اياد خضير الشمري : زليخات السباعي … غنى اللغة

زليخات السباعي … غنى اللغة
اياد خضير الشمري
قاص
جريدة (الزمان) الدولية العدد 3811 في 2 / 2 / 2011

( كل شيء في الإنسان يجب ان يكون رائعاً ، وجهه ، وهندامه ، وروحه وأفكاره )
تيشيخوف
علي السباعي شاب ،طموح من جيل نشأ في حضن الحروب والأزمات والمآسي أثرت ذلك في قصصه المدونة في مجموعته ((زليخات يوسف)) ، والصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة 2005 تحتوي على عشرة قصص مريم البلقاء , مومياء البهلول , وساخات ادم , وتبقى قطام , الجذر ألتربيعي القمر , الزاماما و احتراق مملكة الورق , عطش ذاكرة النهر و زليخات يوسف وبكاء الغربان00سأتناول قسم منها00
هذه المجموعة أرادها ان تكون وثيقة تاريخية تجسد الأحداث المأساوية التي مره بها الشعب العراقي الذي عانى من ويلات الحروب والحصار والظلم .. لجأ الى الترميز خوفاً من بطش السلطة الظالمة 000 هذه المجموعة دونت بصمت لم يطلها الرقيب ولا المنافقين الذين يسعون الى منافع رخيصة ، لكان علي السباعي غير موجود معنا في الوقت الحاضر، وقد نجح في ذلك وظل محافظا بنشر رسالة الأديب الإنسانية وكما اعتبرت أعمال كافكا السوداوية أدانه للنظام الرأسمالي الذي عاش تحت لوائه ، ونهج غوغول الساخر من الظلم والانحلال والقمع والاستغلال ومن كل من عميت بصيرته من المتسلطين على المجتمع اللذين ينشرون فسادهم فكانت أعماله الادبيه جمعها من الواقع ومن الحقائق داخل المجتمع القيصري الروسي ، يمكن اعتبار زليخات يوسف هذه احتجاجاً أيضا على الفترة السياسية التي كتب عنها القاص علي السباعي ..
قصة زليخات يوسف.. وقصص المجموعة ، استخدام القاص ، الموروث الشعبي والأسطوري ، واستفاد من التراث واستغلال الحكايات الشعبية ، وهذا يحتاج الى وعي كبير بها ، فعملية تضمينها ليست يسيرة لأنها تحمل مدلولاً شغل ذهن القاص ، ولهذا فأن استخدام هذه القضايا كخلفية فكرية للعمل القصصي او كمادة أساسية ضمن رؤيا معاصرة ، عملية فنية غنية ، ليس سهلاً خلقها من دون قدرة جيدة ولغة قصصية مؤهلة وفهم مكثف وواسع بها 00زليخة زوجة العزيز التي أغوت النبي يوسف (ع) وأرادت الإيقاع به ، في شباكها ، لكنه تذكر الله عز وجل وحافظ على هدوئه خصوصا وان زليخة كانت جميلة 00ما أكثر الغاويات في المجتمع العراقي اللواتي يقدمن أجسادهن الطرية ، الرخيصة فضعاف النفوس يسقطون في الشباك ، أما أصحاب النفوس النظيفة مهما قدمت لهم من مغريات فهم صامدين في زمن الركض وراء المصالح والمنافع ( ارتمت زليخة بأرتعاشات زلزليه ملتقطة بيسراها كفها المفقودة/ تفاحة الخطيئة / يزينها خاتم ذهبي مرصع بفص كبير من حجر ازرق كريم ، وضعت كفها المبتورة
تحت نعلها المتسخ برماد الدم ، راحت تترع من أصبعه الأوسط خاتمها ، سكون سميك ضبب أهل المدينة وهم منشدون بتعجب طرق أجسادهم كالمعاطف )ص131 00
قصة مومياء البهلول00 يعين الكاتب في إبداعاته ومساهماته في الإسهام الواعي في تشخيص الواقع وتحليل أبعاده ، ومعرفة الكشف عن كل مجرياته من ابسطها حتى اعقدها ، من الأحداث اليومية الاعتيادية حتى مسائل المصير الإنساني ، عبر تواجد الإنسان والآخرين والغور في اعماق00(( نبوءة تغرغرت في حلق ذئب 000حصار الذئاب في اتساعه ، رياح شرقية وأدت مدينة ليلاً ، صوت ذئاب تعوي ، عواؤها حاصرنا ، أمس ، أول أمس ، قبل عام منذ سبع سنوات والبهلول ممسك بندقية محشوة ارث أسلافه لكن ! لا أصابع تضغط على الزناد فقط عيون ترقب الذئب والزناد ، الزناد وذئاب تعوي ، عواؤها صار: شواهد دلالات ، أمكنه، حضارات تجري داخل قوقعة الروح الأبدية ))ص39
إضافة الى غنى اللغة العربية ، قدرة علي السباعي الإبداعية الخلاقة والثقافة العامة التي يحملها 00فالثقافة هي الغذاء الروحي للإنسان وهي خبز الجماهير اليومي او هي نبض الإنسان المعاصرأوغير ذلك من التعبيرات العامة00القصة الواعية المبدعة ، نتاج قاص واعٍ ومبدع ، لان الوعي والإبداع يفتح للخيال نوافذ جديدة وعوالم جديدة تفجر موقفاً سياسياً واجتماعياً ونفسياً وعاطفياً … علي السباعي ارتمى في العلاقات العاطفية بلا حساب من أجل ان ينقذ الحياة من طعمها المر ويجعلها حلوة رائعة تستحق ان تعاش رغم متاعبها وثقلها ، كان عشقه لزليخة التي التهمت تفاحة الخطيئة 00الناصرية التي مرت بويلات الحروب والحصار وسنوات القحط التي سميت سنة لوعة ، هذه المدينة التي تفترش البساتين في شمالها وجنوبها ، عمودها الفقري نهر الفرات الذي يطفأ ضمئها ، الحبوبي لازال شامخاً يروي للأجيال ، المعانات ، الصراخ المكتوم ، الجوع ، الطيبة ، طيبة أهلها 00 (( آثار خطاهم اختفاءات مسورة بحصار مد أسواره عالية حول جسد زليخة ، مدينة بلا رأس ، زليخة بلا فضيحة تبحث في بقايا أسلحة الحروب المحطمة عن أصابع صويحباتها زفر الرخ دوامات انفاسه سحباً لاهبةً أسفرت عن انفجار يلط أشعة أيقظت ( سنة لوعة ) من رقادها ))ص129
قصة مريم ، امرأة تعشق فائق حسن وخيوله والبلقاء هي أنثى الخيل التي لا تخاف الموت والمضحية وظاهرة الثأر من العادات الموروثة ومن بقايا الجاهلية التي كانت منتشرة في الناس قبل الإسلام ،( خذ ثأر بنت عمك وخطيبتك مريم وأحفظ لنا هيبتنا “)ص6 . لن يهدأ العراق من هؤلاء السراق ، يصولون ويمرحون بحجة أسلحة الدمار الشامل ، فالقصة صرخة مدوية ضد الظلم ،الاستعمار ،مناصرة للشعب الذي عاش الويلات والحروب … انه الحب العذري الذي يقف بوجه تلك القاذورات حتى لا تدنس ارض العراق (أدهشتني مريم بأنها أكثر شباباً من أن يتخيلها واحد مثلي ، قوام ممشوق مضفور من طراوة ونعومة وصلابة وقوة ، دفيء كالعسل بارد كالحليب ، مستقيمة رشيقة ،آهٍ، أنها كل ذلك وبلون العسل الحي خاطبتني ) ص 16هكذا يرى حبيبته ، شباب ، طراوة، نعومه، قوة، كالعسل ، كالحليب ، مستقيمة دلالة على النقاء والعفة والشرف صفات المرأة العراقية الصابرة الصامدة 00
