زيد الحلي: شفيق مهدي يبحث في زمن المسرح ؛ السينما والتلفزيون لم تعطلا خشبات المسارح!

دوماً أشاهده يطالع باهتمام  ” بروفة ” كتاب جديد له  ،  مصححا ، ومضيفاً ، حتى خيّل ليّ ان أمنيته كانت ان يصبح مؤلفاً او كاتباً او صحفياً ، ورغم اهتمامه بالمسرح وهو اختصاصه الأكاديمي ، إلا إن انشغاله الأبرز هو عالم الطفولة من منظور فلسفي وإنساني وثقافي من واقع المجتمع سيما العراقي ، وله في هذا المجال نشاطات وأبحاث ميدانية عديدة ، لعل من  أبرزها كتابه المهم الذي أصبح من المراجع المهمة في قراءة واقع الرؤية الثقافية للطفولة من خلال المسرح باعتباره مرآة الحياة في كل المجتمعات الذي أصدره بالمشاركة مع الدكتور حبيب ظاهر حبيب  .. أنه الدكتور ” شفيق مهدي ” التدريسي لمدة 20 عاماً في الجامعة قبل ان يصبح مديراً عاماً لدائرة السينما والمسرح في العراق وقبلها دار ثقافة الأطفال .. ان الطفولة عند د. شفيق مهدي هي عالم ساحر وكون آسر . وعمر ذهبي  ونهر فياض وسيمفونية الحياة  ،  وباقة حب وبراءة وحنان وحنين  ، ودفء وعذوبة وطهر ونقاء وصدق ..     وإذا كانت الطفولة مرحلة أولية في حياة الإنسان ، فإن منا أيضا من استمر طفلا رغم انقضاء عمر الطفولة الافتراضي ، ورغم تتابع المراحل العمرية .
إذن لا يختلف اثنان بأن من الناس من عاش الطفولة بحدودها العمرية الطبيعية ، ومن الناس من لم يعشها بالمرة  ببدايات حياته ، وظل يفتقدها طوال عمره ، كما أن من الناس من عثر عليها بوقت متأخر ، فتمسك بتلابيبها وأبى أن تفارقه . لذلك كثيرا ما صادفنا بدروب الحياة أطفالا كبارا .. وكثيرا ما وصفت المرأة بالطفلة ، متى اتقدت حساسية وحسا مرهفا وحياء بريئا ومشاعر طفولية تجعلها تذرف الدموع أو توزع الضحكات لأدنى استثارة .     كل هذا وذاك يجعل من الطفولة عالما بلوريا شفافا أحبه د. شفيق مهدي حد الوله وجعله نبراساً لنهجه ورؤاه سيما في المسرح والنشاط فيه لقناعته بأن ثمة علاقة عشق ملتهبة بين المسرح والطفل ، تجعل منهما كائنا موحدا بنطاق رابطة أسرية ينهل فيها المسرح من معين الطفولة التي تجسد قمة إنسانية الإنسان الزمن الوجودي.. ويأتي كتابه الذي أصدره قبل فترة ( زمن سارتر ) وهو دراسة أكاديمية في الزمن الوجودي مؤكدا على رؤية  فاحصة  للمدارس المسرحية العالمية وعمق شموليتها الفلسفية  ، حيث أشار فيها الى أسماء مهمة في التاريخ المسرحي ، باعتبارها أسماء خالدة ، ذاكراً ان خلود تلك الأسماء تدل مباشرة على فعالية ما أنتجوه من درامات استقرت في الوجدان باعتبارها إبداعا إنسانيا لا يمكن تجاوزه او تخطيه مهما جرت محاولات الإغفال او التمويه ، فلقد استطاعت هذه الأسماء ان تحافظ على مكانتها لأكثر من الفي عام كما هو الحال مع ” يوريبدس واسخيلوس وسوفوكليس وبلاوتيس ” وبالإضافة الى ” مولير وراسين وشكسبير ” متذكّرين أسماء أخرى في الدراما الحديثة والمعاصرة مثل ” سترانديرغ وتشيخوف ” وآخرين كثر ممن استطاعوا ان يحققوا نفس القوة والمقدرة في الإبداع الدرامي .. وتخرج  بانطباع ، وأنت تنتهي من قراءة  كتاب الدكتور شفيق مهدي  هو ان ثنائية الإنسان والزمن وجودية  وأبدية، حاول الإنسان فيها كسب معركة غير متكافئة،  لكن في المسرح  يكسبها الفنان المسرحي في كثير من الأحيان بفضل عقله الذي أتاح له أن يبتكر الوسائل ويتخذ الصور الفنية المفترضة لاجتياز حاجز الزمن معنوياً والى جانب ذلك ، يؤكد المؤلف  أن الزمن الوجودي لا يمكن اجتيازه ” فعلياً “، لكن (قصة الاجتياز) تكمن في القدرة الخلاقة للمسرح  على اختزال الزمن في حين أو إطالته في حين آخر، بحسب الحاجة التي تدعوه إلى ذلك في ضوء رؤية فنية مسبقة . ويعرج الدكتور شفيق مهدي في دراسته الى الوقت الراهن  ، فيشير الى ان التلفزيون او السينما  لم يتمكنا من تعطيل الفعالية المدهشة للعرض المسرحي ويعطي مثالا بقوله ان شكسبير لاقى احتراما في أواخر القرن العشرين أكثر مما كان لقيّه في منتصف القرن السابع عشر او الثامن عشر .. ويخلص بعد ذلك المثل الى التأكيد على ان الإنسانية كلما توغلت في مسيرتها نحو المستقبل كلما ازدادت حاجتها الفعلية للعرض المسرحي استنادا للقول الشهير لـ ” جان دوفينو ” ( ان الشعوب ــ الجماعة ــ تستعين بالمسرح كلما أرادت تأكيد وجودها او القيام بعمل حاسم يتعلق عليه مصيرها )  وينتقل الدكتور مهدي ، في كتابه الى موضوعة الزمن المسرحي وإطاره النظري قائلا ان للمسرح زمنه الخاص كما هو للسينما والرواية والأسطورة والملحمة والشعر غير ان المسرح فن يرتكز على محورين أساسيين هما : المكان والزمان لكنه لايقدم هذين المرتكزين كما هما ، انه يقدم الوهم بالواقع وهو بالتالي يقدم زمنه الخاص الذي يميزه عم بقية الفنون والعلوم . ان المسرح زمن متفرد ، ومستقل بمعنى ان فهمه يقتضي منا ان نعرف ان المسرح فن له استقلاليته التامة ، بمعنى أخر انه ليس زمن باطن ، فهو مكتف بذاته ، له مسبباته ومنطقه الخاص . ويتطرق الكتاب إلى الفلسفة الوجودية ، ليعطي رأياً مهما ، فهو يجد ان الفلسفة الوجودية تنتمي إلى ثلاثة مفكرين هم ( كير كيجارد ومارتن هيدغر وجان بول سارتر ) وفي رأيه ان هؤلاء هم الذين أعطوا لهذه الفلسفة معناها العميق النهائي وان الوجودية ترتبط بهذه الأسماء الثلاثة دون إن يغفل بقية الأسماء الأخرى ، التي حاولت أن تعطي تميزاً لهذا الأسلوب الفلسفي ، لكن الدكتور شفيق مهدي يصر على ان الوجودية بمعناها النهائي قرينة الأسماء التي ذكرها .. أزمنة المسرح .. ويأتي الكتاب الجديد للدكتور شفيق مهدي ” أزمنة المسرح ” حاملا لأطر أكثر عمقاً مما جداء في كتابه السابق ، ليحدث جدلاً ثقافياً واسعاً في الوسط الثقافي المحلي والعربي وربما لو ترجم إلى لغات أجنبية سيحدث نفس الجدل ،  وقد وصف الدكتور ” مالك المطلبي ”  الكتاب بأنه  ضم أول دراسة مستقلة وغير مسبوقة عن موضوع الزمن في العرض المسرحي .. وانا أشاطر رأي الصديق المطلبي ، حيث شغلت ظاهرة الزمن الفكرالانساني منذ أقدم العصور فالبحث عن اصل الوجود زمن ، وأصل الكينونة زمن وتدرج الحضارة زمن .. وهكذا يدخل الزمن في كل البنى والهياكل يستكمل دورانه ويخرج منها كما هو .! وفي الفن ، يشير الكتاب الى ان ظاهرة الزمن تمايزت كتمايز المشاعر والأحاسيس عن بعضها البعض وعن المدرك العقلي ، وأصبحت جزءا من نظام لاحق فوصفها       ( ارسطو) في” فن الشعر” بوحدة الزمن التي تنتظم نمو الفعل وتعاقبه خلال دورة شمسية واحدة وربطها بالمكان . ومنذ ( ارسطو) وحتى بداية القرن العشرين بقيت ظاهرة الزمن في الفن والأدب سيما في النص المسرحي مبهمة  ..
ولعل ما يفيد في سبر غور هذه الدراسة المهمة ، الإشارة  إلى ان (نيوتن) أكد بأن (الزمن مطلق)  فيما جعله (آينشتاين) نسبيا بالنسبة للإنسان ومعروف ان هناك الكثير ممن شككوا بهذه النظرية دون إمكانية الإتيان بدليل، لكن مهما يكن الأمر فشعور الفرد بالزمن مرتبط بحالته الشعورية  مع مدّ وجزر الزمن، وبالتالي فالانتظار مرتبط بالإحساس بالسكون والثبات، وهنا يكون الفعل هو الفرصة التي تحقق اجتياز ذاك الحاجز الأبدي الذي تحاول الفيزياء اختراقه، لكنها لم تستطع ذلك بعد، مهما تحدث الفيزيائيون عن السفر في الفضاء بسرعة الضوء لإيقاف الزمن نهائيا.
قد يكون السفر من أكثر الأشياء التي تضع الإنسان على محك الزمن، وتشعره فعلاً بالسباق مع الحياة، فغالباً ما يشعر الإنسان أنه في تحدٍ حينما يرتبط الأمر بانتقاله من مكان إلى مكان عبر الزمن، فالوصول لا يتم إلا عبر بوابة الزمن. .. دراسة فلسفية .. ان دراسة د.شقيق مهدي ، هي بمصاف الدراسات ذات الاتجاه الفلسفي ،  فمن المعروف عن المؤلف شغفه وتعاطيه مع المفصل الفلسفي حياتيا ووظيفياً ، وربما هو احد القلائل في العراق من يؤمن بان الفلسفة هي اتجاه حياة وليس اتجاه تنظير فقط ! ان المؤلف عمد الى دراسة ظاهرة الزمن في العرض المسرحي لأسباب عديدة أهمها  انه ينبغي دراسة زمن العرض بوصفه قضية غير مدروسة سابقاً  في بحث مستقل إلا ما ذكر عرضاً في مقالة سريعة او بحث سريع  ووفق علم المؤلف فان هناك الكثير من الدراسات والبحوث المستقلة التي تناولت الزمن في الشعر او الزمن في الرواية .. الخ إلا ان مثل هذه الفرصة لم تتوفر لدراسة المسرح ــ العرض ــ في هذا الاتجاه على كثرة الإصدارات التي لا تعد ولا تحصى والتي تناولت ، هياكله وبناه ، عناصره وأهدافه ..
وبهذا الصدد يقول د. شفيق : ان المسرح واحد من الفنون التي تمتلك عمقها الحضاري والشعبي في آن واحد وهو يستحق فحص ما لم يفحص منه ” الزمن ” فدراسته  فقضية معرفية بالغة الأهمية والتعقيد أيضا ، انه تجريد من جهة ومجسد في كل شئ من جهة أخرى .. ان الزمن كناية مرئية عن بناء العرض ، بل عن وجوده حقاً  ومع هذا فان الزمن ــ بوصفه قضية معرفية ــ ينتابها الغموض ، لذلك وجدت ان من الضروري البحث الرصين لاستكشاف ظاهرة الزمن في العرض المسرحي .. ان أهمية الكتاب  تكمن في انه الدراسة الأولى التي تتناول ظاهرة الزمن في العرض المسرحي على المستوى الأكاديمي ، دراسة تضع الزمن في المركز من الاستقصاء المعرفي ، كونه الظاهرة التي تنصهر فيها عناصر العرض ضمن علاقة او مجموعة علاقات لعناصر لا يمكن إدراكها او إدراك علاقاتها فيما بينهما إلا بتفحص محتوى هذه الظاهرة ..   بعد ذلك ، يمكننا القول بأن بعض الناس يشتكون من الزمن.. غير ان الواقع هو أن الزمن هو الذي يشتكي منهم.. (لأنهم في كل الحالات يائسون .. وفي معظم المناسبات متشائمون ) ربما لأن الإنسان منذ ولوجه  في الحياة يرى ان الزمن هو العامل الأهم. لديه وهو شعور متأصل في النفس البشرية ، فالزمن يسير إلى الأمام ولا يرجع أبداً، وبالتالي يحاول ان يسابقه وإن أدركه فلن يسبقه ، فالزمن لا يمكن اجتيازه إلا إلى العالم الآخر، فالإنسان إذا ما فقد إحساسه بالزمن، فذلك يعني أن حياته انتهت لكن في المسرح ، بالإمكان تغيير الحالة … اليس الحياة ، مسرح التخيّل والإبداع  الدائم ؟
وفي الختام ، ينبغي التأكيد على ان العقل الجدلي والرؤية غير الأحادية للأمور الذي يتحلى به الدكتور شفيق مهدي ، يؤكد انه بمثابة حياة متجددة ورحلة مستمرة في الدراسة والكشف والبناء المستمر وقد لمست فيه انه يتجه الى واجهة المعرفة الأكاديمية وهو يمسك راية البحث والتجديد ، عكس آخرين ممن  يحاولون التوجه الى الأضواء متعكزين على جناح اسم مهشم هاو !!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن العاصي : ينظر الأوروبيون إلى المسلمين على أنهم متخلفون.. التجريد الصارخ من الإنسانية .

“ليس عليك أو تكون وحشاً أو مجنوناً لتجريد الآخرين من إنسانيتهم. يلزم فقط أن تكون …

| حاتم جعفر : في حاضرة الفن السابع .

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.