موسوعة الباحث د. حسين سرمك: إشاراتها وتنبيهاتها لامحة من منظور علم الاجتماع السياسي
شعوب الحبوري
عن الالمانية اكد الجبوري

الأديبة البروفيسورة شعوب الجبوري

موسوعة الباحث د. حسين سرمك:
إشاراتها وتنبيهاتها لامحة من منظور علم الاجتماع السياسي
شعوب الحبوري
عن الالمانية اكد الجبوري

قراءة الموسوعة تعني في الوهلة الأولى الخبر عن إشارات وتنبيهات قلقة تم تداوله على نطاق واسع ضمن وسط ثقافي/اجتماعي قد يضيق أو يوسع حسب الحالات لتلك الجرائم. وحين نحقق بعض الشيئ في دلالات الجرائم داخل بعض الثقافات التقليدية٬ فإن محتوى الموسوعة وتحليلات مصادرها٬ تحيل بشكل ممنهج على تخلخل العامة٬ والاختلال القيميي٬ والقانوني٬ والإنساني.

الموسوعة تعتبر من الظواهر المعرفية الجادة التي تتعدى مستوى اللفتة. واهتم بها البحث العلمي للدخول في ظرفية جرائم الحرب الامريكية٬ حين اتسعت محليا في الولايات المتحدة الأمريكية شائعات حول العنصرية أو الخصائص في الاستيلاء على الموارد٬ وأخذ الحكومة الفيدرالية بباحثين في علم السياسة والاقتصاد والاستراتيجيات جامعاتها..٬ وطلبت منهم أنجاز بحث حول هذه مستقبل الدور الامريكي والعلاقات الدولية المقلقة. وقد اعتمدت البحوث منظور علم الاستراتيجيات وبناء سيناريوهات القوة العالمية القائدة٬ وتوصل على إثر تحريات ميدانية إلى أن السيناريوهات هي بمثابة أعداد لخطوات عملية للـ”تحويل العدواني”٬ تلجأ إليها الحكومة الامريكية للشعوب لتوجيه الصراع نحو قلقهم ضد أقلية إثنية أو ضد سلطات البلدان لدعم مصالحها.

وفيما يخص علاقة الجرائم بالظواهر السياسية٬ سبق الباحث د. حسين سرمك أن تناول في أغلب اجزاءها الصادرة (= المكونة من 23 مجلد) دور الجرائم الامريكية الممارس في حق المجتمعات المغلولة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الاوسط والادنى بل وحتى اوربا٬ وأعتبروها أسلوبا يلجأ إليه الامريكيون لممارسة “السياسة الاستبداية والمحكومة من الأسفل”. فالموسوعة تمثل هنا شكلا من أشكال التعبير عن الاستياء الاجتماعي٬ وكشف لأحد الأنماط التلقائية والمباشرة للتدخل الأمريكي في الحقل السياسي٬ إلى جانب السلوكيات الفردية والجماعية المشينة أخرى بحق الإنسان الأعزل٬ وابتكارها لأساليب فردية وجماعية في توذيع وتقسيم الجرائم ديموغرافيا مثل السكن العشوائي والهجرة العقائدية وتجارة التهريب والألتجاء إلى القوى المرتبطة بصراع الاعراق والايديولوجيات مخالفة٬ ونقلها لتجارب وأساليب الجرائم ضد تنظمات ثقافية من وإلى جغرافيا معينة لأخرى.

أما وجهة نظري٬ فقد أرتأيت أن أخذ الموسوعة بمحتواها٬ مأخذ الجد في إطار علم الاجتماع السياسي. وأختيار الباحث لها النموذج الامريكي باعتبارها تنتمي إلى نمط المجتمعات القائمة على الديمقراطية التشاركية التمثيل. و مستخدمة من مقاربات جرمية تعتمد مدخلين (كي لا آتوسع). أحدهما٬ هو استراتيجية الخيار الديمقراطي التشاركي٬ الذي ظهرت الجرائم فيه منذ ستينيات القرن الماضي. وهو ينطلق من أن الجرائم هي شكل من أشكال تبادل السيناريوهات المشتركة. وبالتالي ينبغي البحث في الاستراتيجية في مستوى سياقها الاجتماعي٬ والفاعل الاجتماعي الذي يتولى إنتاج السيناريو وتفعيله أو رد الفعل تجاهها معارضتها٬ بناء على أهداف فردية أو مصالح فئوية أجتماعية أو عرقية مقدسة معينة..الخ. أما المدخل الأخر٬ هو استراتيجية الخيار الديمقراطي التمثيلي الصوري٬ فهو يتناول الظاهرة من زاوية رمزيتها الاجتماعية٬ حيث تتخذ الشائعة صبغة النص السردي الذي يمتزج سيناريوهات جانب الواقع المتخيل وامتداد صناعة القرار نحو استراتيجيات بعيدة الآجل.

