الرئيسية » ملفات » د. أحمد مطلوب : دور التعريب في الكتابة العلمية باللغة العربية (ملف/4)

د. أحمد مطلوب : دور التعريب في الكتابة العلمية باللغة العربية (ملف/4)

دور التعريب في الكتابة العلمية باللغة العربية
(بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة. مارس 2016م)
د. أحمد مطلوب
رئيـس المجمـع العلمـي العراقي

التعريب بمعناه الحديث هو الكتابة والتأليف والتدريس باللغة العربية ، ووضع المصطلحات العلمية والألفاظ الحضارية . والتعريب بهذا المعنى واسع ، فلم يخطر ببال الأقدمين هذا  المعنى ؛ لأنهم كانوا يعيشون تحت ظل دولة عربية ، وكانت لغة القرآن الكريم لغة العلوم والآداب والفنون ، ولذلك لم تحدث مشكلة ، فالعلماء كانوا يؤلفون بلغة كتاب الله ، والأدباء كانوا يدبجون بها أدبهم ، ولكن الأمر اختلف في العصر الحديث عندما استعمر الوطن العربي وانقسم الى دول تابعة للاستعمار الغربي ، وصارت للغة المستعمر صولة ، واعتمدت في العلم والتدريس . وبدأت المشكلة تظهر بعد أن أخذت الدول العربية تتحفز ، وتأخذ مكانتها ، وتعيد حريتها المسلوبة ، وأخذ المخلصون ينادون بالحفاظ على اللغة العربية ، وإعادة رونقها ودورها كما كانت في عهود إزدهار الحضارة وتألق الفكر العربي .

ويقوم التعريب على ثلاثة أمور لابد منها في الكتابة العلمية وغيرها ، وهي :   المصطلحات ، والترجمة ، والتأليف ، وكان العرب الأوائل قد اهتموا بالمصطلحات تعريبا ووضعا .

أما التعريب فقد شمل الألفاظ الاعجمية ، وكانت للعرب طريقة في تعريبها ذكرها أَبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه ( 180هـ ) في كتابـه ، قال : ” اعلم أَنهم مما يغيرون من الحروف الأعجمية ما ليس من حروفهم البتة ، فربما ألحقوه ببناء كلامهم ، وربما لم يلحقوه “(1) وأوضح اسماعيل بن حماد الجوهري ( 393هـ ) هذا المعنى بقوله : ” تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب على منهاجها ، تقول : عَرَّبته العرب وأَعربته “(2). وهذا هو ( المعرَّب ) الذي استعمل في التأليف قديما، وقلَّ استعماله حين بـدأ العرب يضعون ألفاظا عربية للدلالة على معاني الكلمات الأجنبية فيما يترجمـون ويؤلفـون ، فأصبحت على سبيل المثال ـ : الارثماطيقي : الحساب ، والفيزيقي : الطبيعـة ، وقاطيغورياس : المقالات ، واسطقس : العنصر ، وريطوريقا : الخطابة ، وأبو طيقا : الشعر .

بدأَ هـذا منذ عهد مبكر ، وكان المتكلمون ـ علماء الكلام ـ من أوائل الذين اهتموا بالمصطلحات ، وقد أشار أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ) الى ذلك بقوله : ” وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني ، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء ، وهم أصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم ، فصاروا سلفا لكل خلف ، وقدوة لكل تابع “(3) . وأشار الى وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي ( 175هـ ) لأوزان الشعر ألقابا لم تكن العرب تتعارف الأعاريض بتلك الألقاب ، وتلك الأوزان بتلك الأسماء ، وأشار الى وضع النحاة وأصحاب الحساب لأسماء جعلوها علامات للتفاهم ، وقال : ” إِنما جازت هذه الألفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الأسماء ، عن اتساع المعاني”(4).

وكانت لهم عدة وسائل في وضع المصطلحات العلمية والألفاظ الحضارية مثل : الارتجال ، والاشتقاق ، والقياس ، والمجاز ، والتوليد ، ولم يأخذوا بالاقتراض كثيرا خشية طغيان الألفاظ الأعجمية على العربية ، كما لم يأخذوا بالنحت ، لأَنه قـد يخرج عن أبنيـة العربيـة ، ولأَنَّ وضع كلمتين للمصطلح أكثر دقة ، وأَقربُ فهما.

وكان اهتمام المجامع العربية بالمصطلحات كبيرا ، إذ وضعت الأسس العامة لصياغتها ، وبذلك مهدت السبيل ، وصدرت مئات الآلاف من المصطلحات، ومئـات المعاجم العلمية المتخصصة ، وعلى سبيـل المثال أصدر المجمع العلمي ثلاثة عشر مجلدا في مصطلحات العلوم المختلفة ، فضلا عن الكراسات الخاصة ببعض العلوم ، وخمسة معاجم في أَلفاظ الحضارة           الحديثة ، ومثل ذلك ما صدر عن المجامع العربية الأخرى ، وعن مكتب تنسيق التعريب ، وما تقوم به المجامع في لجانها الخاصة بالمصطلحات العلمية والألفاظ الحضارية .

فالمصطلحات مهمة ، ولاتكون الترجمة والتأليف إِلا بها ، لأنها المنطلق الأساسي لكـل مشروع ترجمـة أو تأليف ، قـال محمد علي الفاروقي التهانوي (-  القرن الثاني عشر – هـ) : ” أكثر ما يحتاج الى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح ، فان لكل علم اصطلاحا إذا لم يعلم بذلك  لا يتيسَّر للشارع فيه الى الاهتداء سبيلا ، ولا الى فهمه دليلا “(5).

وتزداد العناية بالمصطلحات ووضعها كلما اهتم المؤلفون والمترجمون والباحثون  بالتعريب ، وأصبح التعليم ـ في جميع مراحله ـ باللغة العربية ، أسوة بالشعوب التي تهتم بلغاتها ، وتعتز بها ، وتصونها من سيطرة اللغات الأجنبية عليها.

(2)

اهتم العرب بالترجمة بعد ظهور الاسلام ، وكان خالد بن يزيد بن معاويـة ( 85هـ ) ” أَول مَنْ تُرجم له كتب الطب والنجوم ، وكتب الكيمياء “(6) ، ونقل له اصطفن كتب الصنعة(7). وقد قيل له : ” لقد فعلتَ أكثر شغلك في طلب الصنعة ” فقال : ” ما أطلب بذاك إلا أَن أُغني أصحابي وإِخواني ، إني طمعت في الخلافة فاختزلت دوني ، فلم أجد منها عوضا إلا أن أبلغ آخر هذه الصناعة فلا أحوج أحدا عرفني يوما أَو عرفته الى أَن أَقف بباب السلطان رغبة أَو رهبة “ (8) وله في ذلك كتب عدة ورسائل ، وله شعر كثير في هذا المعنى ، قال ابن النديم محمد بن اسحاق      ( 385 هـ ) : “ورأيت منه نحو خمسمائة ورقة ، ورأيت من كتبه كتاب الحرارات ، وكتاب الصحيفة الكبير ، وكتاب الصحيفة الصغير وكتاب وصيته الى ابنه في الصنعة “(9).

فالترجمة بدأت منذ العصر الأموي إِنْ لم تكن قبله ، وذلك برعاية خالد بن يزيد الذي اختزلت الخلافة دونه فعكف على العلم يُترجم له أو يترجم ليعزي بذلك نفسه، ويحفظها من ذل السؤال .

وعني الخليفة الأُموي عمر بن عبد العزيز ( 101 هـ ) بالعلوم ، وترجمت له بعض الكتب الطبية ، قال ابن النديم : إنَّ ” ماسرجويه الطبيب البصري كان اسرائيليا في زمن عمر بن عبد العزيز ، وكان عالما بالطب ، وهو الذي تولى لعمر بن عبد العزيز ترجمة كتاب أهرن القس في الطب ، وهو كناش فاضل من أفضل الكنانيش القديمة”(10).

وأخذت الترجمة تتسـع في عهد العباسيين ، قال أحمد أمين ( 1954م ) : ” إذا عدونا هذين ( خالدا وعمر) لم نجد كبير أثر للأمويين في تشجيع الحركة الفلسفية والدينية والتأريخية كالذي نجده للعباسيين مثلا”(11) . وكان عصر المأمون ( 218هـ ) من أكثر العصور عناية بترجمة العلوم الى العربية لشدة اهتمامه بها ، ورغبته في أن تشاد الحضارة العربية على أسس علمية راسخة ، وفي هذا العصر ترجمت كتب كثيرة في الطب ، والفلسفة ، والرياضيات ، والفلك ، والكيمياء ، والصيدلـة ، والطبيعة ، والجغرافية ، والموسيقى(12). واشتهر كثير من المترجمين في ذلك العصر (13) ، وكانت الترجمة هاجس الجاحظ ، وقد تحدث عن شروطهـا وقال : ” ولا بد للترجمان من أن يكون في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة ، وينبغي أَن يكون أَعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول اليها حتى يكون فيهما سواء وغاية “(14).