قصة وساخات آدم 00أن القصة ليست معادلة رياضية بل هي عملية إبداعية 00والعمل الإبداعي خليط من الواقع والحلم والطموح والإسقاط والداخلي والخارجي 00وساخات آدم ، ما أكثرها 00تحكي قصة المدينة التي تلفظ القمامات التي ابتلت بها الطرقات ، بعدها يتهافتون على نبشها ، ليبيعون النفايات والسكراب في بلد كثير الخيرات والتي ابتلى بها ، تلك النفايات التي تحتضن آلام الماضي وأوجاع السنين الغير مجدية في الحياة..
( أكوام قمامة تفوح عفونة ، متسولون ، هياكل سيارات محطمة كلاب تقضم بكسل ، صفائح ، سكاكين مكسورة ، زبالون ، فكوك حيوانية بأسنان ذئبية ، وآدم يلهو بعصا ينكأ جرح الشمس هدر دمها مجتاحاً لافته تقول : مرحباً بكم في مجمع النفايات ))ص57
التاريخ العربي القديم لا يخلو من فن القصة ، لان القصة لا يمكن ان تخلو منها امة من الأمم قطام بنت شحنة التميمية طلبت مهرها من عبد الرحمن بن ملجم دم الأمام علي عليه السلام ..
سيما زوجة النبي لوط..
خبابة كانت جارية عثمان بن سهيل ، اشتراها يزيد بن عبد الملك وعشقها وهام فيها تاركا أمور الخلافة حتى ماتت فأحتضنها حتى صارت جيفة ، ثار عليه الناس وقتل..
أماجي : آلة الحرب لدى السومريين ،
زاماما : الحرب في لغة العرب القديمة ،
عزيزو: آلة الحرب العربي ، مدينة لارسا طريق الموت والرمال والجفاف والحرب ..
برناردي فوتو ناقد قصصي يقول (من المؤكد ان تتأثر القصة بالتاريخ الشخصي لكاتبها ) ويتساءل (فهل القصص أذن تراجم ذاتية ؟ ) ويرد على تساؤله بنفسه ( لاشك أنها كذلك )
استطيع القول بإجادة القاص علي السباعي ، او صياغة مزالق مجموعته القصصية عبر أسس مهمة في الرؤيا الإبداعية مستفيد من التراث القصصي .. وابداء الرأي بغية المحافظة على الجذور الراقدة لاخضرار شجرة الحياة كي لا تجف كما يراها سارتر…

شاهد أيضاً

رحيل الشاعر والصحفي العراقي “ماجد البلداوي”

نعى ادباء وصحفيو محافظة ميسان الشاعر والصحفي ماجد البلداوي الذي توفي اليوم السبت بعد معاناة …

الأدِيبُ( يحيى نوح مجذاب) وَالْوَشَمُ الْمَغْرُوسُ فِيْ شِعْرِهِ الْجَذَّاب.
موشي بولص موشي

تَعَارَفْنَا قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ وَتَعَمَّقَتْ عُرَى الصَّدَاقَةِ بَيْنَنَا، شَكَّلْنَا فَرِيقًا مُتَجَانِسًا مُكَوَّنًا مِنَ الْأَسَاتِذَةِ الْأُدَبَاءِ،عدنان …

ناجي الحازب آل فتله: المعجم الحازبي:الألمانية بوصفها لغةً عربية (القسم الواحد والعشرون)

ekl-atant أكل والْأُكْلُ: الرِّزْقُ. وَإِنَّهُ لَعَظِيمُ الْأُكُلِ فِي الدُّنْيَا أَيْ عَظِيمُ الرِّزْقِ ، وَمِنْهُ قِيلَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *