الرئيسية » نقد » ادب » أحمد الشطري : جدليات في الخطاب الشعري المعاصر

أحمد الشطري : جدليات في الخطاب الشعري المعاصر

جدليات في الخطاب الشعري المعاصر
أحمد الشطري
مدخل:
بدءا لا نود الخوض في ما أثير من التساؤل عن ماهية الخطاب الشعري من وعيه، او عدم وعيه؟ وعن الغاية المبتغاة منه، هل هي جمالية، ام تحريضية؟
فانه مما لا شك فيه ان هذه التساؤلات ليست بالجديدة، وانما تناولها الكثيرون ممن كتبوا حول الشعر، ودوره في الحياة. وربما كانت مدار نقاش بين منهجي (الالتزام، والفن للفن). ونحن نرى ان مثل هذا الجدل لا يعدو كونه جدلا افتراضيا لمشكلة لا اساس لها. فالشاعر بكل حال لا يمكن ان يكون بعيدا عن واقعه، وعما يدور حوله، مؤثرا، او متأثرا. شاء، ام أبى، الا اذا اريد بذلك فعل القصدية. وبهذا نعتقد ان الخطاب الشعري سيفقد الكثير من مؤثراته سواء الجمالية منها، ام على صعيد السعة في افاق التلقي. ولذا فإننا نرى ان مثل هذا الجدل لا طائل تحته، او انه لم يعد له وجود واقعي.
اثر الخطاب الشعري المعاصر:
يبدو ان التطور التقني اثر بشكل فعال في زعزعة مزاجيات التلقي لدى القارئ، مما ادى الى نوع من العزوف، او الانتقائية المفرطة في متابعة النتاج الابداعي، والشعري منه على الاخص، ورغم التوسع الهائل في مساحة دائرة المخاطب كما يفترض، الا اننا نلاحظ – وبشكل واضح- ان هذه المساحة اخذت تضيق بشكل مؤسف على العكس مما تبدو عليه. حتى اصبح الخطاب الشعري محدود الاثر، والتأثير. ورغم ان مساحة المتعاطين (للشعر)، او لما يعتقد انه (شعرا) اخذت بالتوسع حتى صار اغلب من يحسن الكتابة يقدم كتاباته التي يسميها (شعرا) على صفحات متصفحه، وسواء كانت تلك الكتابات جديرة بالصفة، ام غير جديرة بها. الا ان غياب النقد الموجه، او التقويمي، و الركون الى ما تتلقاه تلك الكتابات من مجاملات، او اراء عفوية. هو احد الاسباب التي اوحت بذلك الاتساع الوهمي. ورغم ذلك الا ان دائرة التلقي اخذت تنحسر رويدا رويدا حتى اصبحت الانتقائية المفرطة – سواء كانت تلك الانتقائية ايجابية لجودة الخطاب، ام سلبية لتأثرها بالشياع الوهمي، او بالعلاقات الشخصية – هي المحرك الاساس في قبول التلقي للخطاب.
ومن الادلة الواضحة على كلامنا هذا. هو الكساد الواضح في سوق الكتاب الشعري، وعزوف دور النشر عن تبني طباعة ذلك المنتوج، واعتماد الشعراء، واشباههم على التمويل الذاتي لمطبوعاتهم، وتسويقها مجانا. ومع ذلك فان هذا التسويق لا يبعد كثيرا عن الوهم. فمن النادر ان يحظى ذلك المنتوج بالقراءة.
كما ان المهرجانات، والجلسات الشعرية التي تقام هنا، وهناك على كثرتها لا تقدم صورة حقيقية لتلقي الخطاب الشعري؛ بل هي في اغلبها مجرد فبركة صورية للتلقي لا اكثر.
ومن هنا فإننا نرى ان هناك انحسارا هائلا في كمية، ونوعية الذائقة المتلقية للخطاب الشعري، و ربما مرد ذلك الى عدة اسباب سنحاول ان نتطرق الى شيء منها.
جدلية النص.
من بين اهم الاسباب التي ادت الى ضيق دائرة التلقي للخطاب الشعري هو: ذلك الجدل المفرط في مدى تأثير الشكل على جمالية، و حداثوية النص، حتى اصبح ذلك الشكل عائقا في جدية تقبل الخطاب؛ بل عائقا حتميا في تقبله.
فالذين يتمسكون بالشكل (الاصيل) للقصيدة، تضعف جدية تقبلهم، وتفاعلهم مع الخطاب الشعري المقدم في شكل النص (الحديث) (قصيدة النثر، والتفعيلة) ان لم تنعدم. والعكس كذلك ايضا.
وبالرغم مما يحمله النص بكل اشكاله من جماليات، واساليب بيانية، وبلاغية (مفترضة)، الا ان المزاجية في التلقي تبقى هي المحفز الاساس في تقبل الخطاب. حتى اصبح للشكل سلطة واضحة، ومهيمنة على الكثير من المتلقين، وتوجيه ذائقتهم نحو التفاعل، او تقبل ذلك الخطاب.
و من الواضح ان هذا الانقسام قد ادى الى تضييق دائرة التلقي، وتشظيها وربما سينتج عنه عزوف، او تحول نحو اشكال اخرى من الخطاب.
و من الجدير بالتساؤل هو: هل أن شكل النص يمتلك – فعلا- هذه السلطة المفرطة على الخطاب الجمالي، والبلاغي، والدلالي، ام انها سلطة وهمية اخترعتها عوامل مهيمنة في نفس المتلقي؟
وانا ازعم انها سلطة وهمية رسختها ايحاءات عوامل مهيمنة في نفس المتلقي تشابه الى حد ما تلك العوامل التي توحي الى الناظر بطعم السائل الموجود في علبتي الدواء، والعصير دون ان يتذوق ما فيهما، ومن تلك العوامل المهيمنة هو ما مترسخ في النفس من ايقاع موسيقي للشكل (الاصيل) للقصيدة لدى المناصرين لها. وتلك النزعة الحداثوية المتأثرة بمهيمنات الفكر، والتكنلوجيا الغربية لدى انصار الشكل (الحديث).
ولو قيض لنا – كما ارى- ان ننظر بتجرد، فسوف لن نعثر على ملامح لتلك السلطة بل هي مجرد وهم زرعه هؤلاء، وهؤلاء في نفوسهم مما ادى الى انعدام رؤية الجماليات المختبئة في دواخل النص؛ بغض النظر عن الشكل الظاهري.
ان كل شكل من اشكال الكتابة الشعرية له مقوماته، وجمالياته التي تختبئ خلف الحروف. وهي بحاجة الى عين رائية لتتمكن من اكتشافها، والتمتع بما فيها. وهي ايضا بحاجة الى اذن ( موسيقية) غير منحازة؛ للتمكن من التفاعل مع ما فيها من ايقاع ظاهر، او مضمر، فان كل نص (شعري) لا بد ان يكون محملا بموسيقاه الخاصة التي ادخلته في عالم الشعرية، وما لم يكن محملا بموسيقى شعرية – مهما كان شكله- فلا يمكن ان يعد شعرا. ونحن هنا لا نقصد بالموسيقى الشعرية تلك الاوزان العروضية، وان بدت جزءا من ذلك. ولكن للغة الشعر موسيقاها الخاصة التي تخرجها من دائرة النثرية الى دائرة الشعرية. وهذه الموسيقى تحتاج الى احساس داخلي، وليس احساسا خارجيا كما هو الاحساس بإيقاعات الاوزان الخليلية. فما اكثر النصوص التي تقولبت بتلك الاوزان، ولكنها لم تستطع النفاذ الى دائرة الشعرية. وكم من نص نثري خلا من تلك القوالب، ولكنه بقي محملا بموسيقى الشعر، وسحره.
جدلية المتلقي:
يضع الذين يتعاطون كتابة النص الشعري – كل حسب شكل ما يكتبه- مواصفات خاصة تمكن ذلك المخاطب من تلقي خطابهم بالجدية المبتغاة. وهم بذلك ينحازون عن قصد، او دون قصد الى تقسيم طبقي معرفي للمتلقي. فالذين يكتبون النص الشعري بشكله (الاصيل) ينزعون الى مخاطبة اوسع شريحة ممكنة من المتلقين(الطبقة المعرفية الوسطى) مرتكزين بذلك على المترسخ الايقاعي في الذائقة العربية؛ بينما الذين يكتبون النص الشعري بشكله (الحديث) يعولون على مخاطبة النخبة (الطبقة المعرفية الارستقراطية). وانا هنا اذ استخدم هذا التمايز الطبقي المعرفي، لا لأني اعتقد بصحة توجهه، وانما لتقريب المفهوم المنوه عنه في الكثير من طروحات انصار الشكل (الحديث) للنص الشعري بنوعيه ( النثر والتفعيلة)؛ وبتعدد اجياله حتى اصبح شبه مترسخ في وعي كل من المخاطِب، والمخاطَب على حد سواء، مع التنويه ببعض الخروقات الخطابية لاطار هذه الدائرة.
ومن هنا ربما يخرج ثمَّ تساؤل عن ماهية المعايير التي اوجدت فكرة هذا التمايز؟ وهل لهذا التمايز وجود واقعي معتد به، ام انه محض وهم اجترحه البعض؛ لتسويق خطابه بالشكل الذي يعتقد بضرورة هيمنته؟
وانا هنا افترض ان ما جوبه به التحديث (الشكلي)، وليس (المعنوي) لخطاب النص (الحديث) من رفض لدى غالبية المتلقين- سواء كان ذلك الرفض عن وعي، او مجرد اتباع اعمى على طول مسيرته، وانتقالاته بين (النثر والتفعيلة)، ولفرض نوع من النرجسية على ذات المخاطِب، و استعلاء لذات المخاطَب – هو من اوحى بفكرة هذا التمايز (النخبوي)، والذي اسميناه اجتراحا، واستعارة (ارستقراطيا) كردة فعل لإثبات الوجود، و بالمقابل، وبغية الحفاظ على المكانة التأثيرية الواسعة (كما يفترض) اوجد المخاطِب ذو الشكل (الاصيل) تمايزا لخطابه بأغلبية المتلقين على تنوع معارفهم، وتمايزها نوعا، وكما. وهو ما اطلقنا عليه اجتراحا (الطبقة الوسطى).
وافترض ايضا ان هذا الانقسام سواء كان مرئيا، او غير مرئي لدى جمهور المتلقين خلق نوعا من الفجوة في الذائقة التقبلية للخطاب، وربما اتسعت هذه الفجوة من خلال الكم السيء لما يطرح من خطاب في كلا الشكلين، وربما ساهم في ذلك بشكل كبير سهولة النشر عبر السائل المتعددة، وانعدام الرقابة النقدية الموجهة، والمقومة. وسواء كان انعدام هذا النقد اراديا – لعزوف النقاد، او عدم قدرتهم على متابعة ما ينشر لكثرته المفرطة، او لبروز نوع من النقد التسامحي ( تخفيفا)، او ( المجاملاتي) – او قسريا لعزوف المتلقين عن متابعة المنشورات الدورية، واليومية، والركون الى ما ينشر عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي من اراء مبتسرة، او موجزة.
ومما اراه ان هناك نوعين من النقد ربما كان لهما اثر في ذلك، هما النقد (السلبي)، والنقد (الايجابي)، ولعل اهمال الكثير من النصوص الشعرية المضيئة من قبل النقاد، او المحسوبين عليهم، واضاءت نصوص خافتة، او الاشارة الى شطر مضيء فيها دون التنويه بما هو خافت منها مجاملة، او تسامحا، مما يندرج تحت عنونة النقد (السلبي)، ومما يندرج تحت عنونة النقد (الايجابي)، تلك النقود التي المحت الى جماليات بعض النصوص الجديرة بالإشارة دون ان تتناول النصوص السالبة، او تنوه عنها؛ تجنبا للإحراجات المحتملة.
جدلية المخاطِب، والخطاب:
يبدو ان سهولة النشر قد خلقت كمّاً هائلا من الطارئين على الخطاب الشعري، والذين يفتقرون الى المقومات الاساسية في القدرة على توجيه الخطاب الحقيقي القادر على الوصول الى المتلقي، وتحفيز ذائقته. ولذلك فان الكثرة المفرطة في الخطاب الرديء خلقت نوعا من الوهن التفاعلي لدى ذائقة المتلقي، وربما سيؤدي استمرار، وهيمنة هذا الرديء على الخطاب الشعري الى قنوط الذائقة التفاعلية، وترديها.
ان الكثير من الذين يفتقدون الموهبة الشعرية سواء كانوا يجيدون تقنيات اللغة، ام لا يجيدونها اصبحوا يتعاطون الكتابة (الشعرية)، وخاصة أولئك الذين توهموا ان في قصيدة النثر مساحة ميسرة لعبثهم، و تحقيق مطامحهم. وأولك الذين رأوا في تمكنهم من تسطير كلمات في قالب البحور الخليلية سبيلا الى تلبسهم بصفة الشعرية. وان كلا الطرفين قد ساهما بشكل، او بآخر في تضييق دائرة التلقي، كما ان مما يؤسف له ان نجد الكثير ممن يتعاطون كتابة النص النثري، وتمكنوا من اجادته اهملوا جانبا مهما، وهو التمتع ببعض المعرفة باللغة، و(اركانها) على الاقل. وربما اوجد هذا (النقص المعرفي) اثرا سلبيا لدى المتلقي، وحجة بليغة لانصار الطرف الاخر.
كما ان التعتيم المفرط للخطاب ضيق دائرة المتلقين له، ولعل هذا النوع من الخطاب كان الحافز الاساس في ايجاد مصطلح (النخبة)، ونحن هنا لا نقصد مطالبة المخاطِب ان يلتجئ الى المباشرة في خطابه، ليتحول الى خطاب نثري فج، وانما ان يكون الخطاب ممكنا للمتلقي الدخول الى عوالمه، والتمتع بما فيها من شاعرية، لا الانشغال بحل الغازه، واحاجيه المغلقة. وربما ساهم هذا التيه المفرط في العتمة الى ظهور الكثير من النصوص التي خلت من الشاعرية؛ لتلتجئ الى التعكز على عكازة الهروب من المباشرة.
واذا كان هاجس التعتيم قد اخذ بالانحسار في الفترة الاخيرة، فان آثاره بقيت ملتصقة في اذهان المتلقين ممن ارتكز في اذهانهم طعم (الشراب) في تلك (العلبة).
خاتمة الجدل:
ان كل ذلك ساهم بشكل او بآخر في تضييق دائرة التلقي للخطاب الشعري، وانحسار الهالة السحرية للذات الشاعرة، والتي كانت تشكل حافزا كبيرا في تطور العملية الابداعية، وربما سيؤدي ذلك الى انحسار التواصل (الجيلي)، او ظهور اجيال تفتقر الى العديد من المقومات الابداعية، والمعرفية. وربما ستساهم في الهروب الى وسائل اخرى من الخطاب تعاطيا، او تلقيا، متأثرة بما تقدمه تلك الوسائل من ابهار، مستندة على التطور التقني المدهش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *