الرئيسية » ملفات » عادل كامل : جواد سليم ـ في ذكراه (1961- 2016) (7) (ملف/20-29)

عادل كامل : جواد سليم ـ في ذكراه (1961- 2016) (7) (ملف/20-29)

[7]الجذور ـ والتواصل

هل يخبيء نصب الحرية، بعد أكثر من نصف قرن (1961)، من إقامته، أسئلة تبحث عن إجابات، أم انه سيقترح إجابات تستدعي أسئلة جديرة بالمناقشة ..؟ هل هو خلاصة حياة فنان، أم مقدمة لمصير سيمتد بعده ..؟ وهل النصب، بأجزائه، وتكويناته، مرآة للشعب، وأصبح (الثائر/ الجندي) مفتاحا ً له، أم انه رؤية جدلية تعبر نحو ما لم يدشن بعد ..؟ هل شيّد النصب بدافع الضرورة، بمعنى الحتمية، أم كان اختيارا ً استمد شرعيته في الحضور بواقعية الرؤية، بخزينها العميق، ومنهجيتها الجدلية، كي يرتقي إلى الأسطورة: إرادة تتضمن ديناميتها، ولا تتطلب المزيد من الشرح، ومن التأويل ..؟

لا مناص كان العراق (الحديث) بانتظار علامة دالة نهاية عهد، والدخول في عهد آخر؛ علامة ستبقى، بعد الحدث ـ 14 تموز عام 1958 ـ مثلما ترتقي العلامة لأداء دورها التوليدي للعلامات ـ الأحداث، ذلك لأن النصب لا يرتد إلى الماضي، كي يقص حكاية ما من الحكايات، بل يتضمنها، بالدافع ذاته الذي شغل (جلجامش)، لا بحثا ً عن الخلود، وما هو ابعد من الحياة، بل في مواجهة الغياب، والبحث عن حياة لم تتحقق بعد، فالملحمة ـ إن كانت تضمنت نسق الأسطورة أو واقعيتها في الحاضر ـ لا تكف عن إنتاج مصيرها لدى الآخرين، الجمهور، عامة الناس، وقد أصبحت نصا ً فنيا ً مفتوحا ً، معدا ً للقراءة، على مدار الساعة. إذا ً فإننا إزاء وظيفة معرفية تؤديها (الملحمة/ النصب ألجداري) بالدرجة الأولى، في الأداء، وفي بلاغته. ذلك لأن الفن ـ في حضارة وادي الرافدين ـ كالزراعة، العلم، الحكمة، التعليم، والثقافة ـ هو جزء من البناء المجتمعي بمعناه البنيوي للتربية ـ وللجمال ـ معا ً، ولا يمكن استبعاده، أو عزله عن أقدم ديمقراطية تأسست في بلاد سومر،(1) ومنحت الشعب؛ من المرأة إلى الشيخ، ومن الطفل إلى المعلم، ومن الشجرة إلى المعادن، حق المحاورة، ونبذ الأحادية، حتى ان اعقد الأسئلة الانطولوجية، الخاصة بمعنى الحياة والموت، تمت مناقشتها وفق المنطق، القائم على التجريب، والبراهين، والأدلة، وعلى الوضوح أساسا ً.

فالفن الرافديني ـ وكلمات اندريه مالرو توضح مدى إعجابه به حتى انه تساءل ماذا سيقول رواد الحداثة الأوربية وهم يشاهدونه ـ (2)هو فن الشعب، في رصد ادق تفاصيل حياته اليومية، مانحا ً الفن موقعه، مع الكتابة، وباقي المخترعات المستحدثة، قدرة على: التجدد ـ عبر البناء ـ وليس عبر الإعادة، والتكرار. ولهذا كانت كموضوعات الفنان ـ وطرقه في التنفيذ ـ قد أسست أقدم علاقة ديالكتيكية بين الفرد والنظام برمته، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبين التصوّرات، والأعراف. فحتى في اعقد المعضلات كانت البلاغة تستقي نظامها من الوعي الجمعي، يؤدي الفنان فيه كماله في بلوغ الذروة: حرية التعبير.

جواد سليم بريشة الفنان الكبير فيصل لعيبي

وقد لا يكون عمل جواد سليم في المتحف العراق الآثار، إلا محفزا ً له ـ مع انه شكل خبرة بصرية وصورية ذات اثر في أسلوبه ـ للتشبث بالحقيقي، كجوهر، وهو (العدالة) التي تمثلها الخطاب الفني. ذلك لأن دراسات الفنان للفن، نشأت وتبلورت عبر سياق التيارات الأوربية، مما شغله، كعراقي، ألا يفقد (هويته)، فهو حريص بالعثور على ذلك (الغائب/ الكامن) عبر مراحل الزمن، والذي لا يعلن عن حضوره إلا بما دعاه احد النقاد السوفيت، بالواقعية في شموليتها، وليس على صعيد الأسلوب حسب.

