ناظم السعود : محمود البريكان: العزلة ..النحر.. الريادة!! (ملف/9)

إشارة :
رحل الشاعر الكبير الرائد المُجدّد “محمود البريكان” بطريقة مأساوية وطُويت صفحته كالعادة فلم نشهد خلال السنوات الأخيرة بحثا تحليليا حازما ومخلصا ومستمرا في تراثه الشعري الباهر المميز الذي شكّل علامة فارقة في مسار الشعر العراقي والعربي. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبة النقّاد والشعراء والقرّاء إلى إثرائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية على عادة الموقع.

محمود البريكان: العزلة ..النحر.. الريادة!!
ناظم السعود
يرتبط شهر آذار في أذهان ملايين الناس – ومنذ مئات السنين – بالربيع وتجدّد دورة الحياة ولكنه منذ ست سنوات فقط ارتبط في أذهان أدباء العراق بواقعة مفجعة وداميه ألا وهي اغتيال الشاعر الرائد محمود البريكان في داره المنزوية في زقاق بصري هادئ( ولكنه لم يعد كذلك منذ تلطخت جدرانه بدم الشاعر)

فمنذ الأول من آذار 2002 لم يكن هناك من حديث في الوسط الثقافي العراقي و حتى غير العراقي يفوق حجما و أثرا و فجيعة من حديث الشاعر العراقي محمود البريكان و نهايته المأساوية على أيدي آثمة نقولها للأسف إنها بصرية أيضا ( بل عائلية) او هذا ما ظهر حتى ألان ! .

* *

في ذلك الصباح الآذاري من عام 2002 استيقظ الأدباء و المثقفون على خبر فاجع يقول أن البريكان وجد صريعا بسبع عشرة طعنة في بيته المنعزل ولم يترك القتلة فرصة لهذا الشيخ السبعيني الذي عاش في عزلة لأكثر من نصف قرن تاركا خلف بابه ألوان الحياة و الشعر و الأحبة فكانت فرصة لأسياد الظلام و المكتظين بشهوة القتل والطمع المادي ان يمارسوا سادياتهم ورغائب الإقصاء و تقنيات العدم إزاء كائن شعري ظل لصيقا بالعزلة و الوحدة و الهدنة الطويلة مع الحياة .. وقد ضج العراق يومها بتساؤلات صامتة مثل من قتل البريكان ؟ ومن كان المحرض او الدافع على اغتياله بهذه الوحشية و هو الإنسان المسالم الذي كان بريئا حتى من نفثات الريح و أزيز الشهوات ؟ و هذه الأسئلة وسواها الكثير ظلت طي الصدور بسبب الجو الخانق الذي ضلل الجميع بدخان الصمت و اللاابالية .

و كنا يومها نعمل في صحيفة (الزمن) و عرفنا من خلال اتصالاتنا الشخصية ان حقيقة القتل و القائمين به ستبقى بعيدة عن الظهور لأسباب لا تخفى على احد تتصل بأسرة الراحل تحديدا والجهات الساندة لها و إن ما نشر في الصحف من أسماء و وقائع لا تمت إلى الحقيقة بصلة فكان علينا ان نبحث عنها , وقررت رئاسة التحرير ان ترسل الزميل وجيه عباس الى موقع الجريمة في مدينة البصرة و قد تصدى الزميل وجيه بشجاعة مشهود له بها لتنفيذ هذه المهمة مع خطورتها و تراكماتها الأمنية و الثقافية و حتى العائلية .

و بعد يومين كاملين عاد الزميل وجيه عباس من البصرة بعد ان اطّلع ميدانيا على الحقائق الغائبة او المغيبة لظروف جريمة اغتيال محمود البريكان و نشر تقريرا مطولا أوضح فيه بالإشارة و التلميح الى الأيدي التي ساعدت او دفعت بهذا الاغتيال البشع الذي لم يشهد له تاريخ الأدب العراقي من قبل ذلك ان البريكان كان أول أديب يقتل بصورة علنية و خارج غطاء الجيش و زنازين الموت!.

و الغريب ان موضوع الزميل وجيه نشر دون ان يحرك ساكنا في دوائر الداخلية و العدل او محافظة البصرة التي اكتفت بالصمت المريب و هو نفس حال أدباء البصرة الذين سكتوا في حينها عن بشاعة الحادث او الواقفين خلفه فكانوا بمواقفهم هذه أشبه بشهود ضللوا العدالة و الحقيقة و هذا ما لن يغفره لهم التاريخ , و قمت انأ بعد ذلك بإثارة الموضوع بأكثر من مكان و لكن الحقيقة ظلت نائمة و قد تناسى الجميع ان دم البريكان سيظل يطاردنا ما شاء لنا العمر ان نستكين للصمت و اللاابالية و العقوق .

وقد مرت قبل أيام الذكرى السادسة لنحر جسد الشاعر البريكان و ما زلنا نواجه بالصمت و الخذلان و كأن هناك من يريد أن تطمر الحقيقة في قبر الشاعر الراحل , لكننا نجهر بالسؤال من هذا المنبر الحر:هل ان دم البريكان ضاع إلى الأبد ؟!

* *

وطوال السنوات الست كان البريكان حديث المجالس الأدبية و لا سيما بعد رحيله الدموي الذي لا يتناسب إطلاقا مع سيرته و مسالمته و وداعته التي أبعدته مضطرا او مكرها عن الأضواء و المجتمعات و اللقاءات حتى لاحقته الشكوك و التساؤلات حول أسباب هذه ( العزلة ) التي استمرت لأكثر من نصف قرن تغيرت من خلاله جغرافية العالم وموازينه و تاريخه و لم تتغير عزلة محمود البريكان !

لأجل هذا فانا استغرب مثلا أن يقال ان البريكان قد رحل في ذلك الصباح الاذاري دعك ألان من فهم كيفية الرحيل و دوافعه فالذي أعيه ان البريكان وهو اللغز الأول في الشعر العراقي الحديث بلا منافس قد أعلن عن رحيله الأول منذ ان حكم على نفسه بالانقطاع التام عن حياته الأدبية و حتى غير الأدبية قبل رحيله الجسدي بأكثر من نصف قرن … و انطفأ و استعر خلالها الحديث و الجدل حول ( عزلة ) البريكان من دون نتيجة تذكر لان الراحل كان يرفض بشدة الدخول في الجدل الدائر حوله بل كان يبتعد عن الإدلاء بأية أحاديث أدبية أو صحفية او المشاركة في المهرجانات و الأمسيات الخاصة و العامة مما ولّد طلاسم متراكمة حول سيرته و شعره حتى جاء نبا ( قتله ) في 1/3/2002 ليضيف طلاسم جديدة حول هذا الشاعر الرائد لن يحل بسهولة

و لمن لا يعرف البريكان لا سيما من أجيال ملحمة ( أمك على ألبير !) نقول انه من الرعيل الأول لحركة الشعر العربي الحديث و من ابرز أصوات القصيدة الجديدة بل كان أستاذا لرائدها الأول بدر شاكر السياب الذي كان يشيد بشاعرية البريكان و إمكانياته أربعينيات القرن الماضي و لكن عزوفه العجيب عن نشر ما يكتبه مع ان منجزه كبير هو ما جعل عدة دارسين و مؤرخين يغفلون عن ذكره في ريادة الشعر الحديث إلى جنب زملائه : السياب و ألبياتي و الملائكة .

نعم لم يرحل البريكان قبل ست سنوات بل انه تغصّص مرارة الرحيل المتكرر منذ عشرات السنين حين استكان الى عزلة أبدية ووحدة غير مسوغة و رفض دائم للحياة بكل صورها و هذا ما جعله لدى محبيه و مريديه راحلا قبل الأوان بكثير ! . و الحق إننا لا نستطيع ألان في الأقل ان نحيل سبب عزلة البريكان الى موانع ذاتية تخصه هو ذلك ان هناك أسبابا موضوعية كثيرة تقف خلف هذه العزلة التي لم يشهد مثلها أي شاعر عربي آخر و لي هنا ان اطرح أسئلة ثقافية قد تفسر ما حصل للبريكان او سواه : كيف احتفى المحيط الثقافي العراقي بهذا الشاعر الرائد ؟ كم ندوة او احتفالية أقامتها مؤسساتنا الثقافية الغافية عن الشاعر و دوره التجديدي ؟ ما هي الكتب التي تناولت شعر و سيرة البريكان ؟ ( لا توجد باستثناء جهد الشاعر عبد الرحمن طهمازي و الناقد رياض عبد الواحد ).. هل تم إطلاق اسمه على احد شوارع ( العشار ) التي شهدته شاعرا و قتيلا ؟ ! هل أنشئت جائزة باسمه و لا سيما للشعراء الشباب؟ أظن ان هذه الأسئلة و غيرها كثير نكاد نطرحها مع كل مبدع عراقي يعاني من التجهيل و التهميش و الإلغاء و هو لما يزل على ذمة الحياة اما بعد ذلك حين يأتي خبر ( الرحيل الرسمي ) فيحدث الاهتمام بـ ( الراحل ) و تسوّد الصفحات ثم ينتهي كل شيء و يعود الراحل كأنه ( ما كان ) !

وقد تابعت بأسف شديد ما نشرته صحفنا و مجلاتنا بعد ذيوع خبر فجيعة البريكان و كيف ان الصحف مثلا اكتفت بنشر ( النعي ) الذي عممه اتحاد الأدباء لينشر في أسفل صفحات الأخبار و المحليات و لم يكن أكثر من بضعة سطور عن ( الحادث المؤسف ! ) أما بقية ( القنوات ) فلا زالت مشغولة بخلافات نوال ألزغبي و ديانا حداد و الخوف من تدخل القطب الأوحد بينهما ! .

و الآن هل لازلنا نتساءل : لماذا مات البريكان … من زمان ؟ !

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

الحياة لحظة*
رواية سلام إبراهيم الرواية الوثيقة
كاظم الزيدي* (ملف/148)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *