تابعنا على فيسبوك وتويتر

رواية وسرد الحرب*
موريس بلانشو
ترجمة: حسين عجة

(يُهدي المترجم عمله إلى صديقه المبدع والناقد العراقي المتفرد بحدسه المرهف: الدكتور حسين سرمك).

لرواية ألكسندر فيالات Alexandre Vialatte، “برجر الوفي” Fidèle Berger (منشورات N.R.F.) أهمية ينبغي علينا التشديد عليها لعدة أسباب. أولاً لأن شخصية فيالات، مترجم أعمال كافكا Kafka، يحظى بأهمية خاصة بالنسبة للأدب الفرنسي. فأرتباط اسمه بالكاتب الذي قدم الصور الأشد ثقلاً عن مصير الإنسان، والأكثر ضرورية، يشكل مأثرة تتجاوز كثيراً الأمجاد الصغيرة التي يمكن للمرء الحصول عليها من كتاباته الشخصية. ثم لأن “برجر الوفي” رواية حرب. لكن هذه الرواية، بدلاً من أن تمنح الحرب تعبيراً واقعياً، تُجسدها عبر مغامرة أكبر عمقاً وتصف بطريقة غير مباشرة الآثار التي أحدثتها على عقل ما، قُذف به بغتةٍ خارج ذاته وسُلمَ إلى حقيقة تسحقه. وأخيراً، لأن موضوع هذا الكتاب يُشكل واحداً من المواضيع التي أرتبط بها الأدب المُعاصر بقوة بعد ذلك. أنه يُعبرُ عن واحدة من الهموم الحقيقة لعصرنا.

أن روايات الحرب، أي تلك التي كُتبت بعد حرب ما من قبل اؤلئك الذين أنخرطوا فيها، تنطوي أحياناً على روايات جيدة، لكن قلما كانت لها دلالات أدبية كبيرة. أسباب ذلك واضحة. فنحن نرى هنا بوضوح بأن الواقع، سواء كان كبيراً أو صغيراً، لا يحمل للفن الروائي إلاّ وهم ذات ما. ومنها نسحبُ عناصر، تفاصيل، وإمكانية إعادة إنتاجها عبر حكاية مُتخيلة. لكن هذا كلّ شيء. يظن المرء طواعية بأن الكاتب يَستعيرُ من الحياة الحقيقية (بالطريقة التي يمكن فيها مراقبتها موضوعياً) المواضيع التي يحولها في ما بعد وفقاً للقوانين التي تهيمن على قلبه وشكل فنه الخاص. لا شيء صحيح في هذا. إن الموضوع، أي قضية الرواية، توجهها المُتخيل، وحقيقة السرد ترتبط دائماً بكشف داخلي. وليس له من معنى إلاّ ضمن المحتوى الخاص لمُخيلته. ولا يكتسب شكلاً إلاّ إزاء مشكلة ما، يتم الشعور بها من الداخل، الذي يمنح وحده تماسك “الوقائع المختلفة” والظروف الحقيقية.

موريس بلانشو

لا تُمثل رواية فيالات الحرب أو جانباً منها، لكنها تصفها باعتبارها أخفاقاً حتمياً لعقل ما، كبرهان توارت من بعده الأشياء وفَقَدتْ بُنيتها. منْ هو روجر Roger؟ العريف روجر من الجيش الفرنسي، مًسجل تحت رقم 2404، والذي وضعه التعب، الحرمانات، البرد، المرض والرعب في موقف لا يستطيع فهمه وجعله يصبح شيئاً فشيئاً غريباً عن نفسه. كان قد مشى لعدة أيام وسط رجال، مثله، تم القبض عليهم وأصبحوا سجناء. لمَ كان هناك؟ ما الذي حدثَ؟ كيف يمكنه فهم الحوادث التي لا مغزى لها بالنسبة له؟ نحو ماذا تَميلُ هذه التجربة؟ ما يُسيطر على تعاسته، هو بمثابة لغز يحجبه. كانت آلامه وحالات الضيق التي عاشها كبيرة، لكنها لم تكن مُتعبةً ومُعذبة إلاّ لأنها تفتقد لمعنى ما manquent de sens. يبدو أن حقيقة الأحداث مُرتبطة بخاصيتها غير القابلة للفهم. كل ما فيها مشكلة، وكل ما تنطوي عليه يطالب العقل المُنهكِ بالعثور على مصدر عقلانياً لا ينتهي. لم تكن هلوسات برجر تدفعه نحو الأضطراب، لأنه كان يعرف بأنها حصيلة للإنهاك. وبالرغم من ذلك، كانت واحدة منها تهيمن عليه حد الوسواس. أنها صورة لأحد أصدقائه القدامى. كان يراه ويعاود رؤيته. وكانت الصورة، بدورها، تعرض وجهاً مُلغزاً أيضاً. تذكرَ اليوم الذي أفشى له فيه صديقه بلانيه Planier بسر والتمسه بأن لا يكشف عنه أبداً. لكثرة ما فكر في ذلك، بدا له وكأنه عاد ثانية لكي يجدد عهده. كان ذلك شيئاً عبثياً، لكن في زحمة الأضطراب العام، لا يخلو ربما هذا التدخل من أهمية. فالأخلاص لوصية، والأحتفاظ بسر ما له، نعم، أهميته. كما أنه سيكون على خطأ إذا ما تغافل عن ذلك الطلب. نحن لا ننسى أمنية لصديق. بيد أن ذلك السر قد تم نسيانه بالدقة. لم يعد قادراً على تذكره. لم يعد يعرف ما الذي عليه كتمانه. لقد حاول سبر أغوار ذاكرته. لكنه في كل مرة يدور عبثاً من حول نفسه. ولأنه َتركَ نفسه تُؤخذ بذلك التفكير، كان الرتل الذي ينتمي إليه قد دخلّ أحدى مدن مُقاطعة الإلزاس Alsace. في الماض، كان روجر قد أنهى أمتحاناته في تلك المدينة. الآن، يعود إليها كسجين ومقهور. تلك مهزلة، وكأنها كوميديا مُرعبة. منْ الذي يلعبها؟ من الذي خلقَ، بمثل هذا العناد، تظافر الظروف الوقحة هذه؟ في الليل، كان شبح بلانيه يتوسله من جديد. لا يمكن تصديق هذه القصة، ومع ذلك تقدم لنا على الأقل منفذاً جانبياً نحو تخيلات أكثر ألماً. لا يتحمل العقل البقاء عاطلاً دون عمل، كما لا بدّ له من الهروب من الفراغ، وهو يطالب بمهمات ينفذها. وهكذا تشبث بالوصية؛ وحافظ، بعد انحلال الجيش، على سر يجهله هذا الأخير، كطفل ينقذُ دمية من النار.

ألكسندر فيالات

بعد ذلك بقليل، أسيتقظ روجر في زنزانة مبلطة. وهو يرى، عبر قضبان نافذة صغيرة، شيخاً يرتدي ملابس تشبه بدلة المهرج في السيرك، ولا يتوقف عن الركض على طول الجدار الأبيض. يسمع صوت أكروديون. أنه وحده. أية قصة مُضحكة! أين هو؟ ما الذي يريدونه منه؟ ألم يصبح موقفه يوماً بعد آخر أكثر ثقلاً؟ في البدء، كان في ساحة مُراقبة واسعة تماماً، بعدها في غرفة معزولة، والآن في سجن، يشبه القبر. هل كان إذاً قد أرتكب ذنباً؟ هل تغافل عن لياقته؟ هل حاول الهروب؟ ينظرُ إلى رسغه، فيرى بأنهم سحبوا عنه الصفيحة المعدنية لهويته الشخصية، تلك التي كانت تشير بوضوح إلى العريف روجر، الذي يحمل رقم 2404، أي تلك الصفيحة المعدنية التي لا يَزيلونها عن الأموات حتى. ذلك ما هو غريب. ثمة من شيء غريب يحدث حقاً. ربما هو مجنون؟ لكنه يعرف جيداً بأنه ليس مجنوناً، كانت لديه بعض الأضطرابات الناتجة عن التعب، وعانى من الأنسحاب اللحظوي أثناء تراجع الجيش، غير أن كلّ هذا لا يمحو العقل. حينئذ، إن لم يكن مجنوناً، فذلك لأنه كان ضحية لمقاصد لا يمكن تفسيرها؛ أنهم يبغضونه ولا يعرف هو لماذا. كما كان بمقدور المرء القول بأنهم يحسبونه شخصاً آخراً: مثل غاسبار هوسر Gaspar Hausser الذي تم حبسه، لمدة سبعة عشرة سنة، في سرداب، وقُتلَ في النهاية وتم نسيان جريمته، يُخاطر هو من جانبه أن يدفع ثمن سوء تفاهم لن يكون بإمكانه معرفة طبيعته. منْ الذي يُعيره إذاً مثل هذه الأهمية؟ حيال منْ يمكن له أن يكون مزعجاً؟ سر بلانيه؟ نعم، ففي نهاية المطف، ألاّ يمكن لذلك السر الذي أحتفظ به ضمن ظروف استثنائية دفعه نحو حالة كهذه؟ ألاّ يمكن أن يكون سراً من أسرار الدولة secret d’Etat. لا تهرول أسرار الدولة في الشوارع، لكن يكفي لتهور صديق ما، وها نحن أصبحنا مربوطين بحقيقة تسحقنا. هكذا كان هو الحال. ينتظرون منه أعترافات مُهينة. لقد رموه أمام ديكور مسرحي، في سجن أوبرا، مع ذلك الشيخ العبثي الذي لوحَ له بعدة إشارات غير نافعة، في وسط ضجة ذلك العيد، الضحك، والصراخات، لكي يكون الفراغ الذي يُنهك الأشياء ويجعله ينسى ما تكتم عليه. كان ذلك واضحاً تماماً. عليه فقدان آخر سبب له في العيش. لم يعد هناك من مخرج. سوف يدافع العريف روجر عن نفسه عن طريق الأنتحار. يُحاول حينئذ التعلق بالمصباح الأزرق العال الذي يُضيء القبة. كانت القبة لا تُطال. يُنصب سريره في وضعية عمودية، ويجلس من فوق كرسي، كما يبذل جهده الأكبر لكي يجعل هذا الهرم الأحمق ينتصب ويتسلقه بكل المحاذير المرهفة. يمسكُ، في النهاية، على المصباح. يكسره. ويفتح به شرايين ذراعه. يسيل الدم. ستنتهي مباشرة الكوميديا.

الجزءان الباقيان يظهران الطريق الطويل الذي ينبغي إتباعه للخروج من موقف لا يمكن للموت ذاته وضع خاتمة له. تمّ أنقاذ العريف روجر من جرحه. أنه الآن في مستشفى للمجانين؛ كانت العناية، الأنتظار، الحبس، الكوابيس، ظل مثيله بانتولونا Pantalona الذي حاول عبثاً غمرَ نفسه فيه، وكذلك شبح بلانيه الذي كان حاضراً دائماً، ونوعية الضياع الذي شعر فيه في ذلك المنزل المُغلقِ من كل الجوانب، والتي كانت زجاجيات نوافذه مصبوغة هي أيضاً باللون الأزرق، حتى تحجب نور الشمس، كذلك ذهاباته وإياباته ما بين الهذيان والتعاسة قد أبعدت يوماً بعد آخر الأمل الذي كان وحده قادراً على أن يجعله يَطلعُ على حقيقة الأشياء. في ليلة ما، حلم بهروبه. وبعد تجهيزات دقيقة، تخطى جدار السجن، وظل يركض حتى وصوله إلى غابة؛ كما عبرَ نهراً؛ لم يكن هناك أي شخص يراقبه، يا لسهولة الأمر! سهولة مفرطة. لا ينفذ المرء في الحرية بدون عوائق. صار يصرخُ، كما رمى الحراس بنظرة تحدي؛ لا أحد يأتي؛ ما الذي عليه عمله؟ كان فاقداً لصوابه حداً جعله يعود ثانية إلى المعسكر، نصب له القلق سجناً، وكان لذلك السجن ظلاً طويلاً للغاية بحيث أنه أقتفاه برمته أثناء هروبه. هكذا سيكون الأمر بالنسبة له. إذا ما حرروه، سوف لن يصدق حريته. وإذا ما التقى ثانية بزوجته، سيبقى يشك بالأمر. لا يأخذ المرء ثانية كما يشتهي المكان الذي قبل، بحكم توافقه مع القدر، بخسرانه. ومع ذلك، شيئاً فشيئاً كان قد هدأ. تجذرت الألغاز. أصبح ظل بلانيه أكثر بعداً. بلانيه بالدقة، يظن أنه رآه في يوم ما في مقهى. أما زال نفس الهذيان؟ لكن كلا، كان بلانيه بالذات. أوه! طيب، وسره؟ تساءل مع نفسه. كان الآخر قد نساه، بطبيعة الحال. يا للأسف، قال روجر مع نفسه، “لقد ربطتُ بغباء بين هذا وأشياء أخرى”. بيد أن ذلك اللقاء قد حرره. ظل أميناً على الوصية حتى نهاية الشوط. كان وفياً لمهمته المُخلخة هذه. لقد حصل على خلاصه.

لا تتمتع هذه الخاتمة بذات الصدق الذي تحلى به السرد. ذلك لأن مواقف كهذه لا يمكن العثور لها على خاتمة. فهي غريبة عن أي حلّ. كما تكمن حقيقتها في فقدانها لكل مخرج. فما أن يتعرف المرء على العبث، حتى يخضع له بيأس، بالرغم من أن ليس هناك من عذابٍ أكبر من ذلك الخضوع. ربما يكون الإنسان مجنوناً إذا ما خضع للأوامر الموجهة له، لكنه إذا ما خانها، سيكون الشخص الأكثر خفة، والأشد سطحية ما بين الرجال؛ كما سيكون أكثر عبثية من أكبر مجنون. سوف نخطأ في قراءتنا إذا ما تعاملنا مع كتاب فيالات باعتباره رواية حركها الجنون في فوضى الحرب. ما هو جوهري فيها لا يكمن في وصفها لحالة نفسية شاذة، ولكن لأن هذه البسكالوجيا تُعبر عن حالة الموقف الخاص بالكائن الإنساني، ولأن هذا الموقف يبقى خارج كلّ الهذيانات التي يكشف عن نفسه من خلالها. لا شك أن العريف روجر، الوفي لسر غير موجود، قد خرج عن العقل العام؛ وقدمَ كلّ ملامح هذيان المُلاحقة والتعذيب غير المتماسك من جوانب أخرى؛ وقد أستسلم للإغواء الذي يقدم للتعاسة ملجأ للعزلة اللاعقلانية. لكن، في ذات الوقت الذي يتم فيه الكشف لنا عن تلك الفوضى الذهنية، وكأنها معكوسة، كما تنعكس صورة العالم من فوق شبكية العين، وتوفر لنا معنىاً ممكناً عن النظام الذي نعتقد بأننا نعيش فيه. يُقدم بطل فيالات لنفسه تصوراً صبيانياً عن العبث الذي جعله تمزق الواقع يراه بغتة. أنه يخلقُ ذلك السر الذي يُبالغ بأهميته. يَضيع ذاته لكي يُخلصها ثانية. لكن، من وجهة نظر اللامعنى non-sens الذي كشف له فجأة عن نفسه، كان هذيانه بمثابة النقطة المثالية للنظام والتوازن؛ كما كان على مقربة كبيرة من العقل أكبر مما يستطيع العقل التعبير عنه، إذا ما نفذَ يوماً في عدم التماسك الجذري هذا. أنه مجنون لأنه بقي تحت مستوى أدنى من جنون كهذا، لأنه لم يتمكن من تثبيت اليأس الذي صادفه في يوم ما، الخالي من الصور ، ومن دون أساطير، ضمن نقاوته وبلا أي ملجأ آخر. هذه حقيقة تمنح كتاب فيالات أهميته الخاصة. كان الكتاب مكتوباً بنبرة دقيقة كم كنا نتمنى بقائها على وضوحها هذا، وتظل بعيدة تماماً عن أي تطاير غنائي، ما دام أنه غير مُتشكل إلاّ من تفاصيل مألوفة وضمن ظروف تكاد تكون مجانية. فهو لا يُفرغُ المكان لأي خارق extraordinaire. في هذه النقطة تكمن غرابته.

بودنا التقريب ما بين كتاب فيالات والكتاب الذي نشره منذ وقت قريب أنطوان سانت أكزوبري Antoine Saint Exupéry تحت عنوان “ربان الحرب” Pilote de gurre (عن منشورات المجلة الفرنسية الجديدة). في هذا السرد الذي يستثني أية حكاية، يلعب العبث هنا أيضاً دوره. أن طيران التعرف على المواقع الذي يُكلف الكبتان سانت أكزوبري بالقيام به في منطقة “آراس” Arras، في لحظة أنحلال الجيش الكامل، هو العبث بعينه. كذلك كانت المخاطر أكبر ما يمكن تخيله والنتائج ستكون أشد عبثية. ولم تكن المعلومات تقدم أية خدمة لأي شخص أبداً. لهذا لم يجر أيصالها حتى. إذ لن تكون هناك أية إمكانية لأستخدامها. أنها لم تنتظر أبداً رئاسة الأركان التي لم تعد تتذكر أوامرها والتي ربما ما عادت موجودة. يصفُ سانت أكزوبري عبر بعض الملامح المُعبرة عن لا معنى non-sens تلك الحرب المجنونة. يظنُ المرء بأن تلك الخسارة الحربية تُثقل بمشاكلها على عاتق القيادة، الغاطسة في نفسها لأن لديها مهمات كثيرة، وهي تُرسل مُشاتها، ورجال مدافعها في كل مكان، دباباتها، والحركات المُفاجئة لطياراتها المحمومة والبغيضة. لكن الأمر لم يكن كذلك أبداً. لا يُضاعف انحلال الجيش المشاكل، ولكنه يُغطيها. وليست الحمى منْ يُهيمن على الموقف، وإنما الضيق. لم يعد يعرف احد ما الذي ينبغي عليه القيام به، ولم يبق أي شيء يمكن فعله. كله يتبخر في طقس من التفاهة والضجر. سَرَدَ سانت أكزوبري مهمته العبثية كطيار كان يجب عليه الطيران لملاقاة الموت، ومن دون أي سبب آخر غير التالي: الحرب؛ والصفحات التي كرسها لتلك الحكايات المجنونة تنطوي على تعاطف بسيط، تعبير عاري ومباشر هو ما جعل “طيران الليل” Vol de nuit يغدو كتاباً ذي قوة عظيمة. في مجرى الطيران، وفي المكان الأشد خطورة، يُركب الربان تأملاً في ذهنه، والذي هو في النهاية محاولة لطرد العبث. وعودته المظفرةِ هي أيضاً عودته إلى الأفكار الأكثر معقوليةً حيال الحضارة، إزاء الإنسانية، ومعنى التقاليد الفرنسية. أن أهمية هذه الأفكار تنبع من الفعل الصبياني الذي تشكلت عبره ولادتها. ولهذا هي نقية وبعيدة عن أي أنحناء سياسي وصاعقة بحكمها الأخلاقي.

*المقالة المكثفة هذه مأخوذة عن كتاب ضخم لموريس بلانشو، تحت عنوان “وقائع أدبية”، عن دار نشر “دفاتر المجلة الفرنسية الجديدة”، وينطوي الكتاب على مناجم من المقالات، التعقيبات، النقد الأدبي والفكري عبر كل تكشفاته وعطائه.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

7 تعليقات لـ “رواية وسرد الحرب*
موريس بلانشو
ترجمة: حسين عجة”

  1. صالح الرزوق يقول :

    المقالة ممتازة و لا تخلو من حساسية بلانشو. فقد استطاع ان يجد الفرق بين الرواية العسكرية و رواية الحرب. معظم الادب السوفييتي عسكري. و ارث الحرب العراقية الايرانية عسكري موجه لارضاء النظام، و رواية الكبير المبدع حنا مينة بعنوان المرصد عسكرية، و مثلها ازاهير تشرين المدماة لاستاذ الاجيال العجيلي. هذه روايات سريعة لديها ماكياجات حربية لدغدغة للعواطف. و هي سقطات في مسيرة هؤلاء الادباء. لكن الرواية الحربية هي الاي تضع الانسان في شرطه الطبيعي امام دورة العنف و الموت. كما فعل هاينريش بول في وصل القطار في موعده. و كما صنع نم والي في بغداد مالبورو او علي بدر في حارس التبغ. او حتى الصديق قصي الشيخ عسكر في ريبيكا بطاقة نعي.
    هذه الاعمال تدخل بالحرب الى نفسية للانسان و عقله و لا تترك رحاها تدور في الشوارع و الطرقات او على الجبهة بينما البشر مجرد دمى تشاهد و تسمع و تموت.

  2. هاني عثمان يقول :

    تحية للمترجم المتمكن حسين عجه والذي ترجم هذه القراءة الذكية والواعية لموريس بلانشو وبعمق … فالرواية عرضت لمحات انسانية عميقة ومعاناة لا يدرك جزئياتها العنيفة في الدواخل الامن دخل الحروب ووجد نفسه مرغما في اتون المعارك … وشكرا ثانيا لاهداء القراءة الى الدكتور حسين سرمك المفكر الثر والناقد الثاقب الرؤية …

    هاني عثمان – مرسيليا

  3. حسين عجة يقول :

    الأخ العزيز هاني عثمان، شكراً من القلب على ما تفضلت بكتابته هنا عن نص موريس بلانشو وعن ترجمتي له. يفرحني تماماً أن تكون هذه المقالة المكثفة قد أعجتك ولفتت اتنباهك؛ شكراً ثانية، كما يفرحني أيضاً اهداء عملي للناقد العراقي والصديق السخي حسين سرمك. لتتقبل محبتي.

  4. شكرا أخي الأديب الأستاذ هاني عثمان على لطفك ومشاعرك النبيلة. والشكر من قبل لأخي الأعز المبدع الأستاذ حسين عجة على كرمه وتفضّله بإهداء هذا النص الرائع لي. لكما محبتي واعتزازي.
    حسين
    بغداد المحروسة

  5. أخي الأعز الحبيب الأستاذ حسين عجة الوفي الغالي على تفضّلك بإهداء هذا النص الرائع اصلا واختباراً وترجمة لي بما يحفل به من دروس لا تهمني حسب بل تهم تجربة كل عراقي وكل إنسان لحست غولة الحرب روحه قبل قدميه.
    أبا علي .. يا صاحب الروح الكبيرة.. لقد اعتقدتُ بعد تجربة ما يقرب من الربع قرن في الحروب الدامية دفاعاً عن وطني المعذّب المستهدف المعذّب أنني أقفلت صندوق الذاكرة الأسود.. فإذا بك – ومعك بلانشو وفيالات وبرجر وإكزوبري – تشرع أبوابه بهذا النص الآسر الإنساني العميق. فشكرا من أعماق الروح لك
    أخوك حافظ ودّك: حسين

  6. حسين عجة يقول :

    أخي الغالي حسين سرمك، شكراً من القلب لشخصك الكريم وشكراً آخراً على أرفاق لهذه الصور وغلافات الكتب الجميلة مع ترجمتي لمقالة موريس بلانشو. بودي أن تعلم بأن كل ما أكتبه من نقد أو ترجمة، هنا أو في أي مكان آخر، مُهدى لك سلفاً. أبعث لك هنا بمقالة أخرى لموريس بلانشو أكثر تكثفاً من الأولى وتحمل عنوان “أعجوبة الناقد”، آمل أن تتم
    أعجوبة الناقد
    موريس بلانشو
    ترجمة: حسين عجة

    لا شيء غريب، كما يبدو، في النقد. أو أن غرابته تبدو وكأنها بعيدة تماماً عن اللغز الذي نعثرُ عليه في الشعر، مثلاً. وإذا ما كنا نرغب، عند الضرورة، التسليم بأمر أنه يتمتع بغرابة بعينها، فستكون الجهل التام بكينونته، وبما يرغب فيه، وما يتوفق بتحقيقه، فيما ينطلق من كلّ ما يمكنه جعل العقل أكثر وضوحاً مع نفسه. إن تكون هناك عشرة طرق لفهم النقد، وأكثر من مئة ممارسة له، سيعرف المرء ذلك إذا ما فقدَ رغبته في الإندهاش منه. في كتابه “خطُ سير فرنسي” Itinéraire français (منشورات Pavois) يرغبُ رومان فرنانديز Ramon Fernandez، الذي يعتبر سانت بيف Sainte-Beuve نموذجاً للناقد، سؤاله عن سره ومن ثم يعثر على تحديدات له على النمط التالي: “إن ناقداً بسعة سانت بيف… يتمتع بوضعية ترجمة النظام الحياتي إلى نظام عقلي، عبر وساطة الذائقة والمتعة التي يحصلُ عليها”. لنعترف بذلك. سيكون ما هو جوهري فيه حينئذ، عمى سانت بيف كاملاً، إذا ما كان النقد يكمن في التمتع بمثل شهية التعرف هذه على الإبداع الحي، لكي يحوله ضمن منظومة أفكار والصور التي تجعله ملموساً، حيال الإبداع المُتحرك، أي ذلك الذي يصنعُ نفسه ويحتاج بالدقة للأعتراف به، كخلق حي بامتياز، أي إبداع معاصريه: لم يعترف سانت بيف لا ببودلير Baudelaire ولا ببلزاك Balzac ولا بستندال Stendal –لكي لا نتحدث إلاّ عن الرومانسيين–، ثمة من شذوذ هنا يمكن للمرء تفسيره ببساطة بالميل إلى اللاعدالة injustice أو خيبات الحظ العاطفية، لكنه قد يرتبط أيضاً بأعجوبة متخفية بطريقة أكبر. “إذا ما كان سانت بيف، يقول فرنانديز، ناقداً عظيماً، بالرغم من أحقاده، وعلى الرغم منه تقريباً، فذلك لأنه يمتلك سر النقد بيده دون شك”. قد يحتاج هذا الحكم إلى تكملة من هذا القبيل: إذا كان سانت بيف، ناقد عظيم، قد تغافل لهذه الدرجة عن المهمة الجوهرية للنقد والتي تكمن في عدم تسمية بودلير بـ “الشاذ”، ورواية “قلعة شارتريز” Chartreuse بـ “عمل رجل منطقي يُتعب نفسه بالربط ما بين المُتناقضات”، فذلك لأن النقد يتمتع بسر أكثر سرية مما نرغب التسليم به.

    قبل جان بولهان Jean Paulhan، لم يلتفت أحد لذلك قطعاً. لكن “أزهار تارب” Fleures de Tarbes (التي صدرت منذ وقت قريب عن دار نشر Confluence) والمُتضمنة على مقالة عن فنيون Fénéon، حددت لنا، في الحقيقة، كيفية فهم أن النقد تحركه غرابة تظل أكثر بعداً من غرابة الشعر والرواية عنا. أولاً، ليس من المؤكد بأن النقد موجود. فحتى القرن التاسع عشر، الذي اطلق على نفسه تسمية عصر النقد، وحتى القرن العشرين، الذي صنعَ كتابه الكبار من فنهم طريقة للتأمل النقدي حيال الفن، لم يتمكن من التعرف، بصورة يقينية، على الإنسان الذي قد يعثر على النقد، كملارميه Mallarmé أو رامبو Rimbaud إزاء ما يمثله الشعر. لماذا؟ يمكننا القول بأننا لا نعرف أي شيء عنه. هل لأن العقول التي تستولي على الأعمال لكي تحكم عليها، مختلفة تماماً في ما بينها؟ أو غريبة بعضها عن البعض الآخر؟ أو أنها شديدة الإطمئنان ضمن عدم تيقنها، أو لأنها لا تتمتع إلاً بقليل من الصرامة في موقفها؟ هل لأنها ستنتهي بخداع نفسها؟ هذه النقطة لا يعوزها الوضوح، كما تجعل ظرف الناقد عسيرا للغاية: لا يمكن القول أبداً عن شاعر ما (ولا البرهنة) بأنه خدع نفسه؛ غير أن سانت بيف يمكنه ذلك؛ فهو ناتج عن فئة الخطأ catégorie de l’erreur ؛ ويحمل في ذاته البراهين على إمكانية الشك بأنه يرغب حقاً أن يكون ما هو عليه. بعد مئة عام، لم يكتشف جان بولهان سوى رجلاً واحداً قادر على تفضيل وتمييز جيد Gide أولاً، ثم بروست Proust، فاليري Valéry، وكلوديل Claudel على كل من رامبو، ملارميه، لوتريامون، وجارلس كروز Charles Cros. ومع ذلك، كان هذا الناقد النادر، والوحيد حتى، أي فلكس فنيون Félix Fénéon يزدري تقريباً لقب كاتب، وكأن الطبيعة الحقيقية للنقد كانت ترغمه على جعل نفسه لا مرئياً se faire invisible، يتخفى، ولا يكون à n’être pas.

    يميل المرء في غالب الأحوال باتجاه رؤية الأدب كتضحية sacrifice. “نضحي بالخيرات التي نسرف فيها”. على سبيل المثال، تتم التضحية بالحمل agneau من أجل التموية على الأستخدام المُسرفِ –إن كان تجارياً أو غذائياً—الذي نقوم به بالنسبة لكلّ القطيع؛ كما نرغب بتدمير محدود للواقع الذي نتمتع به بطريقة محدودة، لكن الفعل الطقوسي يرفعهُ إلى أعلى ثمن. يبدو الأدب وخاصة الشعر وكأنه تضحية باللغة: أنها أو تمنحُ نفسها قصدية أن تكون تضحية، تحطيم للخطاب؛ كما ترغبُ في القضاء على الكلمات المُستخدمة عملياً وجعلها عديمة النفع. في الأدب، اللغة هي الضحية، وأمل الكاتب، على غرار إيمان المُضحي، يكمن في أن تكون اللحظة التي يتم فيها تدمير الشيء، الشيء المقدس –كلام، أو حيوان—هي ذات اللحظة التي يمكنه فيها أن يصبح مقدساً ثانية، ما تلاشى يكتسب قيمة مُتطرفة، ويكسر الخصوصيات التي حددته، ويرسم السيادة المطلقة la souveraineté absolue. من هنا ربما الموقف الغامض الذي يندهش منه المرء لدى الكتاب. أنهم يواصلون الحياة الصعبة للكلمات التي ينذرونها للدمار، وبالرغم من هذه المحرقة cet holocauste، يفكرون بأنهم يعيدون ثانية للكلمات قيمة لا تُقدر بثمن، كما يبدو عليهم وكأنه ليس لديهم سوى نية واحدة: القضاء على اللغة ولا يهدفون إلاّ باتجاه الحصول على نتيجة واحدة: إعادة الطبيعة الحقيقية للكلمات، ومنحها حق الوجود. من فوق محطبة التضحية، لا يعني أستبدال أسحاق Isaac بالكبش الحق في العيش الممنوح ثانية للإنسان، الذي غامر أو قدم حياته وحسب، وإنما أيضاً تجسيد مُسبق للحمل الذي سيكون الله Dieu، كما يكشف عن أن فعل التضحية قد حولَ الضحية وولدَ، في مكان الفرد العادي، المُقدس le sacré.

    ما هو الناقد؟ شاعر، لكنه يقترب من الشعر عبر لا وجوده هو non-être، بمعنى أنه لا يرغب في أن يكون شاعراً، أو روائياً يَشتركُ في سر الخلق secret de la création الروائي ويقول بالرغم من ذلك كلا للرواية. هل يمكن أن يكون الأختصاصي الذي يرفض الأختصاص بنوع بعينه، ذلك الذي يعرف انطلاقاً من المسرح وحتى المقالة، حاكم وفي ذات الوقت الأشياء كلها؟ لقد قيلّ ذلك وربما كانت نقطة الخطأ تكمن في هذا. ذلك لأن الناقد الحقيقي، الشاعر سلفاً من دون أن يكون شاعراً، الروائي الذي لا يصنع رواية، ومع ذلك لديه طموح في أن يكون اللاإختصاصية non-spécialité التي هي الناقد. من داخل الشعر ومن خارجة أيضاً، يرغب في أن يظل خارج النقد أيضاً وممارسته، إذا كان ذلك ممكناً، عبر الصمت، أو بطريقة تجعله يشعر بصورة خاصة وهو يكتب بأنه لا يكتب. لنعترف بأن الطموح يائساً. كذلك ليس من المحرم الحكم عليه باعتباره مُكتظاً بالمعنى. وإذا ما كان الكاتب، اليقظ حيال مخاطر الكتابة، هو المضحي الذي يحتج على الأسراف بالكلمات العملية عبر تكريسه للكلمات من أجل تدمير يكون بمثابة كشف révélation، وإذا ما كان الشاعر لا يكف حتى يتم التشهير به كشاعر، وإذا ما كان يعترف أولاً من داخله بأنه مشبوه به، وليس لديه سوى القلق والخشية من الضمانة التي يقدمها له الأستعمال السهل والمتألق للكلمات، سيكون من المدهش كفاية أن يكون الناقد هو الشخص الوحيد الذي تمكن من أن يكون أديباً بهدوء كامل ويدرك تماماً كيف عليه أن يخترق مجال الآداب كلها بلا خجل من ما يقوم به ورغبته الدائمة بموت صغير. نحن نرى بوضوح كيف أن النقد الذي لا يحتج ضد نفسه يجلب الأحتقار نحوه، لكنه يُمارس بهدوء سلطة وقحة وعبثية. في الماض، كانت تتم التضحية، في الأعياد الشعبية، بدمية الملك أو الزعماء لكي يتم شراء، بالنسبة لتضحية مثالية على الأقل (دموية أحياناً) الأسراف الذي تمثله أية سيادة. أن النقد المألوف هو سيد يفلت من الذبح، لأنه يدعي بأنه يمارس سلطة لا يُضحي بها ويريد أن يكون سيداً لمملكة يتمتع بها من دون أي خطر. كذلك ليس هناك أبداً ما هو أكثر بؤساً من هذه السيادة، لأنها لم ترفض أبداً أن تكون شيء ما، مع أنها قريبة تماماً من أن تكون لاشيء.

    تع بها وتقبل بها كمادة للنشر. تقبل محبتي وأعتزازي.

  7. شكرا جزيلا أخي الأعز صاحب الروح الكبيرة المترجم الرائع المقتدر حسين عجة على مشاعرك النبيلة وعلى هذه المقالة المهمة الممتعة. نُشرت المقالة على رأس صفحة الموقع مع التقدير الوافر.
    أخوك حافظ ودك:
    حسين

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"