ولم تكن الترجمة دقيقة كل الدقة في أَول الأمر، إِذ كان المترجمون يترجمون كلمة بكلمة من غير عناية بالصياغة والأسلوب مما جعل بعضها غير مفهوم ، ولكن الترجمة سلمت بعد ذلك وأصبحت العناية بالفكرة والأُسلوب كبيرة . وكان صلاح الدين الصفدي ( 764هـ ) فيما نقله البهاء العاملي (1031هـ – 1622م) في (الكشكول) قد ذكر طريقين في الترجمة :

” الأول : طريق يوحنا بن البطريق وابن الناعمة الحمصي وغيرهما، وهو أن ينظر الى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية وما تـدل عليـه من المعنى فيأتي الناقل بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل الى الأُخرى كذلك حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه “.

” الثاني : طريق حنين بن إسحاق والجوهري وغيرهما ، وهو أَنْ يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ، ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها، وهذا الطريق أَجود، ولهذا لم تحتج كتب حنين بن اسحاق الى تهذيب إِلا في العلوم الرياضية لأَنه لم يكن قيما بها بخلاف الطب ، والمنطق، والطبيعي، والالهي، فإنّ الذي عربه منها لم يحتج الى         إِصلاح “(15).

وقد ترجمت كتب كثيرة  بالطريق الأول وبالطريق الثاني ، وذكر ابن النديم العشرات من كتب اليونان العلمية ، وتحدث عن كتب ( أرسطو طاليس ) التي ترجمت وهي : قاطيورياس ـ المقولات ـ وباري أرمانياس ـ العبارة ـ وأنالوطيقا ـ تحليل القياس ـ وأبو دقطيقا ـ وهو أنالوطيقا الثاني ( البرهان ) وطوبيقا ـ الجدل ـ وسوفسطيقا ـ المغالطة ـ وريطوريقا ـ الخطابة ـ وأبوطيقا ـ الشعر ـ وأهم الكتب العلميــة التي ترجمت (كتاب الحيوان) وهـو ” تسع عشرة مقالة ، نقله ابن البطريق ، وقد يوجد سرياني نقلا قديما أجود من العربي ، وله جوامع قديمة ” قال ابن النديم : ” كذا قرأت بخط يحيى بن عدي في فهرست كتبه ، ولنيقولاوس اختصار لهذا الكتاب من خط يحيى بن عدي ، وقد ابتدأ  أبو علي بن زرعة بنقله الى العربي وتصحيحه “(16). وهو ثلاثة أقسام :

الأول : طباع الحيوان ، الذي حققه الدكتور عبد الرحمن بدوي ونشره في الكويت سنة 1977م ، وهو عشرة أقوال ضمت فصولا كثيرة عن الحيوان ، ومايتصل به ، ودلت الترجمة القديمة على أَن اللغة العربية تستوعب العلم ، وكانت عبارات المترجم غير غامضة ، ومن ذلك : ” فأَما الدم فهذه حالهُ : إِنّ الدم شيء مشترك عام في جميع الحيوان الدَمِّيّ ، وهو مما يحتاج اليه باضطرار ، وهو طباعي ليس بمستأنف ولاعَرضي ، بل جوهري لها كلها طالما لم تتحطم ، وكل دم يكون في أَوعية ، أَعني في التي تسمى العروق ، وليس يكون في عضو آخر ما خلا القلب فقط . وليس للدم حسّ إذا مسّه أحد في شيء من أجساد الحيوان، كما ليس لفضلة البطن حسّ ولا للدماغ ولا للمخ إذا مسّ أحدٌ شيئا منها. وحيثما قطع اللحم خرج منه دم إذا كان الجسد حيا ، إن لم يكن ذلك اللحم فاسدا من قبل مرض أو عرض له . ومذاقة الدم حلوة من قبل طباعه إذا كان صحيحا ، ولونه أحمر وليس بغليظ جدا، ولا رقيق إن لم يعرض له ذلك من قبل عارض أَو شيء آخر مخالف لطباعه “(17).

الثاني : أجزاء الحيوان ، الذي حققه الدكتور عبد الرحمن بدوي ونشره في الكويت سنة 1978 ، وهو أربعة أقوال جاءت بعد عشرة ( طباع الحيوان ) ، وعنوانه ” لايدل على موضوعه تماما، لأنه ليس بحثا في تشريح الحيوان بل في الأسباب التي حددت تركيب الحيوان وفقا لغاية معلومة ، ولذا يدرس هذا التركيب من حيث قد هيأته الطبيعة لتأدية الوظيفة المنوطة به “(18). وأسلوبه كأسلوب القسم الأول ، ومن ذلك في عناصر الحي وتركيبه : ” قد بينا وأَوضحنا فيما سلف من قولنا : الأعضاء التي منها تقويم وتركيب كل واحد من الحيوان ، وكم تلك الأعضاء ، فأما حيننا هذا فانا سنوضح العلل التي من أجلها خلق كل واحد من الأعضاء ، وتفرق كل واحد منها بذاته ، كما فعلنا فيما سلف. وينبغي أَنْ نعلم أَنَّ أَنواع التركيب ثلاثة :

فالنوع الأول من تلك الأنواع : التركيب الذي يكون من الذي يسميه بعض الناس  استقصَّات ، مثل الأرض والهواء والماء والنار ، وخليق أَنْ يكون أميل وأوفق أَن يكون القول : من القوى الأَساسية والقوى ليس من جميعها بل كما فصلنا في مواضع أخر فيما سلف : من الرطب واليابس والحار والبارد ، فان هذه القوى هيولى الأجساد المركبة ، فأما الفصول الأخر فهي تابعة لهذه مثل الثقل والخفة ، والكثافة والسخافة ، والخشونة والملوسة ، وسائر الآفات التي تشبه هذه وتتبع الأجساد .

فأما التركيب الثاني فمن الأوائل ، أعني من التي أجزاؤها من قبل الطباع يشبه بعضه بعضا، وهي الأعضاء التي في تركيب الحيوان من الطباع ، مثل العظم واللحم ، وغير ذلك مما يشبه هذه .

فأما التركيب الثالث وهـو الأخير ، فمن الأعضاء التي أجزاؤها لا يشبه بعضها بعضا، مثل الوجه واليد ، والأعضاء التي مثل هذه ” (19) .

والكتاب الثالث ولاد الحيوان ، وهـو خمسة أقسام تكمل بقية ( كتاب الحيوان ) الذي هـو تسع عشرة مقالة ، ويبدو ” أن كتب الحيوان لأرسطو ترجمت الى العربية بوصفها كتابا واحدا يقع في (19) مقالة بغير تقسيمه الى (1) طباع الحيوان ، (2) أجزاء الحيوان ، (3) ولاد الحيوان “(20).

إِنَّ أسلوب المترجم لم يكن غامضا أو بعيدا عن لغة العصر ، وقد دل على أَنَّ العربية قادرة على استيعاب العلوم المختلفة ، ترجمة وتأليفا ، وأَن فيها من المصطلحات والألفاظ مايعبر عن المعنى المقصود .

وكان كتاب أَرسطو أَمام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( 255هـ) حين وضع كتابه ( الحيوان ) ، إِذ كان المادة الثالثـة من مواده ـ كما ذكـر المحقق ـ ونقل منه بعض النصوص ، وردّ عليه في بعض المواضع(21) ، وبذلك مهد كتاب أرسطو للتأليف في الحيوان لا لغويا فحسب ، وإنما في كثير من الجوانب العلمية ،  والسياسية ، والنفسية ، والبيئية ، وأحوال الناس وعاداتهم .

وأُسلوب الجاحظ أَرقى من أسلوب المترجم ، ويبدو أَن المترجمين لم يحسنوا النقل ، ولم يتوخوا الدقة والمطابقة كثيرا ، قال الجاحظ : ” ولعل المترجم قد أساء في الإخبار عنه “(22) ، وقـد يكون السبب أُسلوب أَرسطو الذي قال الجاحظ عنه : ” وكان صاحب المنطق نفسه بكيَّ اللسان ،           غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه ، وبخصائصه “(23).

وهذا ما حصل في كثير من الكتب التي تُرجمت في عهد مبكر، ومنها كتابا أرسطو ( الخطابة ) و ( الشعر ) ، إذ كان أسلوب المترجمين الاوائل لا يرقى الى أُسلوب المتأخرين الذين ترجموا الكتابين أو لخصوهما كالشيخ الرئيس الحسين بن عبد الله بن سينا ( 4280ه ) وأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد ( 595ه ) ، وكالذين ترجموا الكتابين في العصر الحديث كالدكتور عبد الرحمن بدوي ، والدكتور ابراهيم سلامة والدكتور شكري عياد .

وترجمت كتب علمية كثيرة منها ( الفلاحة النبطية ) المنسوبة ترجمته الى أبي بكر أحمد بن علي بن قيس الكسداني المعروف بابن وحشية ( القـرن الرابـع الهجري ) ، ومن قوله في الآس سيد الرياحين : “هذا نبات طيب الريح ، وهو مشهور في إقليمنا ، وربما طال وامتد الى فوق حتى يصير كالشجرة ، فيه خواص عجيبة ومنافع كثيرة حيا وميتا ، أَما حيا إذا كان كهيئته أخضر رطبا، وأَما ميتا فاليابس المسحوق والمحروق “(24).

ومهما يكن من أَمر فانَّ مثل هذه الترجمات تدل على أَنَّ اللغة العربية تستوعب العلوم لأنها نامية ، وقد ترجمت كتب علمية كثيرة خلال القرن العشرين ، وأُلفت على غرارها كتب باللغة العربية دُرِّسَتْ في الجامعات والمعاهد العلمية ، وانتفع بها المهتمون بالعلوم الحديثة ، وكان للجامعات والمجامع العربية فضل في هذا المضمار ، ومنها ( مجمع اللغة العربية الأردني ) إِذ أَصدر ضمن جهوده الرامية الى تعريب التعليم الجامعي تسعة عشر كتابا مترجما، ومن أهمها وأوسعها ( الموجز في ممارسة الجراحة ) وهو في أَربعة مجلدات من القطع الكبير تضم ( 1494 ) صفحة مصورة ، وقد اشترك في تأليفه عدة مختصين في علم التشريح ، وترجمه الى العربية ثلاثة وأربعون مترجما من المشهود لهم في اختصاصاتهم الجراحية في مختلف القطاعات الطبية الأردنية . وقد اختار المجمع ترجمة هذا الكتاب ” لمكانته العلمية الرفيعة ، وانتشاره الواسع عالميا في الوطن العربي ، إذ يعد أحد المراجع الرئيسة في الجراحة على مستوى البكالوريوس والدراسات العليا الجامعية ، كما أَنه مرجع جراحي مهم للطبيب الممارس العام والمتخصص “(25).

يضم الكتاب ثلاثة وستين فصلا شملت ما يتصل بالجراحة ، فالجزء الأول في مبادىء الجراحة ، والثاني في جراحة العظام والأعصاب ، والثالث في جراحة الرأس والعنق والغدد الصُّم والصدر والقلب ، والرابع في جراحة السبيل الهضمي ، والجهاز التناسلي والبولي .

وأُسلوب الترجمة واضح كل الوضوح، إذ حرصت هيئة تحرير الكتاب على وضع المادة العلمية بلغة عربية سليمة ، وعززت الترجمة بالمصطلحات العربية والانكليزية زيادة في دقة الترجمة ، وذلك اعتمادا على ( المعجم الطبي الموحد ) . وكان كل فصل ينتهي بقراءات إِضافية تضم بعض المصادر للتوسع في المادة العلمية .

ومن أُسلوب الترجمة في الكلام على أَمراض القلب الصمامية : ” يعتمد عمل الصمامات الأذينية البطينية على سلامة خلقة الصمام ووريقاته وحباله الوترية والعضلات الحليمية ، ويؤثر الخلل الوظيفي في عنصر أو أكثر من هؤلاء بشكل عكسي في كفاءة الصمام ، وتسمح الصمامات الهلالية للدم بأَن يترك البطين في أَثناء الانقباض وتمنع قلَسَهُ في أثناء الانبساط ، ويسمح شكل الصمام التكويني بذلك ، وقد يؤثر تمزق الوريقات أو الحلقة في عمل الصمام . ولا يسبب صمام القلب في حالته السوية أَي إِعاقة للجريان الأمامي ، ولكنه يمنع القلس الى الجوف الداني”(26).

وليس في هذا الاسلوب ما يستعصي على دارس الطب ، ومن يريد أَن يتوسع في معلوماته الطبية ، فضلا عن نشر الوعي الطبي بلغة عربية سليمة وأسلوب رفيع ، وإنه لمن المؤلم أَنْ يبقى معظم الناس بعيدين عن الثقافة الطبية التي تقيهم الأمراض .

إنَّ تحصيل العلم ـ ولاسيما الطب ـ باللغة الأم أيسر وأكثر نفعا ؛ لأن تلقي العلم لا يكتمل إلا لمن يتلقاه بلغته ، وقد دلت التجارب التي مرّ بها التعليم في الوطن العربي بلغة أجنبية أن التحصيل العلمي لم يكن كبيرا إلا لمن كانت أمه أجنبية أو تمكن من غير لغته الأم لسبب من الأسباب أو وسيلة من الوسائل ، ومثل ذلك قليل عند النظر في هذه المسألة نظرة فاحصة وتجرد كبير.

كان التدريس في كلية الطب ببغداد بالانكليزية منذ تأسيسها لأَن معظم أساتذتها أجانب ، ووضعت مناهجها الدراسية على غرار المناهج في الكليات البريطانية ، ويبدو أَن الطلبة لم يستفيدوا كثيرا من التدريس بالانكليزية ، وكان ضعفهم في تلقي العلم بها واضحا، وقد قال الدكتور محمد فاضل الجمالي ـ مدير التدريس والتربية العام ـ في تقريره الذي رفعه الى وزير المعارف العراقي في الرابع عشر من شهر آذار عام 1938م : ” عدم اتقان الطلاب اللغة الانكليزية يجعل دراستهم عقيمة ، ولاسيما والكتب كلها انكليزية والمحاضرون معظمهم انكليز ، وقد حدث أَنْ رأيتُ أَحد الطلاب المتخرجين لم يستطع قراءة وفهم الكتاب الذي درسه في كلية الطب ، وفي هذا خطر على الأرواح لايمكن أَنْ يقدر “(27).

إِنَّ تدريس العلوم باللغة العربية ضرورة تقتضيها هُويَّة الأمة ، وتحصيله تحصيلا كبيرا ، لئلا يتخرج الطلبة وهم لا يدركون مما درسوه إَلا النزر اليسير. وقد أدركت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق هذه الحقيقة حين صدر قرار التعريب سنة ( 1976م ) فاتجهت الى تكليف الأساتذة لتأليف الكتب وترجمتها، ومن ذلك كتاب ( هندسة تكييف الهواء ) الذي ترجمه الدكتور خالد أحمد الجودي لتدريسه في كلية الهندسة بجامعة البصرة . والكتاب في ثمانية عشر بابا شملت كل ما يتصل بهندسة تكييف الهواء ، وفيه : ” عند انسياب الهواء خلال مجرى ذي مقطع دائري فان الجزء المركزي الوسطي من التيار يتحرك بسرعة أَكبر من الحلقات الخارجية الطرفية للتيار إِذ يتعرقل الانسياب في هذه الحلقات بفعل الاجهادات القصية اللزجة المتكونة بين حلقات الهواء والسطح الخشن لجدار المجرى . ومع استمرار الانسياب يتضاءل مستوى الطاقة لتيار الهواء ويتمدد لانخفاض الضغط نتيجة الاحتكاك “(28).

ومن الكتب المترجمة ( أَساسيات الساحبات والمعدات الزراعية ) الذي ترجمه لطفي حسين محمد علي وتوفيق فهمي ، وفيه واحد وعشرون فصلا تحدثت عن كل ما يمس مادة الكتاب ، ومن ذلك ما جاء عن  المحولة : “تستخدم المحولة الكهربائية لزيادة أو تخفيض الفولتية من دورة لأخرى ضمن وحدة معينة ، فعند مرور التيار الكهربائي في موصل ينتج عن ذلك مجال مغناطيسي أو منطقة شد كهربائي حول هذا الموصل ، فاذا وضع موصل ثان في هذا المجال فانَّ أَي تغيير في مقدار هذا المجال أو تحريك الموصل الثاني داخل في المجال المغناطيسي ينتج عنه إحداث    تيار كهربائي يمر خلال الموصل الثاني ، ويسمى ذلك بالحث الكهرومغناطيسي . وهذا أَساس عمل المحركات الكهربائية وأجهزة الاشعال والمحولات الكهربائية .

تحتوي المحولة الكهربائية على ملفين ، أَحدهما يعرف بالملف الابتدائي ، والآخر بالملف الثانوي ، يمرر تيار متناوب خلال الملف الابتدائي لينتج عنه مجال مغناطيسي متغاير يحث الى تيار الملف الثانوي “(29).

(3)

اهتم العرب منذ وقت مبكر بالتأليف باللغة العربية بعد أَن وجدوا أَنَّ ماتُرجم الى العربية لا يسد الحاجة في ظل الحياة الجديدة ، وشهد العصر العباسي ازدهارا في تأليف الكتب ، وازداد الشغف بها ، وانشئت دور كتب في مختلف بقاع العالم الاسلامي ، وكان للعلوم دور كبير في حركة البحث العلمي ، وخلف العرب والمسلمون كتبا كثيرة . ومن أهم ما عنوا به الطب ، وقد تحدث الدكتور عادل البكري في كتابه ( الكامل في التراث الطبي العربي ) عن ( 2282 ) كتابا طبيا شملت ما كان معروفا في الطب والأمراض والأدوية ، ومن أشهر تلك الكتب ( الحاوي في الطب ) لأبي بكر محمـد بن زكريا الرازي ( 313هـ ) ، و ( القانون في الطب ) للشيخ الرئيس الحسين بن عبد الله بن سينا ( 428هـ ) .

وهذان الكتابان يمثلان أكثر من ألفي كتاب ورسالة في الطب مؤلفة باللغة العربية .