ولعل الباحث يجد لدى جواد سليم، تجارب متفرقة تنقصها هذه الواقعية؛ تجارب تفاعلت مع التيارات العالمية ـ حد المطابقة أو الحافر على الحافر بحسب الجاحظ ـ إلا ان جواد سليم، في وعيه العميق، كان يدرك ان مسؤوليته تتطلب العبور من (التأثر) إلى ما يصنعه هو. فالفن، هنا، صناعة، ليس بصفته مستحدثا ً، وإنما لأن (الحديث) هو حلقة لا مرئية في جسد الملحمة، وتاريخها.

ولم يكن لدى جواد سليم ـ وقد درس عميقا ً جدلية المخيال لدى معاصريه الأوربيين ـ إلا بالحفر في العناصر ذاتها التي أنتجت علاماتها، عبر العصور، مكانا ً وزمنا ً، وبايكولوجية قائمة على أنظمتها الهندسية، ومشفراتها، كي يستمد من (الختم) كل ما سيبقى مولدا ً للدهشة: في استقصاء التكوين، وعناصره، وفي ما هو ابعد من الوظيفة ـ وموضوعاتها.

فعندما لم يجد الفنان متحفا ً مكتشفا ً إلا توا ً، عبر التنقيبات الحديثة، في حضارات وادي الرافدين، لم تصبح (حداثات) أوربا إلا محفزا ً له كي يخرج من صخبها، ومتاهاتها، ويتقمص دور النحات العراقي، كبنّاء، في رؤيته الفنية، والجمالية.

فنحن إذا ً ـ في ساحة التحرير، وبغداد أدركت إنها استعادت قلبها ـ إزاء (ختم) دوّن فيه الفنان خطابها المعاصر، وليس الحديث حسب.

فإذا كان الختم القديم لم تتجاوز مساحته إلا بضعة سنتمترات، فان ختم نصب الحرية، لن يستطيل ويمتد إلى خمسين مترا ً فحسب، بل سيشغل مساحة المخيال لدى الملايين وهي تحلم ان الحرية ليست إلا إرادة عمل؛ إرادة بناء ـ كتنمية بشرية بالمعنى اليوم ـ وان النصب، لم يستمد ديناميته، إلا منها.

وليس محض مصادفة ان ينجز الفنان، عددا ً من العلامات المهمة: كشعار الجمهورية، والعلم، وعددا ً من التصاميم الأخرى للنقل، والنفط، والطب مثلا ً، لأنها، في هذا السياق، تمثلت الواقعية منهجا ً لها لإنتاج العلامات، التي شكلت، في الأخير، خصوصية الفن؛ هويته، ورسالته.

____________________________________________-

هوامش

1 ـ يكتب عالم الآثار س. ن. كريمر: ” كانت الجمعية التأسيسية الأولى في تاريخ البشر قد اجتمعت في سومر في الآلف الثالث قبل الميلاد، وهي لا تختلف عن مثيلاتها في وقتنا الحاضر، كما تقول الوثيقة، حيث إنها تتألف من مجلسين: احدهما مجلس الشيوخ، والآخر هو مجلس الشعب من المحاربين أو حملة السلاح..” كأقدم أو أول حكم ديمقراطي في العالم. انظر: س. ن، كريمر [هنا بدأ التاريخ ـ حول الاصالة في حضارة وادي الرافدين] ترجمة: ناجية ألمراني. الموسوعة الصغيرة ـ العدد(77) وزارة الثقافة والإعلام ـ بغداد 1980 ص 21

2 ـ يقول الكاتب والروائي الفرنسي اندريه مالرو، في مقدمته لكتاب [سومر ـ فنونها وحضارتها] ـ الصادر عام 1960ـ: ” لو ان ديلاكروا اطلع، قبل مائة سنة بقليل، على الأعمال المصورة في هذا الكتاب ـ يقصد بلاد سومر ـ، لما استطاع ان يتبينها لأنها كانت خارج نطاق تصوره..” ويشخص: “كانت الوظيفة الثابتة لهذا الفن من أور إلى لكش واحدة من أسمى الوظائف التي يستطيع الفن ان يؤديها. إنها وظيفة النظام المقدس على المنظور، كما إنها كانت صفة تنسيق كوني. وكان هذان معا ً يواجهان هيبة الناس ويحررانها من فوضى المظاهر. فقد كان غرض هذا الفن ليس التقليد، بل الكشف عن الصيغ التي تساعد الناس على الدخول في صلات وثيقة حميمة مع آلهتهم، وهكذا يتضح ان هذا كان هو الغرض الذي لم يدركه الفنان مثلما لم يدرك القديس قدسيته) . أندري بارو [ سومر ـ فنونها وحَضارتها ] ترجمة:د. عيسى سلمان وسليم طه التكريتي. وزارة الثقافة والإعلام ـ بغداد 1979 ـ المقدمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *