تابعنا على فيسبوك وتويتر

مصائر أو “انثروبولجيا” الأسماء في
“لماذا تكرهين ريمارك”؟

حسين عجة ـ باريس

–ريمارك؟ ماذا! اسم علم؟ اسم شخص، اسم رمزي لفرد ما، لظاهرة بعينها، لمتعالي ما، لم يكن لدينا، قبل ذلك، قبل رواية محمد علوان جبرـ دار الحكمة ـ لندن2018 أية معلومة عنه، لأن طبيعته الداخلية تفرض عليه منح نفسه دفعة واحدة، كما تفرض علينا استقباله كالبرق، لكي نقرأً، فيما بعد، عبر فعله العنيف، حضوره المُباغت، الأثر الذي خلفه على الأرض وفي صميم قلوبنا؟
للحظة، نترك كلّ هذه الأسئلة وغيرها معلقة، أو على حالها، ما دمنا قد انطلقنا من نقطة الجهل التام حتى باسم عنوانها الرئيس! كما ننطلق الآن من نقطة الجهل التام أيضاً بماهية وتاريخ الرواية بشكل عام، والرواية العراقية خاصة، جهل تام أيضاً عن كل ما كتب عن جمالياتها وإشكالاتها العظمى. بتعبير آخر، نرغبُ في البقاء لفترة طويلة، إذا ما كان ذلك ممكناً، في المجال الذي تدعونا رواية محمد علوان جبراستضافته والمكوث فيه لفترة، على الأقل!
لكن، قبل أي شيء آخر، بودي القول بأني كنتُ راغباً، أثناء قراءتي لأولى صفحات هذا العمل المرهف بأسلوب كتابته، والذي يشابك عدة أقطاب في آن معاً؛ الإكتفاء بالإقتباسات، بالمقاطع ووضعها فوق الورقة، للمتعة أولاً، ولكي تكون حاضرة أمام عين القارىء، دون اللجوء إلى أي تعليق، تعقيب، ونقد. لكن، هل ذلك ممكن؟ أعني أخذ مقاطع وتجسيدها مادياً بغية التمتع بها عن طريق العين أولاً، وبقية الحواس ثانياً؟ كلا. ذلك لأن “لماذا تكرهين ريمارك”؟ تقدم نفسها، من زاوية نظرنا، باعتبارها رواية عيانية، أي يمكن رؤيتها، والتطلع بها عن بعد أو قرب، ذلك لأنها تعمل بدقة على عمل العين وردود أفعالها، وكأنها عين كاميرا، عين سينمائية بامتياز، أو تتابع أنيس لعدد غير محدد من اللوحات التشكيلة والقامات الإنسانية المنحوتةِ: كتابة، سينما، رسم بلاستيكي، منحوتات مرهفة، وأجساد بشرية يغمرها النور والظلام في آن معاً، تلك هي الركائز المرئية التي تستند عليها رواية “لماذا تكرهين ريمارك”؟ أعترف الآن بأن ما كتبته هنا يدعوني، بالرغم من كل شيء، على وضع الفقرة الأولى من هذه الرواية أمام عين القارىء، للتمتع وبمحض الصدفة:
“في كل فجر، وهي تزيح عن جسدها الغطاء ذا الأشكال المتعددة الألوان، تجد نفسها وسط العلامات الأولى للصباح، ثمة باعة جوالون ينادون على بضائعهم وحافلات تصل أصواتها من الشارع مختلطة مع الضوء المتدفق من النافذة بتعاقب سريع. إنه ضوء الصباح الرصاصي، تعقبه ظلال كثيفة على الجدران، تدور مع انسكاب خيوط الشمس على فضاءات البيت. حينها تبدأ بإزاحة كوابيس الأمس في الحّمام كمن يريد أن يتخلص من شيء كريه”! قلنا لن نعقب، ومع ذلك نقاوم ونرغب في القول: يمنح هذا المقطع نفسه برمتها ضمن حلة الشعر المحض، لكنه يعيش ويتنفس وكأنه منغمر تماماً ليس في نوره الخاص، وإنما في وما بين الألوان والظلال. ما بين “حركة الباعة” و”علامات الصباح”. لمسة ليست بالأخيرة، وإنما بداية لسلسلة من اللمسات المموسقة والراقصة على إيقاعها الخاص، حتى عندما تخترقه وترقص بكل دلالها، غبطتها، وحريتها “الطبيعية”!

بداية أنثروبلوجيا الأسماء
لكي يتمتع اسم ما ببعد أنثروبولجي، أي من أجل أن يتحول من كائن مطوق ومتطابق في “الهوية” ضمن أسماء أخرى غيره، لا تكفي الإشارة إلى “أصله” أو منحدره العائلي، القبلي، والمحلي. وإنما علينا أيضاً تتبع صيرورته وتحولاتها، منذ ولادته وحتى تفتح ظلالها، ممكناتها، رغباتها وأفعالها، ليس عبر الحميمية الخاصة، التي يتضمنها كل اسم، وإنما عبر التحديد والصياغة التي يقررها المحيط الإنثروبولجي ذاته، ويوسمها بختم دلالته، مغازيه، معانيه وتأويلاته، ورغباته الخاصة، المتوافقة مع البنية الذهنية أو الحساسية الثقافية لمحيطه. بيد أن ذلك هو أول ما تواجهنا به “لماذا تكرهين ريمارك”؟ : “باجي ثريا”… هكذ يصر أبناء الحي، الذي تسكنه منذ أعوام طويلة، على تسميتها”. ذلك هو الفقدان الأول، أو المكسب المباشر للخروج من أسر الاسم الشخصي، وتحوله ربما، في آن معا، إلى لغة مشتركة وليس مجرد اسم دلالة على شيء ما أو شخص بعينه. الخطوة الثانية، أو المخرج الذي يلي الأول: “أحياناً يكتفون بكلمة “باجي” دون اسمها، المدرج في أوراق قديمة مرصوفة في صندوق معدني عميق مركون داخل الغرفة الكبيرة”. تلك التسمية ليست اعتباطية أو مزاجية، يقوم بها سكان الحي مجاناً أو بحكم نزوة ما، نزوة تبديل الأسماء واستخدامها الجزئي أو الكلي كما يشاؤون؛ كلا، أو أنها تظهر هكذا من الوهلة الأولى، لكنها في العمق موسومة بقوة بطمغة الإنثروبلوجي اللامرئي! يبدو أن هناك ثغرة ما قد أنفتحت، بوعي أو بدونه، هوة غريبة ما بين أقطاب الهويات المُحددة وتنافسها الغريب، دون أقل تدخل من الفرد الذي يحمل ذلك الاسم: “هناك الهوية القديمة المختلفة في شكلها وتفاصيلها عن الهويات الجديدة”. ذلك هو الصاعق! تلك هي متعة القراءة! بلا مزح، ولكن مع نوع من الدهشة حيال فنطازيا الهويات، أو مهرجانها الخاص أثناء تحولها “في شكلها وتفاصيلها” ثانية. ما الذي تغير فعلاً في عالم الإنبثقات المفاجئة وإضمحلال غيرها؟ “فهي على هيأة دفتر مستطيل، بغلاف سمائي، كُتبَ في ورقته الأولى اسم “ثريا”، وتحته مقابل خانة اسم الأب “نوري عبد العزيز”. لنتوقف قليلاً: بهدوء منقطع النظير، يصل أحياناً إلى عدم المبالاة، يدخلنا الراوي في ميدان المصائر الفردية، المُعاشة بعمق، لا كمصائر ميتافيزيقية أو إلسنية وحسب، وإنما انطولوجية أيضاً، إذا جاز لنا القول. لأنه مع “ثريا” أو باجي ثريا، أو باجي لوحده، ها أن اسم الأب يظهر للعيان “نوري عبد العزيز”. مرة أخرى، نترك نوري عبد العزيز مُعلقاً، أو على حاله، لكي ندعم ما اسميناه بالتحول الانطولوجي تقريباً، فهذا الأخير، كما يبدو، لا يظهر وحده وكأنه نقطة سوداء على جدار أبيض، ولكنه يظهر دائماً مع… “مع صورة ملصقة قربه، بالأسود والأبيض، لوجه فتاة صغيرة بجديلتين قصيرتين وثوب أبيض”. حتى نبقى ضمن لغة السينما، هل نحن إزاء “فلاش باك”؟ هل تروي رواية “لماذا تكرهين ريمارك”؟ روايتها بعدما اكتملت، أو العكس من ذلك، لا تكتمل إلاّ بفضل لمسة العودة المتوازنة لحياة تبدو وكأنها تنتمي لماض يكاد يكون سحيقاً حيال مُكتسب الهوية الجديدة. هذا ما أسميه تحول انطولوجي. لماذا؟ لأن “المصور قد ركّز على الجزء العلوي للوجه فبانت عيناه أكبر من باقي أجزائه. كذلك تفاصيل الثوب، الذي يهيمن بياضه على أغلب مساحة الصورة”. برهان آخر على عدم الظهور المباشر للكائنات إلاّ عبر وسيط آخر، ضمن ما يمكن تسميته الوصف المُحايد لكل التفاصيل والنقاط التي تظهر في المشهد: “وثمة ابتسامة مختلطة بهلع الجلوس على الكرسي الخشبي، الذي يطوى، حيث جلوس كهذا يعني لهذه الفتاة مواجهة آلة صماء بعين واحدة…”. العين مرة أخرى! نترك ثالثة هنا علاقة الرعب الإنساني حيال الآلة أو الآلات الصماء. من يجرأ اليوم الدخول في تحليل علاقة كهذه، إن وجدت؟ لا أحد. اللهم إلاّ رواي “لماذا تكرهين ريمارك”؟! (بعدما رأت صورتها لاحقاً، تعجبت من البياض فيها: “أين أختفى الأسود؟”). تبدو لنا “لماذا تكرهين ريمارك، في الحدود الذي وصلنا إليها ضمن قراءتنا، أي صفحاتها الأولى وحسب، تكشف كعمل روائي إبداعي من الطراز الأول، إلى جانب متابعتها التاريخية الذاتية والعامة لشخوصها،، أزمنتها وأماكنها، وبلغتها الشعرية، تسعى، في ذات الوقت، إلى إظهار ما يُسمى في اللغة الفرنسية “مرفولوجيا” العمل خلال تشكله النابض كوليد، أي التحورات أو التحويرات التي تمس الذات مباشرة باعتبارها كينونة صميمية ووسم الطابع الإنثروبولجي لتلك التحورات؛ وذلك ما يكمن معناه الكبير واللهاث في مفردة “تحولات” الذوات أو صيرورتها المتواترة؛ غير أن التحويرات أو التحولات التي عاشتها شخوص “لماذا تكرهين ريمارك، هي تحولات الرواية بعينها: آفق آخر للإبداع العراقي…


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"