بناء على هذه المقاربة٬ نجد أن أطروحة الباحث د. حسين سرمك تجعل من من الاعداد والترجمة للموسوعة منظورا موازيا للمعلومات٬ ووسيلة معرفية يوظفها لمعرفة الفاعلون السياسيون في التلاعب بالالفاظ والمراوغات في تطويع اساليب الجرائم على ضوابط وإكراهات التواصل التي شرعها النسق السياسي الامريكي الحديث ،مزاولته الصريحة٬ بتداخل الديمقراطية والخيار التمثيلي لها بمثل الشفافية٬ والتعددية٬ والتميزيين بين ولاءات الفضاء المحلي والفضاء الدولي٬ ودوائر الدعم في صناعة القرار وتنفيذه في سياق السياسات العامة.

فالموسوعة٬ تشير واضحة لدوافع ما تريده الدولة الامريكية وحافائها في حال إصدار قرار لا شعبي أو سلوك ممارسة لا ديمقراطية٬ نراها تلجأ إلى الترويع بالجرائم٬ التي تعتمد اعداد سيناوهات موضوع الخطر المحدق والمؤامرة الأجنبية٬ وتجعل من المعارضين عملاء للعدو. وفيما يخص الصراع الانتخابي٬ بين أطراف سياسية٬ كما ذكر الباحث لها في أكثر من ظاهرة الافتعال “للعدو القادم/الخطر الشيوعي في امريكا اللاتينية وافريقيا/ تصدير الثورة الايرانية/امتلاك العراق.. ووالخ”٬ التي أنتشرت أبتداء من الثورة البولشفية (علي سبيل المثال) ليومنا هذا ــ من الخطر الاسلامي٬ وتعدده الزوجات…٬ لتنظم دولة العراق والشام٬ ما اخذ بعدد من شعوب البلدان ومحاولة لجمع اكبر قدر ممكن من الرأي العام مؤيدا تلك الحروب وسناريوهات الشائعات. وهكذا ينتشر خبر لغرائم غنائم الصراعات أو تحفيز العلاقة لثقافة الاستحواذية تربط المتسلط أو المحتل بغنيمة ثروات البلدان من أوساط المقهورين المنحدرين من اوساط المجتمع النامي ٬ ويتم الربط في الاضحية القدسية بين هذه العلاقة وبين الإجراءات التي تم أتخاذها لصالح الفطات المستحوذة٬ والتلميح إلى أنها إجراءات تمس مصالح الولاءات الوطنية الامريكية المانحة عن الأصول لموارد الدولة او الشعوب. وقد تبين أن المحافظ المتطرف هو الذي كان يقف وراء تلك الجرائم الشئعاء٬ مدينا بذلك منتخبي اليسار الذين يتهمهم بالمساهمة٬ كما في “تدمير العراق” والمس بإنسجام وحدة المجموعة التنظيمية العراقية ـ الامريكية الافتراضية.

واستوضح الباحث كيف أن جل هذه الاستعمالات تلتقي مع الدور الام الذي يلعبه دور العملاء المحليين والاقليميين في الشحن الثقافي في المجتمعات وتقاسم المصالح. فالفاعلون السياسيون يحتكمون إلى الرأي العام الذي يتكون من جمهور النظام العالمي٬ متلقي الحدث للتغير/ تقاسم الغنائم٬ ودور الإعلام الذي يتولى وظيفة إنتاج الحدث في تنظف الغنيمة من فتك الجريمة.

فالموسوعة باجزائها الصادرة تخلق وضعية أنتظار وتشويق٬ مما يجعلها أكثر التفاعل معها من الحدث السياسي التقليدي٬ الذي يكون أكثر دلالة وتعبيرا عن الرهانات السياسية الحقيقية.

تتجلى أهمية هذا المؤلف الضخم والمهم في عدة مستويات. فقد بنى اعداد استنتاجاته النظرية أنطلاقا من مراجعة الدراسة الميدانية لحالات عديدة تفيد في معرفة أسلوب أشتغال الحقل السياسي الامريكي واساليب الاجرام في تفتيت ثقافة المجتمعات. كما تصف الموسوعة٬ بشكل أهم واوسع٬ جانبا من جوانب عودة عربدة العقيدة الامريكية في المخيال إلى ثقافة مجتمعية أطمست فيها قيم شعارات مابعد الحداثة التي أتت مبدئيا بهيمنة وعاء الديمقراطية والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا للأغراض السلمية.

المترجمة د. أكد الجبوري

ومما لاشك فيه أن الباحث الهمام٬ بذل جهدا رائعا٬ وقيما في استخراج مؤلفه إلينا، كما قد أهتم بالأساس بثقافة ووعي الحرص على سلامة المجتمعات الراهنة له خالص الشكر والتقدير. والتوصية هنا٬ لها حيزها المستحق علميا٬ فإن المنهجية المقترحة والتي صمم قيادتها يمكن أن توظف٬ مع الاحتياطات الضرورية٬ في دراسة أشكال الجرائم الامريكية٬ وأدوارها على مختلف المجتمعات المتضررة من آثارها.

اكد الجبوري ـ جنيف
30.07.2018

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *