ميساء نبيل عبد الحميد : الغربة والاغتراب في روايات (غائب طعمة فرمان) (ملف/13)

إشارة :
تمرّ الذكرى الخامسة والعشرون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا احتفاء يليق بقامته الروائية العظيمة . تفتتح أسرة الناقد العراقي هذا الملف كمساهمة في هذه الذكرى ، وتدعو الأخوة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما لديهم من بحوث ودراسات ووثائق وذكريات عن الراحل الكبير .. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإبداع العظيم.

رسالة تقدمت بها ميساء نبيل عبد الحميد إلى مجلس كلية التربية ـ جامعة تكريت وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها

الفصل الخامس:
(ظلال على النافذة)

صدرت هذه الرواية في عام (1979)( )، وهي الخامسة من حيث ترتيب رواياته المنشورة، وللوهلة الأولى، يبدو مضمون الرواية وكأنه عمل متمم لأعمال (غائب) الروائية السابقة، إلا أننا إذا ما تمعنّا في تفاصيلها نجد أن هناك تبايناً في أجوائها وشخصياتها وطبيعة معاناة تلك الشخصيات، بل وحتى في التكنيك الذي استخدمه في هذه الرواية، ولعل ذلك ما جعل (غائب) يقول عنها في إحدى مقابلاته الصحفية: “في ظلال على النافذة وجدت نفسي متلبساً في موضوع غريب عليّ…”( ).

إن المادة الخام أو،الأصل – إذا جاز التعبير – التي حاول (غائب) أن ينسج منها خيوط روايته هذه، هي ما كان يختزنه، وهو في بلاد الغربة، من رصيد الذكريات، عن تجارب مرّ بها عندما كان في أرض الوطن، ما لبث حنينه الشديد للوطن أن حرّكها، بعد أن كانت هاجعة، واستحضرها في وعيه مجدداً، فأخذ يراجعها، ويتمعن فيها، وينسج منها أحداث الرواية، فهو يقول، في مستهل الرواية، على سبيل التقديم:
“في حياتنا نمر بتجارب يورق لنا بعضها أجمات من الذكريات تصحبنا في طريق حياتنا ردحاً من الزمن ثم نخلفها وراءنا في سير القافلة الذي لا يني ونحسب اننا قد نسيناها، وان رياح العمر قد ذرتها. ولكننا نفاجأ بها أحياناً تطل علينا، مع تقدم العمر، كظلال على نافذة ذاكرتنا. وقد تعذبنا هذه الظلال… ولكننا لا نستطيع منها فراراً، فقد صارت جزءاً من ضميرنا وذاكرتنا، ولا مهرب منها ولا منجى. …”( ).

وتعود (اجمات الذكريات) تلك التي صاغ منها (غائب) روايته، من حيث الزمان، إلى ما كان عليه المجتمع العراقي في حقبة الستينات من القرن العشرين، حين تأزمت الأوضاع السياسية خلالها واحتدمت، بل اتسع تأثيرها ليشمل تردّي الأوضاع الاقتصادية، وسوء أحوال المعيشة، وتزايد نسبة الفقراء والعاطلين عن العمل بين حَمَلَة الشهادات والمثقفين، الذين دفعتهم معاناتهم إلى لعن واقعهم المأزوم، بحاضره البائس الشحيح، ومستقبله الذي لا يبشر بالانفراج، فتعمد إلى إلتماس السلوى في الماضي الذي تحن إليه وتناجيه بِوَلَه.

أما من حيث المكان، فان أحداث الرواية تجرى في مدينة بغداد، وتحديداً في بعض مناطقها وأحيائها، مثل: (الرصافة) حيث كانت تسكن الشخصيات الرئيسة في الرواية، بأحيائها وأزقتها القديمة، وحي (الوشاش) حيث مسكنها الجديد الذي انتقلت إليه، فضلاً عن الدكان وورشة النجارة، حيث تعمل الشخصية الرئيسة الأولى، ومن ثم (معهد الفنون الجميلة) الذي يحتضن شخصيات ثانوية تقوم بأداء أدوار الشخصيات الرئيسة في مسرحية من تأليف إحدى الشخصيات الرئيسية – وهذا ما قصدته بالتكنيك الجديد الذي استخدمه (غائب) في هذه الرواية.

تدور أحداث الرواية حول أسرة عراقية – بغدادية، مؤلفة من (ستة) أفراد، وهم: الأب (الحاج عبدالواحد الحاج حسين النجار) الذي يمتهن النجارة، التي ورثها من أبيه وجده. والأم (رباب) ربة البيت الطيعة. وثلاثة أولاد: أكبرهم (ماجد) وهو مهندس مع وقف التنفيذ لكونه عاطلاً عن العمل، والأوسط (فاضل) غير متعلم، ويمتهن مثل أبيه النجارة، ولكنه لا يعمل في ورشة أبيه وإنما في ورشة أخرى، وهو متزوج من (حسيبة) فتاة يتيمة، أمية، وحيدة، مضطهدة. والأصغر (شامل) طالب في (معهد الفنون الجميلة). والابنة الوحيدة (فضيلة) فتاة محبة، معطاء، قابعة طوال اليوم في المطبخ.
يسكن هؤلاء الأفراد في بيت كبير، يقع في حي بغدادي حديثٍ راقٍ يدعى (الوشاش)، انتقلوا إليه مؤخراً، بعد أن كانوا يسكنون بيتاً عتيقاً، في حي قديم عريق من أحياء (الرصافة).

تتعرض الأسرة إلى (حادث) غريب من نوعه، يقلب حياتها رأساً على عقب، إذ تهرب (الكنّة) الوحيدة، زوجة الابن الأوسط (فاضل)، بسبب المضايقات والضغوط التي كانت تتعرض لها من بعض أفراد الأسرة، التي لم تستطع تحملها، بسبب اقترانها بابنها، الذي تزوجها حباً بها رغم أنف والديه، وبسبب عدم إنجابها، الذي صار لغزاً محيراً.

إننا يمكن أن نشبّه ذلك (الحادث) بما ينجم عن إلقاء حجر ثقيل في وسط بركة ماؤها راكد، إذ سرعان ما يحدث سقوطه حلقات من التموّج، سرعان ما تتّسع حتى تصل إلى أقصى مداها. وعلى النحو نفسه، سبّب الحادث تأزماً في تلك الأسرة، بدءً من قطبها أو محورها الرئيسي الأب (عبد الواحد) الذي تستهل الرواية بوصف وقع (الحادث) عليه، واجتراره لهمّه، لأنه:
“يجابه مشكلة لم يجابهها طوال حياته، ولم يجابهها أحد من آبائه وأجداده، ولا من أقاربه الأقربين والأبعدين، ولا أحد من حيه القديم، ولا عائلة واحدة في حيه الجديد، في أغلب الظن، بل لم يذكر أنه سمع بمثلها، أو روى أحد له شيئاً من هذا القبيل… وهذه المشكلة الفريدة العويصة، المدوّخة للرأس والمندية للجبين هي أن زوجة ابنه المتوسط الجاهلة الرعناء قد خرجت من البيت البارحة… ولم تعد حتى الآن… .
أليس ذلك عاراً، فضيحة للعائلة كلها؟ وماذا سيقول الناس إذا سمعوا؟ سيكون عبد الواحد المستور مضغة في أفواههم، اضحوكة لمجالسهم، تهامساً خبيثاً، إذا اجتمع اثنان في مجلس أو طريق….”( ).
وعلى أثر ذلك (الحادث) تتشظّى الأسرة، ليعيش أفرادها في عوالم أو أجواء مختلفة، ومنفصلة كل منها عن الأخرى، لا يجمعهم سوى سقف واحد. فالأب يسعى جاهداً من أجل لملمة تداعيات (الحادث)، من خلال البحث عن (الكنّة) الهاربة لإيجادها وإرجاعها للبيت، ولا يتوانى، من أجل ذلك، عن اللجوء مضطراً، إلى حب شبابي قديم، كان قد دفنه في قلبه، لفتاة في محلته تدعى (نعيمة)، كانت تبادله الشعور، لكن الظروف فرقتهما وصار لكل منهما حياته. وبدا له أن (نعيمة) بما تملك من وسائل متنوعة، قادرة على إيجاد (فقيدة) أسرته. وتأخذ المبادرات والأفعال وردود الأفعال بالتزاحم، خلال رحلة البحث عن (حسيبة) التي لا يعرفون ما آل إليه مصيرها. فزوجها (فاضل) يركن إلى الانعزال والتباعد عن أهله، ملتمساً في السُكر، ووسادة زوجته وسيلة تعينه على تحمل فقدانها وديمومة الأمل في العثور على من تعلّق فؤاده بها من أول نظرة، و(ماجد)، الأخ الأكبر العائد من الغربة مؤخراً، الذي تطغى على ذهنه مشاعر الاغتراب والوحدة، رغم وجوده بين أفراد أسرته، والذي ضاعف من معاناته وعذابه ذلك الهروب المفاجيء لزوجة أخيه، التي كان يشفق عليها ويبرر سلوكها – فقد كانت تذكره بحبه الأول (زهرة) – عندما وجد نفسه بغتة وسط مشكلة لا يعرف جذورها جيداً.
ويمكن القول إنَّ الاغتراب الذي عانى منه (ماجد) يُعد سبباً في صعوبة تأقلمه مع أهله، فضلاً عن أجواء البيت الجديد التي يستغربها، ويحن لأجواء البيت القديم المليء بصور ذكريات الطفولة وعفوية الصبا. فهو الفرد الأول ضمن أسرته الحاصل على شهادة عالية في الهندسة. ورغم حصوله على تلك الشهادة من خارج العراق إلا أنه عندما عاد وجد لزاماً عليه المضي في البحث عن شيئين: زوجة أخيه، والوظيفة التي يتطلع إليها. وفيما كان (ماجد) يغرق في حنينه للماضي، ويصارع اغترابه، يواصل أخاه (شامل) حياته برتابتها المعهودة، دون التأثر بالمتغيرات التي أحدثها هروب زوجة أخيه، إذ أنه لم يكن يستلطفها أبدا. فهو مع كونه طالباً في (معهد الفنون الجميلة) يتميّز بطباع تغلب عليها القساوة، والأنانية، والفتور تجاه أقرب الناس إليه، غير مبالٍ إلا بذاته وبمستقبله ومصيره. أما الأخت فانها لا تملك سوى القنوع بحظها العاثر. فهي فتاة شابة قابعة في المنزل يكاد ربيع عمرها يمضي دون أن يزهر بزوج تتشارك معه الحياة، بمنأى عن كل ما يحدث حولها. إلا انها تستمر في العطاء والتضحية، لا تتسبب ولا تُسبب أية أزمات، ويكاد دورها يقتصر على كونها مجرد شاهد عيان على ما يحدث.
أما زوجة الحاج عبدالواحد (رباب) ربة المنزل البسيطة، المحبة لأولادها، فانها، مع كونها تجمع في ذاتها كل خصائص الأمومة الحانية، تتسنّم دور الجلاد لكنّتها (حسيبة) فتجلدها بقارص الكلام، والتعليقات القاسية، والتلميحات التي تضرم النار في قلبها المفجوع بحرمانها من الانجاب.
وهكذا يستمر كل فرد في الاضطلاع بمهامه والايفاء بمتطلبات حياته على نحو رتيب، سوى (الحاج عبد الواحد) الذي كاد، في سعيه المضني، أن يقع في شباك الحب القديم، لو لم يحل وفائه لزوجته، وحرصه على التماسك دون ذلك. فقد حاولت (نعيمة) – الأرملة، والحبيبة السابقة إعادة تأجيج مشاعر المودة والحب في قلبه، بذريعة المساعدة في البحث عن (الكنّة) الفارة من إضطهاد من عدّتهم أهلاً لها، لكن (الحاج عبدالواحد) عمد إلى صدّها ليوقظها من وهمها وجعلها تركن إلى الواقع وإلى ما هو مقدر لها.
وفي نهاية المطاف يفلح (الأب) في العثور على الزوجة الهاربة (حسيبة) ويحاول، عبثاً، استرضائها واقناعها بالعودة إلى كنف زوجها. وما تلبث الرواية أن تنتهي برفض الزوجة، العودة إلى ذلك البيت الذي عانت فيه الكثير، ولم يعد في وسعها أن تتحمل منه المزيد.

تشتمل الرواية، شأنها شأن روايات (غائب) الأخرى على شخصيات (رئيسية)، وأخرى (ثانوية)، أما الرئيسية فهي أفراد الأسرة، وأما الثانوية التي تشارك في بناء حبكة الرواية وتتفاعل في نسج أحداثها، فتضم: (جليل) و(إحسان) و(مؤيد) أصدقاء (ماجد) ورفاقه في رحلة البحث عن عمل. وكذلك أصدقاء (شامل) وزملاؤه في (المعهد) الذين أسندت إليهم أدوارٌ في (المسرحية) التي أعدها (شامل) لكي يمثلوها، وهم: (خالد) و(جبار) و(أميرة) و(سناء) و(كمال) و(جلال) و(علوان) و(لطيف) و(التفات). فضلاً عن العجوز العمياء (عطية) التي تختبيء عندها (حسيبة)، وكذلك (نعيمة – أم جعفر) الأرملة التي كانت فيما مضى حب (الحاج عبد الواحد) وصارت في الوقت الحاضر وسيلته للعثور على زوجة ابنه. وأخيراً (أم عزيزة) – صاحبة البيت المشبوه الذي تلجأ إليه (حسيبة) للاختباء فيه بعد تركها لبيت المرأة العجوز العمياء.
كل تلك الشخصيات الثانوية تضفي على الرواية طابع التشويق، وتسهم في صنع البناء الدرامي للرواية.

ولما كان (عبد الواحد) رب الأسرة، الذي بدأت الرواية بوصف معاناته العميقة، جراء (الحادث) الذي زلزل كيانه، قبل غيره من أفراد الأسرة، والذي جاهد من أجل اماطة اللثام عن اللغز الذي خلفته (حسيبة) من خلال اختفائها الغامض، فاننا يمكن أن نعده الشخصية الرئيسية الأولى في الرواية. هو رب الأسرة والمسؤول عن زوجة وثلاثة أولاد أحدهم متزوج، وبنت واحدة، تمتاز شخصيته بالصرامة المعقولة، وحب التقيد بالتقاليد وعدم خرقها، مع رغبة في تغيير حياته ونمطها نحو الأحسن والأفضل، وقد يكون ذلك ما حمله على الانتقال من حي (الرصافة) القديم العريق إلى حي (الوشاش) بعد تشييده فيها بيتاً أكثر حداثة وأكبر وأوسع من ذلك القديم:
“أدخل البيك آب في الممر المسقف بألواح جديدة، صنعها هذه السنة ولم يصبغها بعد”، أما “هذا السقف، فإن طبقة الجص الصقيلة تخفي أضلاعه الحديدية المستقيمة التي تثبت الآجر الحقيقي المفخور، أضلاعه مخفية خلف طبقة من الإسمنت والجص الأبيض”( ).

يعمل (عبد الواحد) نجاراً، وارثا” مهنته عن أبيه وجده( )، ويمتلك دكان نجارته الخاص، ولا يمثل هذا المكان دكاناً للعمل وحسب، وانما هو بالنسبة إليه وسيلة إرتقاء وإرتباط مع المحيطين به ومن خلاله صنع لنفسه مكانة اجتماعية متميزة:
“ما مرّ شخص من دكانه إلا وحظي بتحية، أو استفسار عن الصحة، أو تعليق، أردفه بنكتة خفيفة على القلب”( ).
ولقد أدّى سوء الأوضاع السياسية إلى تدهور الحالة الاقتصادية، الأمر الذي انعكس تأثيره سلباً على عمله، مما ولّد لديه شعوراً باغترابٍ سياسي تجاه سياسة الحكومة الاقتصادية آنذاك:
“لا يلحق النجار أن يأخذ شغلة بسعر معين حتى يرفع التجار سعر الخشب مرتين، ويخسر الصفقة.
– ماكو حكومة تحاسبهم؟
– يا موسى أنت وربّك”( ).
إلا أن التجديد الذي طرأ على مسكن (عبد الواحد) رغم ما فيه من تحسينات وتغييرات إيجابية، لم يحل دون أن يراوده شعور بالغربة وحنين عارم إلى مسكنه القديم ومحلته القديمة، التي عاش فيها مدة طويلة جعلت من ذلك المكان جزءاً من كيانه:
“كان عبد الواحد، في أحياء الرصافة، يشعر أنه سلطان، يتبختر فيزاحم، ويؤخذ له حساب، ويرفع صوته فيرن في الأرجاء ويسمع كل كلمة يقولها الناس، ويرسل النكتة، فتتلفت وجوه، وتضحك أفواه. أما في منطقته الجديدة فيبدو ضائعاً”( ).

إن محاولة (الحاج عبدالواحد) للتأقلم مع واقع الحياة الجديدة، وحفاظه على تماسك أسرته، قدر الإمكان، وبناء صرحٍ أسري صلب الأساس انشرخ أثر هروب أحد أفراد تلك الأسرة. إذ هربت زوجة الابن الأوسط تاركةً البيت بما فيه، حتى زوجها الذي أحبها وأحبته، بسبب معاناتها مع بعض المحيطين بها، وسوء معاملتهم لها، وقسوتهم عليها وإضطهادهم لها.
وهذا (الحادث) أثر في نفسيته وسبّب له هزة وجدانية عميقة تكاد تهدم له ما سعى لبنائه طوال سنوات حياته المنصرمة. فهو يشعر بالعجز والضعف والهزيمة، ولا يعرف مصير عائلته كيف سيكون إذ بحثوا عن (الكنّة) كثيراً ولم يجدوها. إذ ما من خيط يوصلهم إلى أي أثر يقتفونه ليعرفوا أين اختبأت. وتلك (المشكلة) تكاد تفتك به ولا يعرف كيف يحلها ويلملم تداعياتها، حتى أنه يتمنى لو كان بإمكانه ترك كل شيء، يهرب من أزمته بعيداً، خارقاً كــل الحـواجـز، باحثاً عــن الســكينة والاســتقرار:
“كل إنسان تمر فيه أوقات يريد أن يتخلى فيها عن كل شيء، يهجر كل شيء، يهرب حتى من جلده”( ).
سادت أجواء من التفكك والانطواء بين أفراد الأسرة، فالأب يجلس ويفكر في الأسباب والدواعي التي أحدث هذه الأزمة في عائلته وفي (الكنّة) التي يجهلون مأواها، وهي التي لا أهل ولا أقارب تلجأ إليهم، سوى عمة كفيفة عجوز تسكن لوحدها ولم يجدوها هناك أيضاً، ويضيق الحال بالحاج عبدالواحد ولا يعرف كيف يخرس صوت التساؤلات في نفسه، ويكبت نار الغضب المشتعلة في داخله:
“نبعت من أعماق عبدالواحد نقمة شديدة توترت كالقوس ظلت تتوتر في أعماقه دون أن يعرف إلى من يوجه سهمها”( ).
ومما كان يزيد من عذابه وألمه، رؤيته لإبنه (فاضل) – زوج (حسيبة) وهو منزوى عنهم، ولا يشاركهم حتى معاناته:
“كان يرى فاضل يذبل، ويشحب لونه، وتتغير أطواره، وينفصل عن أهله، ولا يكلم أحدهم إلا نادراً”( ).
إن (حادث) الهروب ذاك جعل (الحاج عبدالواحد) يخضع لتجربة الاغتراب المؤقت، الذي يزول بزوال المسبب. فالعزلة التي اختارها أفراد الأسرة سلوكاً في حياتهم كشفت الغطاء عن اغتراب بعضهم، والذي حاولوا إخفائه ونكران وجوده في نفوسهم المحبطة:
“عجيب أن هذا البيت انقسم إلى عوالم صغيرة مفصولة عنه، عن عبد الواحد. كان كجرَّة ماء عذب المذاق، فإذا بها تتهشم قطعاً، وقحوفاً تتناثر في الأركان، ويحس عبدالواحد بأنه (قحف) مرمري في غرفة الجلوس، مهمل لا يعبأ به أحد، وأنه قد سُلب أعز ما لديه، بيته الذي بناه، العائلة التي أنشأها، الأبناء الذين ربَّاهم، الزوجة التي خدمها مثلما خدمته. كلهم ابتعدوا عنه وتركوه وحيداً معزولاً”( ).

والشخصية الرئيسية الثانية في الرواية، التي يتجلى فيها الاغتراب، هي شخصية (فاضل) الابن الأوسط للحاج عبدالواحد، الزوج المصدوم بهروب زوجته التي يعشقها، فهو يعمل (نجاراً) في ورشة غير ورشة أبيه التي رفض العمل فيها، ويصف أخاه (ماجد) مكان عمله:
“محل لصنع الصناديق الخشبية، قرب حمام مشهور في أحد أزقة بغداد… وسمعت أصوات مطارق. رأيت أمامي خرابة مسورة بصفائح من الجينكو معوجة، محناة بالصدأ، قابلني جدار منفوخ، مهدم تكمله هذه الصفائح… كان المكان بائساً خَرباً لا يصلح حتى لتجميع الفضلات. ولكن حين دفعت الباب الصديء، انفتح لي حوش مربع الشكل، حافل بالناس، تتناثر فيه الصناديق الخشبية والألواح والنشارة. ووراء كل صندوق لم يكمل بعد شخص قابع على الأرض يقص خشبة، أو يدق مسماراً”( ).
تمتاز شخصية (فاضل) بالبساطة والتواضع، فهو غير متعلم ولا يطمح للتعلم، متأقلم مع مهنته مكتفياً بها، له عاطفة اتّقدت فيها نيران الحب من أول وهلة، حين ذهب مع أصدقائه لعرس صديق لهم، وتراهنوا على أن يتزوج (فاضل) بأول فتاة تجلب لهم العصير. وتفاجأ حين جلبت (حسيبة) العصير مقدمةً إياه بخجل واستحياء ظريفين، جعلتا (فاضل) متعلقاً بها منذ وقعت عيناه عليها.
وهكذا تزوج من تلك الفتاة اليتيمة الوحيدة، رغم عدم موافقة والديه على الزواج منها، نظراً لعدم معرفتهم بأهلها وحسبها ونسبها كما يقولون. لكنهم لم يشعروا بما شعر به (فاضل) تجاه (حسيبة) التي بادلته الشعور ذاته، وكان ذلك الحب السبب الأول في اغترابه عن أسرته:
“كانوا يريدون أن تخرج خطيبتي من يدي أمي، دون أن أراها، ولما رأيت حسيبة في العرس وطلبت أن يزوجوني إياها، اعتبرت عاقاً وخارجاً على ملة الإسلام”( ).

لم يرفض (فاضل) نداء القلب، لكنه لم يهنأ بزواجه، إذ صارت زوجته تتعرض للمناكدات والمنغصات من والديه. ومما زاد من حجم الفجوة بينهم، مشكلة عدم إنجابها، والتي زادت من قناعة الأهل في سوء اختيارها من قِبل ابنهم، الأمر الذي دفع (فاضل) إلى العزلة والإنفصال عن أسرته، واغترابه عنهم، وشعوره تجاههم كأنهم غرباء يسعون للنَيل منه: “- كان أبي يريد أن يصبح جداً، يشتاق إلى طفل منك في شيبته…
– آه… كلكم أعدائي”( ).

شعور بالضياع والوحدة يطغى على (فاضل) في غياب شريكة حياته، التي فرت هاربة لتتخلص من معاناتها، وتخلص زوجها من نظرات الاستغراب التي تحوم حوله من والديه، واضعةً إياه في موقفٍ صعب، إما الاستمرار بدونها وهذا مستحيل عليه، أو العيش على ذكراها وهذا ما زاده عذاباً وألماً. وكانت وسيلة للهروب من كل ذلك جلوسه مع صديقه (عباس) وزميله في ورشة العمل، حيث يتسامران ويسكران معاً، متناولين (مزّتهما) الفقيرة، متأملين تحسن الأوضاع، مترقبين تغييراً لا يلوح منه شيء في أفق حياتهم.
لقد جعلت وحشة الفراق (فاضل) كارهاً العودة إلى المنزل الذي تتناثر فيه ذكريات عن زوجته وآثارها، في غرفتهما عطرها، وسادتها، كل شيء يذكره بها، فتضيق به الجدران كما ضاق به الحال، فيكره كل ما يخلو من روح الفتاة التي تمنّى العيش برفقتها ما تبقى من أيام حياته: “البيت الذي لا يضمني معها موحش كالقبر”( ).
لم يتقبل (فاضل) أي مساندة معنوية من أفراد أسرته، حتى من أخيه (ماجد) الذي لا يمت للمشكلة بصلة ولم يشترك في أي من جوانب خلقها. ورغم تعاطفه مع (فاضل) لكن فجوة الاغتراب بينهما كانت من الاتساع بحيث حالت دون حدوث التواصل الأخوي بينهما، فعالميهما منفصلان عن بعضيهما، ومتباعدان تماماً:
“وبدا لي وكأنه ليس أخي الذي يصغرني بسنتين، هذه الحقيقة القاتلة فتكت بي، أبعدته عني. كنت أراه من خلال الغربة النفسية التي يلوذ بها”( ).

طالت فترة غياب (حسيبة) وما من أخبار عنها تطمئن قلب الزوج المتلهف والمحطم بالفراق مما جعله يشعر بالاحباط واليأس من عودة مرجوة، غير مؤكدة، مؤجلة إلى حين غير معروف:
“- لا أظنها ستعود.
– ولم هذا الظن…
– أكلوا رأسها، ستفضل الموت على الرجوع. ستقتل نفسها.
– معقول.
– ستفعل ذلك. أنا أعرفها. كانت تقول لي:
– سأرمي نفسي تحت سيارة، سأرمي نفسي من على الجسر.
– لا تأخذك هذه الأفكار، ستعود بالتأكيد.
– تعود إلى جهنم؟ قلبوا حياتها إلى جحيم. كانت تصبح وتمسي على مناكداتهم. تأكل اللقمة مغموسة بتعييرهم. فهربت ولن تعود”( ).

فاستسلم لليأس الذي يمحو إشارات الأمل يوماً بعد يوم، حتى أصبح (فاضل) لا قوة له، وهوانه يتحكم بروتين حياته المملة:
“نظر إليّ الآن نظرة يائس مغلوب على أمره، كان التشكك في عينيه ، وفي تيبس قسمات وجهه … العينين مهمومتين في فراغ اليأس والنضوب”( ).

ويظل (فاضل) مستسلماً لدوامة الاغتراب النفسي التي تعصف به، ضائعاً، عائماً على سطح التيار الذي يجرفه، يفتقد ضفة تحتضنه أو قراراً يستند إليه، ولكن دون جدوى:
“- أنت هنا، يا فاضل؟ مررت عليك في الشغل.
– جئت هنا لأستريح قليلاً.
– كأنما ليس لك بيت….
– كان لي بيت.
– دفنت أهلك، وهم أحياء؟
هذا الإتهام الباطل زاد من تفتته وغربته عن نفسه.
– لم أدفنهم، ولكني يئست من حنانهم…
التعاسة الانتقامية تكلمت:
– اتركوني وحدي”( ).

والشخصية الرئيسية الثالثة، في الرواية، التي يمكن أن نتلمس فيها مشاعر الاغتراب هي شخصية (ماجد) الابن الأكبر للحاج عبد الواحد، شاب متعلم، مثقف، حاصل على شهادة عالية في الهندسة من إحدى الجامعات الأوربية، يناهز الثلاثين من العمر، وهو يتميز عن أفراد أسرته بانتمائه الشديد إلى الوطن وحبه له، الأمر الذي دفعه، في مقتبل عمره، إلى أن يصبح مناضلاً وثورياً، يسعى لتحقيق الاستقرار السياسي لوطنه، إلا أن ذلك التفاعل مع الانتماء عاد عليه بجملة من المشاكل اضطرته إلى التواري عن أنظار رجال السلطة، خوفاً على حياته ومستقبله، فأخفى نفسه في بيت أحد المعارف، على بُعد خطوات من بيته. وهناك يقع في غرام الخادمة التي تعمل لديهم، وتدعى (زهرة)، والتي لم تستطع التعايش مع تطورات ذلك الغرام، فترحل حاملة معها ما أثمره ذلك الغرام من ذكريات طبعت في ذاكرة (ماجد) للأبد:
“كنت أراقب زهرة في مكمني، تروح وتجيء في البيت، مكوسة القامة إلى الأرض… وكانت عملية المراقبة لا تبدأ إلا حين يخلو البيت من أهله…”( ).

وهكذا بات (ماجد) ينتظر الخلاص من اغترابه في وطنه “والسلوة الوحيدة عندي، الترقب الوحيد الذي كان يفري جلدي أحياناً”( ). غير أن الانتظار ذاته بات سبباً لمعاناة (ماجد)، فهو لا يعرف ما سيؤول إليه مصيره، وكيف سيكون مستقبله “عندئذ لا يسعني البيت الفارغ كله. تضيق بي الجدران كلها، تلتهم رئتاي هواء البيت كله”( ).

تلك كانت بداية الرحلة الاغترابية (غربة مكانية واغتراب نفسي) التي صار (ماجد) يعانيها على بُعد أقدام من منزله، إلا أنه محرم عليه الخروج ورؤية أهله وأحبائه، وحالما سنحت له الفرصة سافر إلى أوروبا، سافر إليها عام 1962، وهو مازال تلميذا يافعاً وعاش في غربته لخمسة أعوام ملأها بالدراسة، محارباً كل مشاعر الغربة والاغتراب والوحدة وفراق الوطن والأحبة، التي كانت تعتريه وتعيق استمراريته في تحقيق هدفه، وبعد كل تلك السنوات من الغربة والمعاناة يعود إلى الوطن ليبدأ غربة جديدة، منزل جديد وحي جديد، وتفكير ومشاعر صقلتها سنوات الغربة القاسية، فيجد بيتاً خالياً من ذكرياته التي التصقت بجدران البيت القديم الذي فارقه:

“وهكذا انقضت السنوات الخمس من قلق عاطفي مستديم… عدت فوجدت كل شيء مهيأ لي. لم أشترك في شيء مما وجدته حاضراً جاهزاً لإيوائي. البيت بغرفه الخمس لا يحمل رائحة أيامي الماضية، ولا ينطوي على واحدة من ذكرياتي. يخيل إلى أنني أعيش فيه مؤقتاً، ريثما أستأنف حياتي الخاصة بي، في ركنٍ لا أدري أين هو”( ).
عاد (ماجد) وحنينه يغلبه إلى ذكريات الطفولة ومواطنها، حنيناً يلهب عاطفته، فإذا بتغيير البيت يقضي على الشوق الممزوج باللهفة ويصدمه بواقع جديد فارغ يحتاج إلى ذكريات جديدة يرسمها على جدرانه:
“رموز طفولتي الماضية رأيتها منتشرة على بقعة أنظف وأوسع، مثل معروضات متبقية من متجر كان عامراً بالتحف والتذكارات”( ).
لم يدُر في خَلَد (ماجد) أن عودته التي كان يتلهف لها ستلقى مثل هذا الاغتراب القاسي حتى مع أفراد أسرته، الذين يتعاطون معه الود والحنان، لكنه يشعر باغتراب موحش تجاههم:
“أشعر بالخواء رغم كل مظاهر المحبة والعطف. يبدو أن العطش العاطفي القديم مازال يلازمني. لقد حملته معي في الغربة”( ).
إن الغربة المكانية التي عاناها (ماجد) ولدت اغتراباً نفسياً لديه حتى تجاه وطنه الذي ناضل لأجله في صباه، والذي صار الآن رغم كل الشوق والحنين له، أرضاً غريبة لا يألفها نظراً للتغييرات التي حصـلت في أرجــاء مدينته والتجديدات التي طرأت عليها، والتي لم تكن تروق لماجد:
“وأخشى أن يبادرني أحد بسؤال أو استفسار، فيظهر جهلي واغترابي عن المدينة”( ).

لقد عاد (ماجد) ليس لإكمال حياة قديمة تركها بصورة مؤقتة، وإنما عاد ليستأنف تلك الحياة التي أمضاها في غربته البعيدة فرغم كل سنوات الفراق، التي قضاها للحصول على شهادة البكالوريوس في الهندسة، عاد ليجد البطالة تحتضنه بيديها قاطعةً عليه دروب الحصول على وظيفة حَلم بالعمل فيها في وطنه، ليخدمه بها ويقدم له ما كرسه لسنين من طاقة وعطاء مكبوت لا يجد من يستحقه:
“لم يحدث شيء طيلة الأشهر الثلاثة التي قضيتها في بغداد. مازلت عاطلاً عن العمل، أتلمّس سبيلي عبر شوارع ودروب غريبة عليَّ أتعثّر في أرصفتها، فيظهر جهلي واغترابي عن المدينة”( ).
حاول (ماجد) التعايش مع المشكلة التي تعرضت لها أسرته، والمتمثلة بهروب زوجة أخيه الأصغر (فاضل)، رغم كل مظاهر الاغتراب التي تبعده عنهم، والتي يقف أمامها موقف المتفرج المستغرب من ردود أفعاله. لكنّه يتعاطف مع تلك (الكنّة) و يُقدّر سبب هروبها، ويبرر سوء فعلتها:
“كنت ألمح بعض الاستغراب من تصرفاتي وبرودي… كان يخيل إلي أنها تزداد حيرة من يوم إلى يوم، فلا تدري ماذا تفعل. إذا استقرت في حجرتها، صرخوا عليها: العروسة لا تريد أن ترى أحد، وكانت إذا صمتت، استغربوا، أين تاه فكرها؟، وإذا تكلمت قالوا: لا تتدخلي في كل شيء،… يبدو لي أن حسيبة مسكينة، غريبة ومغلوبة على أمرها… وكنت أعرف أن الطرق سيفل اللحيم”( ).
لقد أظهر ذلك (الحادث) مدى اغتراب (ماجد) عن أفراد أسرته، حتى بدا كأنه شخص غريب وضعه القدر بين هؤلاء الأشخاص جاعلاً منه الابن الأكبر:
“وأجد نفسي منبوذاً خارج عملية جرت في غيابي، وتكونت أصداؤها في نفوس لا تحمل ذلك الإحساس بالخسارة”( ).

ولا يجد متنفساً لاغترابه غير صفحات بيضاء يملؤها بكلمات تتصارع مع بعضها في ذهنه، معبراً عن وحدته وانعزاله عن المحيطين به:
“أظل وحيداً مخذولاً ليس لي منفذ غير هذه الأوراق أبثها انكساراتي المتكررة، وأقفز عبر السنين إلى مواقف غير مترابطة تسترجعها إلى الذاكرة، مشاعر بنت اللحظة وقصيرة الأجل تومض في النفس كالشرارة، ثم تتفتت تاركة في الفم يبوسه النضوب والفقدان”( ).

وبينما يسعى (ماجد) لاخفاء اغترابه، يكتشفها المحيطون به من أسرته ويجابهونه بصراحة شفافة مطالبينه بالتخلص من ذلك الشعور الاغترابي:
“جاءتني فضيلة بقدح الشاي قائلة:
– الذي لا ينزل إليك اصعد له.
– تسلم يداك، يا فضيلة، شكراً، ألف شكر.
– هذا الشكر ما راح يخلص. متى تشعر أنك في بيتك؟”( ).
حتى أخاه (فاضل) استنتج الشيء ذاته:
“انه يبدو غريباً بيننا. كلمة (الشكر) على لسانه”( ).

وخلال الرحلات اليومية التي كان يقوم بها (ماجــد) بحثاً عن عمل يناسب الشهادة التي جاء بها من اوروبا، إلتقى بشخصٍ ثوري يدعى (جليل) ما لبث أن صار أشبه بميناء ترسو فيه سـفـن الاغـتراب السـياسـي لماجـد خلال الحوارات الصريحة التي كانا يخوضـانها مع بعضهما:
“رأيت رئيس وزرائنا ينزل من سيارته السوداء، ويقف عند نقطة شرطي، وينظم حركة المرور، تماماً مثل أي شرطي محترف… لم تعوزه إلا الصفارة! أهذا معقول؟!”( )، كما تعرف على أصدقاء آخرين كانوا يتحلقون في قهوة تدعى (قهوة علوان) وهي مخصصة لأمثالهم، مثقفين عاطلين ومخبرين سريين.
ويتيه (ماجد) في اغترابه السياسي وإحباطه منه، فالوطن الذي ناضل من أجله يتنكر له ويرفض إعطائه فرصةً أو وظيفة، ويشعر بالهزيمة والضياع:
“كل شيء يتخلخل أمامي ويخرج شيئاً فشيئاً عن معقوليته. كل شيء يبدو غريباً لي، ومشوشاً ومخلوعاً من جذوره”( ).
ويواصل (ماجد) على مضض رحلة كفاحه من أجل البحث عن وظيفة مناسبة، محاولاً التأقلم مع بغداده الجديدة، وموغلاً في اغترابه الذي لا يفارقه:
“أعترف أن هذا الشعور يلازمني مثل ظلي”( ).

ومن جملة الشخصيات الرئيسية في الرواية، التي يمكن أن نلاحظ فيها معاناة الاغتراب، (شامل)، الابن الأصغر للحاج عبد الواحد. شاب طموح ومثقف. وهو تلميذ في (معهد الفنون الجميلة)، الذي التحق به برغبة وقناعة أكيدة، رغم عدم اقتناع والده بالأمر. يعيش في بيت مليء بأفراد يكنون له الحب والاحترام إلا أنه لا يأبه بذلك بل يعيش أيام حياته على هواه مبدأه في الحياة غريب كغرابة أطواره:
“شامل: (يهز رأسه بثقة) المعادلات الإنسانية لا وجود لها.
حسن: ماذا يوجد، إذن؟
شامل: يوجد واقع لا يخضع لقوانين. …
إذا دخلتم في معادلات فلن تجدوا غير شخصيات محنطة”( ).

يعيش (شامل) حياته وفق مبادئ فاشلة من وصولية وأنانية ولامبالاة، وهو في حالة انفصام عن بقية أفراد الأسرة وشؤونهم إذ لم يكن مقتنعاً بزواج أخيه (فاضل)، وكان يمقت زوجة الأخ المغبونة ولم يكترث لهروبها، وكأنها شخصية غير موجودة في كتابه:
“- لم أستبشر منها خيراً.
– كأنها صفقة عائلية.
– هو الذي قرر، وهو الذي سيتحمل التبعة.
– ولكننا يجب أن نساعده.
– لا أجد في نفسي الرغبة. … لا حاجة إلى أن تتحدث معي في هذا الموضوع. وعاد إلى افطاره مستقلاً خامد العاطفة”( ).

إن نأي (شامل) نفسه عن بقية أفراد الأسرة، والفتور العاطفي الذي يغلّف علاقاته معهم، خلق له عالماً اغترابياً يعزله عن الآخرين، وبالأخص والده (الحاج عبدالواحد)، الذي تصدى له بالرفض حين أبدى (شامل) له رغبته في دخول (المعهد) ساخراً منه وذلك ما سبب فتور مشاعره تجاهه:
“أدركتني الثورة، وأنا ابن الخامسة عشر، وزينت صباي بأحلام غامضة. وعندما دخلت الفنون صرخ أبي في وجهي: تريد أن تصبح ممثلاً؟ يعني (شعارا) جعفر لقلق زاده؟”( ).
ورغم ذلك الرفض دخل شامل (المعهد) وحقق رغبته، إلا أن ذلك الموقف أحبطه تجاه مشاريعٍ لم يقدم عليها بعد:
“سأقول لك مرةً أخرى ليتك كنت صادقاً، ليتك تعرف معنى الإحباط معنى تحطيم المشاريع”( ).
كان يقارن إحباطه بإحباط أخيه (ماجد) الذي تشبع بذلك الشعور:
“… قل لي، يا ماجد: هل كنتم، في زمانكم، تعرفون كلمة (إحباط)؟
ماجد: كنا نعرفها ونستقبحها.
شامل: أما نحن فنعيشها صباح مساء”( ).

إن الاغتراب الذي عانى منه (شامل) جعله يعاني سوداوية مكبوتة لا يعبر عنها إلا في حالات معينة، لكنها انعكست على سلوكه، فقد صاحب فتاة زميلة له تدعى (سناء) والتي تعلقت به، وبعد مدة تركها فجأة ليصاحب أخرى لربما تكون ضماناً لمستقبل مهني يصعب تحديده، غير حافل بتلك التي خلّفها ورائه مقتنعاً بشيءٍ واحد:
“لا قيمة للحب والوفاء والأشياء الأخرى إذا كنت أنت بلا قيمة، وبلا قدرة على التأثير في الآخرين”( ).
لعل المساحة التي احتلها (ماجد) الابن الأكبر لدى والديه شكّلت دافعاً لاغتراب الابن الأصغر، الذي كان يرى بأن الاهتمام متركز على ماجد دون غيره، وذلك ما جعله يحكم على مصير عائلته بالتمزق والتفكك الأسري: “عائلة خلقت لتكون ممزقة”( ).

ويلجأ إلى أصدقاء (المعهد) مقنعاً إياهم بكتابة (مسرحية) والتي هي قصة حياة أسرته بكل سلبياتها وفجواتها، وموزعاً شخصياتها على زملائه بأدوار اقتنع بما يلائم كلاً منها، وجعل من حياته الأسرية (دراما) مأساوية، معبراً من خلالها عن اغترابه وحالته بين تلك الأسرة:
“ونشأ الصغير غريباً على أهله، مصاباً بالقهر والإحباط، لا يشعر إلا بضغوطاتهم المهينة، ولا يتحمل ضعفهم وهزال حياتهم”( ).
لقد وظف (شامل) مشاعر الإحباط والمرارة والاغتراب والضعف التي كانت تتراكم في نفسه الهشة في عملٍ فني روائي جعل منه تجربة للأحداث ليرى ما ستؤول إليه الأمور، وليكون متحكماً بمصائر شخصياتها ولو قليلاً، إلا أن زملاءه في المعهد يكتشفون حيلة الرواية، وكونها تمثل قصة حياته مع أسرته فيظلون في تردد وحيرة من تمثيلها أو عدمه مع محاولة تجريدها من بعض الانتقاصات التي تدور حول تلك الأسرة.
ومن بين أفراد أسرة (الحاج عبدالواحد) أيضاً (فضيلة)، البنت الوحيدة، إلى جانب ثلاثة أولاد. فتاة أمية، التحقت بعالم العنوسة المبكرة، قابعة في البيت تدير شؤونه، من تنظيف، وتلبية احتياجات أصحابه، وتحضير الطعام، والتأكد من أن كل فرد قد تناول طعامه، كانت حريصة على مشاعر أفراد أسرتها تعتني بهم بكل تفان ومحبة:
“تهب في الصباح قبل الجميع يخامرها احساس دائم بأنها تأخرت في نومها تهب كالمذعورة تخشى أن يخرج أبوها أو فاضل بدون فطور، تخرج من غرفتها إلى المطبخ، وتشعل الطباخ وتضع أبريق الشاي عليه. ثم تذهب لتهيئ نفسها قليلاً، وتدخل المطبخ ولا تخرج منه إلا بعد أن يتناول الجميع فطورهم. وكانت تجد لذةً في ذلك وتفرح بكلمة شكر صغيرة وفي الضحى تذهب للسوق، ثم تبدأ بالتهيئة للغداء، وهكذا دواليك فلا تبارح المطبخ إلا في ساعة متأخرة من المساء”( ).
لم تكن لفضيلة أية طموحات أو أحلام، فهي فتاة بسيطة في كل شيء حتى في متطلبات الحياة ومباهجها، وما من شيء يزيل عنها ملل الحياة اليومية سوى التلفاز تتابعه فيبهجها قليلاً ويأخذها إلى عالم غير عالمها:
“وكان التلفزيون سلوتها الوحيدة، الوسيلة المعترف بها لتقلها إلى العالم الخارجي. وحتى هذا سكت. وكلكلت على البيت غيمة سوداء خانقة”( ).
كانت (فضيلة) شأنها شأن إخوتها، تتميز بالحنين إلى الماضي، وتهرب من واقعها الحالي وحاضرها الكئيب إلى ذلك الزمن المطرز بأحلام الصبا: “ومرت في مخيلتها صور من حبها القديم، أيام كانت تبدو وكأن الزقاق كله يلهج باسمها… والآن تبدو كالمحاصرة، منبوذة، لا أحد يعرف من هي. وماذا تحمل على أكتافها”( ).

تستمر (فضيلة) في عطائها، فهذا تحضر له قدح شاي، والآخر تحضر له الفطور، والثالث تنتظر عودته لتحضر له العشاء وتطمئن عليه وتخفف عنه معاناته، وتسارع لفتح الباب لوالدها عندما يعود من عمله وتساعده في حمل ما جلبه من أكياس وحاجات لعالمها الصغير (المطبخ). والمقابل، جراء ذلك كله، عدم إكتراث. فلا أحد يجالسها ليسألها عن همومها، عن رغباتها، وانما تنزوي وحيدة مخذولة في مطبخها محاطة بآثاثه الذي تكاد قطعه أن تشفق عليها، والملل يتسلل إليها حتى يكاد يخنق أنفاسها:
“زفرت فضيلة، وأمسكت بالسكين الموضوع على الطاولة بحركة عصبية، ثم ألقته بذعر مفاجئ. نهضت، لا تعرف ماذا تفعل. عادت فقربت المقعد من النافذة، وأطفأت المصباح، وعاودت لعبتها العابثة: الإطلال على الشارع الليلي … سورة من النقمة غير الارادية جعلتها تزهد في كل شيء. هبطت من المقعد، وأغلقت الشباك في وجه رائحة القداح، وأدارت زر المصباح، وجلست جلستها الأولى تنتظر”( ).
فضيلة فتاة مسالمة، لا تشارك في حياكة أي مؤامرات أو مشاحنات نكدة، بل تكتفي بالمشاهدة. ولا تجاري تطور الأحداث، حتى في مشكلة هروب زوجة أخيها (حسيبة) التي لم تتصادم معها في موقف معادي، بل تعاملت معها كفرد من أفراد أسرتها، لكنها جوبهت بظلم وغبن لا إرادي من أخيها (فاضل) الزوج المحطم الفؤاد، إلا أنها لا تلبث أن تلتمس له الأعذار، فما حلّ به جعله يتوجس من الجميع:
“- فضيلة أنت لا تعرفين ما الحب. ألا يضجرك أن تكوني دائماً وحدك؟
صمتت فضيلة. وراحت تعد العشاء، وحركاتها الحادة تعبر عما في قلبها ثم قالت بإبهام:
– وماذا بيدي؟…
– كان في وسعك أن تفعلي الشيء الكثير.
– ماذا أفعل؟ أقف في الشارع.
– كان عليك أن تقفي إلى جانبها. إنها شابة مثلك.
انفجرت فضيلة باكية بكاء خافتاً مخنوقاً، لأنها شعرت بظلم شديد.
قالت بصوت مخنوق مخافة أن يسمعها والداها:
– ماذا فعلت لها؟ كنت وما أزال أحمل شغل البيت كله على رأسي. ولا أدعها تعمل. ماذا تريدني أن أفعل لها؟”( ).

وأما (حسيبة) الفتاة الشابة والزوجة الهاربة من اضطهاد العائلة، زوجة (فاضل) الابن الأوسط للحاج عبدالواحد، فتاة يتيمة وحيدة بلا أهل وبلا أقارب، شاءت الصدف أن تلتقي بـ(فاضل) في أحد الأعراس، ليختارها شريكة حياته. وقد وجدت فيه ما كانت تفتقده في حياتها؛ زوج وسند وعون، وأسرة تبدو حميمة الطابع زُرعت في وسطها كزهرة غرست في غير موسمها. وقد حاولت جاهدة التأقلم مع أفرادها ومسايرة طباعهم، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل، نظراً لعدم إقتناع الوالدين بها زوجة لابنهما، وصارا يتعاملان مع إقحامها على الأسرة وكأنه قرار محتوم مجبرين على تنفيذه، وفيما كان الابن الأكبر مقتنعاً متفقاً مع رغبة أخيه، وكذلك الأخت الوحيدة (فضيلة)، فان الابن الأصغر (شامل) إنحاز إلى صف والديه المعارضين والمجبرين على تقبل ذلك الواقع.
وما لبثت الانتقادات والمناكدات والمشاحنات، التي جوبهت بها (حسيبة) من الصف المعارض، ان تزايدت، بعد أنْ أطلت برأسها مشكلة أخرى، تمثلت في عدم إنجابها، فاحتمال العقم حكم على علاقتها بحمويها بعدم التواصل، فزادت الضغوط عليها وفاقت قدرة إحتمالها، رغم استسلام الزوج لذلك المصير الذي حرمه من الأبوة. ولقد حارت في إيجاد حل لمشكلتها التي تتفاقم يوماً بعد يوم، وفي آخر المطاف أوحى لها عقلها بان خلاصها لا يكون إلا بالهروب. فتترك البيت وتخلف ورائها أسرة تعاني من عار هروبها، وزوجاً محطم الفؤاد يلتمس رجوعها في كل لحظة.

وتلجأ إلى امرأة عجوز عمياء، تسكن في دار صغيرة، مشطورة عن دار أخرى، وتضطر إلى العمل في غسل الملابس في بعض البيوت لكسب قوت يومها، وحين تعثر عليها (نعيمة)، المكلفة من قِبل (الحاج عبدالواحد) بالبحث عنها، توهمها بأن أسرتها يسعون إلى قتلها على فعلتها المشينة، قاصدة من وراء ذلك الايهام تحقيق أغراض شخصية تعنيها، في حين كانت الأسرة تتمنى عودتها قبل أن ينكشف أمر هروبها للناس، نادمةً على كل أفعالها، وتعمد (نعيمة) على اجبار (حسيبة) على ملازمة البيت وعدم مبارحته، مقنعة إياها بأنها ستتكفل بجلب كل ما تحتاجه إليها في البيت.
ولكن بعد أن يفشل مخطط (نعيمة) لإسترجاع حبها القديم (الحاج عبدالواحد) تضطر إلى إخباره بمكان إختفاء (حسيبة)، وهكذا ينكشف مكان الإختباء، ويذهب (الحاج عبدالواحد) لإرجاع (الكنّة) الفارة: “كان البيت يبدو كالمهجور، جدرانه باردة موحشة، وصمته مريب، وفرشة تخوته متسخة…”( ).
كان ذلك البيت هو بيت مشبوه لجأت (حسيبة) إليه في نهاية مطافها للإختباء. وبعد توسلات والتماسات لإقناعها بالعودة، والتغاضي عن كل ما فات، باتت (حسيبة) مترددة خائفة من مصير لم تتوقعه. فهل تعود لعذابها ومعاناتها واضطهادها بقدميها، أم ترفض وتعيش متسولة من بيوت الآخرين، وتكد وتتهالك من أجل الحصول على لقمة عيش تكفي يومها؟

لاشك في ان (حسيبة) تعد بمثابة قطب الرحى بالنسبة للرواية، بمعاناتها، وهروبها، والتماسها الملاذ الآمن في أحياء بغداد القديمة، وربطها بذلك بين القديم والحديث، وهي في سلوكها مثال مجسم للحنين إلى الماضي. وان (حادث) هروبها يكاد أن يكون مفتاح الباب المفضي إلى عوالم أفراد أسرتها، أو بالأحرى أسرة زوجها. فهروبها، والأزمة التي أحدثها عدم رجوعها، فتح أبواب اغتراب، وذكريات، وحنين، ومعاناة مخفية كانت قابعة في أعماق أفراد أسرة (الحاج عبدالواحد)، تكفل (الحادث) بتحريكها واظهارها على سطح وعي كل فرد منهم.
وعلى غرار رواياته السابقة، جعل (غائب) هذه الرواية تنتهي نهايةً غير محددة، فلم يظهر ما إذا كانت (حسيبة) قد عادت أو لم تعد. وعلى الرغم من ان (الحاج عبدالواحد) قد عثر على (كنته) وأقنعها بالعودة، وبدء حياة جديدة، إلا انه لم يتخلص نهائياً من تداعيات ما سببته، كما ان شعوره بالغربة في بيته الجديد وحنينه للقديم استمر، و(فاضل) يبقى مصاحباً الخمرة مع صديقه (عباس) هرباً من معاناته، و(ماجد) يستمر في رحلة البحث عن وظيفة مع زملائه، منجرفاً مع دوامة اغترابه الذي لا يفارقه، والذي صار جزءاً من شخصيته، و(فضيلة) الأخت الودودة، والتي تبقى المُسكّن لأوجاع الآخرين، تخفف عنهم بمواساة واهتمام متفانٍ لا ينقطع. أما (شامل) فيجد وسيلة للتعبير عن اغترابه في عمل فني مسرحي، فيجعل من أسرته موضوع تلك المسرحية، معبراً عن طابع حياتهم بسخرية وهزل وعدم اكتراث، أما الوالدة فتتخذ من الجلوس والانتظار حلاً، تاركة للزمن مهمة حل المشاكل التي يتعرض لها أولادها.

هوامش

( ) غائب طعمة فرمان: ظلال على النافذة، دار الآداب، بيروت، 1979.
( ) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189 – 1987، ص116، (وقد أعيد نشره في كتاب النعمان، ص440).
( ) غائب طعمة فرمان، رواية ظلال على النافذة، ص6.
( ) غائب طعمة فرمان؛ رواية ظلال على النافذة، ص9 – 10.
( ) ظلال على النافذة، ص17.
( ) ظلال على النافذة، ص9.
( ) ظلال على النافذة، ص9.
( ) ظلال على النافذة، ص20.
( ) ظلال على النافذة، ص79 – 80.
( ) ظلال على النافذة، ص12.
( ) ظلال على النافذة، ص21.
( ) ظلال على النافذة، ص83.
( ) ظلال على النافذة، ص23.
( ) ظلال على النافذة، ص47.
( ) ظلال على النافذة، ص50.
( ) ظلال على النافذة، ص100.
( ) ظلال على النافذة، ص25.
( ) ظلال على النافذة، ص53.
( ) ظلال على النافذة، ص49.

( ) ظلال على النافذة، ص53.
( ) ظلال على النافذة، ص163.
( ) ظلال على النافذة، ص189.
( ) ظلال على النافذة، 183.
( ) ظلال على النافذة، 185.
( ) ظلال على النافذة، ص39.
( ) ظلال على النافذة، ص37.
( ) ظلال على النافذة، ص37.
( ) ظلال على النافذة، ص36.
( ) ظلال على النافذة، ص36.
( ) ظلال على النافذة، ص40.
( ) ظلال على النافذة، ص188.
( ) ظلال على النافذة، ص188-189.
( ) ظلال على النافذة، ص103.
( ) ظلال على النافذة، 94.
( ) ظلال على النافذة، ص198.
( ) ظلال على النافذة، ص198.
( ) ظلال على النافذة، ص103.
( ) ظلال على النافذة، ص60.
( ) ظلال على النافذة، 42.
( ) ظلال على النافذة، ص291.
( ) ظلال على النافذة، ص291.
( ) ظلال على النافذة، ص292.
( ) ظلال على النافذة، ص293.
( ) ظلال على النافذة، ص133.
( ) ظلال على النافذة، ص68.
( ) ظلال على النافذة، ص97.
( ) ظلال على النافذة، ص97.
( ) ظلال على النافذة، ص98.
( ) ظلال على النافذة، ص97 – 98.
( ) ظلال على النافذة، ص99-100.
( ) ظلال على النافذة، ص253.

شاهد أيضاً

الشاعر كاظم الحجاج يتألق مرة اخرى
بقلم عبد الهادى الزعر (ملف/22)

إشارة : تحية مخلصة من أسرة موقع الناقد العراقي للإبداع الأصيل والحداثة الملتصقة بالتراب العراقي …

نجاح الجبيلي: العقرب (ملف/45)

إشارة: جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل …

سلام إبراهيم ..العزلة ـ الآيروتيك- وغاز الخردل..جزءٌ ثانٍ
هاتف بشبوش/شاعر وناقد عراقي  (ملف/132)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *