو) – هي موقف (بطولي) أيضاً، وهي تتويج لمسيرة عذاب وألم يعبّدها نزف (الخيانات) (الصغيرة) المتراكمة. فبعد أن تخلّى عن المرأة و(تبرأ) منها وغادر البيت واجهه أربعة مسلّحين: «كان الصغير منهم يشبه ابن أختي. وفكرت: مثل هذا لن يقتلني.. سيقتلني ذاك الفتى ذو الملامح المرتعشة.. سيقتلني هو أيضاً من الخوف…». وهذا التشابه هو (خيانة)  لما هو مؤسس في عرفه الحياتي وهو يعبّر عن توقّع شديد التوجّس من عدوانية كلّ  ما يحيط به وما يحفل به من تهديد يأتي من أقرب الناس إليه. إنه يتنقل في متاهة عالم معادٍ وغريب الملامح بعد أن كان عالمه المعتاد والمألوف: «سرت.. ويتبعني الهرب. في ليلة واحدة تغيّرت المدينة.. موحلة.. وقاسية.. وغريبة» وهو يشعر بأن محاكمته وإصدار حكم إدانة من قبل متفرجين لم يكونوا معه تحت لهيب سياط المحنة هو أمر لا يستوي من الناحية النفسيّة لأنّ (العقل) حين يحاول (تقييم) فعل مشحون بدرجة هائلة بمعضلات واحتدامات وصراعات مرعبة، ينبغي أن يضع (نفسه) في الموضع الجحيمي الذي وجد (هو) نفسه فيه، وإذا وضع (نفسه) في هذا الموضع فإنه سيفقد صلاحيته لأنّ يكون حكماً (محايداً) حين يخـرج مـن دوامـة المعاناة والعذاب، كأنني بـ«يوسف» يريد القول: إنّ من يريد فهم الخيانة من خارجها هو – مثلاً – كمن يريد الكتابة عن الجنون من خارجه حيث يكون (عاقلاً) وإذا دخل دوّامته أصبح (مجنوناً). هذه هي محنة الذاتي والموضوعي وتشابكهما الموغل في الالتباس في السلوك البشري. ولهذا نجد (هو) يسأل أفراد الجمهور وبضمنه (أنا) الذي كان يقود المحاكمة:- «أين كنت ساعة كنتُ أسير في المدينة؟».
فيأتيه الجواب: كنت في البيت.
وبهذا يخـتل شـرط الاستعداد النفسي (الذاتي) واللازم لإصدار حكم (موضوعي) على فعل (موضوعي). ولهذا – أيضاً – نجده يصافح الشخص الوحيد الذي يردّ على سؤاله بالقول: «كانوا قد اعتقلوني».
«هو: شجاع. دعني أصافحك. فكلانا لم يكن في البيت. وأنت؟
الوجه: كانوا قد اعتقلوني.
هو: هكذا مبكراً؟ لابدّ أنك أسلمت نفسك.
الوجه: أبداً.. لقد خرجت و..
هو: (يقاطعه) مفهوم.. بقيت تتجول حتى اعتقلوك..
(لنفسه): هذا ما فعلته.. كنتُ أسير في الشارع متوقعاً أن يُلقى القبض عليّ وأستريح.. الرهيب أنه لم يكن ثمة مكان أهرب إليه.. كنت أهرب بلا اتجاه.. يمكن القول بأن تلك كانت مغامرتي المكشوفة. ذهبت إلى بيت (س)..».
وفي بيت (س) يتصاعد إيقاع مسلسل الخيانات الصغيرة – ونحن هنا نوسّع مفهومها الذي تناولناه في البداية عند التعليق على خيانة بطل (أورويل) في روايته (1948)-: «مرفوض.. مرفوض.. يا للحزن الذي يشبه الموت ويدفع إلى الاستسلام، مكايدة على الأقل!!». ثم في بيت (ص) وهو أحد أقاربه، تاجر ورجل دمث محبوب: «يقدمون له الطعام والنقود.. ثم.. والآن مع السلامة..». «متعب.. متعب.. جائع.. منذ ثلاثة أيام لم أذق طعاماً.. طال شعر لحيتي.. أنظر فجأة إلى وجه صاحب المحل المكتنـز.. وأحسّ أنه غريب جداً ومعاد». يرفض صاحبه إيواءه وينقله إلى عيادة طبيب يشتركان في الشقة نفسها. في الشقة – ودون علم الطبيب – يأكل ويشرب ويتبصّص على الطبيب وهو يضاجع امرأة… وحين يتمدد على السرير منهكاً يحلم: «على جبل كلّه ثلج. والريح زرقاء.. انزلق أسقط على ريش.. الزغب علق في شفتي.. ثم جاء من النوافذ ماء كثير كدر.. وبدأت أسبح.. وظلّ الزغب على شفتي.. وأنا أسبح والعتمة تقترب. أسبح والعتمة تقترب. وعلى الساحل أناس بأيديهم فوانيس، وبدأت أبتلع الماء، وحملتني الموجة إلى أعلى» و«أبي يتعشى.. يمضغ الطعام كثيراً ويسقط فتات من فمه.. أنا جائع.. وحزين.. ومضطرب لأنّ أبي لم يقل لي:- تعالى وكلْ معي..
– لماذا تبكي؟
– لأنّه لم يقل لي تعال وكل معي.
– هش. إنّه ميت. لا يصح أن تأكل مع الموتى، وأعطتني ثديها، لحم الثدي يغطي فمي وأنفي..
-خ.. خ.. اختنق».
يقيم الحلم بناءه – في الغالب – على أساس ذكريات حوادث النهار أو النهارات السابقة على ليلة الحلم، وبالنسبة لمشاهد الريح وجبل الثلج والماء الكثير الكاسح فإنها مشتقة من ليلة هروبه مع المرأة حيث واجهتهم الريح العاصفة والمطر الغزير والبرد القارص، لكن (هو) ينـزلق في الحلم ويسقط على ريش ويتعلّق الزغب على شفتيه ثم يوشك أن يغرق لكن موجة تحمله إلى أعلى… وكلّها تعبير عن رغبة بالعودة إلى الفردوس الأول/ الرحم الأمومي أمام الضغوط المريرة في العالم الخارجي، أمّا الحلم الثاني الذي استذكر فيه جانباً من صلته بأبيه وأمّه فهو يحقق – من ناحية – رغبة ثأر أوديببي مكبوتة حيث تمّ استعادة عدوان الأب على الابن وتأكيد موته والاستئثار بلحم ثدي الأم – موضوع الحب المشترك –. وهذا الحلم يمثل أيضاً عودة (نكوصيّة) للاحتماء بالرحم الحاني من قسوة الواقع وشراسته. وهؤلاء الذين يتعرضون لـ(خيانات) في تاريخ علاقاتهم الأوديبية هم الذين يحملون في نسيج أرواحهم تلك البقعة الهشة التي يمكن أن تمتد منها شروخ الانخذال لتمزق إرادتهم بعد أن تُضعف ما تبقى لديهم من (مناعة) تراكمات الخيانة الصغيرة خاصة بعد أن يتعرضوا للخذلان من قبل المؤسسة أو الجماعة المرجعية التي  عقدوا الآمال على أن (تفي) تجاههم بالتزامات أمومية وأبوية متصوّرة ومتخيلة اختزنوها في أعماق لاشعورهم الطفلي ونمت مع تطورهم النمائي منتظرة الإشباع. ولكن هؤلاء أنفسهم قد يظهرون – في مكان وزمان وشروط نفسية مناسبة – وبفعل آلية – التكوين العكسي/ التشكيل الضدّي» والتماهي/الاقتداء، والتصعيد وغيرها مواقف بطولية قد تفاجئهم هم أنفسهم. إنهم ليسوا بحاجة إلى (قوّة) و(قناعة) ولكن مشكلتهم تتمثل في معضلة تحديد (الاتجاه) الذي تتخذه مواقفهم في لحظة الأزمة. فقد يكون هذا (الاتجاه) متسقاً مع أهداف ومسار الحركة العامة للجماعة – أو قل (مصلحتها) – وبذلك نصف مواقفهم بالمشرّفة والصامدة…إلخ، وقد يكون هذا (الاتجاه) مخالفاً لتوقعات الجماعة المنسجمة مع أهدافها ومسارها – أي (مصلحتها) – فنصف مواقفهم – عندها بالخيانية والمتخاذلة… إلخ. وستكون المشكلة الأولى والخطيرة التي يواجهها هؤلاء هي طبيعة الجهة التي تصدر/الحكم عليهم/ أي الجمهور/ القاعدة الجماهيرية/الحزب/الرفاق.. الذين تشبعوا – تأريخياً – بصورة نمطية عن الصمود والتخاذل وعن البطل والخائن، وفي (المسافة) يشترك في إدراك هذه الحقيقة (أنا) و(هو) على حدّ سواء رغم أنّ الأول يقف موقع مضاد للثاني. فبعد أن يعترف (هو) – أمام الجمهور – بأنه قد قتل صديقه /المناضل/ القتيل على المسرح، ترتفع أصوات الإدانة الصاخبة التي لا تمنح (هو) أيّ فرصة للإيضاح والتبرير:
«مقدّماً. قل لنا ألست نذلاً وخائناً؟
هو: يصح ذلك من وجهة نظر معينة. إنّما…
صوت: ألم تكن جباناً، خفت فهربت، وانهرت…؟و..
هو: هذا صحيح بشكل مجرّد.. ولكن..
صوت: والذين تسببت في تهديمهم.. والذين فقدوا ثقتهم بأنفسهم..
هو: صحيح إلاّ أنني…إلخ».
ومع تصاعد هذا الهرج يصرخ (أنا) بقوّة:
– كفى.. ما إن تلبسوا جلد القضاة حتى تصبحوا جزّارين..».

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.