وكانت عناية العرب والمسلمين بالحيوان كبيرة ومن أَشهر تلك الكتب المؤلفة كتاب الحيوان للجاحظ الذي لم يخلص لتشريح الحيوان ، وانما كان موسوعة عامة تتصل بالحيوان وصفاته  وعاداته ، وبما قيل فيه من شعر أو نثر. ولعل كتاب ( حياة الحيوان الكبرى ) لكمال الدين أَبي البقاء محمد بن موسى بن عيسى الدميري ( 808هـ ) أشهر كتاب ” تناول فيه الكلام على الحيوانات على أنواعها : البرية التي تعيش على اليابسة سواء كانت من ذوات القوائم أم من  الزواحف ، ومن ذات العمود الفقري وتلك الحيوانات التي لا تحتوي أجسامها على أعمدة فقارية كالحشرات والديدان والقواقع والأصداف وبعض الأَحياء المائية الأخرى ، أَو تلك التي تعيش بين اليابسة والماء ، ثم الطيور على أَنواعها والتي تعيش بين اليابسة والهواء وسطح الماء “(30). ومما جاء في الكتاب عن ( الدلفين ) قول الدميري : “الدلفين : الدُّخَس وضبطه الجوهري في باب السين المهملة بضم الدال ، فقال : الدُّخَس مثل ( الصُرَد ) دابة في البحر تنجي الغريق ، تمكنه من ظهرها ليستعين على السباحة ويسمى ( الدلفين ) . وقال غيره : إِنه خنزير البحر ، وهو دابة تنجي الغريق ، وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر الملح ؛ لأنه يقذف به البحر الى النيل . وصفته كصفة الزق المنفوخ ، وله رأس صغير جدا ، وليس في دوابّ البحر ماله رئة سواه ، فلذلك يسمع منه النفخ والنفس ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أَقوى الأسباب في نجاته ؛ لأنه لا يزال يدفعه الى البحر حتى ينجيه ولا يؤذي أحدا ، ولا يأكل إلا السمك ، وربما ظهر على وجه الماء كأنه ميت. وهو يلد ويرضع ، أولاده تتبعه حيث ذهب ، ولا يلد إِلا في الصيف ، ومن طبعه الأنس بالناس وخاصة بالصبيان ، وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال صائده وإذا لبث في العمق حينا حبس  نفسه ، وصعد بعد ذلك مسرعا مثل السهم لطلب النفس ، فإنْ كانت بين يديه سفينة وثب وثبة ارتفع بها عن السفينة ، ولايُرى منها ذكر إلا مع أنثى “(31).

وكان قد تحدث أرسطو عن ( الدلفين ) في عدة فصول من كتابه ( طباع الحيوان ) وكتابه ( أَجزاء الحيوان ) وجاء بمعلومات طريفة عن الدلفين وحياته ، وذكر أَنه يلد مثل الانسان ، وله ثديان قريبان من المفاصل ، وليس لهما حلمتان بينتان بل فيهما عنقان يشبهان السواقي ، وفي كل ناحية من نواحي الثديين عين واحدة ومنها يسيل اللبن وترضع جراؤه ، وهي تتبع أمها ، وله خصى لاصقة ببطنه ، وله عظام وليس له شوك ، وليس له آلة حس السمع بينة ، وهو يصر ، وصريره شبيه بصوتٍ لأن له رئة ، وهو يشخر عند نومه ، وهو يأوي الى البر ويغذو من الماء ، واذا نام يعلو خطمه الماء لكي يتنفس ، ويأكل اللحم ، وله حدة وقوة عجيبة في كثرة اللحم .(32)

وعقد له مبحثا خاصا وقال : ” إِنَّ الدلافين ذات دَعة واستئناس بالناس والصبيان خاصة لعشق وشوق ، وذلك في ناحية البلدة التي تسمى ( طارنطا ) والتي تسمى ( قاريا ) وأَماكن أخر. وقد زعم بعض الناس أَنه صيد في ناحية ( قاريا ) دلفين مجروح فلما صيد جاءت كثرة دلافين الى المرفأ حتى خلاه الملاح الذي صاده ، فلما خلاه انصرفت جميع الدلالفين الى موضعها أَيضا . والدلفين الكبير يتبع أَبدا صغار الدلافين ويحفظها . وقد ظهر في الزمان السالف دلافين كبار وصغار معا، ثم بقي اثنان من تلك الدلافين ، وبعد حين ظهرت حاملة دلفينا صغيرا ميتا، وحيث كان يفلت الاثنين ويهوي الى العمق تحمله أيضا وتعوم وترفعه على ظهورها الى وجه الماء ، وكانت تفعل ذلك لكيلا يؤكل من سائر السباع. ويقال عن سرعة هذا الحيوان قول لا يؤمن به ، من أَنه أَسرع من جميع أَصناف الحيوان المائي والبري جدا . وربما نزا الدلفين في البحر نزوة عظيمة حتى يجوز أعظم ما يكون من دقل السفينة ، وإِنما يعرض له ذلك إذا طلب شيئا من السمك يريد أكله ، فإنّه إذا هربت منه السمكة التي يطلب وصارت الى العمق اتبعها الدلفين لجوعه ، وإذا لبثت في العمق حينا حبس نفسه وفكر وصعد من بعد ذلك الماء الى الناحية العليا مسرعا مثل السهم الذي يبدر من القوس لطلبه التنفس ، وإِنْ كانت سفينة بين يديه وثب وثبة عظيمة حتى يجوز الدقل ويصير الى الناحية الأخرى . ومثل هذا الفعل يفعل الغواصون وأَصحاب السباحة إِذا ألقوا أنفسهم في عمق، فإنّهم إذا احتاجوا الى التنفس رجعوا بسرعة الى وجه الماء .

والدلافين يكون بعضها مع بعض أَزواجا، أعني الذكور مع الإناث وهو مشكوك فيه لأي علة ربما وقعت الدلافين الى البر فانها تفعل ذلك برغم بعض الناس في الفرط وبالبخت بغير علة معروفة “(33).

وفي ( أجزاء الحيوان ) إشارات قليلة عن الدلفين ، لا تخرج عما في ( طباع الحيوان ) ، ومن ذلك أن الدلفين يتنفس وليس له مِرة ، وليس له نَغانغ بل له انبوبة لأَن له رئة(34).

وتحدث الجاحظ عنه، وقال: إنه ليس من السمك إذ ليس ” كل عائم سمكة ، وإن كان مناسبا للسمك في كثير من معانيه” (35) وذكره عند كلامه على عجز الانسان وصغر قدره(36) ، وقال: إِنه يلد ولايبيض ، وإِنه يعايش السمك(37).

ويبدو أَن العرب اعتمدوا على كلام أَرسطو على الدلفين ، لأَنه كان أَوسع واكثر تفصيلا عن هذا الحيوان ، وأعجبوا بهذا الحيوان وأُطلق اسمه على بعض السفن في العصر العباسي ، ومن ذلك دلفين الخليفة الأمين ، الذي قـال أبو نواس فيه أي في السفينة :

قد ركب (الدلفينَ) بدرُ الدجى    مُقتحمـا للمـاء قـد لججا
فأشرقـت دجلةُ مـن نوره    وأَسفـر الشطان واستبهجا
لـم تَرَعيني مثله مركبـا    أَحْسـنَ إِنْ سارَ وإنْ عَرَّجا
إِذا اسـتحثـته مجاذيفـهُ    أَعنـق فوق الماء أو هملجا
خَصّ به الله (الأمينَ) الذي    أضحى بتاج الملك قد توجا(38)
لقد أشتهر كتاب (الحيوان) للجاحظ ، وكتاب (حياة الحيوان للدميري) وهو ثمرة الكتب السابقة ، وهناك كتب لم تشتهر كاشتهار كتابي الجاحظ والدميري ، منها : كتاب جابـر بن حيان          ( 184ه ) وكتـاب معمر بن المثنى ( 211هـ ) وكتاب محمد شرف الدين بن يوسف الايلاقي            ( 460هـ ) وكتاب أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الفيلسوف ( 595هـ ) (39).

وهناك كتب الأبل ، والخيل ، والغنم ، والشاء ، والوحوش ، والطير، والبازي ، والحمام ، والحيات ، والعقارب ، والفرس ، والنحل ، والحشرات ، وغيرها مما ذكره ابن النديم في فهرسته والحاج خليفة في (كشف الظنون)(40).

وأُلفت كتب في الأشجار والنباتات والفلاحة والأدوية النباتية ، وهي كثيرة صنفها الشيخ محمد حسن آل ياسين الى ثلاث مجموعات :

الأولى : المؤلفات اللغوية في النبات .

الثانية : الفصول الخاصة بالنبات في معجمات المعاني .

الثالثة : المؤلفات المعنية بالفلاحة والأدوية النباتية (41) .

وألفت كتب في الأزمنة والأمكنة والأنواء والأرصاد والفلك والتنجيم منها : الأزمنة والأمكنة لأبي علي المرزوقي الاصفهاني ، والأيام والليالي والشهور لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء ، وكتـاب الأنـواء لأَبي محمد عبد الله الدينوري ، وكتاب الأنواء ( كتاب عريب في تفصيل الزمان ومصالح الزمان ) لأبي الحسن عريب بن سعد الكاتب ، وكتاب الأنواء للحسن بن سهل بن نوبخت(42).

وأُلفت كتب في الجبر والحساب والمساحة والهندسة والكيمياء وعلم الحيل  ( الميكانيك ) والأغذية والأشربة ، وكان الاهتمام عظيما بالطب فألفت فيه آلاف الكتب والرسائل .

هذا بعض ماكان في القديم ، حيث عُني العرب والمسلمـون بالتأليف بعد أَنْ وجدوا أَنَّ الكتب المترجمة لاتسدّ الحاجة ، فضلا عن ظهور العلماء الذين اهتموا بالعلـوم المختلفة ، وأخذوا يؤلفون ليسـدوا حاجات عرضت ، وينشروا العلم بين الناس .

( 4 )

اتجه العرب في العصر الحديث الى التأليف في الطب ، وترجمة كتبه ، وكانت ( مدرسة القصر العيني ) في القاهرة تدرس الطب باللغة العربية ، ويضع أساتذتها الكتب بها ، يقول الدكتور أحمد شوكة الشطي : ” لو تصفحنا الكتب التي ألفت أو ترجمت في مدرسة القصر العيني يوم كان الطب يُدرس فيها باللغة العربية لوجدناها كتبا ممتازة لاتقل عن أَمثالها في ذلك الحين من كتب الغرب جودة في الطبع ، وحسنا في التعبير ، وبراعة في الايضاح “(43).

ودَرَّست الجامعة الأمريكية في بيروت أول إنشائها الطب بالعربية، ووضع أساتذتها الكتب النافعة ، ولكن هذين المعهدين تنكرا للغة العربية فيمـا بعد وسادت لغـة المستعمر، وفرضت على أبناء الأمـة فرضا ، وقد أشار الدكتور الشطي الى ذلك ، وأوضح أسباب التنكر والانصراف ، قال : ” نرى أَنَّ تبديل اللغة مُوحَى به من جهة عليا، وأَنَّ نقص الأساتذة الضالعين باللغة العربية لم يكن السبب الوحيد في تبديل اللغة العربية بدليل أَنَّ الكلية الأمريكية أعلنت عن عزمها على هذا التبديل منذ عام 1881م ، وأَجلته الى أَنْ وجدت الفرصة الموافقة سنة 1883م ” (44).

وقال عن ( مدرسة القصر العيني ) : ” أَما العامل الذي أطاح باللغة العربية في ( مدرسة القصر العيني ) فكان سياسيا ، إِذ رأى الأجنبي الذي نصب نفسه حاميا على بلد عربي أَنَّ في خنق اللغة مجالا لعرقلة تقدمه ، فأحكم الخطة لتنفيذ هدفه على تبديل اللغة وسط مقاومة عنيفـة. ومن المؤسف أَنه كان بين المواطنين رجال سبقوا الأجنبي فيما يتطلع اليه فتفننوا في أساليب التملق له اكتسابا لمرضاته كما تدل على ذلك آراء بعض من عالجوا هذا الموضوع ، فأنكروا فضل مَنْ أَلَّفَ بالعربية ” (45).

حقق الاستعمار وأَذنابه ما أرادوا ، وأُهملت العربية ، وأصبحت معظم الجامعات العربية أجنبية في اتجاهاتها ولغتها ، ماعدا جامعات سورية التي التزمت بالعربية ، واتخذتها أَساس التدريس في مراحل الدراسة المختلفة . وظهرت دعوات للقضاء على النهج العربي ، وزينت التدريس باللغة الأجنبية ليرتفع المستوى العلمي ، وهي حجة تُرفع كلما ظهر صوت التعريب . وقد أثبتت الجامعات السورية أَنَّ الفائدة كانت عظيمة حين درس الطلبة بالعربية، وأَن الذين أكملوا دراساتهم في الخارج تفوقوا على الذين درسوها بلغتهم الأم ، أو بلغة المستعمر .

بدأت سورية بالتعريب منذ عهد مبكر من تأريخها الحديث ، قال الدكتور عزيز مريدن :    ” أُنشئ المعهد الطبي العربي بدمشق عام 1919م ، وأختير أساتذته من أساطين الأَطباء آنذاك ، وتشاء المصادفة أَنْ يكون جلهم ممن درسوا الطب باللغة التركيـة، وكان عليهم جميعا أَنْ ينفـذوا برغبة وطنية مشيئة القومية العربية التي تلزمهم تعليم الطب بلغة أهل البلاد ، فشمروا عن ساعد الجد ، ونبشوا بطون الكتب القديمة ، ونفذوا الى صميم المعاجم المختلفة ، وأخذوا يضعون المصطلحات الطبية ، وماهي إلا بضع سنين حتى كان كلّ أُستاذ قد وضع مؤلفا في الفرع الذي وُسِّد أَمره اليه . والآن وقد مضى على تأسيس كلية الطب بدمشق مايقرب من أَربعين عاما(46) ، نجد أَنَّ أساتذة هذه الكلية قد أَغنوا خزانة الكتب العربية بما لايقل عن ثمانين مجلدا من فروع الطب المختلفة “(47).

وحَذَت كلية طب الأسنان والكليات العلمية الأخرى حَذْوَ كلية  الطب ، واتخذت اللغة العربية وسيلة للتعليم بالجامعة ، وأَصدر الأساتذة كتبا وبحوثا كثيرة في مختلف التخصصات العلمية ، وهي كتب وبحوث استمدت مادتها من خبرة الأساتذة ومن متابعة التطور العلمي الذي يشهده العالم .

ولايُنكر مستوى الكتب التي تدرس في الجامعات السورية إلا الجاحدون ، فقد صدرت بلغة عربية سليمة تعبر عن العلم بدقة وأُسلوب واضح يدركه الطلبة بخلاف الكتب الأجنبية التي لا يكون المحصول العلمي منها كبيرا ، وهذا مايثبته واقع التدريس باللغات الأجنبية. ومما يؤيد هذا ذكر بعض ما يشرح مسألة علمية مثل ” داء السكري الحملي”  إذ هو كل اضطراب في استقلاب السكر يكشف لأول مرة خلال الحمل . يجب إجراء اختبار تحمل السكر في الأسبوع (24- 26) ويُعاد في الأسبوع (32) لكل امرأة عالية الخطورة بالنسبة للاصابة بداء السكري . وهذه الفترة توافق دورة الافراز الهرموني وبالتالي ذروة المقاومة لتأثير الانسولين. وتعتبر الحوامل عاليات الخطورة للاصابة إذا كان :

عمر الحامل (30) سنة .
وجود قصة عائلية .
سوابق إسقاطات أو موت محصول حمل .
وجود بيلة غلوكوزية
ولادة سابقة لجنين .
البدانة وزيادة الوزن أكثر من (20٪) من الطبيعي .
إذا اكتشفت الحالة باكرا وتمت مراقبتها جيدا فإنَّ نسبة الوفيات ماحول الولادة غير مرتفعة ، أَما الأمراضية فهي عالية لصعوبة السيطرة على اختلاطات السكر ، ( اعتلال الطفل السكري ، ضخامة الطفل ) حتى وإن ضبط السكر ” (48)

ومما جاء عن الأوتار الفائقة : ” تعبر نظرية الأوتار عن مجموعة من الأفكار الحديثة حول تركيب الكون ، تستند الى معادلات رياضية معقدة تنص على أَن الأشياء ( المواد ) مكونة من أَوتار حلقية مفتوحة من الطاقة متناهية في الصغر لاسماكة لها، وان الوحدة البنائية الأساسية للدقائق العنصرية من إلكترونات وبروتونات ونترونات وكواركات، عبارة عن أوتار حلقية من الطاقة تجعلها في حالة من عدم الاستقرار الدائم وفق تواترات مختلفة ، وأن هذه الأوتار تتذبذب فتصدر نغمات تتحدد وفقها طبيعة وخصائص الجسيمات الأولية الأكبر منها، مثل البروتون والنترون والالكترون . وأهم ما في هذه النظرية أنها تأخذ في الحسبان تأثير كافة قوى الطبيعة : التثاقلية والكهرومغناطيسية والقوى النووية فتوحدها في قوة واحدة ونظرية واحدة تسمى النظرية الأم” (49) .

إِنَّ صدور العلم من مثل هذين الكتابين بهذا الأسلوب الواضح واللغة القريبة من ادراك الطالب وفهمه ، يخلق متخصصين لاتعوزهم إلا التجربة بخلاف تلقي العلم بلغة أجنبية لايدرك منه الطالب إلا الأمر اليسير وإن نجح في الامتحانات .

لقد بدأ تعريب العلوم في سورية منذ مطلع القرن العشرين ، أَما في العراق فقد بـدأ سنة (1976م) حين أقر مجلس التعليم العالي والبحث العلمي إلزام الجامعـات ومؤسسـات التعليم البدءَ بتعريب التعليم العالي ، وصدر أمر بتأليف الكتب المنهجية باللغة العربية ، وصدرت مئات الكتب العلمية باللغة العربية ، وأقر تدريسها في  الجامعات (50) .

ومن تلك الكتب ( مبادئ ميكانيك الموائع ) للدكتور جميل  الملائكة ، وقد ضم الجزء الأول منه : مبادئ ميكانيك الموائع الأَساسية ، والتحليل البعدي، وكتل الموائع ، وظاهرة مقاومة الموائع. واشتمل الجزء الثاني على المقاومة ، وجريان القنوات المغلقة والأنابيب ، وجريان القنوات المفتوحة ، وتطبيقات نظرية وعلمية .

وأثبت المؤلف المصطلح الانكليزي بعد المصطلح العربي عند أَول وروده في متن الكتاب ، وكرره مرات في مواضع مختلفة لترسيخه وحفظ المصطلح الأجنبي ، وأَعاد كتابـة المصطحات بآخر كل جزء مرتبـة ألفبائيا ليسهل الرجوع إليها .

كانت معظم مصادر الكتاب أجنبية عززتها خبرة المؤلف الطويلة في التدريس ، وكان أُسلوبه واضحا ، ومن أمثلة ذلك في تعريف ( ميكانيك الموائع ) : ” ميكانيك الموائع علم يُعنى بحركة الأجسام المائعة من سائل وغازات والقوى العاملة فيها ، مثلما يختص ميكانيك الجوامد بحركة الأجسام الصلبة والمرنة ، والقوى المؤثرة فيها” (51). وقال عن ( المائع ) : ” يعرف المائع بأنه الجسم الذي يتغير شكله ويتحرف بأقل قدرة من قوى القص ، ويستمر في التحرف ما دامت قوى القص واقعة عليه ، ولهذا فإنَّ أَي مائع في حالة ركود لا يمكن أَنْ تكون فيه قوة قص “(52).

وعلى غرار هذا الكتاب أُلفت كتب الهندسة الأخرى مثل ( مبادىء هندسة تكييف الهواء والتثليج ) للدكتور خالد أحمد الجودي ، ومما جاء فيه عن ( الرطوبة النسبيـة ) : ” إِنَّ خليط الهواء وبخار الماء لا يخضع تماما لقانـون الغاز المثالي ، ولكن للضغوط الواطئة ولغاية ( 3 bar ) تقريبا تكون النتائج المتحصلة من القانون كافية الدقة بحيث تسمح باستعماله للحسابات الهندسية المعتادة في درجة الحرارة والضغوط التي تتعامل بها في تكييف الهواء “(53).

وكتاب ” مبادىء ديناميك الغازات ” للدكتور منذر اسماعيل الدروبي ، وفيه : ” يعتبر موضوع ديناميك الغازات أَحد فروع ديناميك الموائع وهو يتعلق بجريان الغازات بالأخص الجريان الذي تحدث فيه تغييرات كبيرة في كثافة الغاز ، أَي بعبارة أخرى الجريان الانضغاطي “(54).

وكتاب ( انتقـال الحـرارة ) للدكتور عبد الكريم عبد الله  البهادلي ، وفيه : ” يختلف انتقال الحرارة بالاشعاع عنه في حالتي التوصيل والحمل الحراري بعدم لزوم وجود وسط تنتقل عبره الحرارة من جسم الى جسم آخر بسبب الفرق في درجة حرارتهما بحيث يمكن أَنْ يتم الانتقال الحراري عبر الفراغ ، وكذلك بكون الطاقة المنتقلة ذات علاقة بدرجة الحرارة المطلقة للأجسام مرفوعة الى الدرجة الرابعة “(55).

وكانت كليات الزراعة في الجامعات العراقية من أكثر الكليات اهتماما بالتعريب ، ومن الكتب المنهجية كتاب ( تكنولوجيا الحبوب ) للدكتور محمد عبد الله السعيدي ، وفيه : ” أَما التشريح لأنسجة حبة الحنطة فيمكن إِعطاء تفاصيلها من الخارج الى الداخل كالآتي : القشور الخارجية           ( النخالة ) والسويداء ، والجنين … منطقة القشور الخارجية تتكون من عدد من الطبقات ، ثم تأتي الطبقة الخارجية للسويداء وهي طبقة الأليرون الكبيرة للخلايا التي تلتصق بطبقات القشورية مما يصعب فصلها من مكونات السويداء التي تكون الطحين. ومنطقة السويداء هي المنطقة التي تكون مكونات الطحين ، لذلك فهناك احتمـال للحصول على نسبـة استخلاص من الطحين من الحنطة بمقدار (83٪) حسب النوع والصنف وطرق التصنيع المختلفة “(56).

وكتاب ( الري ـ أساسياته وتطبيقاته ) للدكتور نبيل ابراهيم الطيف ، وعصام خضير الحديثي ، وفيه : ” إِن تعيين الاستهلاك المائي للمحاصيل المختلفة هو المرحلة الأولى والمهمة لتخطيط الادارة المثلى للمياه المتوفرة ، أما القيم القصوى للاستهلاك المائي فتتحدد بموجبها سعة قنوات الري وأَساليب السيطرة عليها . وتعتبر قيم الاستهلاك المائي المحتملة تحت ظروف مناخية معينة . إِنَّ الري الناجح يجب أَنْ يبدأ بتحديد كمية الماء التي يحتاجها النبات ثم تجهيز هذه           الكمية ” (57).

وكتاب ( فحص وتصديق البذور ) لهاشم محمد أمين وعلي حسين عباس، وفيه عن            ( استخلاص العينات ) : ” هو إِجراء الفحص المختبري على جزء صغير من البذور يسحب من الإرسالية بموجب قواعد أُصولية ، ويمثلها أَصدق تمثيل بحيث يعبر هذا الجزء عن محتويات الإِرسالية وتجانسها ـ يقصد بكلمة ( تجانس ) هنا ـ هـو أَنْ تكون الإرسالية متماثلة بما تحتويـه من مواد غريبـة وبذور أدغال “(58).

وكتاب ( تغذية الدواجن ) للدكتور اسماعيل خليل ابراهيم ، وفيه : ” إن احتواء المواد العلفية الأَولية على نسبة عالية من الرطوبة يجعلها أكثر عرضة لغزو البكتريا والفطريات مقارنة بما هو عليه الحال بالنسبة للمواد ذات المحتوى الأقل من الرطوبة . وهنا يكمن الخطر الحقيقي ، إِذ إِنَّ نمو هذه الكائنات الحية في المواد العلفية الأولية يُؤدي أَولا إلى تدني قيمتها الغذائية، وثانيا يتسبب في تدهور صحة الطائر بسبب السموم التي تفرزها البكتريا والفطريات “ (59) .

وكتاب ( أسس الكيمياء العضوية ) للدكتور يوسف علي الفتاحي ، وفيه عن ( عدم التناظر والأنداد البصرية ) : ” إِنَّ معظم التفاعلات التي تحدث في الكائن الحي بحاجة الى نوع خاص من البروتينات تعمل كعوامل مساعدة ، وتسمى هذه المحفزات بالانزيمات ، وتعرف المركبات التي تحفزها الانزيمات في تفاعلها بالمواد الأساس ، وللجزيئات أيضا أشكال خاصة ، ولحدوث التحفيز فان جزيئة المادة الأساس ـ وتسمى أيضا الركيزة ـ يجب أَنْ تنطبق على  سطح جزيئة الانزيم وتتربط معها بشكل معقد ، ويأخذ التفاعل بعد ذلك مجراه  الطبيعي ، فاذا لم يتطابق سطح الركيزة مع سطح الانزيم فلا يحدث التفاعل ” (60) .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، وانما كتبت رسائل الماجستير والدكتوراه باللغة العربية ، وكانت علمية بما انتهت اليه من نتائج، ومن ذلك رسالة الماجستير ( تأثير ضغط انتفاخ           الاطارات القائدة ونوع المحراث وسرعة الساحبة في بعض المؤشرات الفنية وبعض صفات التربة الفيزيائية ) (61) ، للباحثة صبا عبد العزيز حميد علي الحديثي ، وقد عالجت فيها المؤشرات الفنية ، والصفات الفيزيائية للتربة ، والمواد وطرق العمل وكل مايتصل بعنوان الرسالة ، وانتهت الى الاستنتاجات  والتوصيات ، وهذا البحث وغيره من الرسائل والاطاريح المكتوبة باللغة العربية ، يدل على أَنَّ لغة الضاد قادرة على التعبير عن العلم ، وتقديمه بأسلوب يُقرِّبه ، ويضفي عليه الدقة والابتكار.

ومن المؤلفات العلمية كتاب ( النضائد ” البطاريات” الحديثة ) للدكتور جلال محمد صالح ، وقد درس فيه مواصفات النضائد وأنواعها واستخداماتها، وفيه عن ( تفاعل الخلية ) : ” يتألف تفاعل الخلية الكهروكيميائية عادة من تفاعلين : أحدهما هو تفاعل تأكسد تتحرر فيه الالكترونات ، والآخر هو تفاعل اختزال يتم فيه استهلاك الالكترونات المتولدة في تفاعل التأكسد . ويمكننا القول أنَّ الخلية الكهروكيميائيـة تتألف من نصفين : النصف الأول ويتم فيه تفاعل التأكسد وتحررالالكترونات، والنصف الثاني ويتم فيه تفاعل الاختزال واستهلاك الالكترونات التي تصل اليه . يدعى كل من هذين النصفين ( نصفي الخلية ) بالقطب ، فالخلية الكهروكيميائية تكون من قطبين : أحدهما          يعبر عن تفاعل التأكسد وتحرر الالكترونات ، والآخر يعبر عن تفاعل الاختزال واستهلاك الالكترونات “(62).

ومنها كتاب ( المنطلقات الفكرية والفلسفية في الفيزياء ) للدكتور علي عطية ، وفيه : ” وجد أَنَّ النواة الذرية أي نواة الذرة هي الأخرى تكوين له مكونات عرفت اصطلاحا على أَنها البروتونات التي تحمل شحنة موجبة الاشارة مساوية كميا لشحنة الالكترون ، ثم المكون الثاني للنواة  هو النترون وهو متعادل على مستوى الشحنة ـ كما يدل على ذلك اسمه ـ لكن كتلته أكبر قليلا من كتلة البروتون … إذن نحن أمام نواة ضمن كون الذرة هي الأخرى وجدت تعبر عن كون مصغر حيث وُجد أَنَّ هذه الجسيمات النووية ترتبط مع بعضها مكونة نواة تحت تأثير قوة اكبر بكثير من قوة الجاذبية “(63) .

وصدرت ضمن عملية التعريب كتب طبية منهجية منها: علم الأنسجة ، وأسس علم الطفيليات السريري ، والفسلجة ، وعلم الأمراض العام ، وعلم الأحياء الطبي. وهذه القلـة من الكتب الطبية سببها المعوقون الذين لايؤمنون بأمتهم ولغتها ، ويزينون للمسؤولين ما يجعلهم يقفون بوجه دعـاة التعريب ، فهم كما قال أبو نواس :

فكـأني ومـا أُزيّـنُ منهـا    قَعَـديٌّ يُـزيّـنُ التحـكيمـا
كَلَّ عن حمله السلاحَ الى الحر    بِ فأوصى المطيقَ أَلا يُقيما (64)
(5)

هذه وقفة عند بعض الكتب العلمية المترجمة والمؤلفة ، وقد اتضح أَنها :

1- اعتمدت على أَحدث المصادر الأجنبية في مادتها العلمية .

2- خلاصة خبرة المترجمين والمؤلفين في الترجمة والتأليف والتدريس .

3- اتصفت بلغة عربية واضحة وأُسلوب سلس وضّاء .

4- خضعت للتقويم العلمي .

5- خضعت للتقويم اللغوي .

6- احتوت قوائم بالمصطلحات العلمية ، فضلا عن ورودها في أثناء الكتب ، إذ ذكر المصطلح الأجنبي بعد العربي .

7- كتبت بعض العناوين الأساسية والفرعية باللغة العربية والانكليزية زيادةً في الفائدة ودقةً في الأداء .

8- زُوِّدت بالخطوط البيانية ، والرسوم التوضيحية ، والمعادلات العلمية ، والتطبيقات العملية .

9- دلَّت على أَنَّ اللغة العربية تستوعب العلوم الحديثة لما فيها من قدرة على النمو بالاشتقاق والمجاز والقياس والتوليد .

هذا أهم ما ميَّز الكتب المنهجية ، وهي لا تختلف في أَوصافها العلمية عن أَي كتاب علمي أَجنبي ، ولو أَخذت الجامعات العربية بالتعريب لأصبح كثير من خريجيها مُنتجين لا مُستهلكين ، وقد دلّت الرسائل الجامعية المكتوبة بالعربية على أنها علمية ، وأنها حققت الهدف الذي من أجله بحثت .

وبعـد : فلماذا التعريب والكتابة العلمية باللغة العربية ؟

1- إِن التعليم باللغة الأم يعبر عن الهُويّة القومية والوطنية ، وييسر تلقي المعرفة والعلم فهما واستيعابا .

2- إِنه يشجع على وضع المصطلحات العلمية وتأليف الكتب .

3- ينشط حركة الترجمة العلمية .

4- إنه يشجع على تعلم اللغات الأجنبية لينتفع الباحث بما في الكتب العلمية من جديد ، ويضيفه الى معلوماته وتخصصه .

إِنَّ التمسك باللغة الأجنبية في التعليم لا يخدم الحركة العلمية كلَّ الخدمة ، ولاسيما عند توجه العرب الى دول مختلفة لإكمال تحصيلهم العلمي ، لأَن كل دولة تدرس بلغتها ، وهنا يضطر المبعوث أَنْ يتعلم تلك اللغة ليقبل في الجامعة بعد أنْ يُؤدي عدة امتحانات في لغة تلك البلاد.

لقد انتهى عهد احتكار العلم وحصره في دولة أو دولتين ، فمن الشرق الى الغرب عشرات الدول التي نهضت بعد الحرب العالمية الثانية ، وبنت كيانها العلمي المتطور، ودرست العلوم بلغاتها، ولا أخال أَن أحدا ينكر تقدم اليابان والصين وروسية والمانية واسبانية وغيرها من الدول التي يشهد العالم حضارتها وتقدمها العلمي ، وإنه لمن التخلف أَنْ ينحصر العلم في دولة أو دولتين .

ولابـد أَنْ يعتمد التعريب على أُسس مهمة منها :

1- القرار السياسي الحازم الذي يُلزم الجامعات والمؤسسات التدريس باللغة العربية .

2- الايمان بالتعريب الذي يعزز الارتباط بالوطن .

3- المتابعة الجادة لعملية التعريب .

4- عقد الندوات والمؤتمرات العلمية وتدارس حركة التعريب ودفعها الى الأمام .

5- الاهتمام بالكتاب العلمي وطبعه طبعا متقنا .

6- الاهتمام بالبحث العلمي وتشجيع الباحثين .

7- الاهتمام بالنشرات العلمية وإصدار المجلات العلمية باللغة العربية واعتمادها في الترقيات .

8- العناية باللغات الأجنبية وتشجيع ترجمة الكتب العلمية .

9- تهيئة المعاجم اللغوية والعلمية المتخصصة .

10- الاهتمام بالمصطلحات العلمية وتوحيدها .

وتقع المسؤولية على الحكومات التي لها الصلاحيات لإنجاز عملية التعريب ، وذلك بإنشاء مؤسسات تنفذ القرار السياسي وتعمل من أجل الوطن ، ومنها المجامع اللغوية والعلمية والجامعات ، إذ في المجامع علماء يتدارسون ويضعون الخطط والمصطلحات العلمية ، وفي الجامعات أساتذة يترجمون ويؤلفون ويدرسون .

وصفوة القول :

إِنَّ تعريب العلوم في جميع المراحل الدراسية ييسر الكتابة العلمية باللغة العربية ، وقد شهدت بذلك كتب العلوم المختلفة في القديم ، كما شهدت الكتب العلمية المنهجية التي تدرس في بعض الجامعات العربية بذلك ، ومنها الجامعات السورية التي تخرج فيها آلاف الطلبة ، وأكمل بعضهم دراسته العليا بتفوق في الجامعات الأجنبية .

وحرصت الجامعات العراقية على التعليم باللغة العربية منذ صدور قرار التعريب سنة (1976م) وسارت عملية التعريب بخطى ثابتة ، وصدرت مئات الكتب العلمية باللغة العربية ودُرّست ، ولأَمرٍ ما حدثت الردة وعطل ( قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية ) (65) وأُلغيت ( الهيئة العليا للعناية باللغة العربية ) سنة 1992م ، وهي الهيئة التي كانت تُشرف على تنفيذ القانون . حدث ذلك بحجة أَنَّ التعليم بالعربية يحط من المستوى العلمي ، وثبت أَنَّ التعليم باللغة الأجنبية أدى الى تدهور المستوى العلمي ، ليس الآن فحسب وإنما منذ أَنْ أَطلق الدكتور محمد فاضل الجمالي صرخته سنة 1938م .

إِنَّ اللغة العربية ليست قاصرة عن استيعاب العلوم إذا صدقت النوايا ، وشُرعت قوانين التعريب ، وأُلزمت الجامعات والمؤسسات العلمية بالتنفيذ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

(1) كتاب سيبويه ج4 ص303 .

(2) الصحاح ( عرب ) .

(3) الحيوان ج1 ص 327 .

(4) البيان والتبيين ج1 ص139-140.

(5) كشاف اصطلاحات الفنون ج1 ص1.

(6) فهرست ابن النديم ص419 ، وفي البيان والتبيين ج1 ص328 : ” وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء “.

(7) الفهرست ص 304.

(8) الفهرست ص419.

(9) الفهرست ص419.

(10) الفهرست (طبعة لايبزك) ص142، نقلا عن حركة الترجمة في المشرق  الاسلامي ص75.

(11) فجر الاسلام ص164-165

(12) ينظر حركة الترجمة في المشرق الاسلامي ص339 ومابعدها.

(13) ينظر الفهرست ص304 وما بعدها.

(14) الحيوان ج1 ص 76.

(15) الالياذة ج1 ص 75-76 .

(16) الفهرست ص 312.

(17) طباع الحيوان ص 136.

(18) تصدير كتاب أجزاء الحيوان ص 5.

(19) أَجزاء الحيوان ص 65-66.

(20) أَجزاء الحيوان ص 26.

(21) ينظر الحيوان ج1 ص 20-22 ، وأَجزاء الحيوان ص29.

(22) الحيوان ج2 ص 52.

(23) البيان والتبيين ج3 ص27.

(24) الفلاحة النبطية ج1 ص142، وذكر له ابن النديم كتاب الفلاحة الكبير وكتاب الفلاحة الصغير ( الفهرست ص372 ) .

(25) الموجز في ممارسة الجراحة ج1 ص ( س ) .

(26) المصدر نفسه ج3 ص846 .

(27) تقدم التعليم العالي في العراق ص97 .

(28) هندسة تكييف الهواء ج2 ص590 .

(29) أساسيات الساحبات والمعدات الزراعية ص135 .

(30) حياة الحيوان الكبرى ج1 ص3 .

(31) حياة الحيوان الكبرى ج1 ص388 .

(32) ينظر طباع الحيوان ص20، 61، 76، 81، 96، 120، 140، 185، 187، 192، 196، 197، 208، 268، 306، 307، 308، 314، 315، 336، 337.

(33) طباع الحيوان ص 451-452 .

(34) ينظر أجزاء الحيوان ص 141، 169، 171، 238 .

(35) الحيوان ج1 ص 30-31 .

(36) الحيوان ج5 ص 545 .

(37) الحيوان ج7 ص 126، 141 .

(38) ينظر ديوان أبي نواس ص411 .

(39) ينظر الكامل في التراث العربي ص 380 ومابعدها .

(40) تنظر مقدمة الحيوان ج1 ص 14-16 .

(41) ينظر معجم النبات والزراعة ج1 ص 8 ومابعدها .

(42) ينظر الفهرست ص52 ومابعدها ، وص 358 ومابعدها .

(43) نشاط العرب العلمي في مائة سنة ص282 ، ودعوة الى تعريب العلوم في الجامعات ص23 .

(44) نشاط العرب العلمي في مائة سنة ص 283 .

(45) المصدر نفسه ص285 .

(46) كان هذا عام 1958 ، عند القاء المحاضرة في دار الحكمة بالقاهرة .

(47) اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي ص43 .

(48) فن التوليد ص 209 ، والكتاب مقرر لطلاب السنة الرابعة بكلية الطب .

(49) تأريخ الفيزياء ص 303 ، والكتاب مقرر لطلاب السنة الرابعة فيزياء بكلية العلوم .

(50) تنظر بعض تلك الكتب في حركة التعريب في العراق ص 230 ومابعدها .

(51) مبادىء ميكانيك الموائع ج1 ص45 .

(52) المصدر نفسه ج1 ص 47 .

(53) مبادىء هندسة تكييف الهواء والتثليج ص41 .

(54) مبادىء ديناميك الغازات ص25 .

(55) انتقال الحرارة ص401 .

(56) تكنولوجيا الحبوب ص232 .

(57) الري ـ أساسياته وتطبيقاته ص 207 .

(58) فحص وتصديق البذور ص91 .

(59) تغذية الدواجن ص 206-207 .

(60) أسس الكيمياء العضوية ص 207 ، والكتاب منهجي لطلبة كلية الزراعة ، وعلوم الحياة .

(61) نوقشت في كلية الزراعة ( جامعة بغداد ) سنة 1427هـ – 2006م .

(62) النضائد ( البطاريات ) الحديثة ص2 .

(63) المنطلقات الفكرية والفلسفية في الفيزياء ص308 .

(64) ديوان أبي نواس ص29 .

(65) أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في العراق أمرا للالتزام بالقانون وذلك في 8/4/2009م ( ينظر كتاب الهيئة العليا للعناية باللغة العربية ص5 ففيه صورة الكتاب كما عمم على الوزارات والمؤسسات ، للعمل به ) .

المصادر:

أَجزاء الحيوان ـ أَرسطو طاليس . ترجمة يوحنا بن البطريق . تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي ـ الكويت 1978م .
أَساسيات الساحبات والمعدات الزراعية ـ تأليف جي. أم. شين ـ سين ـ ترجمة لطفي حسين محمد علي وتوفيق فهمي ـ الموصل .
أسس الكيمياء العضوية ـ الدكتور يوسف علي الفتاحي ـ الموصل 1989م .
الإلياذة ـ هوميروس ـ تعريب سليمان البستاني ـ القاهرة .
انتقال الحرارة ـ الدكتور عبد الله عبد الكريم البهادلي . بغداد 1991م .
البيان والتبيين ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ . تحقيق عبد السلام محمد هارون. القاهرة 1367هـ – 1948م .
تأريخ الفيزيـاء ـ الدكتور مفيد دياب والدكتور زكريـا ظلام ـ حمص 2007- 2008م .
تغذية الدواجن ـ الدكتور اسماعيل خليل ابراهيم ـ الطبعة الثانية ـ الموصل 2000م .
تقدم التعليم العالي في العراق ـ حسن الدجيلي ـ بغداد 1963م .
تكنولوجيا الحبوب ـ الدكتور محمد عبد السعيدي ـ الموصل 1982م .
حركة الترجمة في المشرق الاسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة ـ الدكتور رشيد الجميلي ـ بغداد 1986م .
حركة التعريب في العراق ـ الدكتور أحمد مطلوب ـ الكويت ـ 1403هـ – 1983م .
حياة الحيوان الكبرى ـ كمال الدين أبو البقاء محمد بن موسى بن عيسى الدميري ـ بيروت 1430هـ – 2009م .
الحيوان ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ـ تحقيق عبد السلام محمد هارون ـ القاهرة 1356هـ – 1938م .
دعوة الى تعريب العلوم في الجامعات ـ الدكتور احمد مطلوب ـ الكويت 1395هـ – 1975م .
ديوان أبي نواس ـ تحقيق احمد عبد المجيد الغزالي ـ بيروت .
الري : أَساسياته وتطبيقاته ـ الدكتور نبيل ابراهيم الطيف وعصام خضير الحديثي ـ الموصل 1988م .
الصحاح ـ اسماعيل بن حماد الجوهري .
طباع الحيوان ـ أرسطو طاليس ـ تحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي. الكويت 1977م .
فجـر الاسـلام ـ احمد أمين ـ الطبعة السابعـة ـ القاهرة 1374هـ – 1955م .
فحص وتصديق البذور ـ هاشم محمد أمين وعلي حسين عباس ـ الموصل 1988م .
الفلاحة النبطية ـ الترجمة المنحولة الى ابن الوحشية أبي بكر احمد بن علي ابن قيس الكسداني ـ تحقيق توفيق فهد ـ دمشق 1993م .
فـن التوليـد ـ الدكتور بشير ناصيف وجماعته ـ حلب 1428هـ – 2007م.
فهرست ابن النديم ـ أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب اسحاق المعروف بابن النديم ـ تحقيق رضا تجدد ـ طهران 1971م .
الكامل في التراث الطبي العربي ـ الدكتور عادل البكري ـ بغداد 1426هـ – 2005م .
كتاب سيبويه ـ أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر . تحقيق عبد السلام محمد هارون . القاهرة 1385هـ – 1966م وما بعدها .
كشاف اصطلاحات الفنون ـ محمد علي الفاروقي التهانوي ـ تحقيق الدكتور لطفي عبد البديع . القاهرة 1382هـ – 1963م .
اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي ـ الدكتور مازن المبارك ـ بيروت 1393هـ – 1973م .
مبادئ ديناميك الغازات ـ الدكتور منذر اسماعيل الدروبي ـ الطبعة الثانية ـ الموصل 1988م .
مبادئ ميكانيك الموائع ـ الدكتور جميل الملائكة ـ ج1 سنة 1982، ج2 سنة 1985م ـ بغداد .
مبادئ هندسة تكييف الهواء والتثليج ـ الدكتور خالد احمد الجودي ـ البصرة 1986م .
معجم النبات والزراعة ـ الشيخ محمد حسن آل ياسين ـ بغداد 1406هـ – 1986م .
المنطلقات الفكرية والفلسفية في الفيزياء ـ الدكتور علي عطية عبد الله ـ الطبعة الثانية ـ بغداد 1431هـ – 2010م .
الموجز في ممارسة الجراحة ـ ترجمة مجمع اللغة العربية الاردني ـ ( أربعة أجزاء ) ـ عمان 1417هـ – 1997م .
نشاط العرب العلمي في مائة سنة ـ مجموعة بحوث شارك فيها كثير من الباحثين ـ بيروت 1963م.
النضائد ” البطاريات ” الحديثة : ( مواصفاتها ، أنواعها واستخداماتها الحالية ) ـ الدكتور جلال محمد صالح ـ بغداد 1430هـ – 2009م .
هندسة تكييف الهواء ـ تأليف دبليو . بي . جونز ـ ترجمة الدكتور خالد أحمد الجودي ـ البصرة 1984م .
الهيئة العليا للعناية باللغة العربية ـ الدكتور احمد مطلوب ـ بغداد 1430هـ – 2009م .
هذه أهم المصادر التي رسمت معالم البحث ، أمـا الرسائل العلمية الجامعية المكتوبة باللغة العربية فكثيرة منها رسالة الماجستير ( تأثير ضغط انتفاخ الاطارات القائدة ونوع المحراث وسرعة الساحبة في بعض المؤشرات الفنية وبعض صفات التربة  الفيزيائية ) للباحثة صبا عبد العزيز حميد علي الحديثي ، وقد نوقشت سنة 1427هـ – 2006م في قسم المكننة الزراعية بكلية الزراعة ـ جامعة بغداد ، وهذه الرسالة وغيرها تدل على أن اللغة العربية لغة علم لا لغة فن وأدب فحسب ، كما يتهمها المعوِّقون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *